الأخلاق القرآنية في التأويل الحداثي: دراسة نقدية لنظرية محمد شحرور
Qurʾanic Ethics in Modernist Interpretation: A Critical Study of Muḥammad Shahrūr’s Theory
مقدمة:
برزت في القرن التاسع عشر اتجاهات ثلاثة للنهوض بالأمة العربية والإسلامية من ركام التخلف، واستعادة أمجاد الماضي: اتجاه يدعو إلى التمسك بآثار السلف والاقتداء بهم، واتجاه مناهض يدعو إلى تتبع خطى الغرب واستنهاج سبُله، واتجاه ثالث خلط بين المذهبين، إذ فسر الإسلام تفسيراً موائماً لمرتكزات الحضارة الغربية وبرّر أنماطها وأساليبها([1]). ينضوي الاتجاهان الثاني والثالث تحت مقولة ابن خلدون بأن الأمة المغلوبة مولعةٌ بتقليد الأمة الغالبة في شعارها وزيّها وأحوالها وعاداتها([2]).
وقد سعت المشروعات الحداثية العربية في القرن العشرين إلى استنساخ تجربة التحديث الغربي، بكل مناهجها وآلياتها، وأسقطتها على العلوم الإسلامية دون مراعاة الخصوصية الثقافية لهذه العلوم ذات السياق التاريخي والفكري المباين للسياق الغربي المعادي للدين([3]). ومن الطبيعي أن هذا التباين في تطبيق تلك الأدوات والمناهج، قاد إلى تحولات وتحديات في دراسة وفهم التراث الإسلامي: من هدم الثابت، وزحزحة المقدس، وانتهاك حرمة النص بتفكيكه وتعدد قراءاته… إلخ([4]).
ألف محمد شحرور، مهندس مدني سوري،([5]) كتابه “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” عام ١٩٩٠،([6]) وقد ادعى أنه أتى فيه بفهم جديد للقرآن الكريم مستعيناً بالعلوم العصرية حتى يبرهن على قيم وطموحات الإسلام الحداثي التقدمي. ويبين شحرور في المقدمة دوافع تأليف كتابه، وهي أن الفكر العربي المعاصر (ومن ضمنه الفكر الإسلامي) يعاني من مشاكل فكرية متعددة: منها عدم التقيد بالمنهج العلمي الموضوعي، وعدم تطبيق الكتّاب المسلمين لهذا المنهج على القرآن؛ وإصدار الأحكام المسبقة؛ وإهمال الفلسفات الإنسانية؛ وعدم وجود نظرية إسلامية في المعرفة الإنسانية، مصوغة صياغة حديثة؛ فضلاً عن أزمة فقهية حادّة يعيشها المسلمون.([7]) بفضل هذه القراءة المعاصرة، يعتقد شحرور أن كل إنسان، عربي أو أجنبي، مؤمن أو ملحد، “سيجد شيئاً ما في هذا الكتاب يدخل ضمن قناعاته الخاصة.”([8]) وقد أثار الكتاب ضجة واسعة وردود أفعال عديدة في العالم العربي والإسلامي، وألفت حوله كثير من المقالات والكتب.([9]) وحظيت أفكار شحرور التي خرجت عن المألوف وكسرت التابوهات باهتمام ملحوظ عند الكتاب الغربيين؛ إذ مثلت صوتاً جديداً من أصوات الإسلام الليبرالي-العصري([10]).
تركز هذه الدراسة على نظرية الأخلاق في القرآن كما تصورها شحرور في كتابه “الكتاب والقرآن”، وهو جانب لم تتناوله الردود والدراسات السابقة عن شحرور. وتهدف الدراسة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة والقضايا:
ما فحوى النظرية الأخلاقية في القرآن، بحسب رؤية شحرور؟
على أي أسس أقام شحرور نظريته الأخلاقية؟
ما سمات ومقومات هذه النظرية؟
كيف تختلف نظرية شحرور عن الرؤية التقليدية للأخلاق في القرآن؟
هل هناك اتساق لغوي ومنطقي في مكونات البنية الداخلية لهذه النظرية؟
هذا، وتنقسم الدراسة إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول يحتوي على الإطار التصوري الذي يتألف من تعريف لأهم مصطلحات الدراسة، وهي التأويل والحداثة والأخلاق؛ ثم تقديم لمنهجية شحرور في كتابه؛ ثم عرض لنظريته في الأخلاق القرآنية كما يتصورها.
أما القسم الثاني وهو الدراسة التحليلية والنقدية، فيضم ستة مسائل، تناقش الخمسة الأولى منها نظرية شحرور في بنيتها اللغوية والفكرية، وأساسها التنظيمي للوقوف على تبين مدى اتساقها أو تخبطها، في حين تعرض المسألة السادسة لطبيعة الأخلاق في القرآن من حيث شمولها وتكاملها.
* * *
القسم الأول: الإطار التصوري
أولاً: مدخل مفاهيمي
التأويل:
——————————————————————————————————————————-
([1]) حسين، محمد، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، (القاهرة: مكتبة الآداب، ط ٣، ١٩٦٢)، ج١، ص ٦؛ حوراني، ألبرت، الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨-١٩٣٩، ترجمة: كريم عزقول، (بيروت: دار النهار، ١٩٦٨).
([2]) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، تحقيق: إبراهيم شبوح، (تونس: القيروان للنشر، والدار العربية للكتاب، ط١، ٢٠٠٦)، ج١، ص ٢٥٧.
([3]) المسيري، عبد الوهاب، (تحرير)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط٢، ١٩٩٦).
([4]) الطعان، أحمد إدريس، العلمانيون والقرآن الكريم، (الرياض: دار ابن حزم، ١٤٢٨هـ).
Suha Taji-Farouki, (ed). Modern Muslim Intellectuals and the Qur’an (Oxford: Oxford University Press; London: The Institute of Ismaili Studies, 2006).
([5]) ولد شحرور في دمشق عام ١٩٣٨. درس الهندسة المدنية في موسكو عام ١٩٥٩. ونال شهادة الدكتوراه في الهندسة من دبلن عام ١٩٧٢. ثم عيِّن مدرساً في كلية الهندسة المدنية- جامعة دمشق. اهتم بدراسة القرآن بعد هزيمة ١٩٦٧. أصدر سلسلة دراسات إسلامية معاصرة، باكورتها “الكتاب والقرآن”. مات في الإمارات عام ٢٠١٩. https://shahrour.org/?page_id=2
([6]) نشر دار الأهالي في سورية.
([7]) شحرور، محمد، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، (دمشق: الأهالي، ١٩٩٠)، ٣٠-٣٢.
([9]) حول الكتب التي ألفت حول كتاب شحرور، انظر أندرياس كرستمان
-Christmann, Andreas. “’73 Proofs of Dilettantism’: The Construction of Norm and Deviancy in the Responses to Mohamad Shahrour’s Book al-Kitāb wa’l-Qurʾān: Qirāʾa Muʿ āṣira,” Die Welt des Islams , 2005, New Series, Vol. 45, Issue 1, pp. 20-73; Christmann, Andreas. “The form is permanent, but the content moves: the Qur’ānic text and its interpretation(s) in Mohamad Shahrour’s al-Kitab wal-Qur’an.” in Modern Muslim Intellectuals and the Qur’an. Suha Taji-Farouki (ed.) (Oxford: Oxford University Press; London: The Institute of Ismaili Studies, 2006) Pp. 263-295.
وفي رأيي، إن أحكم الردود على كتاب شحرور ثلاثة: الصيداوي، يوسف، بيضة الديك: نقد لغوي لكتاب الكتاب والقرآن، (دمشق: المطبعة التعاونية، د.ت)؛ المنجد، ماهر، الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن، (دمشق: دار الفكر، ١٩٩٤)؛ حبنكة، عبد الرحمن، التحريف المعاصر في الدين، (دمشق: دار القلم، ط١، ١٩٩٧).
([10]) Christmann, “’73 Proofs of Dilettantism’; The form is permanent’; and his book The Qurʾan, Morality and Critical Reason: The Essential Muhammad Shahrur. (Brill, 2009); Dale F. Eickelman, “Islamic Liberalism Strikes Back,” Middle East Studies Association Bulletin , Vol. 27, No. 2 (December 1993), pp. 163-168; Peter Clarke, “The Shahrur Phenomenon: a Liberal Islamic Voice from Syria”, Islam and Christian-Muslim Relations, vol. 7, No. 3, 1996, pp: 337-341.



