كلمة التحرير

مداخل توسيع دلالات النصوص الشرعية

العدد 188 / 189

إن توسيع دلالات النص الشرعي لتفعيل طاقاته في النوازل الجديدة، يستدعي بحثًا متأنيًا. وهذه مجرد إطلالة أولية للموضوع تم تقسيمها إلى ثلاث مباحث:

المبحث الأول: منهجية التعامل مع النص الشرعي.

المبحث الثاني: الثابت والمتغير – المفهوم والمجال.

المبحث الثالث: آلية التوصيف الفقهي.

* * *

المبحث الأول

منهجية التعامل مع النص الشرعي

أولًا: النص وقراءاته

قراءة النص الشرعي – أصوليًا وفقهيا – يحكمها اتجاهان رئيسيان:

الأول: هي القراءة المفتوحة للنص التي تتفاعل مع أبعاده الاجتماعية والفكرية والسياسية – أي مع مصالح العباد- ويصبح النص فيها خطابًا للجماعة قبل أن يكون رسالة للفرد.

الثانى: القراءة المغلقة للنص التي تحبسه داخل معجمه اللغوى – زمانًا ومكانًا – وتفضى به إلى عزلة تقضى على إمكاناته التي تستوعب الزمان والمكان والإنسان، وتتحكم فيه ظاهرة يغيب عنها امتداد المعنى، وتوجهات السياق، ودلالات روح التشريع. وتصبح الشريعة تحت وطأة هذه القراءة علاقة فردية وكأن الفرد هو الهدف والغاية من وراء الرسالات.

وكما يرى الإمام عبد القاهر الجرجاني في (دلائل الإعجاز): «فإن تهاون المرء في معرفة مقاصد الخطاب البليغ، لا سيما في كتاب الله الكريم، خيانة منه لعقله ودينه، وتعريض نفسه لكل لسان قادح ومعيب، وكان أغلب كلامه في التفسير والتأويل كلام مَن لا يبني الشيء على أصله، ولا يأخذه من مآخذه».

وامتداد المعنى لا يعني الخروج في فهم الشريعة عن لسان العرب – كما يقول سليمان حمودة – فلا بد لمن أراد فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في اللسان عُرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثمَّ عُرف، فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه.

وحقيقة الأمر أن إعادة النظر في منهج الاجتهاد الفقهي نعرف منها – وكما يقول العلامة محمد مهدي شمس الدين – أن الفقهاء جميعًا يقرون بأن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وهذا ما عبَّر عنه «الجويني» و«الغزالي» و«الشاطبي» بتفصيل وتفعيل، وعبَّر عنه فقهاء الشيعة الإمامية بصيغة تبعية للمصالح والمفاسد الذاتيين العقليين. وينبغي أن تُفهم المصالح والمفاسد باعتبار ما يتعلق بحياة الإنسان والمجتمع، وليس فقط بالمصير الأخروي للفرد.

إذن الخلل الأساسى – كما يقول العلامة مهدي شمس الدين- في عملية الاستنباط هو الخلل المنهجي الذي اعتبر الشريعة شريعة أفراد، واعتبر الدين دين أفراد وليس دين جماعة. ومن أثار ذلك أننا لا نلاحظ فى مجال الاجتماع ما نسميه قضايا الوحدة الإسلامية، أو قضايا المجتمع. كما لا نلاحظ فى مجالات الطبيعة ما نسميه فقه البيئة أو فقه الطبيعة. كما نلاحظ عدم اعتبار البُعد التشريعى فى آيات التفكير والتدبر والتأمل فى خلق الله، بينما هي في نظرنا المكونات الأساسية لمنهج الاجتهاد، حيث إنها توجه فكر الفقيه نحو الواقع، ونحو الاجتماع الإنساني، حيث يبنى فقهه للشريعة على ذلك، ومن ثم يبني استنباطه لأحكامها كذلك.

إن هذه الثغرات في المنهج أدت إلى تكوين الفكر الفقهى بمعزل عن مشاكل المجتمع وقضاياه. وقد عانينا من فقدانها فى تربيتنا الفقهية، وعانى منها الفقه الإسلامي الحديث من حيث إن هذا الفقة بُني على التجريد النظري وافتقد رؤية الواقع الموضوعي، وهو الواقع الراسخ المتفاعل أو الثابت، أعني الطبيعة في ثوابتها ومتغيراتها، والاجتماع الإنساني في ثوابته ومتغيراته التي هي موضوع دائم للمعرفة النامية والمتجددة.

إذن يعاني منهج الاستنباط من عدة اختلالات لعل أهمها:

1 – النظرية الفردية التجزيئية.

2- اعتبار الخطابات للأفراد وآحاد المكلفين، والغفلة عن خطابات الأمة والجماعة.

3- اعتبار الشريعة مشروعًا أخرويًا فقط.

4- الانقطاع عن الواقع الموضوعي المتغير وعدم التفاعل مع الطبيعة.

5- عدم ملاحظة مقاصد الشريعة في كثير من مجالات الفقه.

6- الاعتداد بالقواعد الخاصة أو المنصوصة وإغفال القواعد العامة في مجال التشريع.

7- الاعتماد على الفكرة المجردة والانسلاخ عن التجربة المحددة بما يقطع الصلة بين الأصل والفرع، وبين النص والفعل؛ لأن منهج الاستنباط لا يرتكز على دراسة النص فقط، بل يرتكز أيضًا على رؤية الواقع وتدبره، هذا التدبر ليس لمجرد المعرفة العلمية والرؤية البصرية؛ بل هو وعي العلاقة بين الواقع والنص.

إن التركيز على الوحي – رغم أهمیته- مرتبط عضويًا بالوعي، وفصم العلاقة بينهما يجعل خطاب الوحى معلقا، وفقه الوعى مغلقا، ولا توسيع للدلالات إلا إذا كان الوعي هو حامل النص، كما أن النص هو حامل الحكم.

إن الوحي والوعي يتوجهان إلى ذات المكلف. وإذا كان النص له دوائر علومه الخاصة فإن الوعى أيضًا له دوائر علومه الخاصة، ولكن علوم الوحي لا ينبغى أن تعزله عن دوائر علوم الوعي، وإلا كان عصيًا على الفهم باعتبار مقاصده، وعصيًا عن التطبيق باعتبار مآلاته. وهذه النظرية المنشودة في المعرفة والتي تحتكم إلى خطاب الوحي وتتفاعل مع علوم الوعي، هي الطريق المنهجي الوحيد لتوسيع دلالات النصوص القابلة للعد والحصر في مواجهة مكونات الوعي التى تتجاوز إمكانية العد والحصر.

إن النظرة الجزئية تجعل القواعد الكلية مجرد عام يقبل التقييد والتخصيص، بينما هي – كما يقول محمد مهدي شمس الدين- جزء من الأدلة الكلية العامة التي توجه النظر الفقهي الاجتهادي على أساس المقاصد، والمقاصد غير قابلة للتقييد أو التخصيص، بل هي مطلقة عامة تحكم جميع مطلقات وعمومات الشريعة، ونعني بالمقاصد هنا: المقاصد القطعية والضرورية والكلية.

ثانيا: الشريعة واستمراريتها

وُجدت الشريعة الإسلامية لتبقى؛ لأنها أمر الله ونهيه في أكمل دين وآخر رسالة، ولأنها رسالة للإنسان من أجل تحقيق مصالحه في المعاش والمعاد. حرصت الأصول الإسلامية على تأسيس منهجية لاعتبار المصالح يجب تعميمها في كل المجالات، وإعلاء شأنها لتفعيل الأحكام في التدبير الشرعي كله عند استنباطه وعند تنزيله على السواء، بما يفتح النص الشرعي أمام عالمه اللامتناهي الوقائع – حصرًا وعدًا – باعتبار خاتمية النبوة، وعالمية الشريعة التي تستوعب الإنسان والزمان والمكان؛ لأن غياب النص لا يعني انعدام الحكم، فالأصل أن كل الأفعال والأعيان والأشياء داخلة تحت مراتب الحكم التكليفي، ولمآلاتها دور في سد مسالكها رفضًا، أو فتح مداركها قبولًا، فإذا كان للقصود أثرها في العقود، فإن للنتائج والمآلات توصيفها للتصرفات، منظورًا إليها من خلال ما تفضي إليه من مفاسد ومنافع أي منظورًا إليها من زاوية المصلحة في مقصود الشرع. وهنا نقول مع قطب سانو: “لا مناص من توظيف هذا الدليل العلمي المتوازن لحسن بيان حكم الشرع فيما استجد من عالم المسائل العامة، سواء أكانت مسائل متصلة بالعبادات، أم كانت متصلة بالمعاملات، أو الأسرة، أو الجنايات، أو السياسة”

إن عالم النص أرحب من التوقف عند الجزئيات، فهو يستوعبها، ولكنه يحكمها وهى تَحتكم إليه. وعالم النص باعتبار علاقته بالخالق هو جزء من نظام الكون ونظام الوجود، وباعتبار علاقته بالمخلوق هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا، أو هو أحكام. وفي التقويم الديني والتقسيم العقلي فإن النظام أولا، والأحكام ثانيًا، والمصلحة في النظام مفترضة إيمانًا ومقطوع بها استقراءً. والمصلحة في سباق الأحكام تُستنبط باجتهاد عقلي يربطها بالإنسان والزمان والمكان. وهذا لا يعني نسبية الحكم الشرعي أو تاريخيته، فهو كلام الله تشكل خارج الزمن، ولكن في صلته بأفعال المكلفين يتعين بأشخاص ويتزامن في أوقات، ويتحدد على جغرافيات، وينطق بلغة لها منطق وقوانين. بل إنه يتفاعل عبر منظومة من الأسباب والشروط والموانع، لا تحدد النص ولا تقيده، ولكنها تحقق مناطه، وتبين المحل الذي تتنزل عليه الأحكام من تجريد الخطاب إلى تفريد الماصدق، حتى لا تنفلت الأحكام المتعالية في مسالك الاستنباط عن دروبها العملية في مدارك التطبيق والتنزيل.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الضوابط التي تفرضها منهجية من هذا النوع وهي تمتثل لحجية الدليل، ولا تنفصل عن وقائع التنزيل؟

إن النازلة تعني مشكلة ابتُلي بها المكلف، ومسؤولية وُضعت على عاتق العالِم. فسؤال المستفتي يستدعي إجابة المفتي.

والنوازل نوعان: وقائع سابقة، أي لها وجود فعلي، وفيها اجتهادات وفتاوى.

ووقائع مستجدة، والبحث لها عن حكم جائز عند جمهور الفقهاء. بل إنه من الاجتهاد الواجب الذي يستوعبه قول رسول الله r والذي رواه الشيخان البخاري ومسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر).

وإذا كان القرآن الكريم والسنة معًا قد ألزما بسؤال أهل الذكر، فقد أصبحت معرفة الحكم من الواجبات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. يقول الإمام الشاطبى فى «الموافقات» تحريرًا لهذه المسألة: «إن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المستحضرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلا بد من حدوث وقائع لا يكون منصوصًا على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد. وعند ذلك فإما أن يُترك الناس فيها مع أهوائهم، أو يُنظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو اتباع للهوى وذلك كله فساد».

والاجتهاد في المسائل الجديدة مزلة أقدام وأفهام، فمع ترجيح رأي الجمهور في وجود حكم الله في كل واقعة – لم يخالف في ذلك إلا الباقلاني مخالفة يعوزها الدليل – فإن الوقائع لا تتناهى في العد والحصر، ولكنها في الحقيقة متناهية لوجودها داخل الزمن، أما النصوص فإن تناهيها يعني إمكانية حصرها وعدها، ولكنها في الحقيقة لا متناهية؛ لأنها خطاب الله تعالى وهو يقينًا خارج الزمن. ويحسن هنا تأمل ما قاله الإمام الجويني في «البرهان»: «إن الأحكام مترددة بين طرفين أحدهما محصور، والآخر غير محصور، فالنجاسة مثلا محصورة، والطهارة في مقابلها لا حصر لها، والتحريم محصور، والإباحة لا حصر لها. فالواقعة إذا ترددت بين الطرفين ووجدت في شق الحصر، فذلك، وإلا حكم فيها بحكم الشق الآخر الذي أعفي الحصر عنه».

وكما قلت: المسألة مزلة أقدام وأفهام؛ لأن شأن الفقيه – كما يقول العلامة محمد الخضر حسين-: أن ينظر في المعاملات المخالفة لأصل من أصول الشريعة، فإن وجدها ناشئة عن ضرورة، كان له أن يستثنيها من أصل المنع، ويجعل الضرورة علة استثنائها من ذلك الأصل. فإذا كانت ناشئة عن جهالة أو هوى غالب، فما له إلا أن يفتي بفسادها، ويُعلِم الناس وجه المعاملة الصحيحة، ولا يصح جعل ما يجري به العرف الفاسد أمرًا مشروعًا، ويفتي بصحته دون أن تدعو إليه ضرورة يحسن العارف بمقاصد الشريعة تقديرها .

قال العلامة أبو عبد الله بن شعيب – أحد علماء تونس في القرن الثامن الهجري-: «وغلبة الفساد من إهمال حملة الشريعة، ولو أنهم نقضوا عقود الفساد لم يستمر الناس على الفساد».

والمستجدات كلها تدور في مجال الاجتهاد التنزيلي أو فى تحقيق المناط. وكما يقول إدريس الحمادي: «والاجتهاد فى تحقيق المناط يمتد بامتداد زمن التكليف؛ لأن الشريعة لما لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر». كان تحقيق المناط ضروريًا تتوقف عليه حياة الشريعة، وإلا لم تنزل أحكامها على أفعال المكلفين إلا في الذهن؛ لأنها أحكام مطلقة منزّلة على أفعال عامة مطلقة. والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معيّنة مشخّصة الحكم، فلا يكون الحكم واقعًا إلا بعد المعرفة بأن هذا المعيّن يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام. وقد يكون ذلك سهلا أو لا يكون، وكله اجتهاد.

وحتى لو كان معيّنًا، فإن «لكل معيّن خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين». ومعنى هذا أنه «لا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر صعب أو سهل حتى يحقق تحت أي دليل تدخل»؛ ذلك أن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا. فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد. وكذلك إن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها فلا بد من النظر في كونها مثلاً أولاً، وهو نظر واجتهاد أيضًا، فتحقيق المناط لا يخرج عنه أية نازلة في الوجود، وصاحب هذا التحقيق – كما يقول الإمام الشاطبي – «هو الذي رُزق نورًا يعرف النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها، وصبرها على أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناءً على أن كل ذلك هو المقصود الشرعي من تلقي التكاليف».

والذي يقول به الشاطبي يعني أن الاجتهاد التنزيلي كله يتحرك مع المستجدات؛ لأن الوقائع لا تعيد نفسها، وهو يقوم على منهجية تقفز فوق المذاهب الفقهية، في منهجية تنظر إلى العقل الفقهي في وحدته وتكامله، وليس في التفاريق والاختلافات، فلا ينبغي الحكم على جزئي بجزئي، «إذًا الوقائع الجزئية النوعية أو الشخصية – كما يقول الشاطبي – لا تنحصر، ومجاري العادات تقضي بعدم الاتفاق بين الجزئيات، بحيث يحكم على كل جزئي بحكم جزئي واحد، بل لا بد من ضَمَائِمَ تَحْتَفُ، وقرائن تقترن، مما يمكن تأثيره في الحكم المقرر، فيمتنع إجراؤه في الجزئيات، وهذا أمر مشاهد ومعلوم».

* * *

المبحث الثاني

الثابت والمتغير – المفهوم والمجال

 

أولا: الثابت والمتغير مفهومًا

بين الثابت والمتغير تتحرك فكرة المستجدات في الفقه الشرعي الحديث، وهي فكرة فيها من السيولة ما يجعلها عصية على التعريف، ومن الغموض الذي يصل إلى درجة الإلغاز. فالبعض – كالدكتور عبد المجيد السوسوة- ربط موضوع التغير بدراسة ما يتغير من الأحكام بعد وفاة الرسولﷺ. وهذا يعني أنه لا يتناول النسخ ولا التدرج في التشريع. وهذا تقسيم تحكمي. فما حدث في عهد الرسول ﷺ من تغيُّر لا يسمى تغيرًا. وما حدث بعده يقبل مسمى التغيُّر، مع أن العملية في واقعها الوجودي واحدة، وإمكان حدوثها لا يتعلق بزمن دون آخر. ويقصد البعض – مثل إسماعيل كوسكال- من التغير في الحكم الشرعي انتقاله من حال كونه مشروعًا إلى حال كونه ممنوعًا، أو أن يكون ممنوعًا فيصبح مشروعًا باختلاف درجات المشروعية والمنع. وهذا تعريف يلتصق بأثر الخطاب، لا بالخطاب الشرعي، أي بالحكم بالمعنى الفقهي لا الأصولي. وأثر الخطاب يتبع منطقة العلم بالحكم، وليس الحكم ذاته؛ لأن خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا لا يرد عليه وصف التغير.

والرأي عندي أن الثبات والتغير لا يردان على محل واحد. فالثبات يُرد على الحكم، والتغير يُرد على مصاديق الحكم؛ لأن الحكم لا يتنزل من الذهن إلى الواقع، أو من التجريد إلى التحديد إلا إذا وُلدت الأسباب ووُجدت الشروط وفُقدت الموانع. وثبات الأحكام يأتي من عمومية الخطاب وديمومة الشريعة، والتكليف بها يتعلق بأجيال ماضية وأجيال قائمة وأجيال قادمة. وإذا كانت الأحكام التكليفية تتعلق بأفعال، فإن الأسباب والشروط والموانع ترتبط بأحوال؛ فالصلاة واجبة، ومقدماتها من طهارة ووضوء واجبة بمواقيتها وأعدادها وصورتها من قيام وركوع وسجود، وهي مثل كل الواجبات – في دائرة حقوق الله- لا تسقط إلا بالأداء. ووجوب الصلاة حكم ثابت، ولكنها عند الأداء قد لا يتوافر الماء، فننتقل إلى البدل، وهو التيمم، وقد يوجد الماء، وتغلب الضررية فيستبعد استخدامه لحاجة النفس إليه، أو حاجة الغير له، أو مفسدة استعماله لعارض صحي. وقد يكون العارض الصحى سببًا فى استحالة أداء الصلاة بهيئتها قيامًا وركوعًا وسجودا. هذه كلها أحوال تؤثر فى الأداء مقدمات وأعدادًا وهيئة، ولا تؤثر في الوجوب إلزامًا وحجية، والعبادات في أحوال التنزيل كالمعاملات.

ثانيًا: الثابت والمتغير مجالًا

مراعاة الأحوال هي جزء من المعنى والسياق بالمفهوم الإسلامي الذي عرفناه عند الفقهاء منذ عصر الشافعى فى كتابه «الرسالة» الذى وضع مقدماته الشاطبي في كتابه «الموافقات» الذي قام بتقعيده وتأصيله وتفعيله. ولكل مقام مقال مَثل إسلامي يدخل بنا إلى«بنية السياق» من باب التراث الفقهي، بعيدًا عن استدعاء «قبعة أسلوبية» نسجتها أيد كثيرة وبألوان متناقضة في أغلب الأحيان تبدأ من سوسير ولا تنتهي عند تشومسكي.

إن قراءة النص من نافذة جديدة لا يعني انفصالا عن عالم قوانينه الخاصة، وقواعده اللغوية، وإلا تجرد النص من بيئته، واستبدل المتغير بالثابت. إن مدخلا عربيًا إسلاميًا إلى بنية السياق، يعني أننا منذ البداية ننبه إلى أمرين:

الأول: أننا حين نستخدم مفردات الحداثة والتجديد الغربية ذات الدلالات التي ترتبط بها في واقعها الثقافي والحضاري تحدث فوضى دلالية داخل واقعنا العقلي. وإذا كنا ننشد الأصالة، فقد كان من الأحرى بنا أن ننحت مصطلحنا الخاص النابع من واقعنا بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل والنابع أيضًا من قوانيننا اللغوية وخصائصنا الحضارية حتى لا ينطق النص بما لا يتجاوز المراد، أو يكره على أن ينطق بما ليس فيه، وهو ما أسماه الراغب الأصفهاني في مقدمة تفسيره «التفسير المستكره».

الثاني: حين يتعلق الأمر بالنص القرآني تصبح الحداثة ليست مجرد لِعب باللغة، بل إنها بالمفهوم الغربي إسقاط للمقدس المعرفي حتى يمكن «تسييله» في نهر التجربة الإنسانية باعتباره فردًا له عالمه المتميز، وليس «كلًا إنسانيًا» له قواسمه المشتركة. وكان نصر أبو زيد واضحًا وصريحًا في الوصول بهذه الحداثة إلى غايتها متكئًا على أبحاث أستاذه حسن حنفی بحيث تصبح المعادلة عنده من الواقع إلى النص – كما عنون حنفى كتابه في أصول الفقه – لأن الواقع هو الأصل، من الواقع تكوَّن النص، ومنه جاءت لغته وصيغت مفاهيمه. فالواقع أولًا والواقع ثانيًا والواقع أخيرًا. وإهدار الواقع لحساب نص جامد ثابت المعنى والدلالة يحوّل كليهما إلى أسطورة.

ولأن منهج القراءة السياقية الجديدة عند نصر أبو زيد تنحي علم الأصول عند المسلمين بدعوى تجديده، كان طبيعيا أن يصب نصر أبو زيد – وقبله أرنالديز وأركون والجابري – جام غضبه على الإمام الشافعي، حتى يروّج لقراءات متغيرة ونسبية تقوم على ما أسماه السياق التاريخي الاجتماعي الخارجي للنصوص، والسياق الدلالي الداخلي للنصوص. ولن أدخل في جدل حول منهج أراد له صاحبه أن يكون قراءة علمية للنصوص، واكتشف أغلب ناقديه – ممن هم على شاكلته – أنه موقف أيديولوجي في الأساس، يسعى – عن عمد وسبق إصرار – إلى تجريد النص من مصدره المتعالي ليصبح مجرد خطاب لغوي تحكمه قوانين ثقافية خاصة تعتمد المنجزات اللسانية المعاصرة، وهي غريبة ومغتربة عنه في آن واحد.

والرأي عندي أن دراسة السياق – كضابط للتوصيف الفقهي للمستجدات – تعتبر جزءًا من البناء الأصولي العام، وهذا مكانها الطبيعي في خارطة العقل التشريعي الإسلامي، ولها إرهاصاتها منذ العصر التشريعي الأول في مرحلتي الوحي والصحابة، واستمر الاهتمام بها حتى يوم الناس هذا. ومنهج السياق عند الشافعي مرتبط بجهده التأسيسي لعلم الأصول، ومباحثه التأصيلية لبيان القرآن والسُّنَّة، وهو ليس عارضًا في كتاب «الرسالة»، بل إنه من المفاهيم الحاكمة لضبط عملية الاستنباط. ولا يتحدد خطاب الشارع في ألفاظه، بل يتمدد في معانيه. وإذا كان النص المجرد هو خطاب الله جل في علاه، فإن تعلقه بأفعال المكلفين يجعل تنزيله من فضاء التجريد إلى عناء التكليف، يعني تحوله من «نظام» يتجاوز حدود الزمان والمكان إلى أحكام تعينت لها جغرافيا وتاريخ، ومقامات وأحوال، وحتى يتحول «النظام» إلى «أحكام» لا بد أن يكون توصيف الواقع متطابقًا تمامًا مع ما أوجبه «النظام».

وفي دائرة «النظام» يتم البحث عن مقاصد الشارع، وفي دائرة «الأحكام» يتم النظر الى مآلات الأفعال، فالأمر والنهى يتعلقان بـ«النظام»، والحِل والحرمة يتعلقان بـ«الأحكام». ولقد كان الإمام الشافعى في «الرسالة» حريصًا على انفتاح الخطاب على ما هو أوسع من دائرته اللغوية؛ لأن السياق في مصطلح الشافعي لا تتحقق شروطه بعيدًا عن حال المخاطب بما له من تأثير على دلالات النص الظاهرة والباطنة. من هنا جاء مفهوم البيان عنده يستوجب السياق لفظًا ومعنى، ويستوعب العلاقة بين«النظام» و«الأحكام» بما يفرض ترتيبًا للأدلة لا ينفصل فيه العقل عن النقل، ومعجمًا للدلالات ومفاهيمها لا ينفصل فيه الاجتهاد عن النص، حيث تظل المسافة واحدة بين «النظام الثابت» و«المتغير من الأحكام»، وكما قيل: فإن فكرة البيان التي كانت – قبل الشافعي- عفوية لا تخرج عن الفهم المباشر للمعنى، أصبحت مفهومًا نظريًا في البحث عن المعنى موصولًا بوضعية تأويلية جديدة. وقد تجلى ذلك في «رسالة» الشافعي من جهات ثلاث هي: حد البيان، والمخاطب به، وكيفية البيان في دوائره الخاصة بالقرآن والسنة والاجتهاد.

وقد حاول الشافعي من خلال فكرة «عقل المعاني» توسيع دائرة اللفظ المعجمي في الخطاب الأصولي ليكون مكتنز الدلالات ومتعدد المستويات، إلا أن فكرة «عقل المعاني» لها حدود عند الشافعي يمكن إيجازها فيما يلي:

١- أن المعنى مهما اتسعت دوائره، لا ينبغي أن يتجاوز قوانين اللغة ذاتها – وهذا ضابط مهم في توسيع النظر الفقهي وتجديده – وإلا كان معنى شاردًا يُرغم النص على منطوق لم يتناوله من قريب أو بعيد.

٢- أن فهم المعنى عند الشافعي لا يقوم فقط على قاعدة المعقول، وإنما على ما تقتضيه اللغة من فهم لكتاب الله، وأي لبْس يظنه البعض في السياق يجد مفاتيح فهمه في إعلاء «القطعي» على «الظني»، باعتبار ذلك من قواطع النظام. وقد أشرت أكثر من مرة إلى فكرتي «النظام» و«الأحكام»؛ والنظام لا أعني به أكثر من الخطاب بالمعنى الأصولي، و«الأحكام» لا أعني بها إلا الحكم عند الفقهاء. والغاية من وراء التفرقة بين «النظام» و«الأحكام» هي القول بأن «النظام» مطلق كغيره من سنن الله في الكون، وهو مغلق على ذاته يُفهم ويُكتشف ويُعاد فهمه واكتشافه مع تتابع الأجيال، ولكنه لا يتعدد ولا يتغير. أما «الأحكام» فهي وصف لفعل – وبعيدًا عن فكرة الثابت والمتغير في الأحكام الجزئية – وعند التنزيل ترتبط بواقع مفرز له عناصره وأركانه، وشروطه وموانعه، وظرفيته العامة والخاصة، وكلها وقائع حادثة لا بد لها من «وصف» يعتبر سببًا في«قيدها» تحت حكم. وعند اختلاف الحال أو المآل يتراجع «الحكم» ليمارس «النظام» سلطته في إدخال الواقع تحت «كونية النظام» حيث لا أفعال بلا أحكام في دنيا الناس.

* * *

المبحث الثالث

آلية التوصيف الفقهي

 

أولا: التوصيف الفقهي وضوابطه

كل واقعة إنسانية هي عند التنزيل مسألة مستحدثة؛ لأن التطابق بين الوقائع يخرج من إطار الإمكان إلى الاستحالة. ولعل أنسب تعريف إجرائي للمسألة المستحدثة هو الذي يربطها بالتطور العلمي، والتقدم الإنساني؛ فعلم اليوم ليس كعلم الأمس، وحقوق الإنسان ودوائرها ومنظوماتها في الحاضر ليست ما كان في الماضي، وهذا يُعني أن المسألة المستحدثة تستمد جدتها من تطور في العلم أو تقدم في الحقوق، وكلاهما له آثاره السلبية وآثاره الإيجابية، أو كلاهما يخضع لمعيارية إسلامية تتعلق بميزان المصالح والمفاسد بالمنظور الثابت في النظام.

وأول ما يستدعيه هذا التحليل أن البحث في المستجدات لم يعد حكرًا على الفقيه؛ لأن الجديد في عالمنا المعاصر يحتاج إلى تخصصات علمية مختلفة، فالعلماء هم الذين يحددون وصف «الجدة»، والفقهاء هم الذين يستنبطون الحكم، ونحن هنا أمام أمرين:

الأمر الأول: وقائع معقدة ومركبة تحتاج إلى أهل الاختصاص لتحديدها وضبطها ووصفها، وبغير الوصف الدقيق يتعذر تنزيل الأحكام.

الأمر الثاني: منهجية في الاجتهاد تفرضها جدة الوقائع، وضرورة تعدد الأفهام في النظر إليها. وفي هذا يقول الشيخ القرضاوي: «ينبغي في القضايا الجديدة أن ننتقل من الاجتهاد الفردي إلى الاجتهاد الجماعي». والانتقال ليس كميًا فحسب، بل هو كيفي أيضًا؛ لأن الاستمداد من النصوص – كما يقول عبد الله دراز في «ميزانه» – ليس محدودًا بمنطوقاتها، بل كثيرًا ما يجاوز فيها العبارة إلى الإشارة، والخصوص إلى العموم، والوسائل إلى المقاصد. فهي منهجية يضبطها الحوار وتبادل الرأي وتلاقي الأكفاء.

والضوابط التي يفرضها التوصيف الفقهي للوصول إلى حكم النازلة يمكن تقسيمها إلى ما يلي:

1- ضوابط تتعلق بالواقعة:

حددنا المسائل المستحدثة في الواقعة التي تتصل بتطور علمي أو تقدم إنساني، وأهم الضوابط التي تتعلق بالواقعة ما يلي:

أ- دخولها من دائرة الإمكان إلى دائرة الحدوث؛ لأن الوصول إلى حكم لها يقتضي معرفة عناصرها وصفاتها، ونتائجها ومآلاتها، وذلك لا يكون حقيقيًا بالوجود الذهني، بل بالوجود العيني.

ب- صلتها بالفعل الإنساني؛ لأن التوصيف الفقهي يتعلق بأحكام المكلفين، فلا بد أن تكون للواقعة همزة وصل بدوائر ثلاث: علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بالكون، وعلاقة الإنسان بالإنسان.

ج- حاجة الواقعة إلى حكم؛ فلو أفضى التقدم العلمي إلى معرفة المسافة بين الشمس والأرض، وسرعة الشمس، وطبيعة الكهرباء، فكل هذه المنجزات العلمية هي وقائع تهم العالم، ولا يهتم بها الفقيه.

2 ضوابط تتعلق بالتعامل مع الواقعة:

أ- وصف الواقعة، وهذا يقوم به أهل الاختصاص الذي تنتمي الواقعة إلى علومه.

ب- وزن الواقعة بميزان المصالح والمفاسد، وهذا يقوم به أولو الأمر، وهم رؤساء الأمة الممثلون لها من جميع الفئات العالمون بمصالحها، وكبار العلماء، والحكام والقضاة ورؤساء الجند، وكبار التجار، والأطباء، والمهندسون، وكبار الزراع، ورجال الإعلام، وغير ذلك.

ج- الحكم على الواقعة، وهذه مهمة فقهاء الشريعة لا يشاركهم فيها أحد، وما يصدر عنهم يكتسب حجية الحكم الفقهي بإلزاميته المعروفة في السياسة الشرعية.

3- ضوابط تتعلق باستنباط حكم الواقعة:

وهي ضوابط في المنهج تقتضي ما يلي:

أ- تحديد الدليل الذي يحكم الواقعة مع النظر إليه في ضوء المصالح المرعية، والمقاصد الحاكمة، والقواعد الموجهة، وفقه المآلات.

ب- تحديد الموقع الفقهي للواقعة بين الظروف العادية والظروف الاستثنائية، وبين الجماعية والفردية، ولكلٍ آلياته المنهجية وقواعده الأصولية والفقهية.

ج- تحديد جغرافيا الواقعة، وهل تنتمي إلى منطقة النصوص الشرعية أو منطقة العفو، أو ما أطلق عليه البعض منطقة الفراغ التشريعي؟

 

ثانيا: نماذج من التوصيف الفقهي المعاصر

وهنا أشير إلى نموذجين لهما دلالة على منهجية النظر في المسائل المستجدة:

۱النموذج الأول: اجتهاد في شهادة غير المسلمين:

وعنصر الجدة في الواقعة أنها ترتبط بفكرة المواطنة، وبمعاهدات حقوق الإنسان وكلاهما أفكار جديدة. والمعلوم أن الفقه الشرعي لا يقرّ بشهادة غير المسلم على المسلم إلا في الوصية إذا كان المسلم على سفر ولم يجد أحدًا من المسلمين، وهو مبدأ مقرر عند المالكية والحنفية والحنابلة، إلا أنهم قيدوا ذلك بالضرورة.

إلا أن الشيخ محمد علي السايس والشيخ محمود شلتوت في كتابهما «مقارنة المذاهب في الفقه»([1]) اتجها وجهة مغايرة، وقالا:«قد يجد الناظر إذا أمعن النظر في هذه المسألة أولًا في مقتضى إباحة التعامل معهم – أي غير المسلمين – وحِل طعامهم. وثانيًا في مورد قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] أنه غير متصل بسبيل الشهادة والقضاء، وإنما هو سبيل العزة والغلبة. وثالثًا أن المطلوب في الحكم هو البينة التي تكشف الحق وتوضح جانبه، وأن هذا يعتمد ظهور الصدق والأمانة في الشاهد لا غير. ورابعًا في الآيات التي عرضت للشاهدين وأنها للاستشهاد عند المعاملة وإرشاد لاختيار الأفضل في الاستيثاق، وليست الشهادة عند الحكم. قد يجد الناظر إذا أمعن في كل ذلك أن لا دليل يمنع من قبول شهادة غير المسلمين على المسلمين فيما جرت العادة في وقوعه فيما بينهم من معاملات وجنايات، وأنه لا يشترط في الشاهد أكثر من أن يكون مرضيًا ذا عدالة في قوله، وهذا لا يمتنع أن يكون في غير المسلمين.

وإذا وصلتَ إلى هذه النتيجة وجب عليك أن تتساءل عن السبب في أن جمهور الأئمة ذهب إلى القول بمنع قبول شهادتهم على المسلمين، ولعلك إذا بحثت عرفت أنه من قبيل تحكيم الظروف والأوقات الخاصة، وليس من تحكيم الأدلة والبراهين».

2– النموذج الثاني: عقد التأمين الصحي:

أجاز العلامة محمد علي تسخيري([2]) عقد التأمين الصحي – وهو عقد جديد – معتمدًا على عدة أدلة، أهمها: «أنه عند الشك في شمول أدلة النهي عن الغرر لهذا المورد وغيره، لا يمكننا التمسك بالعام في الشبهة المفهومية للمخصص المنفصل، وتوضيح الأمر فيه إجمالًا هو كما يلي:

من الواضح أن هناك أدلة عامة أو مطلقةً تشمل أفرادًا عديدة من قبيل: كل ماء طاهر، أوفوا بالعقود، أحل الله البيع، وأمثال ذلك. وهناك أدلة مخصصة لمثل هذه العموميات من قبيل: استثناء ما تغير لونه أو طعمه أو رائحته بالنجاسة من عموم «كل ماء ظاهر»، أو استثناء العقود الغررية من حكم «لزوم الوفاء»، أو استثناء البيوع الربوية من «أحل الله البيع» وأمثال ذلك.

والأدلة المخصصة أو الأدلة الخاصة تارة تكون واضحة المفهوم ومعلومة المصاديق، وأخرى تكون هناك شبهة في مفهومها أو مصاديقها.

وهناك بحوث مفصلة في أقسام هذه البحوث، إلا أننا سنركز على البحث الذي يرتبط بموضوعنا نحن، وهو بحث يعنون في أصول الفقه لدى الإمامية على النحو التالي:

هل يسري إجمال المخصص ذي الشبهة المفهومية إلى العام أو لا؟ ويعنون به أنه إذا ورد عام وورد مخصص لذلك العام، لكن وقعت شبهة في مفهوم الخاص من قبيل موردنا هذا، فهناك عام يقول: (أوفوا بالعقود) والمفروض أن المراد هو العقود العرفية، أي التي يؤمن العرف بأنها عقود تامة، وهناك خاص يقول بعدم الوفاء بالعقود الغررية، ووقع الشك في مفهوم الغرر، وهو شك بين الأقل والأكثر، أي لا نعلم بأن الغرر هل يختص بالغرر الفاحش المؤدي للنزاع في المعاملات، أو يشمل كل جهالة في العقد؟ فالأقل هو خصوص الغرر المؤدي للنزاع عادة، والأكثر هو الأعم منه ومن غيره من أنواع الجهل. فما الموقف في هذه الحالة؟

يقول الأصوليون في هذه الحالة: إن إجمال الخاص لا يسري إلى العام؛ ذلك أن هذا العام قد انعقد ظهوره بشكل كامل، فشمل كل العقود العرفية، وعندما يأتى الخاص فإنه يخصصه في القدر المتيقن، وهو هنا (الغرر الفاحش المؤدى للنزاع)، ولكنه لا يستطيع التخصيص فيما عدا ذلك؛ لأنه – أي الخاص – لا تعلم حجيته فيه، أي في القدر الزائد.

فإذا خرج القدر المتيقن من تحت العام بحجة أقوى (وهي حجة الخاص) يبقى القدر اللازم لا مزاحم لحجية العام وظهوره فيه، وبتعبير آخر: يقول المرحوم الشهيد الصدر، بعد أن يأتي بمثال للعام هو (أكرم كل فقير)، ومثال للخاص وهو (لا يجب إكرام فساق الفقراء)، ويتردد مفهوم الفاسق بين مطلق مرتكب الذنب وبين خصوص من ارتكب الكبيرة، يقول: «إن مقتضى الحجية وهو ظهور العام في العموم بالنسبة لمورد الإجمال موجود والمانع مفقود، أما وجود المقتضى فلما تقدم من أن المخصص المنفصل لا يهدم الظهور، وإنما يتقدم عليه في الحجية بملاك الأظهرية أو القرينية، وأما عدم المانع فلأن الثابت من المانع عن حجية العموم إنما هو بمقدار فاعل الكبيرة من الذنب، وأما فاعل الصغيرة فلم يثبت بحسب الفرض خروجه بالتخصيص، فيبقى العام على حجيته لما تقدم من أن ظهور العام بنفسه حجة في نفس التخصيص المحتمل».

وهنا نقول: إن الغرر الذي انتهينا إليه والمنهي عنه لا يشمل موردنا كما قلنا، فإذا شككنا في شموله لموردنا أي (الغرر غير الفاحش الذي لا يؤدي إلى النزاع المعاملي) فمعنى ذلك أننا شككنا في مفهوم الغرر، وترددنا فيه بين خصوص الغرر الفاحش المؤدي للنزاع أو ما يشمل غيره، وحينئذ يمكننا التمسك بعموم (أوفوا بالعقود) وأمثاله من العمومات والإطلاقات الصحيحة للعقود العرفية، لشمول موردنا هذا دون أن يعارضه الدليل المخصص الذي افترضنا فيه شبهة مفهومية، فهو لا يقوى على إخراج ما يحتمل شموله من نطاق أفراد العام الذي هو حجة فيه، وهذا يعني جواز عقد التأمين الصحي.

في هذين النموذجين منهجية للتعامل مع واقع جديد من خلال فهم جديد يعود إلى الأصول محاولا تفسيرها، ويحتكم إلى القواعد ويتفاعل مع المقاصد لتكون النتيجة في نهاية الأمر إيجاد حكم للواقعة هو الأقرب إلى مقتضى النصوص وأحوال العصر.

* * *

التوصيات:

  • توصيف النوازل صناعة فقهية ثقيلة ينبغي أن يقوم بها أهل الاختصاص.
  • تحرير أهل الاختصاص ضرورة علمية لوصف النازلة، وهذه مهمة يقوم بها أهل الاختصاص من غير ذوي الفقه الشرعي.
  • قيد الواقعة تحت حكم شرعي قائم أو البحث لها عن حكم جديد ملائم، هو من صميم عمل الفقه الشرعي، وينبغي أن يستقل بهذه الوظيفة أداءً واجتهادًا.
  • المستجدات مكانها الاجتهاد التنزيلي الذي محوره الرئيس تحقيق المناط، وهو اجتهاد دائم لا ينقطع أبدًا.
  • ضبط المصطلحات في النوازل الجديدة يعتبر طريقًا أساسيًا للوصول إلى حكم المستجدات.
  • على دور الإفتاء في العالم العربي والإسلامي إنشاء إدارات عامة للتدريب على الاجتهاد التنزيلي تكون من أهم محاضراتها: محاضرات عن تحقيق المناط، وعن الحكم الوضعي، وعن مصادر فقه الواقع، وعن ضوابط توصيف المقاصد في القراءة المفتوحة للنص في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية.
  • مراعاة المآل من مقومات فقه الواقع، ومن ضوابط الاجتهاد التنزيلي.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

([1]) ص ۱۳۷.

([2]) راجع كتابه الاقتصاد الإسلامي، ص ٥٩٤ – ٥٩٦.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر