أبحاث

توسط الحكم الفقهي واستثمار أدلته المتعارضة

Intermediate Jurisprudential Rulings: Investing Conflicting Evidence in Islamic Jurisprudence

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آل بيته الطاهرين، وصحابته أجمعين.

أما بعد؛ فإن علماءنا المتقدمين قد تركوا لنا ثروة فقهية نفيسة، هي نتاج جهودهم الفكرية الممتدة إلى قرون مضت، وقد عبَّد هذا التراث الفقهي الطريقَ للمشتغلين بعلوم الشرع الشريف – وبخاصة الفقهاء- للاجتهاد في مستجِدات عصرهم ونوازله. ومازال أهل العلم ينهلون منه، ويستخرجون قواعده التي بُنِيَ عليها، ويقفون على مدارك الأحكام وحكمتها، وموجهات الفتاوي وضوابطها. فكثرت كتب الأصول والقواعد، والأشباه والنظائر، والفروق، والنظريات الفقهية…

ويعد موضوع “توسط الأحكام واستثمار أدلتها المتعارضة” صورة من صور الاجتهاد واستثمار الخلاف ومراعاته؛ إذ إنه يقوم على الجمع والتوفيق بين الأصول والأدلة من غير إهمال أو طرح لأي منها. والقاعدة أنه “إذا تعارض دليلان فالعمل بهما، ولو من وجه، أولى من إسقاط أحدهما بالكلية؛ لأن الأصل في كل واحد منهما هو الإعمال”([1]).

وثمة أسئلة يجيب عنها هذا البحث: هل تعد تلك القاعدة (أو النظرية) من أصول المذاهب الفقهية؟ وما أدلتهم في تأصيلها؟ وما الحكمة من وجودها؟ وما أثر ذلك على الفروع الفقهية؟

ومنهجي في هذا البحث:

– الاكتفاء بكتب المذاهب الأربعة، أئمتِنا أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ لما فيها من الانضباط والتحرير والتقعيد، وإلحاق النظير بمثله والشبيه بأخيه.

– لا ترجيحَ مذهب على آخر إلا قليلاً؛ لأن هذا البحث مبني على استثمار الخلاف ومراعاته.

– إذا أردتُ أن أصور مسألة ووجدت من كلام أهل العلم ما يغني؛ فإني أورد كلامه معزوا إليه.

– ولم أترجم للأعلام المشهورين الذين يكثر ترداد أسمائهم في كتب المتأخرين، كالجويني والنووي وابن تيمية، وترجمت لغيرهم كابن ملا فروخ والسمهودي والزناتي… إلخ.

وبعد جمع المسائل والفروع والقواعد والأصول انتظم البحث في فصلين:

  • الفصل الأول: مفهوم المصطلح وتأصيله.
  • الفصل الثاني: آثار توسط الأحكام في الفروع الفقهية.
  • ثم الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

* * *

الفصل الأول

مفهوم المصطلح وتأصيله

لقد أدرك أهل العلم أهمية “توسط الأحكام” وبنوا عليه الكثير من الفروع، مصرحين بدقةِ مأخذه، ومراعاة الشرع له، وتنوعت عباراتهم في بيانه، فهو “تبعيض الأحكام وتفريقها”، و”تنازع الشبهين”، و”العمل بالضدين”، و”الحكم بين حكمين”… إلخ.

يقول ابن القيم: “وهذا باب من دقيق العلم وسره لا يلحظه إلا الأئمة المطلعون على …..

 

 

————————————————————————————————————————-

([1]) التمهيد للإسنوي (506).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر