النسق المفهومي لمقولة “لا حكم إلا لله” بين الدلالة المركزية والهامشية
The Conceptual Composition of the Statement of “The Rule Is for None but Allah” between Central and Marginal significance.
مقدمة:
ارتبطت عبارة “لا حكم إلا لله” بمرحلتين تاريخيتين متباعدتين في الزمن: فقد استشهد بها الخوارج في زمن علي بن أبي طالب t، ثم تحولت- بعد ثلاثة عشر قرناً- إلى مفهوم عُرف باسم الحاكمية الإلهية عند أبي الأعلى المودودي وسيد قطب. ثم تبنت هذا المفهوم حركاتٌ وتيارات إسلامية جهادية، وجعلته أصلاً من أصول فكرها التنظيمي والدعوي، ومعياراً في تقييم النظم السياسية القائمة والمجتمعات الإسلامية.
أثار مفهوم الحاكمية المعاصر جدالاً فكرياً واسعاً ما بين مؤيد ومعارض. فهو – في رأي البعض- مفهوم أصيل في الشريعة([1])، و-عند آخرين- مصطلح مستحدث لم يَرِد لا في القرآن ولا في السنة([2])، وإنما أفرزته أوضاع وظروف تاريخية وسياسية خاصة، أو هو تعبير لا يقدم جديداً في الواقع([3])، أو يهيمن عليه التفسير السياسي([4]). وهناك دراسات تجاوزت الأفكار المسبقة للحاكمية، وحاولت تأصيل المفهوم عبر دراسة أبعاده ودلالاته السياسية والمنهاجية، وسياقاته التاريخية، والوقوف على ملامح العلاقة بين الحاكمية والاستخلاف، وبين الحاكمية والجاهلية([5]). ويرى محمد حاج حمد أنّ الحاكميّة، كما صاغها المودودي وقطب، تسوق إلى عطالة الإنسان وسلبيّته؛ إذ تقود إلى المذهب الجبري، ويميز-بناءً على استقراء المنهجية المعرفية القرآنية- بين الحاكميّة الإلهيّة، وحاكميّة الاستخلاف (كانتا في بني إسرائيل، ولا تنطبقان على المسلمين، كما يعتقد الكاتب)، وحاكميّة البشر، التي ابتدأتها الدعوة المحمدية([6]).
في سياق مختلف، تركز هذه الدراسة على بيان الدلالة المركزية والهامشية لمقولة (لا حكم إلا لله/ الحاكمية) وكيف أن المعنى المركزي للحكم في المرحلتين التاريخيتين (وبخاصة المرحلة الثانية) قد زحزحته ظلالُ المعنى الهامشي، فقادت إلى لبس في فهم المصطلح، واضطراب في الرؤية والتشخيص على صعيد الفكر السياسي الإسلامي.
استخدم الباحث في معالجة الموضوع المنهج التاريخي للكشف عن الخلفيات التاريخية لمقولة “لا حكم إلا لله” التي تبدت مظاهرها وآثارها في المفهوم المعاصر للحاكمية. كما استخدم أيضاً المنهج التحليلي على المستويين اللغوي والشرعي للوقوف على الدلالة المركزية والهامشية لهذه المقولة التي شغلت العلماء والباحثين قديماً وحديثاً.
الإطار النظري:
لا شك أن اللغة ظاهرة اجتماعية، شديدة الارتباط والتأثر بالظروف الاجتماعية والفكرية والثقافية التي أنتجتها([7]). ولا يتم تحليل معنى اللفظ أو النص إلا بمراعاة فكرتي المقال والمقام معاً([8])، لأن الاقتصار في استجلاء معنى النص على المستوى الوظيفي (الصوتي والصرفي والنحوي)، والمستوى المعجمي، إنما يفسر الجانب المقالي فقط. لكن يبقى النص معزولاً عن مضمونه الذي انبثق عنه، وهو القرائن أي المقام والسياق([9]).
علم الدلالة semantics فرع عن علم اللغة يتناول نظرية المعنى([10]). فهو يدرس تلك القوانين التي تشرف على تغير المعاني، ويعاين الجانب التطوريّ للألفاظ اللغوية ودلالاتها([11]). يولي علمُ الدلالة اهتماماً خاصاً بالعوامل الخارجية (الإنسانية والاجتماعية) المؤثرة في الألفاظ([12]).
يقسم الدكتور إبراهيم أنيس، من رواد الدراسات اللغوية واللسانيات، الدلالةَ إلى قسمين:
– الدلالة المركزية، وهو المعنى اللغوي للفظ([13])، أي المعنى المقالي (المستوى الوظيفي والمعجمي)([14]). وهذا المعنى يشترك في فهمه الناسُ بنسبة تتفاوت وضوحاً وغموضاً. “ويمكن أن تشبه الدلالة بتلك الدوائر التي تحدث عقب إلقاء حجر في الماء؛ فما يتكون منها أوّلاً يعد بمثابة الدلالة المركزية للألفاظ، يقع فهمُ بعض الناس منها في نقطة المركز، وبعضهم في جوانب الدائرة أو على حدود محيطها. ثم تتسع الدوائر وتصبح في أذهان القلة من الناس وقد تضمنت ظلالاً من المعاني لا يشركهم فيها غيرهم”([15]).
أما الدلالة الهامشية (أي المعنى المقامي)([16]) فهي تلك الظلال التي يضيفها الفرد إلى المعنى الأصلي للفظ أو النص بوحي من تجربته ومزاجه وما ورثه عن آبائه وأجداده([17]). وكلما كثرت تجارب المرء وتعددت فإنها تصطبغ دلالته بصبغة خاصة وتلونها بلون مميز، وتسبغ عليها ظلالاً من المعاني لا يشركه فيها غيره من الناس”([18]).
الدلالة المركزية تجمع الناس على قدر مشترك من الفهم، فتعين على تكوين المجتمع وقضاء مصالحه، أما الدلالة الهامشية فتفرق الناس إلى فهوم شتى، وتقود إلى الشقاق والنزاع فيما بينهم([19]).
وتزداد خطورة الدلالة الهامشية عندما تسيطر على أذهان البعض، فتغدو الأشياء وقد سميت بغير أسمائها الحقيقية، وربما انتقص أو زيد من دلالتها. “وسواء كانت تلك الدلالة الهامشية سببها الهوى والغرض، أو عن عقيدة وإيمان، فهي تتصل اتصالاً وثيقاً بما يسميه علماء النفس بالعاطفة”([20]). ويلاحظ إبراهيم أنيس أن أوضح مجال للدلالة الهامشية هو السياسة([21])، حيث يبرز التنافر والتشاكس بين البشر، وتنشأ بينهم حروب طاحنة. وكثيرا ًما يشحن السياسيون الألفاظَ السياسية بفيض من الدلالات الهامشية كي يحققوا مآربهم، ويقنعوا الجمهور بآرائهم([22]). وقديماً، استغل السفسطائيون الغموضَ الذي يعتري الدلالةَ اللفظية، فاستطاعوا بذلك أن يعبثوا بحقائق العلم والمعرفة والأخلاق، بل تمكنوا من تأييد الموضوع ومعارضته في وقت واحد. وقد تنبه أرسطو لهذا العبث السفسطائي فدعا إلى ضرورة تحديد معاني الألفاظ واستجلاء مدلولاتها بدقة([23]).
طبعاً، إن التغيير الدلالي للألفاظ ظاهرة طبيعية، حيث يحل محلَّ المعنى الأساسيِّ للكلمة معنى فرعيٌّ أو ثانوي، فرضته دلالةٌ سياقية أو تعبيرية أو أسلوبية. يقول بيير جيرو: “يتغير المعنى لأننا نعطي اسماً عن عمد لمفهوم ما من أجل غايات إدراكية أو تعبيرية. إننا نسمي الأشياء، ويتغير المعنى، لأن إحدى المشتركات الثانوية (معنى سياقي، قيمة تعبيرية، قيمة اجتماعية) تنزلق تدريجياً إلى المعنى الأساسي، وتحل محله، فيتطور المعنى”([24]). ولابد من التأكيد هنا إلى حقيقة أن هذا التطور الدلالي للفظ “لا يحمل شحنة معيارية لا إيجاباً ولا سلباً”([25]). أي هو مجرد تغيير في المعنى، سواء أكان هذا التغيير صاعداً أم هابطاً، يقبله النسق اللغوي للكلمة أم يرفضه. بعبارة أخرى، قد يكون المقام أو السياق معيناً في فهم النص وتحديد معناه (وربما هذا هو الغالب في الوظيفة السياقية)، وقد يكون صارفاً للنص عن معناه الذي هو أحق به، بسبب ظروف وأحوال خاصة مر بها هذا الفرد أو تلك الجماعة، وهو ما يسمى بالدلالة الهامشية.
ويؤكد علماء اللغة على ضرورة وجود علاقة ما، ولو من بعيد، بين اللفظ والمعنى الجديد أو الفرعي([26])، وإلا فستغدو العلاقة بينهما اعتباطية وستزول الحواجز أو الحدود اللغوية التي تفصل بين الألفاظ. نعم، إن فرديناند دي سوسير قال باعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول لكن هذا لا يقود إلى جعل المعنى اعتباطياً. يشرح جون إليس أن هذه “الاعتباطية” لا تشير إلى العشوائية بل إلى العكس، إنها تشير إلى حقيقة أنه يوجد توافق محدد على استخدام نسق محدد من الكلمات وعلى كيفية استخدامه. وليس القصدُ من ذلك أن المعنى الذي تعطيه كلمةٌ معينة هو معنى اعتباطي؛ لأنه إنْ لم يكن للكلمة موضعٌ في نسق الكلمات فلن يوجد نسقٌ ولا توافق ولا معنى البتة. وبناءً عليه فلن توجد لغةٌ، ولن يكون تواصلٌ([27]).
الدلالة المركزية لمصطلح “الحكم” لغة وشرعاً:
أصل مادة (حَكم) في اللغة تدل على المنع، ومنه الحُكم، وهو المنع من الظلم([28])، والحِكْمة لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الرذائل([29]). ويقال: حَكَمتُ السفيهَ وأحكمته، إذا أخذتَ على يديه([30]). يقال: حكمتُ عليه بكذا: إذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج من ذلك([31]). والحُكم: العلم والفقه والقضاء بالعدل.([32]) وحَكمتُ بين القوم: فصلتُ بينهم فأنا حاكم وحَكَم، والجمع حُكّام([33]). والحاكم: منفِّذ الحُكم([34]). وأحكم الأمرَ: أتقنه، فاستحكمَ([35]). وحاكمه إلى الحاكم: دعاه وخاصمه، وحَكّمه في الأمر: أمره أن يحكم([36]). وحكَمَ فلان عن الأمر والشيء أي رجع، وأحكمته أنا أي رجَعته([37]). والحكيم: العالم، وصاحب الحكمة([38])، والمتقنُ للأمور([39]). والحِكمة ترد بمعنى “العدل والعلم والحِلم والنبوّة والقرآن والإِنجيل وطاعة الله والفقهُ في الدّين والعملُ به أو الخشية أو الفهم أو الورع أو العقل أو الإِصابة في القول والفعل والتفكر في أَمر الله واتِّباعه”([40]).
أما في الشريعة (القرآن والسنة) فيرد الحكم ومشتقاته بهذه المعاني:
– القضاء والفصل في المظالم والخصومات، كقوله تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) ( الحج: ٥٦)، وكقوله r: “لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان”([41])، وكقوله: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران…”([42]).
– التحليل والتحريم في أمر الدين، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (المائدة: ١)([43]).
– الإحكام والإتقان، كقوله تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: ١).
– الفقه والفهم والعلم، كقوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) (يوسف: ٢٢)([44]).
– الإبانة والإيضاح، كقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (آل عمران: ٧).
– النبوة والرسالة، كقوله تعالى: (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) (الأنبياء: ٧٥)([45]).
– القضاء والقدر، كقوله تعالى: (واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) (الطور: ٤٨) أي لقضائه([46]).
– الحكم المرتبط بسلطة سياسية([47])، كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٨، ٥٩).
عن زيد بن أسلم قال: نزلت هذه الآية في ولاة الأمر([48]). وعن غيره: نزلت في الأمراء خاصة([49]). وعن مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: “قَالَ عَلِيُّt كَلِمَات أَصَابَ فِيهِنَّ: حَقٌّ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَأَنْ يُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْمَعُوا وَأَنْ يُطِيعُوا وَأَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا”([50]). ومن معاني الحكمِ الملكُ، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) (الجاثية: ١٦)([51]).
ما المراد بـعبارة “الحكمُ لله”؟ وردت هذه العبارة في القرآن الكريم سبع مرات بأسلوب يقصر الحكم على الله تعالى، إلا موضعاً واحداً نسب فيه الحكم لله تعالى دون قصر أو حصر. هذه هي المواضع مع بيان المعنى المقصود بالحكم كما بينه المفسرون([52]).
١- (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (الأنعــام: ٥٧). أي القضــــاء([53])، أو الحكـــم لله فـــي تأخـــــير عذابهـــم([54])، أو الحكم الفاصل([55]).
٢- (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام: ٦١، ٦٢)، أي القضاء([56])، والقضاء والفصل([57])، وجميع أنواع التصرفات في العباد([58]).
٣- (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (يوسف: ٤٠)، أي الحُكْمُ في أمر العبادة والدين لله([59])، أو القضاء والأمر والنهي([60])، أو التَّصَرُّف وَالمشِيئة وَالملك كلّه لله([61]).
٤- (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون) (يوسف: ٦٧)، أي القضاء([62])، والأمر والقضاء والمشيئة([63]).
٥- (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص: ٧٠)، أي القضاء بين عباده([64])، والفصل بينهم([65])، والقضاء النافذ في كل شيء([66]). ويقول الرازي في تفسيره: “وَلَهُ الْحُكْمُ فَهُوَ إِمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الآخِرَةِ: فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَحُكْمُ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُ إِنَّمَا نُفِّذَ بِحُكْمِهِ، فَلَوْلا حُكْمُهُ لَمَا نُفِّذَ عَلَى الْعَبْدِ حُكْمُ سَيِّدِهِ، وَلا عَلَى الزَّوْجَةِ حُكْمُ زَوْجِهَا، وَلا عَلَى الابْنِ حُكْمُ أَبِيهِ، وَلا عَلَى الرَّعِيَّةِ حُكْمُ سُلْطَانِهِمْ، وَلا عَلَى الأُمَّةِ حُكْمُ الرَّسُولِ، فَهُوَ الْحَاكِمُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أَنَّهُ هُوَ الْحَاكِمُ، لأَنَّهُ الَّذِي يَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَ الْعِبَادِ فِي الآخِرَةِ، فَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ”([67]).
٦- (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص: ٨٨)، أي القضاء([68])، أو الملك والتصرف([69])، أو الفصل بين الخلائق في الآخرة([70]).
٧- (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) (غافر: ١٢)، أي القضاء([71])، والقضاء والقدر([72]).
بناء على عبارات أئمة التفسير، جاء الحكم في هذه الآيات بمعنى القضاء والأمر والشأن والمشيئة والتصرف. وجميع هذه الألفاظ ذات مدلول واحد، وهو ما يسمى الحكم التكويني([73]) أي إرادة الله -عز وجل- ومشيئته المهيمنة على العالم أجمع، فلا يخرج عن مشيئته شيء في هذا الوجود؛ إذ له الأمر في كل شيء إيجاداً وإعداماً. عبرت عن ذلك آيات مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: ٨٢)، وقوله: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (مريم: ٣٥)، وقوله: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:٥٤).
ولهذا ورد “الحكم لله” في الآيات السابقة بأسلوب القصر؛ إذ لا مشاركة للبشر فيه البتة. أما كلام الإمام الرازي في الآية ٧٠ من سورة القصص، فالمعنى فيه يتردد بين الحكم في الدنيا أو الآخرة. ولا شك أن الأولى والأنسب أن يكون الحكم -إذا قصد به في الدنيا- بمعنى الأمر والشأن والقضاء انسجاماً مع الآيات الأخرى، ومراعاة لأسلوب القصر، لأن البشر يشتركون مع الله في سن الأحكام والقوانين ضمن منظومة التشريع الإسلامي وفيما أذن به الله من الاجتهاد البشري.
أما الحاكمية فهي مصدر صناعي([74]) مشتق من اسم الفاعل حاكم، وليس من الحُكم؛ إذ لو اشتقت من الحُكم لكان ينبغي أن يقال: الحُكْمية. وتدل “الحاكمية” على مجموعة من الصفات التي تتعلق بالحاكم من الفصل والقضاء في الخصومات، وممارسة السلطة السياسية، والفقه والفهم، والإتقان في العمل… وإذا تعلقت الحاكمية بالله U دلت أيضاً – مع ما ذكر من هذه الصفات- على القضاء والقدر، والتحليل والتحريم. والفرق بين الحكم والحاكمية أن الحكم يدل على كل معنى من هذه المعاني بالانفراد، والحاكمية تدل عليها مجتمعةً.
الدلالة الهامشية لمقولة “لا حكمَ إلا لله”:
أولاً: الخوارج والحكم
من المعروف تاريخياً أن أوّل من رفع شعار “لا حكم إلا لله” وأقامه في غير سياقه الصحيح، هم الخوارج، الذين انشقوا عن جيش علي أبي طالب في قتاله مع معاوية بن أبي سفيان في معركة صفّين (٣٧هـ)، إثر مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنهم-([75]). عندما خشي معاوية من خسارة الحرب دعا هو وأهل الشام جيشَ علي إلى تحكيم كتاب الله تعالى لحل الخلاف. وبعد مناورات ومشاورات رضي عليّ مكرَهاً بالتحكيم. فاتفق علي ومعاوية على تحكيم أبي موسى الأشعري (رسول علي)، وعمرو بن العاص (رسول معاوية) في النزاع. فما كان من الخوارج إلا أن أعلنوا رفضهم لقضية التحكيم (مع أنهم حملوه على التحكيم في البداية)([76]) وطالبوا علياً بمتابعة القتال، وقالوا: “لا حكم إلا لله”([77])، وعليه سموا المُحكِّميّة([78])، لأن حكم الله-في رأي الخوارج- أن يستمر علي في القتال عملاً بقول الله تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه) (الحجرات: ٩) وتحكيم الرجال في هذه القضية أمر باطل. فهم يرون أن علياً، الخليفة الشرعي، كان يجب أن يستمر في قتال معاوية، وكان رضاه بالتحكيم خطأ عظيماً، ولهذا أصبح علي من المشركين/ الكافرين([79]).
ولما دخل علي الكوفة انحاز عنه (خرج عليه) اثنا عشر أو ستة عشر ألفاً من القرّاء وغيرهم([80])، ولحقوا بحَروراء، قرية من قرى الكوفة، ولذا سموا الحَروريّة([81]). وقد ناظرهم عليٌّ t أكثر من مرة، وردّ عليهم ما توهموه من الشُّبَه وبين لهم حقيقة الأمر([82])، وأرسل لهم أيضاً الصحابي الجليل، حبر الأمة عبدَ الله بن عباس يناظرهم. فأقام عليهم الحجة من القرآن والسنة وأثبت لهم جواز تحكيم الرجال في دين الله([83]). فرجع من الخوارج بعد مناظرة ابن عباس أربعةُ آلاف شخص([84]). وفي إحدى مناقشاته لهم، أجاب عليٌّ الخوارج- بعد أن قالوا له: لا حكم إلا لله- بقوله: “كلمة حقّ أريد بها باطل”([85]). فالكلام المستشهد به حق، لكن في مقام أو سياق باطل، وهو “محاولة إلزام الحجة سياسياً بهتاف ديني”([86]).
ثانياً: الإسلاميون والحاكمية:([87])
انتقلت مقولة “لا حكم إلا لله” عند الخوارج من مجرد كلمة حقٍّ أريد بها باطلٌ إلى مذهب فكري معاصر هيمنت عليه الدلالة الهامشية التي أملتها ظروف وأوضاع سياسية واجتماعية وعقَدية في تجربتين مختلفتين: الباكستان ومصر([88]).
– أبو الأعلى المودودي:
لا خلاف في أن المفكر الإسلامي الباكستاني، أبو الأعلى المودودي (توفي ١٩٧٩)([89]) هو أول من أسبغ على مصطلح الحاكمية بُعداً إلهياً (لاهوتياً)، حيث قال بتلازم الحاكمية والألوهية، فقصر الحاكمية على الله تعالى، ونفاها عن غيره. وقد تبنى هذا الفهم سيد قطب ثم تلقفته بعض الحركات الإسلامية الجهادية. والحاكمية عند المودودي تشكل قلب المنظومة السياسية الإسلامية([90]).
يعرف المودودي الحاكمية بأنها السلطة العليا والسلطة المطلقة، كما تسمى اليوم في علم السياسة. وهذا الحاكم ذو صلاحيات كلية مطلقة، واجب الطاعة، قادر مطلق في ذاته، لا يُسأل عما يفعل، خيراً كان أم شراً… هكذا يتم تصوير الحاكمية القانونية عند أهل القانون. لكن هذه الحاكمية ستبقى حبراً على ورق مالم يكن من ورائها حاكمية سياسية تدعمها وتحولها إلى واقع([91]).
ويضيف المودودي بأن حاكماً بمثل هذه الصفات لا وجود له بين البشر، ولا ينطبق إلا على الله U، المستحق لهذه الحاكمية؛ فهو فعّال لما يريد، والمقتدر القوي العزيز، بيده ملكوت كل شيء…([92]) إذن، الحاكمية الإلهية تشمل الحاكمية القانونية والسياسية. يستدل المودودي على حاكمية الله القانونية، وهي حق لله وحده، بقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف: ٤٠)، وقوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: ٣). واستدل على كفر من أنكر هذه الحاكمية القانونية بالآية الكريمة (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: ٤٤)([93]). وثمة تلازم بين الألوهية والسلطة عند المودودي؛ فالذي لا يملك سلطة لا يكون إلهاً، ومن له السلطة فهو من يستحق الألوهية([94]).
صاغ المودودي تصوره للحاكمية ما بين ١٩٣٧و١٩٤١ في ظل الاستعمار الإنجليزي للهند، وهي “سلطة بشرية جاهلة وكافرة، وكانت تلوح في أفق الهند المستعمرة يومئذ صورةُ الهند المستقلة، كما تصورها حزب المؤتمر: دولة قومية، ديمقراطية، علمانية -على النمط الغربي- وفيها ستكون الحاكمية للجاهلية الهندوكية الكافرة. وأمام هذه الحقيقة أعلن المودودي بأعلى صوته عن كفره بهذه الحاكمية البشرية، وركز على الجانب الإلهي من الحاكمية”([95]). لهذا غلب على فكر المودودي طابع الصدام والفصل الحاد بين القيم والمبادئ الإسلامية وبين الأفكار الغربية في الدين والسياسة. وهنا تكمن الدلالة الهامشية لمصطلح الحاكمية عند المودودي.
وفيما بعد، نجد أن المودودي عدّل مسارَ فكره وتحول من رفضه فكرة منح الإنسان أي صلاحيات للحكم إلى حاكمية شعبية إسلامية مقيدة([96])، وإلى الإقرار بأن الخلافة عن الله تتضمن معنى الحاكمية والسلطان؛ لأنها نيابة عن الحاكم الأعلى([97]).
– سيد قطب:
لئن كان المودودي ربط بين الحاكمية والألوهية، فإن سيد قطب (ت ١٩٦٦) وثّق عرى هذه الصلة، فجعل الحاكمية من أخص خصائص الألوهية([98]). فالحاكمية عند قطب، كما يبينها صلاح الخالدي، (وهو من المدافعين عن قطب) “هي إفراد الله تعالى وحده بالحكم والتشريع والقوامة والسلطان، واستمداد كل التشريعات والمناهج والنظم من الله وحده، وتطبيق شريعته على كافة مناهج الحياة”([99]). كثيراً ما تردد مصطلح الحاكمية في تفسير قطب “في ظلال القرآن” عند حديثه عن الألوهية والربوبية، والعقيدة، والسلطة والتشريع…([100]) ويناقش قطب بأن الإنسان العربي الخالص يفهم من كلمة الشهادة ” لا إله إلا الله” أنه لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله…([101]).
وتتجلى فكرة الحاكمية عند قطب في تقابلها بمصطلح الجاهلية المعاصرة، التي ” تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية، وهي الحاكمية”([102]). وكما أن الحاكمية عند قطب من خصائص الألوهية، هي أيضاً من خصائص الربوبية([103]). لهذا، فإن حق الحاكمية المطلقة لله وحده هو المبدأ الإسلامي الأول، وهذا المبدأ “هو العقيدة، وهو الدين، وهو الإسلام، وليس وراءه من هذا الدين كله إلا التطبيقات والتفريعات”([104]). و”إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله. فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين”([105]).
إن هذه الدلالة الهامشية للحاكمية عند قطب كانت ردة فعل حادة وعنيفة لما قام به النظام الناصري في الخمسينات والستينات من تنكيل بالإخوان وتعريضهم لصنوف من العذاب والتشريد والملاحقات، وتهميش القيم والأفكار الإسلامية لصالح نظيراتها العلمانية. يقول القرضاوي: “في هذه المرحلة ظهرت كتب الشهيد سيد قطب، التي تمثل المرحلة الأخيرة من تفكيره، والتي تنضح بتكفير المجتمع، وتأجيل الدعوة إلى النظام الإسلامي بفكرة تجديد الفقه وتطويره، وإحياء الاجتهاد، وتدعو إلى العزلة الشعورية عن المجتمع، وقطع العلاقة مع الآخرين، وإعلان الجهاد الهجومي على الناس كافة، والإزراء بدعاة التسامح والمرونة، ورميهم بالسذاجة والهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية، ويتجلى ذلك أوضح ما يكون في تفسير الشهيد (في ظلال القرآن) في طبعته الثانية، وفي (معالم في الطريق)، ومعظمه مقتبس من الظلال، وفي “الإسلام ومشكلات الحضارة”، وغيرها، وهذه الكتب كان لها فضلها وتأثيرها الإيجابي الكبير؛ كما كان لها تأثيرها السلبي”([106]).
كوّن تصور سيد قطب لمبدأ الحاكمية والجاهلية الأساس الفكري والتنظيمي لجماعات إسلامية متشددة مثل جماعة التكفير والهجرة، التي قالت بتكفير الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وبكفر المحكومين الذين رضوا بذلك، ودعت إلى الهجرة أي عزلة المجتمع الجاهلي عزلة مكانية وشعورية([107]).
أصبح مدلول الحاكمية عند جماعة التكفير والهجرة يشير إلى قطيعة تامة مع المجتمع في جميع صوره وأشكاله، والخضوع لحاكمية الله وحده، فالمسلمون في هذا العصر لا يفهمون معنى شهادة لا إله إلا الله، فهم إذن ليسوا بمسلمين؛ لأن الولاء عندهم ليس مختصاً بالله تعالى([108]).
تعليق:
لا خلاف عند أهل اللغة والتشريع أن اسم الفاعل “حاكم” يطلق على الله -عز وجل-، والبشر أيضاً، على ما بينهما من كبيرِ فرق. وقد ذكرت سابقاً أن “الحاكمية” مصدر صناعي مصوغ من “حاكم”، لكنها تنطوي على فضل معنى وزيادة بيان؛ فكلمة الحاكمية تشتمل على مجموعة الصفات والخصائص المختصة بالحاكم. فهي إذن تطلق على البشر (حاكمية الإنسان) ويقصد بها معنى مجرد لا يوجد في اسم الفاعل، وهو التمتع بملكة الفقه والفهم، وإتقان العمل، والقدرة على الفصل بين الخصومات وإصدار الأحكام والقرارات بشأنها، وممارسة الحكم والسلطة السياسية…إلخ وتطلق على الله عز وجل (حاكمية الله) ويقصد بها نفس صفات الحاكمية عند البشر، ويزاد عليها ما يختص به الله وحده مِن حُكْمه فيما قضاه وقدره على عباده، وما جرت به مشيئته، ومن حكمه على الأشياء تحليلاً وتحريماً.
لكن هذه الدلالة المركزية لمفهوم الحاكمية كما وردت في اللغة والشرع، تحولت عند المودودي إلى علاقة تلازمية بين الحاكمية والألوهية، فنفى الحاكميةَ عن البشر وحصرها بالله تعالى بإطلاق. ثم جاء قطب، الذي تغلغلت قضية الحاكمية في أعماق فكره ووجدانه، فجعل الحاكمية من أخص خصائص الألوهية والربوبية، وقرر أن حاكمية الله هي المبدأ الإسلامي الأول، وأن المعركة التي خاضها الإسلام ليقرر وجوده هي معركة الحاكمية!!
إن النتيجة الطبيعية عند مَن يؤمنون بمثل هذا المفهوم أن التحاكم إلى قانون من القوانين البشرية، في أي شأن من شؤون الحياة، دينياً كان أم دنيوياً، معارضةٌ صريحة للدين، وإشراكٌ في الحاكمية؛ وهذا يقود إلى الإشراك في الألوهية أو الربوبية أيضاً([109]).
لقد تحول المفهوم المعاصر للحاكمية بوحي من واقع الدلالة الهامشية إلى قرين للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، فما الحاكمية إلا انعكاس للإيمان والإسلام، ومعيار لصحة العقيدة أو بطلانها. ومن امتدادات هذا الفهم المتضخم للحاكمية، أنه يتماهى مع فكرة الحاكمية الإلهية في التراث اليهودي، حيث أقام الله مملكة خاصة ذات أحكام وقواعد كتبها هو بنفسه، وهذه الأحكام أو القوانين جزء من العقيدة والإيمان، لا تمييز فيها بين الديني والدنيوي([110]). بل إن هذا الفهم يتماهى أيضاً مع نظرية الحق الإلهي، التي سادت في أوروبا في العصور الوسطى، لأنه “ينتج طبقة سياسية-دينية (ثيوقراطية)، تتمتع بسلطة مطلقة مستمدة من (الإنابة الإلهية) لها”([111]).
وثمة نقطة مهمة وهي أن المودودي وقطب ومن شاكلهما في الفكر يستشهدون في حصر الحاكمية التكوينية والقانونية أو التشريعية بالله وحده، بقوله تعالى: (إنِ الحكمُ إلا لله) (الأنعام: ٥٧؛ يوسف: ٤٠، ٦٧)، وقوله: (ألا له الحكمُ) (الأنعام: ٦٢)([112]).
وقد بينت – فيما سبق- بعد مراجعة هذه الآيات في عشرة من أهم وأشهر كتب التفسير التراثية أن المقصود بالحكم هو الحكم التكويني أو الإرادة/الحاكمية التكوينية القدرية. وهذا الحكم أو الحاكمية مما اختص به الله -عز وجل-، فله الخلق والأمر والقضاء والمشيئة المحيطة بجميع الكائنات. ولا أدّعي بناء على هذه العينة المختارة من كتب التفسير أن معنى الحكم في هذه الآيات هو استنتاج قطعي لا يصح غيره، إنما هو رأي وجيه، مستخرج من عبارات أئمة التفسير، ومنسجم مع السياق، ويناسبه نسبة الحكم في هذه الآيات إلى الله بأسلوب القصر.
أما حاكمية الله التشريعية من أمر ونهي وتخيير، فيمكن أن يستشهد لها بهذه الآيات: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (المائدة: ١)؛ (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (المائدة: ٤٩)؛ (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠)؛ (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (الشورى: ١٠)؛ (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء: ٦٥). وحُكم النبي مستمد من حكم الله.
وحاكمية الله التشريعية أو التكليفية المطلقة منحت الإنسان حاكمية مقيدة، وهي جزء من منظومة الاستخلاف في الأرض. فالحكم لله، ولكن بالناس وللناس([113]). يقول القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي (ت. ٥٤٣ هـ)، (وينسب الكلام خطأً لابن حزم الأندلسي)([114]): “إن من حكم الله أن يجعل الحكمَ لغيره فيما قاله وأخبر به“([115]). إن حكم الله تعالى المودع في شريعته قرآناً وسنةً تستنبطه عقول البشر ضمن قواعد الاجتهاد وضوابطه المنصوص عليها في كتب أصول الفقه. ولا ريب أن هذه العقول تختلف في إدراك الحكم الشرعي نظراً لتفاوت “مداركها والظروف المتحولة، والخبرات المستجدة، وحاجات الناس ومصالحهم بما يؤول بالضرورة إلى فيض من الاجتهادات كلها مستندة إلى نفس المنبع”([116]). إن لفظ الحاكم يطلق على معنيين: واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها، وهو الله –عز وجل-. والثاني هو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها، وهو الإنسان([117]).
قد أصاب الأستاذ طارق البشري -رحمه الله- في توصيف الفكر السياسي الإسلامي عند المودودي وقطب بأنه فكر يمتاز بالحدة والعنف، ردّاً على ما تعرض له الإسلام والمجتمعات الإسلامية من هجوم ومحاربة وتضييق. ومن خصائص هذا الفكر أن “يعمل على تحديد الفواصل الحادة بينه وبين غيره، كما لو أنه يحفر خندقاً أو يبني قلعة عالية الأبراج، ويعمل على أن يكوّن كتائب للصدام كفرق الفدائيين”([118]). ويقابله فكر آخر يميل إلى الابتعاد عن مقارعة الخصم، فيبتعد عن شؤون السياسة والحكم، ويكرس جهده في تثبيت الجوانب الإيمانية والتعبدية والأخلاقية بغية ضبط السلوك وتصحيح مسار الفرد المسلم. ومن أهم من يمثلون هذا الفكر بديع الزمان، سعيد النورسي، في تركيا، وجماعة التبليغ، في الهند([119]).
خاتمة:
استكشفت الدراسة انتقال مفهوم “لا حكم إلا لله” من المعنى الأساسي المركزي كما ورد في اللغة والشرع إلى المعنى الهامشي عند الخوارج. بعد قرون، تعمقت ظلال الهامشية عند بعض الإسلاميين؛ في مقدمتهم المودودي وقطب حيث تحولت كلمة “لا حكم إلا لله” من مجرد كلمة حقٍّ أريد بها باطلٌ، كما استشهد بها الخوارج، إلى مذهب فكري معاصر أملته ظروف وأوضاع سياسية واجتماعية وعقَدية. جعل المودودي مفهوم الحاكمية في علاقة تلازمية بين الحاكمية والألوهية، إذ نفاها عن البشر وحصرها بالله تعالى. أما قطب فجعل الحاكمية من أخص خصائص الألوهية والربوبية، وهي المبدأ الإسلامي الأول والأهم على الإطلاق.
بناءً على تفحص سياقي للآيات القرآنية التي ورد فيها تقرير الحكم لله، وجدت أن المقصود بالحكم فيها هو الحكم التكويني. وهذا الحكم أو الحاكمية مما اختص به الله U، فله الخلق والأمر والقضاء والمشيئة المحيطة بجميع الكائنات. ومما يعضد هذا الفهمَ إسنادُ الحكم فيها إلى الله تعالى الذي عبر عنه بأسلوب القصر. أما الحاكمية بمعنى التشريع وإصدار الأحكام فيمكن الاستشهاد لها بآيات آخرى. وهي لا تنفي أو تستبعد حكم العقل البشري الذي يجتهد ولا يألو في التنقير عن معرفة حكم الله في كل زمان ومكان مهتدياً بقواعد الاجتهاد وتفسير النصوص كما بينها علماء الأصول.
* * *
([1]) الخالدي، صلاح عبد الفتاح. في ظلال القرآن في الميزان، (عمّان: دار عمار. ط٢. ٢٠٠٠)، ص ١٨٣- ١٨٤.
([2]) الهضيبي، حسن. دعاة لا قضاة، (القاهرة: دار الطباعة والنشر الإسلامية، ط١، ١٩٧٧)؛ بلقزيز، عبد الإله. الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط ٢، ٢٠٠٤)، ص ٢٤٠.
([3]) هويدي، فهمي. القرآن والسلطان، (القاهرة: دار الشروق، ط٤. ١٩٩٩)، ص ١٤٠.
([4]) الندوي، أبو الحسن. التفسير السياسي للإسلام: في مرآة كتابات الأستاذ أبي الأعلى المودودي والشهيد سيد قطب، (القاهرة: دار آفاق الغد. د. ط، د.ت).
([5]) جعفر، هشام. الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية. (أمريكا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط١. ١٩٩١)؛ لحساسنة، أحسن. الحاكمية في الفكر الإسلامي، (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر: كتاب الأمة، ٢٠٠٧).
([6]) حاج حمد، محمد أبو القاسم. الحاكمية، (بيروت: دار الساقي، ٢٠١٠).
([7]) ينظر هدسون، علم اللغة الاجتماعي، ترجمة محمود عياد، (القاهرة: عالم الكتب، ١٩٩٠)؛ نهر، هادي، علم اللغة الاجتماعي عند العرب، (بغداد: الجامعة المستنصرية، ١٩٨٨).
([8]) حسان، تمام، اللغة العربية معناها ومبناها، (المغرب: دار الثقافة، ١٩٩٤)، ص ٣٣٧.
([10]) عمر، أحمد مختار، علم الدلالة، (بيروت: عالم الكتب، ط ٥، ١٩٩٨)، ص ١١.
([11]) عبد الجليل، منقور، علم الدلالة: أصوله مباحثه في التراث العربي (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، ٢٠٠١)، ص ٤٦.
([12]) أنيس، إبراهيم، دلالة الألفاظ، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ط٣، ١٩٧٦)، ص ٧.
([13]) أنيس، دلالة الألفاظ، ص ١٠٦
([14]) حسان، اللغة العربية، ص ٣٣٩.
([15]) أنيس، دلالة الألفاظ، ص ١٠٦
([16]) حسان، اللغة العربية، ص ٣٣٩.
([17]) أنيس، دلالة الألفاظ، ص ١٠٧
([21]) المرجع السابق، ص ١٠٩-١١٠.
([23]) المرجع السابق، ص ١١٦. عرف السفسطائيون بأنهم قوم مجادلون ومغالطون، ومتجرون بالعلم. كانوا يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على السواء، وإيراد الحجج الخلابة في مختلف المسائل والمواقف. وغايتهم البحث عن سبل الإقناع والتأثير الخطابي، وليس الوقوف على الحقيقة. كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة اليونانية، (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، د. ط، ١٩٣٦)، ص ٥٨.
([24]) جيرو، بيير، علم الدلالة، ترجمة: منذر عياشي، (دمشق: دار طلاس، د ط، ١٩٨٨)، ص ٩٩.
([25]) المسدي، عبد السلام، اللسانيات وأسسها المعرفية، (تونس: الدار التونسية للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، د. ط، ١٩٨٦)، ص ٣٨.
([26]) شبه بعضهم ضرورة وجود العلاقة بين اللفظ والمعنى بالعلاقة اللزومية بين النار والدخان. عمر، علم الدلالة، ص ١٩.
([27]) إليس، جون، ضد التفكيك، ترجمة: حسام نايل، (مصر: المركز القومي للترجمة، ٢٠١٢)، ص ٦٨.
([28]) ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، (دار الفكر، 19٧٩)، ج٢، ص ٩١، (مادة حكم).
([29]) الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، نشره عبد العظيم الشناوي، (القاهرة: دار المعارف، ١٩٧٧)، ص ١٤٥، (مادة حكم).
([30]) ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، (دار الفكر، 19٧٩)، ج٢، ص ٩١، (مادة حكم).
([31]) الفيومي، المصباح المنير، ص ١٤٥، (مادة حكم).
([32]) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب (القاهرة: دار المعارف، د، ت)، ص ٩٥١، (مادة: حكم).
([33]) الفيومي، المصباح المنير، ص ١٤٥، (مادة حكم).
([34]) الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، (دمشق: مؤسسة الرسالة، 2005)، ص ١٠٩٥، (مادة: حكم).
([35]) المرجع السابق، ص ١٠٩٥، (مادة: حكم).
([36]) المرجع السابق، ص ١٠٩٥، (مادة: حكم).
([37]) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب (القاهرة: دار المعارف، د. ت)، ص ٩٥٣، (مادة: حكم).
([38]) المرجع السابق، ص ٩٥١، (مادة: حكم).
([39]) المرجع السابق، ص ٩٥٣، (مادة: حكم).
([40]) الفيروز آبادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار، (القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ط٣. ١٩٩٦)، ج ٢، ص ٤٨٧.
([41])مسلم، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، نشره فؤاد عبد الباقي، (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، ١٩٩١)، ج٣ ، ص ١٣٤٣؛ ابن حنبل، أحمد، المسند، نشره شعيب الأرنؤوط، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1993-2001)، ج٣٤، ص ١١٦.
([42]) مسلم، صحيح مسلم، ج٣، ص ١٣٤٢.
([43]) يقول الإمام الطبري: “إِنَّ اللَّهَ يَقْضِي فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ مِنْ تَحْلِيلِ مَا أَرَادَ تَحْلِيلَهُ، وَتَحْرِيمِ مَا أَرَادَ تَحْرِيمَهُ، وَإِيجَابِ مَا شَاءَ إِيجَابَهُ عَلَيْهِم، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ، فَأَوْفُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْلِيلِ مَا أَحَلَّ لَكُمْ وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُم”. الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر. (القاهرة: دار هجر، ط ١، ٢٠٠١)، ج ٨، ص ٢١.
([44]) انظر الطبري، تفسير الطبري، ج١٨، ص ١٨٢.
([45]) فسر القرطبي الحكم هنا بالنبوة. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ٢٠٠٦)، ج ١٤، ص ٢٣١. وفي قول آخر: فصلُ القضاء بين الخصومات. الطبري، تفسير الطبري، ج١٦، ص ٣١٨.
([46]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ١٩، ص ٥٤١.
([47]) استفدت هذه الأمثلة من جعفر، الأبعاد السياسية ، ص ٦٣-٦٥.
([48]) الطبري، تفسير الطبري، ج ٧، ص ١٦٩؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٦، ص ٤٢٣.
([49]) الطبري، تفسير الطبري، ج ٧، ص ١٦٩. جاء في ابن كثير: “وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) أَمْرٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْأُمَرَاءِ، يَعْنِي الْحُكَّامِ بَيْنَ النَّاسِ. وَفِي الْحَدِيثِ: ” إِنِ اللَّهَ مَعَ الْحَاكِمِ مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ”. ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي سلامة. (السعودية: دار طيبة، ط٢. ١٩٩٩)، ج ٢، ص ٣٤١.
([50]) الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري، ج ٧، ص ١٦٩. وقد رجح الطبري ارتباط الآية بولاة الأمور. ج٧، ص ١٧١، ورأي القرطبي أن الآية عامة في جميع الناس. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٦، ص ٤٢٤.
([51]) جعفر، الأبعاد السياسية، ص ٦٤. وفسر الطبري الحكم الفَهْم بِالْكِتَابِ، وَالعلم بِالسُّنَنِ الَّتِي لَمْ تَنْزِل فِي الْكِتَابِ. الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري، ج ٢١، ص ٨٤. حول دلالات الحكم في الشرع عامةً، انظر الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان داوودي، (دمشق: دار القلم، 2009)، ص ٢٤٨-٢٥٠؛ الفيروز آبادي، بصائر ذوي التمييز، ج ٢، ص ٤٨٨-٤٩٢. وحول دلالاته في الفقه والأصول، انظر: الزحيلي، محمد. الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، (دمشق: دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ٢٠٠٦)، ج ١، ص ٤٤٧-٤٥٠؛ خلاف، عبد الوهاب. علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع، (القاهرة: دار الفكر العربي، ١٩٩٦)، ص ٩٤-١١٠.
([52]) راجعت هذه الآيات السبع في التفاسير الآتية: الطبري، والبغوي، والزمخشري، وابن عطية، وابن الجوزي، والقرطبي، وابن كثير، والرازي، والبيضاوي، والسيوطي (الدر المنثور).
([53]) كما في الطبري، تفسير الطبري، ج ٩، ص ٢٧٩؛ والزمخشري، محمود بن عمر. الكشاف، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ٣، ١٤٠٧هـ)، ج ٢، ص ٣٠؛ ابن عطية، عبد الحق بن غالب. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط١، ١٤٢٢هـ)، ج٢، ص ٢٩٩. وفي تفسير ابن الجوزي: “القضاء بإنزال العذاب على المخالف”. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي. زاد المسير في علم التفسير، (بيروت: المكتب الإسلامي، ط٣، ١٩٨٤)، ج٣، ص ٥٢.
([54]) الرازي، محمد بن عمر. التفسير الكبير، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط٣، ١٤٢٠هـ)، ج١٣، ص ٩؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٨، ص ٣٩٩؛ البيضاوي، عبد الله بن عمر. تفسير البيضاوي، تحقيق: محمد المرعشلي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط١، ١٤١٨هـ)، ج ٢، ص ١٦٥.
([55]) ابن الجوزي، زاد المسير، ج٣، ص ٥٢؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٨، ص ٣٩٩.
([56]) الطبري، تفسير الطبري، ج ٩، ص ٢٧٩؛ البغوي، الحسين بن مسعود. تفسير البغوي، (الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط٤، ١٩٩٧)، ج٣، ص ١٥٢؛ ابن الجوزي، زاد المسير، ج٣، ص ٥٧؛ الرازي، التفسير الكبير، ج١٣، ص ١٧.
([57]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٨، ص ٤١١.
([58]) ابن عطية، المحرر الوجيز، ج٢، ص ٣٠١.
([59]) الزمخشري، الكشاف، ج٢، ص ٤٧١؛ البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج ٣، ص ١٦٤؛ وفي الرازي، التفسير الكبير، ج١٨، ص ٤٥٩ الحكم والأمر والتكليف.
([60]) البغوي، تفسير البغوي، ج٤، ص ٢٤٣؛ ابن عطية، المحرر الوجيز، ج٣، ص ٢٤٦؛ ابن الجوزي، زاد المسير، ج٤، ص ٢٢٦.
([61]) ابن كثير، التفسير، ج ٤، ص ٣٩٠.
([62]) الطبري، تفسير الطبري، ج١٣، ص ٢٣٨؛ البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج ٣، ص ١٧٠.
([63]) الرازي، التفسير الكبير، ج١٨، ص ٤٨٤؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج١١، ص ٤٠٢.
([64]) الطبري، تفسير الطبري، ج ١٨، ص ٣٠٤؛ الزمخشري، الكشاف، ج ٣، ص ٤٢٨، ابن عطية، المحرر الوجيز، ج٤، ص 296.
([65]) البغوي، تفسير البغوي، ج٦، ص ٢١٨؛ ابن الجوزي، زاد المسير، ج٦، ص ٢٣٨.
([66]) البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج ٤، ص ١٨٤.
([67]) الرازي، التفسير الكبير، ج ٢٥، ص ١٢.
([68]) البغوي، تفسير البغوي، ج٦، ص ٢٢٨. وفي ابن عطية، المحرر الوجيز، ج٤، ص 304 “فصل القضاء وإنفاذ القدرة في الدنيا والآخرة”. وفي البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج ٤، ص ١٨٧ “القضاء النافذ في الخلق”.
([69]) ابن كثير، التفسير، ج ٦، ص ٢٦٢.
([70]) ابن الجوزي، زاد المسير، ج٦، ص ٢٥٢.
([71]) الطبري، تفسير الطبري، ج ٢٠، ص ٢٩٣.
([72]) الزمخشري، الكشاف، ج٤، ص ١٥٥؛ ابن عطية، المحرر الوجيز، ج٤، ص ٥٥٠؛ ابن الجوزي، زاد المسير، ج٧، ص ٢٠٩؛ الرازي، التفسير الكبير، ج٢٧، ص ٤٩٦؛ البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج ٥، ص ٥٣. وفحوى عبارتهم جميعاً أن الله حكم (أي قضى) على المشركين بالعذاب؛ وقال ابن كثير، التفسير، ج ٧، ص ١٣٤ “هو الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ، العَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، فَيَهْدِي مَن يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء.”
([73]) والإرادة التكوينية، والحاكمية التكوينية.
([74]) “المصدر الصناعي يطلق على كل لفظ جامد أو مشتق، اسم أو غير اسم، زيد في آخره حرفان، هما: ياء مشددة، بعدها تاء تأنيث مربوطة؛ ليصير بعد زيادة الحرفين اسمًا دالًا على معنى مجرد لم يكن يدل عليه قبل الزيادة. وهذا المعنى المجرد الجديد هو مجموعة الصفات الخاصة بذلك اللفظ، مثل كلمة: إنسان؛ فإنها اسم، معناه الأصلي: “الحيوان الناطق” فإذا زيد في آخره الياء المشددة، وبعدها تاء التأنيث المربوطة، صارت الكلمة “إنسانية” وتغيرت دلالتها تغيرًا كبيرًا؛ إذ يراد منها في وضعها الجديد معنى مجرد، يشمل مجموعة الصفات المختلفة التي يختص بها الإنسان، كالشفقة، والحلم، والرحمة، والمعاونة، والعمل النافع … و… ولا يراد الاقتصار على معناها الأول وحده”. حسن، عباس. النحو الوافي، (القاهرة: دار المعارف، ط ١٥. ٢٠١٨)، ج ٣، ص ١٨٦-١٨٧. ويذكر حجازي بأن صيغة المصدر الصناعي أصبحت شائعة للدلالة على المذاهب والتيارات والآراء. حجازي، محمود فهمي. اللغة العربية عبر القرون. (القاهرة: دار الثقافة للطباعة النشر، د.ط، ١٩٧٨)، ص ٨٩.
([75]) حول معركة صفين، انظر ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، (القاهرة: دار هجر، 1998)، ج١٠، ص ٤٩٠-٥٠١؛
([76]) الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم. كتاب الملل والنحل، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ط٢. ١٩٥٦)، ج ١، ص ١٠٥.
([77]) ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٥٧٧-٥٧٨. أول من قال من الخوارج هذه العبارة هو عروة بن عمرو بن حدير. ابن دريد، محمد بن الحسن. الاشتقاق، تحقيق: عبد السلام هارون. (بيروت: دار الجيل، ط ١. ١٩٩١)، ص ٢١٩؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٥٦٠.
([78]) ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٥٦٠.
([79]) الشهرستاني، الملل والنحل، ج ١، ص ١٠٥- ١٠٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٥٧٧-٥٧٩.
([80]) ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٥٦٤.
([81]) المبرد، محمد بن يزيد. الكامل في اللغة والأدب، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. (بيروت: دار الفكر العربي، ط٣. ١٩٩٣)، ج ٣، ص ١٣٥؛ الذهبي، محمد بن أحمد. سير أعلام النبلاء، (دمشق: مؤسسة الرسالة، ١٩٨٥) ج ١، ٢٧٩.
([82]) المبرد، الكامل في اللغة والأدب، ج ٣، ص ١٣٤-١٣٥؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٥٦٥-٥٦٦.
([83]) الصنعاني، عبد الرزاق. المصنف. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. (بيروت: المكتب الإسلامي، ط٢. ١٩٨٣)، ج ١٠، ص ١٥٨-١٦٠؛ الفسوي، يعقوب. كتاب المعرفة والتاريخ، تحقيق: أكرم العمري. (السعودية: مكتبة الدار، د.ط. ١٤١٠ هـ)، ج ١، ص ٥٢٢-٥٢٤؛ المبرد، الكامل في اللغة والأدب، ج ٣، ص ١٢٢، ١٢٣. ورويت المناظرة باختصار في ابن حنبل ، أحمد، المسند، ج٥، ص ٢٦٣.
([84]) المراجع السابقة، وابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٥٦٨.
([85]) ابن أبي شيبة، عبد الله. المصنف، تحقيق: كمال الحوت. (الرياض: مكتبة الرشد، ط١. ١٤٠٩هـ)، ج٧، ص ٥٦٢؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٥٧٠؛ الشهرستاني، الملل والنحل، ج ١، ص ١٠٧.
([86]) حسان، اللغة العربية، ص ٣٣٨.
([87]) لام التعريف هنا للجنس، وليس المراد بها الاستغراق فيعممَ الحكم على جميع الإسلاميين.
([88]) للمرحوم طه جابر العلواني عرض مختصر ومهم حول ظروف بروز فكرة الحاكمية والجاهلية في شبه القارة والهندية ومصر، في تقديمه لكتاب الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية للأستاذ هشام جعفر، ص ٢٦-٣٠.
([89]) الترابي، أليف الدين. أبو الأعلى المودودي: عصره، حياته، دعوته، مؤلفاته. (الكويت: دار القلم، ط١، ١٩٨٧)؛ الموسوي، مهدي. أبو الأعلى المودودي: فكره السياسي وتجربته الاجتماعية، ترجمة: رعد الحجاج، (بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، ط ١، ٢٠١٨).
([90]) هذا جليّ في كتبه المصطلحات الأربعة في القرآن، ترجمة: محمد كاظم سباق، (الكويت: دار القلم، ط ٥، ١٩٧١)؛ الحكومة الإسلامية، ترجمة: أحمد إدريس، (القاهرة: دار المختار الإسلامي للطباعة والنشر، ١٩٧٧)؛ الخلافة والملك، ترجمة: أحمد إدريس (الكويت: دار القلم، ط١، ١٩٧٨)؛ تدوين الدستور الإسلامي، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٥، ١٩٨١).
([91]) المودودي، تدوين الدستور الإسلامي، ص ١٨-١٩.
([93]) المرجع السابق، ص ٢٢-٢٣. انظر كتابه الخلافة والملك، ص ١٠؛ وعمارة، محمد. أبو الأعلى المودودي والصحوة الإسلامية، (القاهرة: دار السلام، ط١، ٢٠١١)، ص ١٣٣-١٣٤. يلاحظ رضوان السيد أن بعض الإسلاميين يستشهدون بآيات من القرآن الكريم، خصوصاً تلك المتعلقة بقضايا الإيمان والكفر، مع أنها وردت في سياق خاص، وهو “الصراع بين المسلمين بالمدينة، وقريش المعادية بمكة. وهم لا يستخدمونها كما وردت لصراع الإسلام مع الخارج المعادي، بل لمصارعة الجاهلية الكافرة في عقر دار الإسلام”. السيد، سياسيات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، (بيروت: دار الكتاب العربي، ١٩٩٧)، ص ١٨٩.
([94]) المودودي، المصطلحات الأربعة في القرآن، ص ٢٨. يقول: “والحكم والسلطة لا يقبل شيء منهما التجزئة والتقسيم البتة، فالذي يعتقد أن أمر كائن ما من دون الله مما يجب إطاعته والإذعان له بغير سلطان من عند الله، فإنه يأتي من الشرك بمثل ما يأتي به الذي يدعو غير الله ويسأله”.
([95]) عمارة، أبو الأعلى المودودي، ص ١٥٣.
([96]) المرجع السابق، ص ١٣٩-١٤٥.
([98]) قطب، سيد. معالم في الطريق، (القاهرة: دار الشروق، ط ٦، ١٩٧٩)، ص ٨؛ يقول في ص ٢٢ بأن العرب كان يعرفون أن الألوهية هي الحاكمية العليا. انظر الخالدي، في ظلال القرآن في الميزان، ص ١٧٣-١٧٥. يقول محمد حافظ دياب: “إن قارئ الخطاب القطبي لا يملك إلا أن يسجل حضور أغلب مفردات النسق المفهومي كما أورده المودودي بنوع من إعادة الإنتاج الذي يحكمه الموقف الفكري الراهن لهذا الخطاب”. دياب، سيد قطب: الخطاب والإيديولوجية، (بيروت: دار الطليعة، ط ٢، ١٩٨٨)، ص ٨٤. ويلاحظ عبد الإله بلقزيز أن قطب أخضع الحاكمية إلى مفهوم مفتاحي في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر: ((فكر الصحوة)) في تجليها الخوارجيّ الجديد. بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي، ص ٢٠٣.
([99]) الخالدي، في ظلال القرآن في الميزان، ص ١٧٣.
([100]) المرجع السابق، ص ١٧٢-١٧٣. يقول مثلاً عند تفسير قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (سورة يوسف: ٤٠)، “قال: “إن الحكم إلا يكون إلا لله” فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته، إذ الحاكمية من أخص خصائص الألوهية. من ادّعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته…ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر كفراً بواحاً”. قطب، في ظلال القرآن، (القاهرة: دار الشروق، ط ٣٢، ٢٠٠٣) ج ٤، ص ١٩٩٠.
([101]) قطب، معالم في الطريق، ص ٢٤، ٢٥.
([102]) المرجع السابق، ص ٨. قارن بـالندوي، التفسير السياسي للإسلام، ص ٧٢. عن “الجاهلية” في اللغة والأصول، ومستوياتها، وهل هي حالة موضوعية أو فترة تاريخية، انظر، جعفر، الأبعاد السياسية، ص ٢٢١-٢٥١. وعن قطب وفكرة الجاهلية، انظر البهنساوي، سالم. أضواء على معالم في الطريق، (المنصورة: دار الوفاء، ط٣، ٢٠٠٧)، ص ١٣٧-١٥٦.
([103]) الخالدي، في ظلال القرآن في الميزان، ص ١٧٥.
([104]) قطب، في ظلال القرآن، ج٣، ص ١١٩٢-١١٩٣.
([105]) المرجع السابق، ج٣، ص ١٢١٧.
([106]) القرضاوي، يوسف. أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ٢٠٠١)، ص ١٢٧-١٢٨. انظر تصريحات مشابهة في البشري، طارق. الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، (القاهرة: دار الشروق، ط١، ١٩٩٦)، ص ٢٨، ٣١؛ علي، عبد الرحيم. الإخوان المسلمون: قراءة في الملفات السرية، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، د.ط، ٢٠١٣)، ٣٥٩-٣٦٠؛ مسلم، عدنان. البحث عن الذات في عالم مضطرب: قراءة في حياة الداعية الاسلامي سيد قطب وأعماله واتجاهاته الفكرية، (بيروت: الفلاح للنشر والتوزيع، ٢٠٠٠).
([107]) أبو الخير، عبد الرحمن. ذكرياتي مع جماعة المسلمين، (الكويت: مكتبة دار البحوث العلمية، ١٩٨٠)؛ الوصيفي، علي السيد. الإخوان المسلمون بين الابتداع الديني والإفلاس السياسي، (دار المشارق الإسلامية، ٢٠١٠)، ص ٢٥٩-٢٨٨؛ الجهني، مانع. الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان والأحزاب المعاصرة، (الرياض: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط٤، ١٤٢٠ هـ)، ج ١، ص ٣٣٣-٣٣٩. يقول فريد عبد الخالق: “ألمعنا فيما سبق إلى أن نشأة فكر التكفير بدأت بين شباب بعض الإخوان في سجن القناطر في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وأنهم تأثروا بكفر الشهيد سيد قطب وكتاباته، وأخذوا منها أن المجتمع في جاهلية، وأنه قد كفر حكامه الذين تنكروا لحاكمية الله بعدم الحكم بما أنزل الله، ومحكوميه إذا رضوا بذلك”. عبد الخالق، فريد. الإخوان المسلمون في ميزان الحق، (مصر: دار الصحوة، ١٩٩٨)، ص ١١٥. حول فكر قطب وأثره في منظري الجماعات الجهادية والحركية، انظر الخطيب، معتز (تحرير). سيد قطب والعنف والتكفير: أزمة أفكار أم مشكلة قراء؟ (القاهرة: مكتبة مدبولي، ٢٠٠٩)؛ علي، عبد الرحيم. الإخوان المسلمون: قراءة في الملفات السرية، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ط، ٢٠١٣)، ٣٦٨-٣٨٢.
([108]) البهنساوي، سالم. الحكم وقضية تكفير المسلم، (المنصورة: دار الوفاء، ط٤، ١٩٩٤)، ص ٢٧.
([109]) الندوي، التفسير السياسي للإسلام، ص ٧١.
([110]) مقدمة طه جابر العلواني لكتاب هشام جعفر، الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية، ص ٢٩.
([111]) بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، ص ٢٠٥. وهذا أيضاً ما يراه محمد عمارة، الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، (القاهرة: دار الشروق، ط١، ١٩٨٨)، ٣٣، وفتحي عثمان، في التجربة السياسية للحركة الإسلامية المعاصرة، (د.ن، ١٩٩٢)، ص ٦٥. وفهمي هويدي، القرآن والسلطان، ص ١٤٠. لكن سالم البهنساوي يعتقد أن هذا الربط بين الحاكمية والحكومة الدينية في أوروبا غير صواب؛ لأنه خلطٌ بين التشريع الذي عبر عنه قطب والمودودي بالحاكمية، وهذه لله وتتمثل في القرآن والسنة، وبين السلطة السياسية التي يتولاها الحاكم، وهذه للناس، فهم يختارون الحاكم ويحاسبونه ويعزلونه. البهنساوي، أضواء على معالم في الطريق، (المنصورة: دار الوفاء، ط٣، ٢٠٠٧)، ص ١٦٧. أقول: ما نقلته من النصوص عن المودودي وقطب كفيل برد اعتقاد البهنساوي؛ فالحاكمية الإلهية عند المودودي تشمل السلطة السياسية، والألوهية والسلطة عنده متلازمتان.
([112]) المودودي، تدوين الدستور الإسلامي، ص ٢٢-٢٣؛ الخلافة والملك، ص ١٠.
([113]) هويدي، القرآن والسلطان، ص ١٤٠.
([114]) كما فعل الدكتور محمد عمارة، رحمه الله، في كتابه هل الإسلام هو الحل؟ لماذا وكيف؟ (القاهرة: دار الشروق، ط٢، ١٩٩٨)، ص ٧٧. وكتابه معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، (القاهرة: دار نهضة مصر، ٢٠٠٦)، ص ٧٩.
([115]) ابن العربي، محمد بن عبد الله. العواصم من القواصم، تحقيق: عمار الطالبي، (القاهرة: مكتبة دار التراث، ١٩٧٤)، ص ٢٥١. عندما ترجم الذهبي لابن حزم، نقل نصاً مطولاً عن كتاب العواصم هذا ينتقد فيه ابنُ العربي الظاهريةَ وابن حزم. وعبارة “إن من حكم الله أن يجعل…” جزء من النص المنقول. الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج ١٨، ص ١٩٠. فتوهم بعض الباحثين-ومنهم د. محمد عمارة- أن هذه العبارة هي من كلام ابن حزم نفسه، فنسبوها إليه. ولم يتنبهوا إلى أنها جزء من كلام القاضي ابن العربي.
([116]) الغنوشي، راشد. الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، ٢٠١٧)، ص ٦٧. قارن بـهويدي، الإسلام والديمقراطية، (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ط١، ١٩٩٣)، ص ١٤٢-١٤٤. ويناقش فتحي عثمان بأن عبارات مثل الحكم لله، والأرض لله، والملك لله تشير إلى نسبة الهداية لله في وضع مبادئ عامة كالعدل والإحسان، وأداء الأمانات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الأمن والسلام. ومن شأن هذه المبادئ أن توجه حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وإن تفصيل هذا الهداية في كل زمان ومكان منوط باجتهاد العقل البشري عند أهل الاختصاص والشورى. عثمان، في التجربة السياسية، ص ٦٦.
([117]) الزحيلي، محمد. الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، (دمشق: دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ٢٠٠٦)، ج ١، ص ٤٤٧. قارن بخلاف، عبد الوهاب. علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع، (القاهرة: دار الفكر العربي، ١٩٩٦)، ٩٤-٩٨.
([118]) البشري، طارق. الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، (القاهرة: دار الشروق، ط١، ١٩٩٦)، ص ٢٦.



