الفيزياء الكلامية مدخلا لتجديد الدرس العقدي
Kalām Physics as an Approach to Renewing Islamic Theology
مقدمة:
يعود سبب الاستخدام الواسع لمصطلح “الفيزياء الكلامية” إلى عابد الجابري،([1]) ويشير المصطلح إلى مجمل المباحث المتعلقة بالفيزياء الموجودة في تراثنا الكلامي والعقدي، لذلك يُطلق عليها أحيانًا: “دقيق الكلام”.
أهمية البحث والغاية منه:
يهدف هذا البحث إلى دراسة هذا المفهوم ورصد آثاره في التأليف العَقدي، والنظر في إمكانية اتخاذه أساسًا أو مدخلًا في تجديد علم الكلام، وذلك في ضوء ما حققته الفيزياء الحديثة، خاصة فيزياء الذرّة، وبالاستعانة بما كتبه علماء العقيدة من المعاصرين حول التكامل المحتمل بين العلمين.
مشكلة البحث وفرضيته:
إن وجود مباحث طبيعية وفيزيائية في تراثنا العقدي والفلسفي حقيقة واقعة، وذلك تقريبًا منذ نهاية القرن الهجري الثالث، خاصة مع مدرسة الاعتزال. واستمر هذا الحضور الفيزيائي إلى اليوم. وهذا يحتاج لتقويم وتقييم في ضوء افتراض الباحث أن لاستعانة علماء العقائد الإسلامية ببعض المباحث الفيزيائية أسبابا معقولة، كما يمكن لعلوم التجربة بدورها، بما فيها الفيزياء، أن تستفيد من الدرس الكلامي.
منهج البحث:
يقوم منهج هذا البحث على التحليل والمقارنة بين حقلين مختلفين، هما: العقيدة والفيزياء. كما يضطر أحيانا لاستخدام المنهج التاريخي لدراسة تطوّر مشكلة ما.
الدراسات السابقة:
انفتح المفكرون العرب منذ بداية القرن العشرين على المشكلات الفلسفية للفيزياء الحديثة، فكتبوا عنها، وترجموا بعض الدراسات الغربية الأساسية. لكنهم لم يربطوا ذلك لا بفكر عربي ولا إسلامي، لذلك على العموم لا توجد أصالة معرفية في أعمالهم.([2]) بينما يجوز اعتبار حسام الآلوسي رائدًا في مجال انفتاح العقائد على الفيزياء، لا لأنه قدّم أعمالًا ونظريات في الربط بين المجالين، بل لأنه جمع في كثير من دراساته بين العلوم الحديثة وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية القديمة، وكان هذا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.([3]) وبهذا رسم الطريق ومهّده للجيل اللاحق من الباحثين والذين يتصدّرهم الفيزيائي محمد باسل الطائي، فهو فارس هذا الميدان في رأينا والله تعالى أعلم، خصّص له مجموعة كتب ومقالات منشورة بالعربية والإنجليزية، أهمها كتابه: “دقيق الكلام: الرؤية الإسلامية لفلسفة الطبيعة”([4]).
وقد اشتغل نضال البغدادي على هذا الكتاب الذي رأى فيه تطبيقا مفصّلا لنظريته الخاصة التي يسميها التضامر.([5]) ومن المشتغلين أيضًا على هذا المجال المعرفي الفيزيائي محمد حاج يوسف.([6]) وأهم كتاب للفلكي نضال قسوم مؤخرًا عنوانه “السؤال الكمومي للإسلام،” لكنه في رأينا لا يقع ضمن دائرة التجسير المعرفي بين العقيدة والفيزياء، بل ضمن حقلٍ أعمّ هو الإشكالات المعرفية والمنهجية في صلة الإسلام بالعلم الحديث، ما يجعل من قسوم استمرارًا لمدرسة محمد عبده وحسين نصر وضياء الدين سردار([7]).
الإضافة المتوقعة لهذا البحث:
تطمح هذه الدراسة إلى تأصيل التكامل بين الكلام والفيزياء، وذلك ببيان أهميته وتوضيح مشكلاته وضرب الأمثلة له.. ثم اقتراح منهج لهذا التكامل وضوابط له. إذ لا يوجد هذا الجهد الجامع في مكتبتنا العربية بحسب حدود علمنا، والله أعلم. فلعلّ هذا البحث يسدّ هذه الثغرة، ويرسم بعض الطريق لدراسات المستقبل.
* * *
المبحث الأول
في ضرورة التجسير المعرفي بين علميْ الكلام والفيزياء
أولًا- فلسفة التكامل بين المعارف والعلوم:
—————————————————————————————————————————————
([1]) محمد عابد الجابري، مقدمة تحليلية لكتاب أبي الوليد ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1998)، ص22.
([2]) انظر مثلا: محمد عبد اللطيف مطلب، الفيزياء والفلسفة (بغداد: منشورات الموسوعة الصغيرة، رقم 162—163. 1406—1985) ومن الترجمات: كارناب: الأسس الفلسفية للفيزياء. وغير ذلك ممّا سيأتي في هذا البحث. والجدير بالذكر أن بعض أهل الاختصاص في العلم ومشكلاته ينصحون بقراءة كتب الفيزيائيين المؤسسين للمدرستين: النسبية والكمية، ويفضلونها على الإصدارات الكثيرة اللاحقة. انظر:
Thomas de Koninck : La Science et Dieu, Revue : Laval théologique et philosophique, V. 50, N 1, février 1994, p 50.
([3]) انظر على سبيل المثال كتابه: الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم (بيروت: المؤسسة العربية للنشر، ط1، 2005). مثلا صفحات: 160، 190-192، 269
([4]) نشر مؤسسة “كلام للبحوث والإعلام”، أبو ظبي، ط 2، 1439 – 2018. وله أيضًا كتاب “صيرورة الكون: مدراج العلم ومعارج الإيمان” (إربد، عالم الكتب الحديث، ط1، 2010) وأهم ما فيه هو الفصل الخامس عن خلق الكون وبدايته، ص 173.
([5]) انظر: نضال البغدادي، فلسفة الفيزياء الكلامية (بغداد: دار نيبور للطباعة والنشر. ط1، 2014) وله أيضًا: الأجوبة النهائية (الحقيقة واحتمالاتها المضمرة) (عمان: دار أزمنة للنشر والتوزيع. ط1، 2013). ونظرية التضامر في حقيقتها محاولة لتجسير لغات الدين والعلم والفلسفة. راجع: نضال البغدادي: موجز فلسفة التضامر، مجلة المخاطبات، عدد 6، 2013، ص 128-142.
Duality of Time (Complexe-Time Geometry and perpetual Creation of Space) (London : Routledge, First edition. 2008)
Nidhal Guessoummm: Islam’s Quantum Question : Reconciling Muslim Tradition and Modern Science (New York. I.B. Tauris, 2011).
وانظر قراءة سريعة في الكتاب:
Ebrahim Moosa: The British Journal for the History of Science, Vol. 46, Issue 4, 2013, pp 736-738.



