- أصول الفقه والمنهج:
أصول الفقه من العلوم التي أنشأها العقل المسلم على غير مثال غير مقلد لأي أمة سبقته في هذا المضمار، فأصول الفقه منهج للتعامل مع النص الشرعي، وقد عرفه الرازي في المحصول بأنه “مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها”([1]).
وعرفه البيضاوي في قوله: “معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد”([2])، ومن هذه التعريفات يمكن استخلاص أركان ذلك المنهج، إنه يحرص على معرفة:
أ- مصادر البحث. ب- طرق البحث. ح- شروط الباحث.
وهي الأركان المنطقية لأي منهج في البحث العلمي الذي يبعد عن الخرافة ويبتعد عن الذاتية ويقرب من الموضوعية.
إن التفكير المنطقي لمريد الحق هو التأكد أولاً مما تقوم به الحجة، حيث ثبت لدى المسلم أن ذلك هو القرآن والسنة، فلابد من طريق للتثبت والتوثيق لهذه المصادر، فإن ثبتت فكيف نفهمها، فكان ذلك المنهج هـو المنهج الدقيق لأداء ذلك الهدف والوصول إليه.
- الاجراءات والفلسفة تكشفان عن المنهج:
وإذا ما سرنا على أن المنهج إنما هو فلسفة تنبثق عنها إجراءات (وهو تعريف المنهج عندي) تبين مدى العلاقة بين أصول الفقه وبين الفلسفة الإسلامية. فأصول الفقه يشتمل بدون شك على بيان الإجراءات اللازمة للتعامل مع النص لفهمه، والوصول إلى أوصاف الفعل البشري، وهي الأوصاف التي تدور في نطاق ما يسميه الأصوليون بالحكم، فالحكم عندهم “هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع”([3])، وله أقسام هي الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة، وهي أوصاف للفعل البشرى الذي يكون مبتدأ في جملة مفيدة والحكم خبر له، فتتكون بذلك مسائل الفقه. فموضوع علم الفقه (فعل الإنسان) وموضوع علم أصول الفقه هو (الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام منها)، وبدون شك فإن هذه الإجراءات التي يشتمل عليها أصول الفقه تخرج وتنبثق من رؤية كلية تمثل مباحث الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام.
يقول الإمام الزركشي في كتابه الجامع (البحر المحيط في أصول الفقه) مؤكداً عنصر الإجرائية في أصول الفقه، والذي ذهب بعضهم إلى ادعاء أن ذلك العلم من العلوم البينية التي لا تستقل بنفسها ويرد عليهم:
“فإن قيل: هل أصول الفقه إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة؟ نبذة من النحو كالكلام على معاني الحروف التي يحتاج الفقيه إليها، والكلام في الاستثناء، وعود الضمير للبعض، وعطف الخاص على العام ونحوه، ونبذة من علم الكلام، كالكلام في الحسن والقبح، وكون الحكم قديماً، والكلام على إثبات النسخ وعلى الأفعال ونحوه، ونبذة من اللغة كالكلام في موضوع الأمر والنهي، وصيغ العموم والمجمل والمبين والمطلق والمقيد، ونبذة من علم الحديث كالكلام في الأخبار. فالعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في شيء من ذلك، وغير العارف بها لا يغنيه أصول الفقه في الإحاطة بها، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع والقياس والتعارض والاجتهاد، وبعض الكلام في الإجماع من أصول الدين أيضاً، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه، ففائدة أصول الفقه بالذات حينئذ قليلة. فالجواب: منع ذلك، فإن الأصوليين دققوا النظر في أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب يتسع والنظر فيه يتشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي. مثاله: دلالة صيغة “افعل” على الوجوب، و”لا تفعل” على التحريم، وكون كل وأخواتها للعموم ونحوه مما نص هذا السؤال على كونه من اللغة، لو فتشت لم تجد فيها شيئاً مـن ذلـك غالباً، وكذلك في كتب النحاة في الاستثناء من أن الإخراج قبل الحكم أو بعده، وغير ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب باستقرار خاص، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو وسيمر بـك منـه في هذا الكتاب العجب العجاب”([4]).
ويؤكد ذلك المعنى قبله السبكي في كتابه (الإبهاج في شرح المنهاج) حيث يقول: “… هذه التعريفات للأصل بحسب اللغة وإن كان أهل اللغة لــم يذكروها في كتبهم، وهو مما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لـم يتعرض لها أهل اللغة”([5]).
فمن هذه النصوص نبين وجود الأدوات والإجراءات واتصالها وامتزاجها بالرؤية الكلية.
- موضوعات الفلسفة بين نقاط التلاقي:
وإذا ما سرنا أيضاً في تعريف الفلسفة من حيث موضوعها بأنها تشتمل على ثلاثة مباحث رئيسة هي الوجود (الله – الكون – الإنسان) والمعرفة (المنطق) والقيم (الأخلاق والجمال)([6]) فإننا سنرى بوضوح نقط التلاقي والعلاقة الموجودة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية، حيث تعد تلك الفلسفة الخلفية الأساس لمجموعة الإجراءات المتمثلة في معرفة مصادر البحث وكيفية التعامل معها وشروط الباحث كما سبق، وهذا يتم على مستويات ثلاثة وهي:
أولاً– إدراك تلك العلاقة.
ثانياً- تشغيل تلك العلاقة والاستفادة منها.
ثالثاً- الأمل في تطوير تلك العلاقة لصالح المجالين.
أولاً- إدراك العلاقة:
إن إدراك العلاقة بين أصول الفقه والفلسفة يظهر في عدة موضوعات:
1- المسائل المشتركة:
تلك المسائل التي يطلق عليها “المسائل المشتركة” بين أصول الفقه وعلم الكلام([7])، فمجال علم الكلام يعالج القضايا الفلسفية بمعناها التقليدي، ففيه إجابة عن مباحث الوجود والعدم وعن مباحث المعرفة وعن مباحث القيم أيضاً، فهو يتكلم عن ماهية الوجود وطبائع الأشياء، ويبين كنهه وكيفيته وماهيته وكيفية التفكير ومراتبه وكلياته، ويتكلم عن القضايا الكبرى كالتوحيد في حق الله وقضايا العمارة للكون والتزكية للنفس، بـل وعـن القيم الجزئية كمسائل العدل والتحسين والتقبيح بالعقل وغيرها كما هو معلوم، وعن طريق ما يمكن أن نطلق عليه “الأسئلة الممتدة” نجد أنفسنا في كثير من مسائل أصول الفقه الإسلامي، وبتتبع تلك السلسلة من الأسئلة، نجدنا في مجال علم الكلام.
ونعني بالأسئلة الممتدة السؤال ب”لماذا” بعد كل إجابة عن سؤال سابق، ساعين بذلك إلى الكشف عن حقائق الأشياء والبحث عن أسسها وأصولها، فإذا قال الأصولي مثلاً باحثاً عن علة تحريم الخمر: لماذا حرم الله الخمر؟ فتأتي الإجابة الأولى بأنه قد حرمها لأجل خاصة الإسكار التي بها، وهذا ما يسميه الأصوليون بعلة الحكم، فهي عندهم “وصف ظاهر منضبط يشتمل على معنى يناسب شرع الحكم عنده”، ويمكن أيضاً أن نطلق على هذه الإجابة العلة الأولى. ثم يسأل الأصولي: ولماذا كان الإسكار وصفاً يناسب التحريم؟ ويجيب: بأن الإسكار يؤدي إلى ذهاب العقل والحفاظ عليه من مقاصد المكلف الخمسة المشهورة، وهي حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ العِرض وحفظ المال، ويمكن أن نطلق على هذه الإجابة في تلك المرتبة علة العلة أو العلة الثانية، لأنها إجابة عن السؤال الثاني الذي تولد عن السؤال الأول. ثم تمتد به الأسئلة في صورة سلسلة متتالية فيسأل: ولِمَ كان ذهاب العقل مقتضياً للنهي؟ وتأتي الإجابة بأن العقل مناط التكليف، والتكليف إنما يكون لتحقيق مراد الله من خلقه، ولقد أخبرنا الوحي بأن مراد الله من خلقه هو عبادة الله وعمارة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)([8])، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)([9])، وقال: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)([10])، فنجد أنفسنا في هذه الرتبة من رتب الإجابات على الأسئلة المتتالية الممتدة قد انتقلنا إلى مباحث علم الكلام، ويمكن أن نسمي تلك الإجابة علة علة العلة أو العلة الثالثة.
وههنا تنبيه على لطيفة من لطائف كلام الفقهاء والأصوليين حيث يتكلمون عن أن الحكم الفلاني لاعلة له إنما هو للتعبد، ونجد الفقهاء يختلفون، فيذهب بعضهم إلى أن حكماً معيناً معلل، وبعضهم إلى أنه غير معلل بل تعبدي، ونجد أنهم يذكرون علة للحكم ثم يعودون فيصفونه بالتعبد، ونجد أنهم قائلون بتعليل الأحكام، وأنهم قائلون أيضاً بأن أحكام الله غير معللة. وبفهم نظرية الأسئلة الممتدة ينفك التناقض في هذه الصور كلها؛ حيث إن العجز عن إيجاد وصف ظاهر منضبط يشتمل على معنى معقول يناسب شرع الحكم عنده بحيث لا يبقى في الإجابة على السؤال إلا أن الله قد أمر ولا بد من اتباع أمره- هو حقيقة التعبد، فالوضوء([11]) بهذه الكيفية المعروفة لا يمكن أن تجيب عن سؤال: لماذا هذه الأعضاء بهذه الكيفية بطريقة فيها ترتيب أمور معلومة للتوصل بها إلى مجهول (وهو حقيقة الفكر)([12])، ومن هنا فإن الوضوء تعبد محض. في حين أن الإمام مالكاً لــم يستطع أن يجيب عن السؤال بلمــاذا في قضية غسل الإناء الذي ولـغ فـيـه الكلب سبعاً إحداهن بالتراب فجعـل، هـذا الأمر على سبيل التعبد([13])، وأجاب الشافعي بأن ذلك الترتيب لتغليظ نجاسـة الكـلـب([14]) بحيث يصير لعابه أشد نجاسة من البول مثلاً، ولكن إذا امتدت أسئلة الشافعي فسأل: لماذا كان لعاب الكلب أشد نجاسة من غيره، فلا إجابة معقولة المعنى لهذا السؤال، مما يعني التعبد في العلة الثانية، أي في الإجابة على السؤال الثاني، فالفرق بين الفقيهين هو في الإسراع بالإجابة بالتعبد على الأسئلة الممتدة. ونراهم يختلفون في علة تحريم الربا على نحو عشرة مذاهب، ثم نرى الشيخ الجمل في حاشيته([15]) يؤكد أن علة تحريم الربا هي التعبد، وتوضيح ذلك إنما يكون بتسكين كل إجابة لمرتبة من مراتب الأسئلة الممتدة، وبهذا يتضح أن اختلافهم في تعليل الأحكام جاء على هذا النظام، فالأحكام معللة في إجابات الأسئلة الأولى لأنها تؤول إلى التعبد والله (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)([16])، و(لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)([17]) في إجابات الأسئلة الأخيرة.
وغني عن القول أن إطلاقنا مصطلح العلة الأولى والثانية ونحوها ليس له علاقة بما استقر في العلوم الأخرى كعلم الكلام وعلم النحو وغيرهما، بل هي تسميات تناسب معاني الأفكار التي نريد أن ننقلها إلى القارئ، ومن المهم في مثل بحثنا هذا أن نبين أن المصطلح في مرحلة التفكر يجب أن يكون مرناً نستشف الفكر من خلاله دون أن نلقي بظلال مصطلحات مستقرة عليه حتى يمكن تغييره أو إطلاق أي لفظ بإزائه إلى أن يستقر بين الجماعة العلمية، وهذا الشأن من خصائصه إطلاق الفكر للإبداع الملتزم، وهو ما افتقدناه بفقدنا لخصائص عصور الاجتهاد الأولى.
إن هذه الأسئلة الممتدة كما شرحناها تبين مصادر وموارد أي علم وتبين علاقة ذلك العلم بغيره من العلوم. وقد تقرر عند الأصوليين أن أصول الفقه مستمد من علوم ثلاثة وهي علم الكلام واللغة العربية والفقه الإسلامي، ويعني ذلك الاستمداد أن الأسئلة الممتدة تؤول إلى واحد من هذه الثلاثة عند طرحها.
ومن هذا أيضاً تأتي مباحث تعريف العقل والتكليف، وهل للفعل صفات ذاتية؟ وهل أمر الله سبحانه مستلزم لإرادته؟ وما الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية؟ وهل يصح التكليف بما لا يطاق؟ وهل يصح تعلق الأمر بالمعدوم؟ وهل يتعلق الحكم القديم بالحادث؟ وهل أمر الله ونهيه يكون لعلة وحكمة؟ وهل علل الشرع بمعنى الباعث والداعي؟ وهل كل مجتهد مصيب؟ وهل يجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وهل حكم الله يتعدد بتعدد الأشخاص واجتهادهم؟ وهل تتكافأ الأدلة وتتعادل؟ إلى غير ذلك مما يدرسه الأصولي درساً أصلياً ويحتاج فيه إلى الفلسفة الإسلامية احتياجاً أساسياً.
ولتأخذ من هذه الموضوعات مثلاً قضية اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم، ويبدو أنها قد نشأت في الفكر الأصولي بناءً على ما قد أثير في الفلسفة الأرسطية من أن الإنسان إذا ما كان أمامه طريقان أحدهما قطعي والآخر ظني في تحصيل معلومة ما فهل يجوز له أن يسلك الطريق الظني مع تمكنه من سلوك الطريق القطعي؟ ثم سرت هذه المسألة إلى الأصول، فنشأ السؤال عن جواز اجتهاد الأنبياء من عدمه لأن النبي يمكن أن يتلقى الحكم من الوحي، وهو قطعي ويمكن أن يصل إليه بالاستنباط وهو ظني. وتولد عن هذا مسألة أخرى وهي أنه عليه السلام هل يمكن أن يخطئ في اجتهاده؟ فاختار الجمهور أنه لا يخطئ حتى قال ابن السبكي في كتابه الإبهاج([18]) “وأنا أطهر كتابي أن أحكي فيه قولاً غير هذا القول” في حين أن ابن الحاجب([19]) قد اختار خلاف ذلك بشرط عدم الإقرار عليه، وجعل الإقرار عليه والسكوت عنه حكماً بصحته.
2- تخيرات الأصولي:
ولقد أثرت الفلسفة أيضاً في تخيرات الأصولي في جوانب شتى كالفلسفة اللغوية مثلاً، حتى ذهب الرازي في المحصول إلى ظنية الدليل اللفظي([20]) لتعرض ذلك الدليل لما أسماه الأصوليون بالاحتمالات العشرة التي تخل بالفهم. وشاع عند متأخري الأصوليين القول بمثل هذا الكلام على الرغم من أنه قد سرى إلى الأصول من الفلسفة، وهو تدقيق لا يعرفه أهل العربية ولا يرضاه المحققون من المتشرعين لأنه يقر على الدليل اللفظي بما فيه من قطعي بالبطلان، وهذا ما دعا علماء الأصول ممن التفت إلى هذا المعنى إلى القول بأنها نزغة سرت من الفلسفة إلى الأصول، ووجهوا اللوم إلى الرازي حيث يقول في المحصول:
“إن الاستدلال بالخطاب هل يفيد القطع أم لا؟ منهم من أنكره وقال إن الاستدلال بالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية، والمبني على المقدمات الظنية ظني، فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظن”، إلا أن لوم الرازي محل نظر، فإنه بعد ما بيَن رجحان القول بظنية الدليل اللفظي قال (1)([21]): “واعلم أن الإنصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين سواء أكانت تلك القرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا بالتواتر”.
قال محقق المحصول: “لقد صرح الإمام (يعني الرازي) في بعض كتبه الكلامية بأن الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة، هي عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ وإعرابها وتصريفها وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة وعدم الإضمار والتأخير والتقديم والنسخ وعدم المعارض العقلي”.
ولكنه فيه عقب بقوله: “واعلم أن هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمور عُرف وجودها بالأخبار المتواترة، وعلى هذا التقدير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن الثابتة بالأخبار المتواترة مفيدة “لليقين”، ومن هنا نرى البيضاوي يعرض للمسألة بصورة أخرى في مختصره فيقول “الفصل السابع في تعارض ما يخل بالفهم وهو الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص وذلك على عشرة أوجه”.
وفي شرح ابن السبكي على كلامه يقول: “واعلم أن التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه”.
“وبيانها أنه إنما يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية، ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية، ثم بين المجاز وبين الوجهين الباقين، ثم بين الإضمار والتخصيص، فكان المجموع عشراً”([22]).
ومثل هذه النزعات تراها عند العنبري حيث يذهب إلى أن كل مجتهد في العقليات مصيب([23])، وبذلك فليس في مسائل الأصول حق متعين، فكل مجتهد مصيب ويُعذر كل مجتهد حيث لم يحتمل عقله إلا ذلك، وهو بهذا يدعو إلى النسبية المطلقة إن فُهم مذهبه على هذا النحو، مما قد يكون قد تجاوز به مذهب السوفسطائيين النافين للحقائق، ولم نسمع مَن يقول بذلك إلا ما ينسب إلى بعض مدارس ما بعد الحداثة في العقود الأخيرة من محاولتهم إنشاء ما أسموه بالنهضة الثانية التي يتحرر الإنسان فيها من كل سلطان، كما تحرر من سلطان الدليل في عصر النهضة التي هي النهضة الأولى عندهم، ويقصدون بالتحرر من كل سلطان التحرر من الأسرة وعاءً اجتماعياً ضابطاً لتصرفات البشر، والتحرر من الدولة ضابطاً حيث يعتقدون أنها قيد ينبغي التخلص منه، والموروث الثقافي واللغة التي تحدد الألفاظ بإزاء المعاني حيث يُعد هذا التحديد عندهم نوعاً من أنواع القيود التي ينبغي تحرر الإنسان منها ليصل بذلك إلى الاختيار التام حتى في الأمور القدرية، وهم يدعون بذلك إلى جواز تغيير الإنسان لجنسه (ذكر- أنثى) أو للونه أو لشكل جسده، وقد يجيز غلاتهم الانتحار حيث يختار الإنسان نهاية لحياته -باعتبار ذلك حقاً له-، إن مثل هذه المذاهب الموغلة في النسبية لا يمكن لمسلمٍ يؤمن بالله ورسوله أن يقول بها أو أن يجعلها لازماً لمذهبه([24]).
ولبشاعة هذا ذكر العلماء وأكدوا رجوع العنبري عنه، قال محقق الزوائد([25]): “وقد ذكر ابن حجر أن محمد بن إسماعيل الأزدي نقل أن العنبري([26]) رجع عن قوله: كل مجتهد مصيب لما تبين له الصواب، كما أن الأصفهاني ذكر أن عبد الرحمن بن مهدي كلم العنبري في مسألة فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: (إذن أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذنباً في الحق من أن أكون رأساً في الباطل).. وقد ذكر بعضهم أن المسألة المشار إليها هي قوله: كل مجتهد مصيب”.
ثانياً- تشغيل العلاقة:
ويمكن كما قلنا سابقاً تشغيل هذه الصلة التي بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية في أمور منها:
1- تعريف العقل:
فالأصوليون يتعرضون لتعريف العقل عند تعرضهم لنظرية التكليف، حيث يذكرون من شروط التكليف العقل والبلوغ وسلامة الحواس وبلوغ الدعوة إلى المكلف، ويمكن أن نتأمل فيما ذهبوا إليه ونخرج بتعريف آخر للعقل أكثر تحديداً وأقدر على التشغيل في الرد على كثير من المذاهب الفلسفية وربطه بعناصر عملية التفكير وكيفيته، وقد كثر في تعريف العقل الخلاف حتى نقل الزركشي في البحر([27]) أنه قد قيل إن فيه ألف قول، وذهب الغزالي في المستصفي([28]) إلى عدم إمكان حده بحد واحد يحيط به.
ولقد عرفه ابن النجار في شرح الكوكب المنير([29]) بأن ما يحصل به المَيز قال: “وهو غريزة، وهو أيضاً بعض العلوم الضرورية عند أصحابنا”، ونقل عن الحسن بن علي البربهاري([30]) أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب وإنما هو فضل من الله. قال الشيخ تقي الدين: هذا يقتضي أنه القوة المدركة كما دل عليه كلام أحمد لا الإدراك”.
وأقول: إن عبارة الأصوليين المشهورة: “العقل مناط التكليف” لا تتعارض مع ما ذهب إليه الفقهاء بل والأصوليون في شروط التكليف بقولهم إنها العقل والبلوغ وسلامة الحواس وبلوغ الدعوة إلى المكلف([31])، فجعلهم العقل وحده في عبارتهم الأولى مناطاً للتكليف وجعلهم له أحد شروط التكليف في العبارة الثانية لا يعني التعارض، بل يمكن أن تحمل العقل كأحد الشروط على سلامة الدماغ ويقابله عندئذ الجنون، أما العقل الذي هو مناط التكليف فنعني به تمام العملية الفكرية التي تتكون من الدماغ والحواس السليمة الناقلة للواقع المحسوس إلى ذلك الدماغ والمعلومات السابقة، وبهذه العناصر الأربعة تتم العملية الفكرية بصورة تستلزم التكليف، وعند فقد واحدة منها فإن الخلل الحاصل من وراء هذا الفقد يستلزم سقوط التكليف، فالذي بدماغه آفة تعطل الدماغ عن العمل لا تكليف عليه، وفاقد الحواس بأن يكون (أصم أبكم أعمى) لا تكليف عليه، والطفل الذي لم يبلغ الحلم لا تكليف عليه حيث لم تكتمل معلوماته السابقة في الجانب الجنسي ولم يطلع قبل البلوغ على حقيقة اللذة الجنسية التي عليها مدار التكليف بحرمة الزنا ولوازمه وباستحباب النكاح وتوابعه، وكذلك إذا فُقد الواقع كما لو تصوّرنا الإنسان قد خُلق في عماء مطلق لا وجود للأشياء فيه فإنه لا يتصور له تفكير. وبهذا التعريف للعقل الذي يؤخذ من كلام المتقدمين حتى ولو لم يصَرِحوا به -بهذا التحديد وبهذا المعنى- يمكن الرد على بعض التوجهات الشيوعية التي ترى الفكر انعكاساً للواقع على الدماغ، حيث يهدرون جانب المعلومات السابقة، فتتمحض المادة في الوجود وهو مرادهم في أفكار ما وراء المنظور المحسوس هو أو أثره المباشر بما يجر إلى إنكار الصانع.
2- تصورات جديدة ذات وظائف هامة:
ويمكن أيضاً الاستفادة من العلاقة بين أصول الفقه والفلسفة بالخروج بتصور جديد لقضايا فلسفية وأخرى أصولية تمكِن من زيادة أداء وظيفة كل من الأصول والفلسفة، فقضية المظهر والحقيقة عند الفلاسفة يمكن تطويرها من خلال الأصول بما اصطلحت عليه (كمصطلح قابل للنقاش ولا مشاحة في الاصطلاح) بالفرق بين الواقع ونفس الأمر، فـ”الواقع” هو ما أدركه الإنسان بحسه المعتاد، وهو بهذا مشترك بين آدم والرجل المعاصر، في حين أن “نفس الأمر” المتعلق بحقائق الأشياء يختلف إدراك الإنسان له عبر الزمان وحسب كم المعلومات التي لديه، ويكتشفه الإنسان عن طريق الآلة (المجهر مثلاً) شيئاً فشيئاً، فالبشر ترى الشمس تسير في السماء في حين أن نفس الأمر أنها ثابتة والأرض هي التي تدور، ونفس الأمر أن الماء مكون من غاز يشتعل وآخر يساعد على الاشتعال، فهو نار الله الموقدة، وأن الأيدروجين مكون من نواة وإلكترون واحد، وأن شحنة الإليكترون سالبة. وكل يوم يدرك الإنسان حقيقة جديدة قد تخالف أو تزيد عن الواقع، فإذا كان الأمر كذلك فإن النصوص الشرعية ينبغي أن تتعلق في خطابها العام للكافة بالواقع بصورة أصلية، ولا تتعلق بنفس الأمر إلا بصورة ثانوية.
وأظن أن هذا الفهم يحل مشكلة العلم والدين التي نشأت من صدام النصوص المحَرَفة للوحي في الغرب مع الحقائق المتتالية المدركة بالتجربة والحس، أي مشكلة العلم والدين -كما سمي-، بل قد يحل هذا المدخل -عند عرضه بتوسع- المشكلة بين الفقهاء والصوفية الذين يتكلمون عن الحقيقة ومخالفتها للشريعة، ومحاولة التوفيق بينهما، وهو أمر جدير بالتأمل، ومزيد البحث.
3- أصول الفقه، منهجاً:
ويمكن أيضاً تشغيل أصول الفقه كمنهج – في علاقته مع الفلسفة- كمجال في استفادة العلوم الاجتماعية من ذلك المنهج، وذلك بتجريد ما يمكن أن نطلق عليه نظريات الأصول وتطبيقها أو أجزاء منها في تلك العلوم، فالحجية التي تحدد المصادر الأصلية وتبين كيفية إقامة الدليل على حُجيتها وتوثيق المصدر والتعامل مع مساحة القطعي والظني، ثم كيفية الإلحاق وفك التعارض وتحقيق مقاصد العلم وتطبيقاته وغيرها من المباحث التي يمكن الاستفادة من أصول الفقه -في العلوم الاجتماعية والإنسانية عند تجريد نظرياته- وعرضه بصورة أخرى غير الصورة الموروثة فيها.
وتفصيل ذلك أن الفكر الأصولي لعلماء أصول الفقه الإسلامي قد انطلق لغرض معين حاول أن يضع علامات الطريق للوصول إليه، ذلك أن المجتهد وهو من يستنبط الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية يحتاج إلى تحديد مصدر أحكام، ثم بيان كيفية التعامل معها، ثم بيان شروط الباحث، وهي الأمور التي ضمنها علماء الأصول في تعريف أصول الفقه، بل كانت سبباً في إطلاق لفظ (أصول) بالجمع عليها، ولم تطلق كلمة أصل الفقه على ذلك العلم، فمدرسة الرازي الأصولية تُعرِف ذاك العلم بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد (أي المجتهد) كما مر.
نظريات الأصول:
وثارت أسئلة متتالية في ذهن المجتهد مثلت الإجابة عنها مواضيع ذلك العلم، ونحن نعرض هنا لتلك الإجابات مرتبة ترتيباً منطقياً موافقاً لحاجة ولباعث على إثارة هذه الأسئلة في ذهن الأصولي، ونرى أن الإجابة عليها تمثل ما يمكن أن نطلق عليه (نظريات أصول الفقه) التي عددنا منها للآن سبع نظريات يمكن أن يعمل فيها النظر لزيادتها أو ضم بعضها إلى بعض… إلا أن معالجة مسائل الأصول من خلال هذه النظريات تُمكِن من فهم أعمق لتلك المسائل وتظهر مبنى الخلاف وسببه، وتساعد في اختيار وترجيح رأي على رأي آخر. كما أنها تبين فائدة إثارة مسائل لا يمكن معرفة فائدتها من دون الدخول إليها من خلال هذه النظريات، وكذلك تبين فائدة بعض الأدلة التي ثار حولها جدل قديم مثل دليل الإجماع.
النظرية الأولى- نظرية الحجية: ما الحُجة التي نأخذ منها الأحكام؟ هذا السؤال الأول كانت الإجابة عليه هي أننا نأخذ الأحكام من القرآن الكريم باعتباره النص الموحى به، المعصوم من التحريف المنقول إلينا بالتواتر، وباعتباره كلمة الله الذى نؤمن بأنه الخالق، وأننا ملتزمون في هذه الحياة الدنيا بما أمَر ونهى (افعل، لا تفعل)، وأن هذه الأحكام مقياس المؤاخذة في يوم آخر يرجع البشر فيه إلى خالقهم للحساب (العقاب والثواب). ومن هنا يتضح لنا استمداد أصول الفقه من علم الكلام، فإذا كان القرآن هو المصدر الأول والأساس للتشريع تأتي السنة مبينة ومتممة للقرآن، حيث ثبت أن الرسول r مبلغ عن ربه، وأن الأمر متوجه لطاعة ذلك الرسول واعتبار عصمة نبيه عن الخطأ.
النظرية الثانية- نظرية الإثبات: فإذا ثبت هذا في القرآن وفي السنة، تأتى نظرية الإثبات وهي مكَوَنة من رؤية كاملة إلى قضية نقل النص شفاهة عبر الناقلين، وما استلزم هذا من إيجاد علوم خادمة من الجرح والتعديل للرواة ومن علم مصطلح الحديث وعلم القراءات لنقل وضبط النص الشرعي، وبهذه العلوم تم التثبت من النقل، فبعد مرحلة بيان الحجية تأتي مرحلة إثبات ما قد تبين أنه حُجة، وقد يظهر في هذا البيان دور ولكن ينفك الدور لانفكاك جهة الإثبات، فالحجية للقرآن والسنة جاءت في أغلبها وأساسها من أدلة عقلية، ثم ثبوت القرآن والسنة من واقع للنقل مضبوط بأدلة نقلية.
النظرية الثالثة- نظرية الفهم: كيف نفهم القرآن (الحُجة – الثابت لدينا)، فنحن أمام نص اعتبرناه حجة، ثم أثبتناه بطرق يطمئن إليها العلماء طبقاً لمنهج علمي مستوف لشروطه، ولقد وضع الأصوليون لذلك أدوات تحليل وفهم للنص مستمدين هذا من مجموع اللغة وقواعدها ومفرداتها وخصائصها من ناحية، وكذلك من مجموع الأحكام الفقهية المنقولة الشائعة من ناحية أخرى. والحاصل أن هذه المرحلة في بناء أصول الفقه مرحلة مهمة للغاية وتمثل لبنة من لبنات الأصول بغض النظر عن اختلاف المجتهدين والمدارس الفقهية في بناء تلك الأدوات.
النظرية الرابعة- نظرية القطعية والظنية: وإذ قد تم تحديد المصدر وحجيته وإثباته وفهمه، واجهت الفقهاء مشكلة القطعية والظنية، حيث أن الاكتفاء بهذه الأدوات يجعل مساحة القطعي أقل مما ينبغي، مما أوجد مشكلة حقيقية استوجبت القول بالإجماع كدليل يوسع من مساحة القطعي ويخرج ظني الدلالة من ظنيته الى إطار القطع. فالأدوات اللغوية وحدها لا تكفي لتفسير قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)([32]) حيث الفاء للتعقيب بما يمكن أن يفيد الوضوء بعد الصلاة، أي إذا ادعى مدعٍ هذا لم يكن لدينا بمحض الأدوات اللغوية ما يمكن إيقافه، ومن هنا كان لابد من الاعتماد على الإجماع الذي يخرج المسألة من دور الظنية إلى القطعية، بحيث لا يمكن في ظل هذا النسق المتضمن للإجماع أن يقال أن الوضوء بعد الصلاة، وفهم قضية الإجماع في هذا الإطار يحرر كثيراً من الخلاف حول المسألة ويجعل كلام المؤيدين ذا معنى واضح وفائدة مرجوة، ونظرية القطعية والظنية هذه سيكون لها أكبر الأثر في قضايا الخلاف الفقهي ومسألة الاجتهاد والإفتاء.
النظرية الخامسة- نظرية الإلحاق: وإذا تم تحديد الحجية وإثباتها وفهمها في إطار القطعية والظنية فإن النصوص المحدودة بلفظها وإيقاعها على الواقع النسبي المتغير لا تشتمل على كل الحوادث، ومن هنا جاءت نظرية الإلحاق التي أخذت في مضمونها أشكالاً متعددة كالقياس وكإجراء الكلى على جزيئاته أو تطبيق المبدأ العام على أفراده، فالكل -حتى الظاهرية- قائلون بما يمكن أن نسميه (الإلحاق) وإن أنكروا هيئة مخصوصة منه وهو (القياس).
النظرية السادسة- نظرية الاستدلال: بعد نظرية الإلحاق تأتى نظرية الاستدلال، والتي رأي الأصولي فيها مجموعة من المحددات كالعرف والعادة وقول الصحابي وشرع من قبلنا ونحوها، هذه تؤثر بمعنى أو بآخر في الوصول إلى الحكم الشرعي، مما ادعى معه بعضهم أنها أدلة وأنكر آخرون، فسميت الأدلة المختلف فيها.
النظرية السابعة- نظرية الإفتاء: ثم تأتى نظرية الإفتاء التي تشتمل على ذكر المقاصد الشرعية والتعارض والترجيح مع شروط الاجتهاد والإفتاء، بحيث يقوم مَن توافرت فيه شروط الباحث بإصدار الحكم ثم عرضه على سقف المقاصد الشرعية بحيث لا يتعداها، ومراجعة حكمه إن تعداها حتى يتسق معها، بحيث لا تقصر الأحكام على المقاصد بالبطلان لما فيه من عكس المطلوب.
إن هذه النظريات السبع والدخول إلى علم الأصول من خلالها تبرر كثير من المسائل التي يظن طالب ذلك العلم عدم جدواها ببادئ النظر، كما أنها تبنى إطاراً معرفياً مناسباً للتحليل والدرس، وهي أيضاً تكون المعيار الأمثل لتبنى الآراء الأصولية أو تعديلها، وكذلك تمكن من تشغيل وتفعيل ذلك العلم في علاقته بين العلوم الاجتماعية والإنسانية.
ثالثاً- الأصل في العلاقة بين الأصول والفلسفة:
ويمكن خلال نظرية المعرفة الإسلامية والتي ترى أن مصادر المعرفة عند المسلم هي الوحي والوجود معاً حتى شاع التوجيه لقراءة الكتابين: كتاب الله المنظور وكتابه المسطور، حتى نصل إلى ما يمكن أن نسميه أصول الفقه الحضاري، والذي يضيف إلى أصول الفقه الموروث الخاص بفهم النص (الوحي) ما يمكن أن يكون أداة لمدارسة الواقع مستفيدين من كل أنواع المناهج التي استخدمت في العرض والتحليل في العلوم الاجتماعية والإنسانية بل والكونية من غير أن نتخذ مناهج التلفيق أو التوفيق أو القبول المطلق أم الرفض المطلق أو الانتقاء العشوائي، بل تكون الاستفادة بإنشاء أداة يتعلمها المفتي ويتمكن بها من إدراك ذلك الواقع الذي أصبح شديد التغير سريع التبدل، بعد هذه الطفرة في المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة والتي جعلت الإنسان لا يعيش أمسه في يومه، وتفصيل ذلك يحتاج إلى جهود متواصلة ليتم بصورة متأنية تبني ولا تهدم، تنفع ولا تضر.
وأوسع من ذلك أن يستفاد من أصول الفقه بوصفه منهجاً للعلوم الاجتماعية بعامة، إذ أن الأفكار الأساسية التي جاءت من العقيدة لرؤية الإنسان والكون والحياة ولدت عند المسلم أفكاراً ثم ولدت هذه الأفكار منهجاً للتعامل مع العلوم، وهذا المنهج ضبط مناهج كثيرة، فإذا ما درسنا الأمر وضعنا العقيدة الإسلامية عند المسلمين، والأفكار الأساسية الضابطة التي تفرق الإنسان عن غيره، ووضعنا من خلال هذا منهجاً يستطيع أن يولد منهجاً لأي علم من العلوم، واستفدنا من علاقة مناهج كــل علـم مـن العلوم بهذا المنهج الأم.. حينئذ يمكننا أن نستعمل منهج المناهج هذا في إنشاء مناهج للعلوم الاجتماعية والإنسانية متخذين أصول الفقه رسالة لذلك.
تلك هي النقطة الأولى التي نريد أن نتوصل إليها في ظل علاقة منهج أصول الفقه بالمنهج الأم، وكيف تولد منه، وكيف نولد أيضاً منهجاً للعلوم الاجتماعية بالاستفادة بهما معاً.
أما النقطة الثانية فهي حول معنى العلم، وهو يعنى أن لدى موضوعاً متميزاً، ومسائل لهذا العلم، واستمداداً له، والاستمداد -كما قلنا- أننا مازلنا نسأل، فإذا بنا ننتقل من علم إلى علم… وموضوع أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام الشرعية منها، والأدلة وهى الكتاب والسنة والإجماع والقياس لها حيثيات كثيرة منها الحفظ، أي أن نحفظ الكتاب والسنة (لا يكون أصولياً مَن حفظ الكتاب والسنة فقط).. وليس معناها أن أفسر.. وإنما كيف نستنبط الأحكام من القرآن والسنة والإجماع والقياس، هنا يأتينا السؤال الثالث: ما هو الحكم الشرعي؟ الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، والاقتضاء يعنى الطلب، والتخيير يعنى افعل أو لا تفعل.. والوضع معناه جعل الشيء بإزاء شيء آخر، إذن فموضوعه متعلق بالمعيار، وكيفية استنباط الأحكام منها، ولكن هذا المعيار هل هو مخصص للدراسة فقط؟ الحقيقة أن محورية هذا المعيار للحضارة تأبى ذلك، فنحن لا ندرس الكتاب والسنة على مدرسة مَن درس الفن للفن، أو هذه المدارس العبثية، وإنما ندرسهما حتى يكون لهما واقع في حياة الناس، ولذلك فلابد مِن مجال في الاجتهاد، فاذا لم يكن هناك مجال فلا اجتهاد، بمعنى أنه لا يستطيع أحد من الناس أن ينعى علينا أن الاجتهاد قد أغلق، وأننا قد سُحبنا من واقع الحياة، لأن الاجتهاد يحتاج إلى مجال يزاول المجتهد فيه اجتهاده، فإن حرمنا المجتهد من مجاله فلن يستطيع أن يجلس في بيته ويفكر ويجتهد، لأن أحد أركان هذا الاجتهاد أن يطبق ذلك المعيار في الواقع.
إذن هناك في أصول الفقه علاقة بالواقع، ومن أجل ذلك تكلموا عن الأحكام الشرعية على مستوى الفقه، وعلى مستوى الفتوى، وعلى مستوى القضاء، أما الذى على مستوى الفقه فهو معرفة الحكم الشرعي، والواقع المطبق فيه من غير تأثير فيه، ومن هنا فالقاضي لابد أن يعرف حكم الله والواقع الذي أمامه، وهو قادر على أن يغير فيه، أما الفقيه فيعرف حكم الله فقط، ولكن المفتي يعرف حكم الله ويعرف الواقع الذي سيطبق فيه دون أن يكون له إلزام في التغيير.
لتوضيح ذلك أضرب مثلاً بما حدث أيام الليث بن سعد في قضية قبرص، وهل خلع أهلها الذمة أم لا؟ ولقد أفتى في هذه القضية سبعة من المجتهدين العظام، واختلفت فتاويهم بناء على تقويم الواقع، فالواقع هو الظاهرة الاجتماعية.. ومن هنا تساءلوا.. أهل قبرص على أية صفة هم؟ هل هم متمردون؟ هل هم مظلومون؟ هل الواقعة التي حدثت لا أصل لها وأن ما نسب إليهم من أقوال وأفعال لم تحدث أصلاً؟
كل فقيه تكلم عن المسألة بما قد وصل إليه علمه بالواقع، ولو تأملت في الفتاوى ستجد أنها لم تختلف من ناحية إدراك حكم الله، ولكنها اختلفت في إيقاع تلك الأحكام على الواقع، فالكل يقول أن مَن تمرد مِن أهل العهد والذمة بيننا وبينهم نقضت ذمتهم، لكن هل هم -فعلاً- نقضوا الذمة؟ وهل عن قصد؟ أم كانوا محتاجين لمساعدتنا، ونحن الذين قصرنا في حمايتهم؟ أو أنه لم يصدر عنهم مثل هذا؟.. إلى آخره.. هنا سيتبين لنا أن دراسة الظاهرة السياسية -مثلاً- يحتاجها ذلك الفقيه لتتم الفتوى على وجهها، وهذا احتياج مسائل وليس احتياج مناهج. إذن نستطيع أن نقول إنه يمكن أن تكون هناك صلة بين منهج أصول الفقه ومنهج العلوم الاجتماعية، وبين مسائل أصول الفقه ومسائل العلوم الاجتماعية، وأيضاً سنتوسع ونقول.. وبين مسائل العلوم الشرعية الأخرى وسائر العلوم الاجتماعية… وهذا ليس موضوعنا، ولكن نحن هنا في هذا المقال (الفتوى والفقه والقضاء.. وأهل قبرص) أدركنا علاقة بين الفتوى التي تحتاج إلى معرفة الواقع الذي يحتاج في دراسته إلى أصحابه ليصِفوه والذي نسميهم بأصحاب العلوم الاجتماعية والإنسانية.
والحقيقة أن اختلاف الواقع أحد عوامل اختلاف الفتوى، وليس أحد أسباب اختلاف الفقهاء.. فالفقهاء في فتاويهم يختلفون لاختلافات كثيرة منها اختلاف ثبوت الأدلة… واختلافهم في تفسيرها وفي مراتبها، بل وفي الأدلة نفسها.. وهل نأخذ بها أم لا.. ومنها الكثير الذي تعرض أصحاب الكتابات له مثل ابن تيمية في “رفع الملام عن الأئمة الأعلام”، والدهلوى في كتابه “أسباب اختلاف الفقهاء”، والشيخ الخفيف -رحمه الله- في كتابه “أسباب اختلاف الفقهاء”، وهؤلاء تكلموا بتوسع عن أسباب اختلاف الفقهاء في هذه الناحية.
وأضرب مثلاً آخر ليتضح الحال أكثر.. فمثلاً يقول الفقيه: من قال لزوجته أنتِ طالق… طلقت منه طلقه رجعية، وتجلس على ذمته ثلاثة حيضات ثم بعد ذلك تصبح طلقة بائنة، ويجوز لأي رجل أن يتزوجها… فجاء لهذا المفتي رجل يقول له هذا الذي حدث بينه وبين زوجته.. فنجده لا يفتيه بأنها طالق منه.. بل يسأله عن حال وقوع الطلاق.. هل كان نائماً أم مستيقظاً؟ بقصد أم بدون قصد؟ قالها حكاية أم توجيهاً؟ فيخرج من هذه المسألة بالحكم، وهكذا يفتش الفقيه المفتي حتى يصل للحكم… ثم يعود ليسأله هل كانت حائضاً؟ فإذا كانت حائضاً اختلف فيها الفقهاء.. البعض يقول بأنها طالق، والبعض الآخر لا يطلقها.. والمفتي إذا كان من هؤلاء أو هؤلاء فسيلتزم بحكمها.. وقس على ذلك كثير من الأمور، فتحرير الواقعة من مهمة المفتي وليست من مهمة الفقيه.. الفقيه يحرر الأحكام، أما القاضي فيغير الواقع (كأن يطلق المرأة من زوجها) أو يسجن زوجها في حالة تعرضه لمطلقته.
نأتي بعد ذلك لمنهج أصول الفقه.. ونتسأل هل يمكن بطريقة تفكير الأصولي أن يستفيد عالم الاجتماع؟ وهل يمكن لعالم الاجتماع أن يستفيد من كيفية ترتيب الأصولي لأفكاره في ذهنه؟ فعالم الأصول عنده أولاً تفريق في ذهنه ما بين القطعية والظنية، وهذه تفيده في التعامل مع النصوص الشرعية، ويمكن لعالم الاجتماع أن يتبنى هذا المنهج، فيفرق ما بين القطعي والظني في دراسة الواقع، وهنا يحتاج صاحب العلوم غير الشرعية كلها بما فيها العلوم الاجتماعية إلى ما أشار إليه الأصوليون وما أخذناه من كلامهم ومعيشتهم – وليس هذا في نصوصهم صريحاً- إلى التفرقة ما بين الواقع ونفس الأمر.
والحمد لله رب العالمين
* * *
([1]) المحصول فخر الدين الرازي – جـ ۱ ق ١ ص ٩٤ جامعة ابن سعود.
([2])منهاج الوصول إلى علم الأصول – القاضي البيضاوي ص ١ المكتبة التجارية.
([3]) الحكم عند الأصوليين، على جمعة، ص ۳۹، دار الهداية.
([4]) البحر المحيط للزركشي ج ١ ص ١٤/١٣ وزارة الأوقاف الكويت.
([5]) الابهاج لابن السبكي ج 1 ص ۱۱ مطبعة التوفيق الأدبية.
([6]) راجع في هذا المعنى، أسس الفلسفة – د. توفيق الطويل، ص ۸۸ وما بعدها، دار النهضة العربية ط خامسة ١٩٦٧.
([7]) راجع في هذا المعنى: “المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين” للدكتور محمد العروسي عبد القادر، ط دار حافظ للنشر والتوزيع بجدة ۱۹۹۰م.
([11]) راجع فيما يلي عن الوضوء: مغني المحتاج ٤٧/١ مصطفى الحلبي.
([12]) بيان المختصر لأبي الثناء الأصبهاني ۳۹/۱ ط. كلية الشريعة بمكة.
([13]) مواهب الجليل ۱۷۷/۱ دار الفکر بيروت.
([14]) مغني المحتاج ۸۳/۱ مصطفى الحلبي.
([15]) حاشية الجمل على المنهج ٤٥/٣ المكتبة التجارية قال في الحاشية ٤٥/٣ عن الربا: “وحرمته تعبدية، وما ذكر فيه من أنه يؤدي إلى التضييق والحوه حكم لا علل”، وقال: “وحكي عن بعضهم التصريح بأن التعبدي هو الذي لم يدرك له معنى”، وقال: “إنهم قد يطلقون التعبدي على ما لم يظهر له علة موجبة”.
وانظر في المسألة: التبصرة للشيرازي ٥٢٤، الإحكام للآمدي، المكتب الإسلامي 4/٢١٦، البحر المحيط للزركشي 6/٢١٨
([20]) المحصول للرازي – الجزء الأول القسم الأول ص ٥٤٧ نشر جامعة الإمام محمد بن سعود، قال الكوثرى في نظرة عابرة ص ٦٨، ٦٩: والشعر بالاحتمالات العشر لا يمت إلى أي إمام من أئمة الدين بأي صلة وإنما هو صنع يد بعض المبتدعة وتابعه بعض المتفلسفين من أهل الأصول.
([21]) المحصول القسم السابق ٥٧٥.
([22]) الإبهاج 1/۳۲۲، ۳۲۳ دار الكتب العلمية بيروت. ولقد توسع القرافي في الرد على هذه القضية في نفائس الأصول ج ٣ ص ١٠٧١.
([23]) راجع زوائد الأصول للإسنوي ٤٣٢ ط مؤسسة الكتب الثقافية، ١٩٩٣.
([24]) لازم المذهب ليس بمذهب إلا أن يكون اللزوم بيناً. راجع ابن تيمية في فتاويه 2/25، 20/217، 29/42.
قال ابن تيمية في ۲۱۷/۲۰ جمع عبد الرحمن النجدي: “وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب أم ليس مذهب؟ فالصواب أن مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يتزمه.. (۱) زوائد الأصول ٤٢٣ حاشية المحقق.
([25]) زوائد الأصول 423 حاشية المحقق.
([26]) العنبري هو عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري ولد سنة ١٠٠هـ وتوفي سنة ١٦٨هـ، راجع تاريخ بغداد 10/٣٠٦ وميزان الاعتدال 3/5 وتهذيب التهذيب ٧/٧ دائرة المعارف العثمانية بالهند، مطبعة السعادة عيسى الحلبي.
([27]) البحر المحيط 1/84 وزارة الأوقاف الكويت.
([28]) المستصفي 1/23 الأميرية.
([29]) شرح الكوكب1/97-۸۲ مراجع كلام تقي الدين ابن تيمية في المسودة ٥٥٨.
([30]) هو الحسن بن على بن خلف أبو محمد البربهاري شيخ الحنابلة ت ٣٢٩ وترجمته في طبقات الحنابلة لأبي يعلي 2/18، شذرات الذهب لابن العماد 2/19.
([31]) شرح الكوكتب 1/498، المستصفي 1/83، التلويح على التوضيح 3/143، العضد على اين الحاجب 2/15، تيسير التحرير 2/243.



