عرض ونقد كتب

مراجعة لكتاب معالم في المنهج القرآني لـ طه جابر العلواني

العدد 178 /179

المقدمة:

يخوض الدكتور طه جابر العلواني – رحمه الله- في هذا الكتاب في قضية القضايا للفكر الإسلامي في هذا العصر الجديد الذي يتشكل ويتبلور من حولنا: قضية المنهج والمنهجية، تلك القضية التي يتوقف على التجديد فيها حصول تجديد حقيقي في فكرنا الإسلامي، وتغيير قواعد ممارسة العلم والعمل داخل أمتنا تمهيداً لشهودها الحضاري الذي طال انتظاره. ويسعى د. العلواني في هذه الدراسة الى لفت أنظار الباحثين في الفكر الإسلامي إلى أن أهم أسباب أزمتنا الحضارية الراهنة هو غياب “المنهاج القرآني”، وأن هناك حاجة ترقى إلى مستوى الضرورة للبحث عن معالم هذا المنهج القرآني الذي هو السبيل الممهد للإجابة عن سؤال أزمتنا الراهنة بشكل صحيح.

وفي هذا الكتاب المكون من مقدمة وفصلين يقدم الدكتور العلواني حصيلة تجربته الممتدة للكشف عن معالم المنهج في القرآن الكريم، فالقرآن الكريم بجانب كونه كتاباً دينياً يُعلِم الناس العقيدة والشريعة وأخبار الأنبياء والأمم فهو أيضاً مصدر لمنهج علمي يقود حركة الفكر الإنساني في مجالات الفكر المختلفة. ويرى المؤلف أنه لم يسبق لكتاب ديني من توراة أو إنجيل أن قدم للعالم منهجاً في الفكر والبحث العلمي، ولكنه يطرح في هذا الكتاب فكرة وجود “منهج قرآني” انطلاقاً من قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا) [المائدة: 48].

فإذا كانت الشرعة القرآنية مفصلة في سور كثيرة من القرآن الكريم  لبيان ما أحل الله تعالى وما أوجب وما حرم وما أباح، فلابد أن يكون “المنهاج” قد فُصل أيضاً في الكتاب الكريم كما فُصلت الشرعة لكن العثور على معالم ذلك المنهاج يتطلب جهداً واجتهاداً كبيرين.

إذن فهذا الكتاب هو بداية مشروع يدعو اليه د. العلواني لإنقاذ المنهج العلمي وتراث الإنسانية من الأزمات التي دخلت اليها نتيجة اقتصار البشرية على التحاور مع الطبيعة وحدها، وتجاهل خالق الطبيعة وتجاهل الغيب كله مما جعل التفاعل والجدل ناقصين مما قاد إلى تلك الأزمات التي تعاني منها الإنسانية.

* * *

الفصل الأول

المنهج العلمي الحديث

يسعى المؤلف في هذا الفصل بالتعريف بمفهوم “المنهج” وتتبع تطور هذا المفهوم منذ نشأته في العالم الغربي حتى يومنا هذا، وأهم المدارس الغربية في هذا الشأن، كما يتعرض المؤلف فيه للأزمات التي واجهت وتواجه المنهج المعاصر.   

فالمنهج -كما يبين المؤلف- هو وسيلة لقيادة العقل الإنساني إلى الحقيقة، أو إلى ما يغلب على الظن أنه الحقيقة، وهو ضابط يحدد للعقل مساره بمنتهى الصرامة، سواء مارس العقل التحرك في الكون، أم في نصوص الوحي بحثاً عن الحقيقة. فهو وسيلة وأداة لبناء قواعد التفكير، وإرساء دعائم ضوابط البحث العلمي والمعرفي، التي من شأنها أن تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ في الفكر وفي البحث العلمي.

وللمنهج مصادر بناء وتكوين تنتجه فإذا صلحت مصادر التكوين المنهجي واستقامت صلح المنهج واستقام، وإن هي اختلت أو اضطربت اختل المنهج واضطرب (ص27-30). فإذا بُني المنهج على الأسباب والخطوات الوضعية والمادية وحدها فقد ينتج مؤقتاً وبقدر ما تتيحه تلك الخطوات من قدرات على الإنتاج، لكن العلم الذي يُبنى على ذلك المنهج القاصر يبقى ناقصاً لغياب بعض الأبعاد التي لم تُلاحظ في بناء المنهج، وإذا سماه أهلوه علماً، فما هو بعلم على سبيل الحقيقة، بل هو ظن أضيفت عليه صفة العلم.

يتناول المؤلف تطور المنهج العلمي الحديث من “العقل الفطري” إلى “العقل الفطري الوضعي” الذي تطور بدوره إلى “العقل الوضعي” الذي أنتج مذهب “الوضعية”، مؤكداً أن الوضعية تعبرعن نظرة فلسفية متكاملة إلى الكون والحياة والإنسان، تتسم بتكريس العلمانية، وتكريس مبدأ عزل التصورات والمفاهيم الدينية عن القضايا العلمية، والتأكيد على ضرورة ارتباط المنهج في العلوم الإنسانية بالنموذج الطبيعي التجريبي، واعتبار ذلك وسيلة وحيدة للكشف عن الحقائق العلمية في مجال الطبيعة أو مجالات الإنسان، وإبعاد الفكر الديني الميتافيزيقي عن المنهج في الإطار المعرفي الوضعي إبعاداً تاماً (ص40-41).

وقد فتحت “الوضعية” الباب على مصراعيه نحو”العقلية العلمية” التي قادت البشرية نحو “القواعد المنهجية المشتركة للتفكير”. ثم تكرس انتصار العقلية العلمية ونجحت وبهرت الناس، وأصبحت “قواعد التفكير المشتركة” التي أوجدها العلم والضوابط المنهجية المنبثقة عنه هي القاعدة التي يتحرك الجنس البشري في جميع أنحاء العالم وفقاً لها بمستويات مختلفة (ص37). وبذلك صار العلم إطاراً لحركة العقل البشري لا يقاس إلى شيء، بل يقاس كل شيء عليه.

وهم الحياد المنهجي:

يشدد المؤلف على ضرورة وعينا بأنه ليس هناك منهج علمي محايد مستقل عن الفلسفة التي انبثق منها، فمناهج البحث تكرس تصورات المذاهب المعاصرة، وتعبر عن رؤيتها الكلية حول العالم والإنسان والحياة. والمناهج السائدة كلها قد استبعدت الوحي والدين، ولم تسمح بحال أن تكون للرؤية الدينية – ظاهرياً- أي تأثير على المنهج. وإن كان المؤلف يؤمن عن خبرة وتجربة بالتأثير غير المباشر للتصورات والرؤى التوراتية والتلمودية في مناهج العلوم الاجتماعية المعاصرة (ص40).

بجانب مفهوم الحياد المنهجي المستبعِد لكل ما هو غيبي، حقق العقل العلمي انتصاراً آخر حين قرر أن العلوم الاجتماعية والإنسانية مثل العلوم الطبيعية تخضع للضوابط العلمية الموضوعية والقواعد العلمية الحتمية الموحدة فيما عُرِف “بوحدة العلوم”.

استعمار، لا، عالمية:

يرى المؤلف أن ولادة العقل العلمي في أوروبا بكل ما كان ولا يزال فيها من رواسب ونقائض، جعل “العالمية” التي كان يمكن للعلم أن ينتجها للبشرية، تتحول إلى استعمار يوظف العلم للسيطرة والهيمنة الاستعمارية (ص38). فمنذ القرن التاسع عشر حتى اليوم وتلك العقلية تسيطر على العالم -كله- وتنحت وتذيب خصوصيات الأمم والشعوب (ص38).

الحداثة وما بعد الحداثة:

ينتقل المؤلف بعد ذلك الى تعريف الحداثة التي قامت على عداء عميق للميتافيزيقا والروح، والتي ارتبط ظهورها بفكر الاستنارة ومركزية الإنسان في الكون. وهنا أصبح العلم مصدر المعنى والقيمة، والتكنولوجيا هي الآلية الأساسية لتسخير الطبيعة ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته. ثم حدث تطور خطير أدى الى الانتقال الى مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة التي تم فيها تفكيك المسلمات الإنسانية التي يقوم عليها تصور الإنسان لنفسه ولعالم القيم، وأصبح كل شيء سائلاً متحولاً.

منهج الخروج من الأزمة:

الأزمة الكونية القائمة على “كونية المنهج” لا يمكن الخروج منها، وإنقاذ المنهج من إشكالاتها، إلا بكتاب كوني يستوعب التفكيك، وينطلق في مجالات إعادة التركيب، ويستوعب العدمية والعبثية ويتجاوزها ليتجه باتجاه الغائية، ويعيد بناء سائر التصورات والمفاهيم الكونية التي أهملتها أو فككتها نظريات العلم المنبت عن ينابيعه الإلهية وغاياته الربانية الكونية، وما نجم عن نظريات “الحداثة وما بعد الحداثة” من تفكيك خطير لم تصحبه قدرات تركيبية موازية له (ص 23).

والمؤلف هنا يؤكد أن القرآن المجيد بمنهجيته الكونية سوف يساعد البشرية على إعادة بناء منهجيتها بعد إخراجها من أزمتها، بل هو وحده القادر على أن يقوم بهذا التحدي ويحقق الإعجاز. (ص59-64).

* * *

الفصل الثاني

المعالم المنهجية في القرآن

القرآن.. المنهج الكوني:

إذن يطرح الدكتور العلواني فكرة وجود “منهج قرآني” انطلاقاً من قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا) [المائدة: 48]، مؤكداً أن ورود كلمة “منهاج” في هذه الآية الكريمة كانت بمثابة إعلان وتنبيه للمتدبرين عن وجود هذا المفهوم في هذا الكتاب الكوني العظيم الذي نزل (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: 89] (ص67، 68). ويؤكد الكتور العلواني أن هدف هذا البحث الأساسي هو محاولة الكشف عن “المنهج القرآني” أي المنهج المستنبط والمستخلص من القرآن الكريم.

ويرى الدكتور العلواني أن مفهوم “المنهاج القرآني” أهم المفاهيم القرآنية، بعد التوحيد، ولذلك لا ينبغي أن تكون آية سورة المائدة هي المنبع الوحيد لصياغة المفهوم قرآنياً، بل ينبغي قراءة جميع الآيات التي أوردت شبكة من المفاهيم الفرعية والمصطلحات القرآنية الإلهية التي أحاطت بمفهوم المنهاج.

واقتران “الشرعة” بـ “المنهاج” يوحي بأن الله قد جعل في القرآن شريعة مقترنة بمنهاج تطبيقها واتباعها، وتشكيل الحياة بمقتضاها بكافة جوانبها، كما يستلزم أن يكون “المنهاج” ضابطاً صارماً للفهم والوعي، وإدراك المقاصد والغايات وضبط السلوك.

المحددات المنهجية القرآنية:

يشير المؤلف إلى أن هناك ثلاث محددات منهجية قرآنية أساسية هي:

الأول: التوحيد: باعتباره محور الرؤية الكلية القرآنية: فالتوحيد مدخل تفسيري ذو قابليات هائلة لتفسير آلاف الظواهر النفسية والسلوكية والمعرفية. وقد أسس القرآن الكريم للعقلانية التوحيدية المؤهلة للتزكية والعمران.

الثاني: الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون، أي الربط بين الغيب والواقع، واعتبار أن التغيرات التي تجري في عالم الخلق تنبثق عن “صيرورة جدلية”. والجمع بين القرآتين إنما هو خطوة منهجية تتوقف على معرفة منهجية وفلسفة العلوم الطبيعية ليتم الجمع بينهما وبين منهجية القرآن المعرفية (ص 89).

الثالث: الوحدة البنائية للقرآن الكريم والاستيعاب الكوني: فالقرآن الكريم يضم “منهجية كونية” وهو يتميز بوحدة بنائية فكل آياته وسوره، فهو كتاب محكم ومفصل على علم الله c.

هذه المحددات الثلاثة تكشف لنا عن استيعاب القرآن المجيد لمبدأ “الصيرورة”، وتعطي للصيرورة مدلولاً كونياً يستوعب المعنى الوضعي ويتجاوزه (ص88).

فقه الواقع:

يؤكد المؤلف أن “فقه الواقع” يمثل “فقه الفقه” وهو جزء من “المنهج” متصلاً به، يأخذ منه ويعطيه لكي يتكاملا. ويرى المؤلف أن “مفهوم الواقع” هو نقطة البداية الصحيحة في إطار محاولة الكشف عن “منهج القرآن المجيد في إعادة بناء الأمة”، وهو مفهوم لا يمكن حصره في “الوجود الحسي” بل هو منظومة دقيقة كاملة تبدأ بالفكر، ولا تنتهي عند الوجود الحسي الأولي للفعل الإنساني بل يتجاوز ذلك الى مرحلة التقييم والجزاء.

وفي إطار محاولة الكشف عن منهج القرآن المجيد في إعادة بناء الأمة فإننا نعلم أننا نقوم بتأسيس “علم جديد” له مبادئه ومكوناته ومقاصده، ويمكن أن نطلق على هذا العلم “فقه الواقع” (ص99).

أسئلة الواقع وأجوبة القرآن:

ينبه المؤلف إلى أن فقه الواقع سيؤدي إلى نقلة حقيقية في كيفية صياغة أسئلتنا المتعلقة بأزمات واقعنا بشكل صحيح، مما يؤدي لإجابات قرآنية أن تسهم في حل هذه الأزمات.. ففي عصر النبوة كان القرآن هو الذي ينزل على الواقع فيعالج مشكلاته.

أما في عصرنا هذا، فإن الأمر قد اختلف، فنحن المطالبون -الآن- بأن نتقن دراسة وتحليل وفهم مشكلاتنا وصياغتها بصيغة السؤال، ثم نأتي بها إلى القرآن لنطرح بين يديه ونلتمس منه الجواب أو الهداية…

ثم يقوم الدكتور العلواني بطرح عدة أمثلة لإشكاليات واقعية ومنهج قراءة القرآن لتوليد الإجابة من رحابه.

دور السنة في بناء المنهج المعرفي القرآني:

يؤكد المؤلف إن القرآن المجيد، هو المصدر المنشىء الوحيد للمنهج، وتتكامل السنة الثابتة معه في جانبها الموحى به بوصفها المصدر المبين على سبيل الإلزام. كما أنها المصدر التطبيقي الذي يقدم للبشرية “نموذج التأسي” بما يشتمل عليه من ترجمة عملية للهدي القرآني، ونقله إلى سلوكيات إنسانية تندرج فيها المواقف التاريخية بأبعادها الزمانية والمكانية (ص125).

ففي الكتاب الكريم “تنظير” كما نعبر في أيامنا هذه، وفي السنة “تطبيق”، وفي القرآن خطاب، وفي السنة بيانه وتأويله العملي والقولي، ولذلك كان لكل منهما منهجه وأدواته في التعامل، والاختلاف في مناهج التعامل وأدواته لا يغير من طبيعة العلاقة بينهما في الاستنباط المنهاجي والترابط بينهما. ويؤكد المؤلف على حصر دائرة إنتاج المفاهيم، إنتاج “الإطار المرجعي” في جانبها المصدري والتنظيري في الكتاب الكريم بوصفه المصدر المنشىء والسنة الثابتة بوصفها المتكاملة معًا والمصدر المبين (ص128).

ثمرات المنهج القرآني:

أولا: المنهج القرآني يجدد علومنا:

يؤكد المؤلف أن التوصل إلى “المنهج القرآني” أمر لابد منه لمراجعة تراثنا وتنقيته، والتصديق عليه، لأن الحياة لا تقف والمستجدات لا تنقطع. والمنهج القرآني هو القادر على أن يراجع ما بني حول القرآن المجيد من تراث، ويقدمه إليه لتصديقه بعد نقده وإعادته إلى حالة الصدق، ثم الهيمنة عليه، واستيعابه وتجاوزه بحيث تكون الهيمنة والمرجعية دائما للقرآن على كل ما عداه، ويكون الحجة والناطق بالحق على كل ما سواه. كما أن المنهج القرآني يمكن الباحثين من تحديد فترات التوقف والانقطاع في تاريخنا وتراثنا (ص145). بل إن مشكلات عصر التدوين التي أحاطت بالقرآن وحجبت الكثير من أنواره لا يمكن تجاوزها، وإخراج القرآن من أسرها بدون المنهج القرآني المعرفي المعادل للمنهج العلمي والمستوعب له، والمتجاوز له في طاقاته و قدراته (ص146).

ثانيا: المنهج القرآني بداية التحرر من الوضعية والمادية:

كما أن “المنهج القرآني” سوف تعيد صياغة فلسفة العلوم الطبيعية في بعدها الكوني الذي يتضمن غاية الحق من الخلق في الوجود وفي الحركة، وبذلك يحرر القرآن “المنهجية المعاصرة والعلوم” التي انبثقت عنها من التأويلات الوضعية والمادية التي أصابتها بقصور مناقض للأصول التي تكونت بمقتضاها، وبنيت عليها بحيث صارت الحتمية العلمية سبيلاً إلى الاغتراب الإنساني (ص62). فالقرآن الكريم يعزز الموقف العلمي ويطهر”المنهج العلمي” ويقوم بعملية تصديق عليه وتنقية له من جوانب النقص واستحضار للأبعاد الغائبة عنه، ويقوم بعد ذلك بالهيمنة عليه ووضعه في إطاره، واعتباره قائماً على تلك السنن الثابتة التي لن تجد لها تحويلا، ولن تجد لها تبديلا (ص112).

صعوبات في طريق المنهج القرآني:

يؤكد المؤلف أن العلماء المعاصرين خاصة من أولئك المتخصصين “بفلسفة العلوم الطبيعية والمناهج بل واللاهوت” لن يسلموا بهذه الدعوى بسهولة: دعوى وجود منهج علمي قرآني، بل ستجد هذه الدعوى في بادىء الأمر معارضة شديدة، لما استقر في الأذهان من أن القرآن كتاب ديني… لكنه يقرر وبكل ثقة: إن القرآن المجيد ميسر ومهيأ للتعامل مع المنهج العلمي التجريبي، بل لا سبيل للتعامل مع القرآن أفضل من التعامل المنهجي معه.

خاتمة:

ينبه المؤلف أن النصوص المتعلقة بالمنهج يمكن الوصول إليها بجهود أخرى ووسائل قد تختلف قليلًا أو كثيرًا عن جهود ووسائل المجتهدين في قضايا الأحكام، فإذا كانت صيغ آيات التشريع والأحكام ظاهرة بينة بنصوصها ودلالاتها والقرائن والأمارات التي تنبه إليها مما يسر على الأصوليين عمليات رصدها وإحصائها ولو بشكل تقريبي، وإذا كان المجتهد في قضايا الأحكام يهتم بصيغ الأمر والنهي والعموم والخصوص والإجمال والبيان والحقيقة والمجاز وما إلى ذلك… فإن الباحث في قضايا”المنهج والمنهجية” لابد أن يستوعب ذلك-كله- ويضيف إليه مداخل أخرى نحو “الجمع بين القراءتين”، والنظر إلى القرآن المجيد المكنون في “وحدته البنائية” و”آياته وسننه بأنواعها”، إضافة إلى ضرورة المران على معرفة وتمييز المطلق من المقيد، والنسبي والثابت من المتغير، وما يتعلق بعالم “الغيب المطلق” -عالم الأمر- وما يتعلق “بالغيب النسبي” الذي يتكشف مع الزمن. هذا -كله- ينبه إلى أن”المنهج القرآني” أمر يحتاج إلى بحث وجهد وكد وكدح.

أخيراً يقول الدكتور العلواني أننا الآن نستطيع أن ندرك أسباب فشلنا في العثور على حلول قرآنية لأزماتنا وإجابات شافية عن عويص إشكالياتنا ومسائلنا، لأننا نقارب القرآن من زوايا مختلفة، ليس”المنهج” من بينها. فبعض الأحيان نقاربه تعبدًا، ونقاربه بواسطة التفاسير بكل ما فيها، ونقاربه أحكامًا وفقهًا، ولكننا لا نقاربه مقاربة منهجية بحثًا عن كوامن “المنهجية الكونية التركيبية ومحدداتها” فيه، بل إن الأكثر لا يقرون بوجود منهج علمي في القرآن، فبعضهم ينكر ذلك جهلا، وبعضهم ينكره لأسباب أخرى عديدة (ص104-106).

* * *

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر