من تراثنا المعاصر

المرشد الأمين للبنات والبنين

العدد 178 /179

في بيان نفس التربية:

عرَّف بعضهم التربية بأنها تنمية أعضاء المولود الحسية من ابتداء ولادته إلى بلوغه حد الكبر، وتنمية روحه بالمعارف الدينية والمعاشية؛ فبهذا انقسمت التربية إلى قسمين: حسية وهي تربية الجسد، ومعنوية وهي تربية الروح، ومع ذلك فإن لتغذية الطفل ثلاثة أنواع من الغذاء مختلفة الموضوع. الأولى: تغذية المراضع للأطفال بالألبان. الثانية: تغذيتهم بإرشاد المرشد بتأديبه الأوَلي للأطفال، وتهذيب أخلاقهم، وتعويدهم على التطبع بالطباع الحميدة والآداب والأخلاق. الثالثة: تغذية عقولهم بتعليم المعارف والكمالات، وهذه وظيفة الأستاذ المربي، كما أن ما قبلها وظيفة المرشد المتولي أمر الصبي.

فالتربية بأنواعها الثلاثة، وإن كان يظهر ببادئ الرأي أنها سهلة بسيطة لا تحتاج إلا إلى عمل يسير، إلا أنها في الحقيقة وعند التأمل تستدعي عظيم اهتمام وعناية وسلوك، أصول مقررة وآداب محررة، ويضاف إلى ذلك ما يحتاج إليه المراضع والمربون والأستاذون من قوة محبة الأطفال ومعاملتهم معاملة من طب لمن حب([1]).

وقد أنتج هذا أن التربية فن تنمية الأعضاء الحسية والعقلية، وطريقة تهذيب النوع البشري ذكراً كان أو أنثى على طبق أصول معلومة، يستفيد منها الصبي هيئة ثابتة يتبعها، ويتخذها عادة، وتصير له دأباً وشأناً وملكة([2]). فالتربية المعنوية حينئذ هي فن تشكيل العقول البشرية، وتكييفها بكيفية حسنة مألوفة، وغايتها إيجاد مَلَكَة راسخة في الصغير تحمله على التخلق بحسن الأخلاق حسب الإمكان بحيث تحصل من هيئة تربيته الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً بسهولة ويسر كطلاقة الوجه والحلم والشفقة ولين الجانب، وحسن الظن بالناس، والإغضاء عن السفهاء وعدم مجادلتهم والسكوت عنهم، قال الشاعر:

وَمَا شَيْءٌ أَحَبُّ إِلى لَئِيمٍ   إِذَا شَتَمَ الكَرِيمَ مِنَ الْجَوَابِ
مُتَارَكَةُ اللَّئيمِ بِلا جَوَابِ   أَشَدُّ عَلَى اللَّئيمِ مِنَ السَّبَابِ

وكمال التربية حمل المكلف على رعاية الحق للحق والخلق؛ لينال خير الدارين. ثم إن التربية لا تفيد الصبي الذكاء ولا الألمعية. فإن هذه الصفات هي في الأطفال غريزية طبيعية، وإنما بالتربية تنمو العقول وتتحسن الإدراكات، فإذا ربي المربي عدة أطفال مختلفين في الذكاء متحدين في التربية، لا يقدر المربي أن يتوصل إلى تسويتهم في الذكاء، بل يختلف ذكاؤهم باختلاف استعدادهم الغريزي. فمجرد التربية وحدها لا يترتب عليها ذكاء الصبي؛ حيث هو غريزي لا يزيد بالتربية المتزايدة. ومع ذلك فالتربية الحسنة الفاضلة في حد ذاتها خير من الذكاء المتوسط، والذكاء الكامل إذا صحبته التربية الفاضلة كان عظيماً كثير النجاح، فإذا صحبته التربية المتوسطة كان يسير النتيجة لا يبلغ صاحبه الرتبة المطلوبة. وبالجملة، فالغرض من التربية تنمية الصغير جسداً وروحاً وأخلاقاً في آن واحد، يعني تنمية حِسياته ومعنوياته بقدر قابليته واستعداده.

كُلُّ الأَنَامِ بَنُو أَبٍ لَكِنْمَا          فِي الفَضْلِ تُعْرَفُ قِيمَةُ الإِنْسَانِ

والتربية الأولية فائدتها أن يعتاد الصبي على أن ينقاد بطبعه إلى ما يريده منه مؤدِبه، ويختاره له مرشده، فغايته المطاوعة. وهذا النوع كما يكون في الإنسان يكون أيضًا في الحيوان بترويضه وتمرينه على الإطاعة. وأما تنمية العقل التي هي غذاؤه بالمعارف كغذاء الجسم بالطعام فهي خاصة بالإنسان؛ فكما أن غذاء جسمه بالطعام الطيب يُنَمِّيه وينعشه ويقوي أعضاءه، كذلك غذاء الروح بالمعارف ينميها ويقويها بشرط أن تكون هذه المعارف معقولة مقبولة. فالتربية المعنوية تزيد في تنمية عقول الأطفال بالمعارف، وحسن الأخلاق على التناسب من حسن إدارة المرشد والمعلم؛ فبهذا يقال لمن اكتسب المعارف الجيدة والأخلاق الحسنة إنه حسن التربية.

وحسن تربية الأحاد([3]) ذكورا وإناثًا، وانتشار ذلك فيهم؛ يترتب عليه حسن تربية الهيئة المجتمعة يعني الأمة بتمامها. فالأمة التي حسنت تربية أبنائها، واستعدوا لنفع أوطانهم هي التي تعد أمة سعيدة، وملة حميدة، فبحسن تربية أولادها، والوصول إلى طريقة إسعادها لا تخشى أن تأتمن أبناءها على أسرار الوطن، ولا على ما يكسبها الوصف الحسن. بخلاف سوء التربية المنتشر في أمة من الأمم، فإن فساد أخلاق بنيها([4])، يفضي بها إلى العدم؛ حيث يَفْشُو([5]) فيهم الانهماك على اللذات والشهوات، والانتهاك للحرمات، والتعود على المحرمات. ومن سوء التربية أن الأم تكل تربية أولادها إلى غيرها بدون أن تلاحظ تربية أولادها بنفسها، فإن الأم بما أودع فيها من الشفقة والرأفة على أولادها هي أولى وأرفق بالتربية ولتعديل مزاج أبنائها وبناتها، فإذا ربت المرأة أولادها إلى سن التمييز تربية حسية أو معنوية؛ انتقش([6]) في أذهان الأبناء اعتدال المزاج، والاتصاف بمكارم الأخلاق وتهذيبها، وسلوك سبيل الرفق واللين التي هي من صفات التمدن.

رَأَيْتُ صَلاحَ الْمَرْءِ يُصْلِحُ أَهْلَهُ   وَيَعْدِيهِم مِنْهُ الفَسَادُ إِذَا فَسَدْ
يُعَظْمُ فِي الدُّنْيَا بِفَضْلِ صَلاحِهِ   ويُحْفَظُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الأَهْلِ وَالوَلَدُ

ففي أوائل حداثة الأولاد ذكوراً أو إناثاً ينبغي إناطة([7]) تربيتهم بالنساء مع ملاحظة الأمهات، وبعد ذلك تكون تربية الأولاد بحسب موافقة أحوال الأمة وطريقة إدارتها، وأحكامها؛ لينتقش في أفئدة الصبيان الإحساسيات، والأصول الحسنة الجارية في أوطانهم. مثلاً: إذا كانت طبيعة البلد المولود فيها الإنسان عسكرية مائلة للحرب والضرب؛ تكون تربية الأولاد الذكور أيضًا تابعة لها أصولاً وفروعًا؛ وتكون تربية البنات أيضًا مائلة لمحبة الشجعان والأبطال وفحول الرجال؛ ليشجعن الأبناء، ويعتبرن النفع للوطن. وإذا كانت المملكة زراعية أو تجارية أو بحرية وما أشبه ذلك؛ كان مدار التربية الصحيحة للأولاد مبنياً على ذلك، وفي هذه الخصوصيات جميعها الاستعدادية، تلاحظ المعارف العمومية التي يشترك فيها جميع الأمم والملل، وكل هذا إجراء للناموس([8]) الطبيعي التي اقتضته الحكمة الإلهية مجراه، فقد فرق الله تعالى همم الناس للصناعات المتفاوتة والمعلومات المتباينة، وجعل آلاتهم الفكرية وأدواتهم البدنية مستعدة لها، فجعل لمن قيضهم لمراعاة العلم والمحافظة على الدين قلوباً صافية، وعقولاً بالمعارف وافية، وأمزجة لطيفة، وأبداناً لينة.

إِنَّ التَّشَاغُلَ بِالدَّفَاتِرِ والمَحَابر   والكِتَابَةِ والدراسة
أصل التَّعَبدِ والتَّزَهد   والرياسة والسياسة

وجعل لمن قيضه لمغانات المهن الدنيوية والحرف المعاشية كالزراعة والبناء قلوباً قوية، وعقولاً كَنِزة، وأمزجة غليظة؛ لأن أكثر عمله منوط ببدنه لا بعقله. وكما أن من المحال أن تَصلُح حاسة السمع للرؤية، وحاسة البصر للسمع؛ فمن المحال أيضًا أن يكون من خُلِق للمهنة يصلح للحكمة. ومع ذلك فقد جعل الله تعالى كل جنس من الفريقين نوعين رفيعاً ووضيعًا. فالرفيع من يتحرى الحذق([9]) في صناعته، ويُقبل على عمله؛ طلبًا لمرضات ربه بقدر وسعه وطاقته، ويؤدي الأمانة فيما خُلق له بقدر جهده واستطاعته. قال ابن عطاء الله – مشيراً إلى هذا المعنى-: «من علامة إقامة الحق لك في الشيء إدامته إياك فيه، مع حصول النتائج». قال الجمهور: «إن الله تعالى خلق في كل أحد استعدادًا تظهر عليه علامته في أول أمره»، كما قال الشاعر:

فِي الْمَهْدِ يَنْطِقُ عَنْ سَعَادَةِ جَدِّه         أَثَرُ النَّجَابَةِ سَاطِعُ البُرْهَانِ

وقال بعضهم: «إنه ينبغي للعاقل أن يَتَجَشَّمَ فِي نَيْلِ مَطْلُوبِهِ الشَّدَائِدَ، ويُجهد نفسه في طلب المعالي؛ ليظفر بالحظ الأوفر»، كما قيل:

سَأَطْلُبُ كُلَّ مَنزِلَةٍ   تَعَرَّضَ دُونَهَا العَطَبُ([10])
فَإِنْ أَسْلَم رَجَعْتُ وَقَدْ   ظَفِرْتُ وَأَنْجَحَ الطَّلَبُ
وإِنْ أَعْطب فَلا عَجَبٌ   لِكُلِّ مَنِيَّةٍ سَبَبُ

وبالجملة، فَمَن شَمَّر عن ساعد الجد؛ وجد مفتاح المجد. فالأمة التي تتقدم فيها التربية بحسب مقتضيات أحوالها؛ يتقدم فيها أيضًا التقدم والتمدن على وجه تكون به أهلاً للحصول على حريتها. بخلاف الأمة القاصرة التربية؛ فإن تمدنها يتأخر بقدر تأخر تربيتها. فإن التربية العمومية هي الحصول على تحسين عوائد الجمعية التأنسية، ومعرفة آدابها علماً وعملاً، والتأدب بآداب البلاد. فالتربية هي أساس الانتفاع بأبناء الوطن لاسيما تربية أبناء الأمراء والأكابر والأغنياء، بتحسين أحوالهم، وتهذيب أخلاقهم، وتعويدهم من الصغر على ترك الكِبر والإعجاب ومحبة النفس، وتكليفهم باستعمال الرفق واللين والتلطف مع غيرهم؛ حتى لا يتجارى أحد من عوام الناس أو خواصهم على لومهم على أفعالهم وأطوارهم وحركاتهم. ومن أهم ما ينبغي تجريدهم عنه من المثالب([11]) محبة النفس التي أفسدت أخلاق الناس، فاجتناب محبة النفس للتربية من أعظم أساس.

 

في تعويد الأطفال من أول شبوبيتهم على العقائد الدينية، والتغذي بألبان الأحكام الشرعية:

قد كتبت يد القدرة الربانية بغير آلات، وسطرت الإرادة الصمدانية خطوط المصنوعات، وجعلت ذلك وقفًا على تلاوة البصائر والألباب، ومشاهدة الأبصار والعيون عنوان هذا الكتاب، فكأنها أمرت العقول بالانتقال من السفليات إلى العلويات، وبالنظر في جميع الأزمنة والأمكنة، وما أودع فيها من خير أو شر، أو نفع أو ضر،أو سعد أو نحس، أو حياة أو موت، أو صحة أو سقم، مما يجري من مشيئته تعالى في سائر الكائنات. فكل هذا يرشد إلى معرفته تعالى وحكمته وحوله وقوته كما نبه عليه تعالى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ۸]، ونحو ذلك من الآيات الدالة على بديع صنعته وتدبير ملكه وحكمه.

ثم إن الله c جعل العقل النوراني في القلب الإنساني مرآة للعارف الفاضل، يميز به الحق من الباطل. كما أرسل رسلاً ظاهرة؛ ليبينوا العلم الظاهر الذي تجهله النفس الأمارة بالسوء حتى لا تقيسه بقياسها الفاسد بناء على ما يفهمه عقلها الكاسف الكاسد. فالعقل النير رسول قَبِل واسطة النبي المرسل والملك المقرب. وأما الرسول الحقيقي المشرع فقد أرسل من عند الله تعالى مبشراً ومنذراً لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فهو مبين ومعين لما لا تستقل به عقول البشر، وإن كانت العقول أفادت قبل الشرائع نوعاً من التدبير، فالعقل الراجح الصحيح النظر الخالي عن الموانع قد يميز الحق من الباطل وهو مؤيد لرسالة المرسلين، وقد فرق الله c بين العالمين في العقول، ومنحهم منها ما شاء من كثير وقليل. وكما فضل بعضهم على بعض في الرزق وكثرة المال، فضل بعضهم على بعض في العقل؛ فعقول الأنبياء أرجح من عقول العلماء، وعقول العلماء أرجح من عقول العوام، وبقدر تفاوت العقول والبصائر الشبيهة بالأبصار قوة وضعفاً؛ يكون التفاوت في إدراك قواعد الدين والدنيا؛ وبهذا يقع الإنكار والاعتزال لكثير من الناس في أمور الدين؛ لنقصان العقول كأهل الضلال والمشركين، وعبدة الأصنام والوثنيين.

إِنْ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّه   جَهول بالمعاني
أَحْوَلُ العَقْلِ لِهَذَا   ظَنَّ لِلْوَاحِدِ ثَانِي

وكمنكري البعث من الحكماء والفلاسفة:

قَالَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ كِلاهُمَا   لَنْ تُبْعَثَ الأَمْوَاتُ قُلْتُ إِلَيْكُمَا
إِنْ صَحْ قَوْلُكُمَا فَلَسْتُ بِخَاسِرٍ   أَوْ صَحٌ قَوْلِي فَالْخَسَارُ عَلَيْكُمَا

قال أعرابي لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: «هل رأيت الله حين عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد من لم أره. قال: فكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يُدرك بالحواس، ولا يُشبَه بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجوز في القضيات، ذلك الله الذي لا إله إلا هو. فقال الأعرابي: الله أعلم؛ حيث يجعل رسالاته».

وأما من يعرف الواجب والجائز والمستحيل؛ فيعلم أن كل مقدور بالإضافة إلى قدرته تعالى قليل. فالعاقل إذا سمع معقولاً غريباً استحسنه، والجاهل إذا سمعه قطع بتكذيب قائله وزيف ناقله؛ لقلة بضاعة عقله وضيق نطاق فضله؛ ولهذا وصف تعالى الجهال بقوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان: ٤٤].

وقد أودع الله c من عجائب المصنوعات في الآفاق والسماوات كما قال: ﴿وَكَأَيْن مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون﴾ [يوسف: ١٠٥]، وقد ندب إلى النظر في عجائب الدنيا بقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] وقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ ءَايَاتُ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]، وقال الشاعر:

فِي الأَرْضِ آيَاتٌ فَلَا تَكُ مُنْكِرًا           فَعَجَائِبُ الْأَشْيَاءِ مِنْ آيَاتِهِ

وقال آخر:

كُمْ آيَةٍ لِلإِلَهِ شَاهِدَةٍ              بِأَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُو

وقال آخر:

أَيَا عَجَبًا!! كَيْفَ يَعْصِي الإِلهُ   أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجَاحِدُ؟
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ   تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ

وقال صاحب الجوهرة:

فَانْظُرْ إِلَى نَفْسِكَ ثُمَّ انْتَقِل   لِلْعَالَمِ العُلْوِيِّ ثُمَّ السُّفْلِي
تَجِدْ بِهِ صُنْعًا بَدِيعَ الحِكَمِ   لَكِنْ بِهِ قَامَ دَلِيلُ العَدَمِ

ومن شاهد حجر المغناطيس، وجذبه للحديد، وحجر الماس الذي يعجز عن كسره الحديد، ويكسره الرصاص، ويثقب الفولاذ، ولا يقدر على ثقب الرصاص؛ يعلم أن الذي أودع هذا السر قادر على كل شيء، فلا تكن مكذباً بما لا تعلم وجه حكمته، فقد قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه﴾ [يونس: ٣٩].

فالعاقل هو الذي إذا سمع شيئًا أو رآه أو دُعي إليه أو أُمر به أو نُهِي عنه، وكان ذلك الشيء وارداً شرعًا، مخالفًا لطبع نفسه أو موافقاً له، ولم يَدْرِ أن الصواب في الإقبال عليه أو النفور عنه؛ دبره أولاً بنظر العقل الذي أودعه الله تعالى فيه، وتفكر في عاقبته، وما يؤول إليه من الصواب والهدى أو الخطأ والضلال؛ فيحكم به العقل النوراني المودع في القلب الإنساني، ولا نظر إلى ما تأمر به النفس الأمارة بالسوء أو العقل الضعيف؛ لأن كلاً منهما في حرب مع العقل النوراني، وهذا ما يسمى جهاد النفوس، فتقع فيه الموازنة والمغالبة والمحاربة؛ وإلى ذلك أشار (الصادق المصدوق) حين رجع من بعض الغزوات بقوله: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، فحينئذ ينبغي أن يبرز إلى النفس الأمارة ضرغام العقل على جواد، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ فيضربها بسيف الحق القاطع؛ لدروع حجج الجهل المانع، فيقول لهذه النفس اللوامة: «لم لا تطيعين مَن خلقك، وخلق كل شيء، وهو على كل شيء قدير، وهو الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له؟».

فإن قالت النفس: ما الدليل على ذلك؟ قيل لها: إنه لابد لكل مخلوق من خالق؛ لأنه لا يخلق نفسه ألبتة، فإن سَلَمت هذا، وإلا قيل لها: «أفأنت خالقة أم مخلوقة؟» فإن قالت: «خالقة» عرضت لها ذرة من خلق الله تعالى؛ وقيل لها: «اخلقي مثل هذه الذرة». فضلاً عن فيل أو جمل أو جبل أو سماء أو أرض؛ فإن عجزت عن خلق ذرة؛ ثبت أنها مخلوقة عاجزة مثل تلك الذرة، وقامت الحجة عليها وعلى جميع المخلوقات لضعفهم وعجزهم، وثبت أن هناك شيئًا هو خالقهم ومالكهم ومدبرهم، وهو الإله الواحد الموجود القديم الباقي، وهو المريد القادر المتصف بصفات الكمال، وعلمه القديم في كل كلي وجزئي حاضر، كما قال الشاعر:

يَا مَنْ تَعَرَّف لي به فَعَرَفْتُه   وَبِهِ المحبة حِينَ أَنْ أَحْبَبْتُهُ
أَنْتَ الَّذِي فِي كُلِّ شَيْءٍ حَاضِرٌ   أَشْهَدْتَنِي عِلْمِي فَمِنْكَ شَهِدْتُهُ

وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فليَخْلُقُوا ذَرَّةً أو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أو شَعِيْرةً». وقد وقع السؤال عن حكمة الترقي؛ فأجاب التقي السبكي: «بديهة بأن صنع الأشياء الدقيقة فيه صعوبة. والأمر بمعنى التعجيز»؛ فناسب الترقي من الأعلى إلى الأدنى، واستحسن ذلك الحافظ ابن حجر: «والمراد بالأعلى الأعلى في صعوبة العمل أو في الخساسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].

فقد اقتضت حكمته الإلهية من غير وجوب عليه أن يخلق المخلوقات؛ ليدلهم على معرفته بإظهار صنعته لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أي يعرفوني ويوحدوني؛ وحيث إن الإنسان مخلوق لتوحيد الخالق؛ فينبغي تعليم الصغير -ذكرا أو أنثى من مبادئ أمره- إقامة الدليل على وجود الله، ووحدانيته، وباقي صفاته الواجب معرفتها تفصيلاً في التفصيلي، وإجمالاً في الإجمالي.

 

في أنه ينبغي تعليم الأطفال حين تربيتهم أحوال المعاد كالمعاش ليجمعوا بين معرفتهما:

من المعلوم أن قدرة الله c كباقي صفات المعاني، وهي الإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، ثابتة القِدَم، وهي التي أوجد بها المخلوقات بعد العدم، وبها تكون الحياة بعد الممات، كما أشار بذلك c بقوله ردا على من أنكر الحياة بعد الفناء؛ فقال الكافرون: ﴿هَذَا شَيْءٍ عَجِيبُ. أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُراباً ذَلِكَ رجع بعيد﴾ [ق: ٢، ٣]، وبقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوقَهُمْ كَيف بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ. وَالأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ. وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعُ نَضِيدٌ. رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخَرُوجُ﴾ [ق: ٦ – ١٠] أي كما أحيينا الأرض من بعد موتها بذلك الماء؛ كذلك نحييكم بعد موتكم، وكما أخرجنا جواهر المعادن والنبات والحيوان من الأرض، وأوجدناها بعد عدمها وفنائها؛ كذلك الخروج الذي أنكرتموه يكون بقدرة من يقول للشيء كن فيكون، ومن هو على كل شيء قدير، وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَقُولَ لَهُ كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠[ هو كناية عن سرعة الإيجاد عند تعلق الإرادة، وليس هناك أمر حقيقة، ولا كاف ولا نون؛ وإلا لو كان هناك أمر؛ لتوجه أن يقال: «وإن كان الخطاب للشيء حال عدمه فلا يعقل، وإن كان بعد وجوده ففيه تحصيل الحاصل».

وقد بالغ بعض الملحدين في الإنكار؛ فقال: «لو أن آدمياً أكله آدمي آخر؛ فاستحال فيه أيضًا لحماً ودماً، وهكذا إلى ألف أو أكثر ثم مات الأخير منهم؛ فأكلته الأرض حتى فني وانعدم، ولم يوجد له أثر. فكيف يكون رجوع كل شيء من ذلك، وكيف يكون وجوده بعد عدمه وحياته بعد موته، وكيف يخرج ما استحال في جميع ذلك حتى يتميز كل واحد منهم على حدته بذاته؟» فاستبعد المنكِر ذلك بجهله، وتمادى على إنكاره البعث؛ لضعف عقله، وجوابه أنه لو استحال جميع المخلوقات بعضها إلى بعض، واختلطوا كلهم، وصاروا دماً ولحماً واحداً، أو ماء أو هواء أو نارًا، أو ألطف شيء يكون ثم فَنيَ ذلك                                                                                                                                                                                                                    كله، ولم يوجد له أثر؛ فليس عزيز عليه تعالى أن يوجده بالقدرة بعد عدمه، ويرده كما كان أولاً، فلا يعجز عن تمييز كل واحد على حدته بذاته حتى يعيد إليه دمه ولحمه الذي كان عليه في حياته الأولى؛ فَيُثيبه إن كان من أهل الثواب، ويعاقبه إن كان يستحق العقاب؛ ولهذا خلق للسعداء دار النعيم، وللأشقياء نار الجحيم.

والدليل على ذلك أن الله تعالى أوجد الناس أولاً بعد أن لم يكونوا شيئًا بدون كلفة ولا مشقة ولا استعانة بآلة ولا شيء؛ غير صفاته كالقدرة والإرادة والعلم؛ فما أسهل عليه الإعادة وأهونها؟ ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿هَل أتى على الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ۲۰] أي كما أوجدهم من العدم أوّل مرة، كذلك يوجدهم بعد الفناء ثانية، إن شاء الله على كل شيء قدير.

وقد صور الله الإنسان في أحسن صورة، وجعله باقي النوع بالتوالد والتناسل إلى آخر الدهر، وركب فيه العقل النوراني المضاف إلى الروح المتصرفة في الحواس، وألهمها بالحركة الاختيارية الصادرة عن إرادة الله بما قضاه من خير أو شر أو طاعة أو معصية حتى ينفذ ما سبق في علمه، وما أبرمه بمشيئته وحكمه؛ ليخرج بذلك من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس ۷ – ۸]، فيكون ما أراده الله قديماً في سابق علمه، محكماً في ديوان حكمته وتدبير ملكه، محدثاً بقدرته، دالاً على وجوده ووحدانيته شاهداً باتصافه بسائر الصفات التي تتجلى بمحاسنها على جميع الموجودات بالفعل والصنعة؛ فانطبعت في جميع الموجودات آثار وجود الباري f أي مظاهر صفاته التي ظهرت من عالم الغيب إلى عالم الشهادة؛ فارتسمت في مرآة قلب الإنسان كما يرتسم الشيء المنظور في المرآة؛ فلهذا كان الإنسان أفضل المخلوقات، وأكرمها على الله، وأحسنها خلقاً بما أودع الله c فيه من بديع الحكمة، ورفيع الصنعة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠].

وعند ظهور الإنسان الذي هو عبد مولاه إلى عالم الشهادة؛ اقتضى المقام أن يكون الرب آمرًا للعبد، ناهياً له، وأن ما أمر به الرب يكون واجباً أو مندوباً، وما نهى عنه يكون حرامًا أو مكروهاً، وما فوض السيد أمره إليه، ولم يرتب فيه عليه ثواباً ولا عقاباً ولا مدحاً ولا ذماً؛ كان مباحًا. فالتكليف بهذه الأحكام الخمسة شرعي؛ وحيث إن العقل النوراني بالقلب الإنساني صدق بوجود الخالق، فلابد أن يصدق أيضًا بملائكته وكتبه ورسله الذين بينوا الحلال والحرام، وعليهم نزلت الشرائع والأحكام، وخاتمهم خير البرية الذي أيد بالمعجزات القوية لاسيما معجزة القرآن الباقية إلى آخر الزمان، والناسخ شرعه جميع الشرائع والأديان، والمنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيْدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] أي نصرك في سائر أيامك. فإن أمْر النبي r من أول حياته إلى وقت وفاته كان أمرًا إلهياً وتدبيراً علياً، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل، وكان تأييده r بالمؤمنين والأنصار والمهاجرين ومن بعدهم بالخلفاء الراشدين، ولا زال شرعه مؤيدا منصورًا إلى يوم الدين، يقوم بتأييده صالحو المؤمنين والملوك والسلاطين. فما أحسن الأمة التي تهذب أخلاق أبنائها على ما وردت به الشريعة الغرا([12])! فهذه الأمة هي السعيدة دنيا وأخرى. قال بعض الصالحين: «من لم يدخل في قمقم الشريعة، ويختم عليه بختام الحقيقة؛ فليس من أحبابنا، ولو مشى في ركابنا»، ولقد أحسن من قال:

أَيُّهَا الْمُدَّعِي سُلَيْمًا سَفَاهَاً   لَسْتَ مِنْهَا وَلا قُلامَةَ ظُفْرِ
إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ سُلَيْمٍ كَوَاوٍ   أُلْحِقَتْ فِي الهِجَاءِ ظُلْمًا بِعَمْرِو

وقال آخر:

وَكَلٌّ يَدَّعِي وَصْلاً لِلَّيْلَى          وَلَيْلَى لا تُقِرُّ لَهُم بِذَاكَا

وبالجملة، فتربية أولاد الملة، وصبيان الأمة، وأطفال المملكة ذكوراً وإناثًا من أوجب الواجبات، كيف لا والتربية مطلوبة حتى في غير الآدمي؟ فإن كل أمة تعتني بتربية ما ينفع الإنسان من الحيوانات المنزلية كالخيول النافعة في الجهاد، والنحل، ودود القز، وذوات الأصوات كالببغاوات المفقودة في مملكة، الموجودة في أخرى، يصير جلبها لتربيتها وتطبيعها وتوليدها في المملكة المجلوبة إليها. وكانت أمة اليونان المشهورة بالحكمة في قديم الزمان تحسن تربية أبناء ملوكها غاية الإحسان، فلما ظهر أفلاطون، وأعجبته هذه التربية الحسنة، وتهذيب الأخلاق بالطريقة المستحسنة التمس من اليونان أن يتخذوا تربية أبناء الملوك نموذجاً ينسج على منواله في تربية أبناء كل مالك ومملوك.

قال بعضهم: «إن السبب الأعظم في كثرة فحول الرجال، وكبراء الأبطال في بلاد اليونان في أيام جاهليتهم؛ إنما هو كان بعد إحسانهم تربية الأطفال، فكانت صغارهم تربى على طرف المملكة، وكانوا يعَوِدونهم وهم أطفال على الشجاعة والقوة، وكانت المرضعات لا يجعلن لهم قماطا([13])، وكانوا يعودونهم أيضًا على عدم الخوف من ظلام الليل، وعلى عدم البكاء والتشكي إلا لحاجة لازمة، وكانوا إذا بلغ الطفل سبع سنين أمروا المعلم أن يعلمه التعود على الأشغال، والتجلد على المشاق، والمبادرة في الطاعة، وكان المعلمون يسوون بين سائر الأولاد في التعليم بالمكاتب العمومية بلا تمييز لأحد منهم بتعليم شيء وتقديمه على آخر، بل يعلمون الكل مع بعضهم بطريقة واحدة؛ لأنهم مستوون في القيام بالواجبات المتحدة في المملكة، وكانوا يجعلون كل مَن ظهرت نجابته([14]) في التعلم رئيسًا على من عداه ممن لم تظهر له نجابة؛ فيحكم الأنجب فيمن عداه منهم لكن بملاحظة الشيوخ؛ ليرد الشيوخ من أخطأ في حكمه منهم إلى الصواب، ويجب تأديبه على ذلك بما يليق بخطئه من العقاب.

وطريق تعليم الأولاد التفاهم، التخاطب عند اليونان أن الآباء كانوا إذا اجتمعوا على مائدة عمومية يُحْضِرُون معهم أولادهم؛ ليغتنموا فائدة محاورة تلك المجالس، وكانوا يسألونهم عن بعض أشياء مهمة، فيقولون للواحد منهم: ما رأيك في هذا الشيء أو في هذا الرجل؟ ويحملونهم على رد الجواب بسرعة مع الاختصار وأدب الكلام. والقصد من ذلك أن ينشأوا على عادة حسنة؛ فيعتادوا العبارات الوجيزة، وتزيد فطنتهم وذكاؤهم، ويسلكوا في كلامهم مسلك البلاغة الدالة على علو همتهم. وكان يونان إسبرطة بجزيرة موره ممنوعين من العلوم الدنيوية، ومن الصنائع التي هي على الزينة والزخرفة مبنية، وإنما كانوا يميلون إلى الشعر لكونه يهيج نفوسهم، ويزيدها شجاعة وحماسًا، فمن ذلك ما حكي عنهم أنه اجتمع شيوخهم وشبانهم وصبيانهم للغناء، وشرع كلٌ يغني بشرح حاله، فقال الشيوخ ما معناه: نحن كنا سابقاً منتظمين في سلك الشبان أرباب الشجاعة والرهان؛ فأجابتهم الشبان ونحن كذلك بهذا الوصف الآن، ومن أراد البرهان فها هي الشقراء([15]) والميدان؛ فرد عليهم صبيانهم بقولهم: ونحن سنصير يوماً من الأيام مثلكم في حومة الفرسان، وفضلنا سيفوق فضلكم في حوزة الشجعان؛ وبهذا هابهم الأجانب في المشارق والمغارب. شعر:

وسُعُودُهُم تُثْنِي الأَعَادِي عَنْهُمُ            إِنَّ السُّعُودَ كَتَائِبٌ لَا تُهْزَمُ

فسعد حسن التربية بنيل المقصود؛ يبعد العدو عن عدوه؛ خشية صولة الأشبال والأسود، فإن أشبال اليونان كانوا يدربونهم من أول صباهم كما قيل:

بَلَغْتَ لِعَشْرٍ مَضَتْ مِنْ سِنِيكَ   بِمَا يَبْلُغَ الرَّجُلُ الأَشْيَبُ
فَهَمكَ فِيهَا حِسَامُ الأُمُورِ   وَهَمَّ لِدَاتِكَ أَنْ يَلْعَبُوا

واللدات: الأمثال في السن.

وقد انتظم النساء عند اليونان في سلك التربية؛ فاكتسبن من التعليم فضائل الرجال وصحة الأبدان؛ فبهذا كان لهن السلطنة العليا على قلوب الرجال؛ بحسن التربية والتعليم، فكان يجب عليهن معاناة الرياضات الشاقة، واستمرار اللعب والمصارعة؛ فبذلك حصل في تلك البلاد من النساء مدة طويلة من العجائب والغرائب ما يساوي شجاعة الرجال، ولهذا أيضًا احترمهن الأبطال احترامًا بليغاً، حتى إن سلطنتهن على قلوب الرجال نشأ عنها ميلهم لأعمال الشجعان ليحببنهم؛ فمن ذلك أن بعض الأمهات قالت لابنها لتسليه، وقد جرح جرحًا صار به أعرج: «يا بني، لا بأس عليك بذلك؛ فإنك الآن ما سرت خطوة إلا وذكرت شجاعتك». وكذلك كانوا في مدينة أثينة التي هي مدينة الحكماء يعتنون بتعليم الأولاد؛ لعلمهم أن بقاء عز المملكة إنما يكون بذلك، ويحثون على الاشتغال بالحرف والصنائع، وكل مَن ثبت عليه من أهالي المدينة أنه لم يتعاطَ حرفةً ولا صَنْعَةً، واتهم بذلك ثلاث مرات؛ فإنه يفضح على رؤوس الأشهاد، وكذلك كل ولد يسرف في أمواله أو يحرم أبويه من القوت، فإنه يُفضح على رؤوس الأشهاد أيضًا إلا إذا كانا لم يعَلِماه صنعة فلا عقاب عليه بذلك. وأما الوالد إذا بخل بالإنفاق على ولده؛ فلا يعاقب بهذه العقوبة.

ومن أحكام هذه المدينة أنه لا يجب على المرأة أن تتجهز لزوجها عند الابتناء بها بأكثر من ثلاثة أثواب وأمتعة قليلة الثمن؛ خوفًا على أهلها من الفقر. وإن من اجتمع بغير زوجة وعاشرها أو خالط النساء المتبرجات لا يكون من أرباب مشورة المدينة؛ لأنه لا يؤتمن على مصلحة الأهالي. وإن من سكِر من أرباب مشورة المدينة؛ فعقابه القتل. فبهذا صارت تربية عموم اليونان كاملة فاضلة في أغلب الأزمان، وناهيك بتربية أرسطاطاليس للإسكندر الأكبر؛ حيث ترشح بتهذيب أستاذه له إلى أن ملك الدنيا، وهزم في كل الممالك الملوك والعسكر. وقد اجتهد الأروباويون الذين بلادهم الآن هي أقوى البلاد في أن يربوا بناتهم كتربية الأولاد. وكانت عادة الفرنساوية قديماً أن يربوا بناتهم في أديار([16]) الراهبات، ويمكثن فيها إلى حد تأهلهن للزواج، وكثيراً من هؤلاء البنات كن يلبسن زي راهبات الكنائس إلى أن يخرجن من هذه المكاتب بوصف كونهن عرائس. وكل ما كان عند اليونان، وعند أهالي أروبا الآن من التمرين على الشجاعة، لا يساوي قطرة من بحر بالنسبة لتمرين العرب على اقتحام الخطوب([17])، وتحريض الأمهات للأبناء على الجَوَلان في ميادين الحروب. فقد حُكي أن الخنساء بنت عمرو السلمية حضرت حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال؛ فقالت لهم من أول الليل: «يا بني، والله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد، إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وأنتم تعلمون قول الله تعالى: ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 2٠٠]، فإذا أصبحتم -إن شاء الله- فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائكم مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وأضرمت لظى على سياقها، فَتَيَمَّمُوا وَطِيسَهَا([18])، وجَالِدُوا رئيسها عند اخترام([19]) خَمِيسِهَا([20])، تَظْفَرُوا بالغنى والكرامة في دار الخلود والمقامة». فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، وشنوا الإغارة، وقاتلوا حتى استشهدوا جميعاً، فبلغها الخبر، فقالت: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته». فكان عمر بن الخطاب يعطي للخنساء أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد منهم مائنا درهم حتى قُبِض t([21]).

ثم إن تربية الولد ينبغي أن تكون في بيت أبيه وأمه، وهي التربية اللائقة للبيت، وكل امرأة لم تُرَبِّها أمها في صغرها؛ لم ترغب في تربية أولادها في كبرها. وتربية الأمهات لأولادهن قليلة في أروبا بل يكون أمر التربية موكولاً للمرضعة، والعادة أن تكون هذه المرضعة عاقلة مستقيمة متقدمة في السن صاحبة معارف كافية كثيرة اللبن، والعادة إنها دائما ماسكة بيدها عصا صغيرة؛ تعلم بها الصبي وترضعه وتكلمه بكلمات تناسب سنه، وتكتب له فوق التختة([22]) حروف الهجاء، وجملاً قصيرة تناسب حداثة سنه.

ثم يدخل كل من الغلمان والبنات المدارس المعدة لهن، وفي بعض بلاد جرمانيا دخول المدارس للبنات والغلمان واجب قانوناً حتى عُد أن في بروسيا سدس الأهالي يتعلمون في المكاتب. ويقرب من هذا تعليم جمهورية السوسة ومملكة بلجيقا والفلمنك وممالك أمريقة المتحدة؛ فلهذا كان أبناء أروبا وأمريقة ذكوراً وإناثًا يحسنون في الغالب القراءة والكتابة بالضبط الشافي، ويعرفون مبادئ المعارف التي يتزين بها عقل الإنسان، وهذا يشترك فيه عموم الأهالي. وأما التربية الوسطى والعالية فهي مخصوصة بأربابها.

 

في الكسل المعبر عنه بالدعة والسكون:

هذا ولو أن الإنسان ناطق متفكر وقادر على إعمال فكره في الحقائق والدقائق إلا أن الدعة في كل إنسان طبيعية؛ حيث إعمال الفكر لا يخلو من التعب والنصب، وقد قيل:

فَكَمْ دَعَةٍ أَتْعَبَتْ أَهْلَهَا            وَكَمْ رَاحَةٍ نَتَجَتْ مِنْ تَعَبْ

وقال آخر:

إن الشباب والفراغ والجدة                 مَفْسَدةً للمرء أي مَفْسَدة

فتجد الإنسان دائما ينجذب للراحة ويميل إليها كل الميل أناء الليل وأطراف النهار كانجذاب الأجرام([23]) بما فيها من الثقل إلى المركز؛ حيث عادة الأجرام سقوطها في المراكز وسكونها فيها بدون تحرك ما لم يكن هناك في كل وقت من أوقات السقوط قوة دافعة تبعدها عنه وتحركها لتدوم على الحركة، فقوة الجذب وقوة الدفع اللتان في الأجرام الجوية موجودتان في الحالة الإنسانية؛ حيث إن الدعة تجذب الإنسان للسكون والارتياح، وقوة العمل تدفعه عن مركز الدعة إلى حركة النشاط والفلاح، وهاتان القوتان متعادلتان لا ترجح إحداهما على الأخرى ولا تكون إحداهما بالخفة والثقل أحرى فهما في الإنسان على حد سواء؛ حيث اتحدت فيه هاتان القوتان إحداهما وهي محبة الدعة مسببة عن شهواته الشديدة، والثانية وهي الانهماك على العمل ناشئة عن نفوره من البطالة وإيثاره للأعمال الرشيدة، والقوة الأولى تسمى قوة الملاذ والشهوات فهي قوة في الحقيقة جسمانية خدمة للجسم، قال الشاعر:

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته   وتطلب الربح مما فيه خُسْرَانُ
عليك بالنفس فاستكمل فضيلتها   فأنتَ بِالنَّفْسِ لا بِالجِسْمِ إِنْسَانُ

والثانية: تسمى قوة الأمل والعمل، قال بعضهم: إن طلبت المورد العذب فاسلك طريق الصعب، وسر سير المجد الحازم، ولا تتكاسل في العزائم، واطلب مطالب الرجال، وإياك أن تُدعى بالبطال لعلك تجد على النار هدى، والناس في النشاط أقسام: هذا يسير وهذا يطير، فهيهات متى يلحق السائر بالطائر، وقال ابن الفارض:

وكُنْ صَارِمًا كالوَقْتِ فَالمَقْتُ في عسى   وإياك عَلَّ فهي أَكْبَرُ علة
وسر زمنًا وانهض كسيراً فحظك   البَطَالَةُ ما أخرت عزماً لصحة

وقال آخر:

لَقَتْلَةٌ مُثْخنٍ في صـف عــز   ولا نـــوم الذليل على الفِراش
فمن رَضِيَ الحياة بحالِ ضَيْمٍ   فذلك نَفْسُهُ نَفْسُ الفَرَاشِ

وقال بعضهم: صعود الآكام([24]) وهبوط الغيطان خير من القعود بين الحيطان.

ومن كلام لقمان الحكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، فهاتان القوتان متباينتان، ومستويتان في الإنسان بدون راجحية ولا مرجوحية، فحُب الدعة يبعث الإنسان على أن يجر لنفسه جميع ملاذ الحواس، وأما الآمال فتبعثه على الحصول على راحة الروح وكمال التمدن والائتناس، فالأولى تجمع في الإنسان جميع الملاذ البدنية وتسقطه في حضيض الإنسانية وتوصله إلى درجة الحيوانية:

تَزَوَّجَتِ البَطَالَةُ بالتواني   فَأَوْلَدَهَا غُلَامًا أَوْ غُلامَةٌ
فَأَمَّا الابن لقبَهُ بِفَقْرٍ   وَأَمَّا البِنْتُ سَمَّاهَا نَدَامَةً

وقال آخر:

كَأَنَّ التَّوَانِي زَوْجَ العَجْزَ بِنْتَهُ   فَسَاقَ إِليها حين زَوْجَهَا مَهْرَا
فِرَاشًا وطيئًا ثُمَّ قال لها اتكي   فلا شك بعد الحمل أن تَلِدِي الفَقْرَا

وآمال الروح النورانية تجمع فيه جميع أنواع السلطنة العقلية وترقيه وتقربه من الدرجة الملكية الكاملة:

انهض وسر طالب المعالي   بكل وادٍ وكل مهمة
وإِن لَحا([25]) عَاذِلٌ جَهُولٌ   فَقُلْ لَهُ يَا عَذُولُ مَه مَه([26])

وهاتان اللذتان المتباينتان يظهر أثرهما في جميع البشر، فترى هذا الأثر فيهم على اختلاف درجاتهم قد انبسط وانتشر، فيوجدان على حد سواء في أفراد الملوك والرعايا، إلا أن لذة العمل منحة إلهية ولذة الدعة محنة شهوانية.

وقد عَلَّمَنَا c وجوه المكاسب والمنافع، وألهمنا دقائق الفنون والصنائع؛ حيث مدح السعي وذم البطالة بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أي اطلبوا المعاش الذي فيه قوامكم، وفضل الله هو رزقه الذي تفضل به على عباده وأباحه بالبيع والتجارات المشروعة، قال سعيد بن جبير t: إذا انصرفت من الجمعة فخرجت من المسجد فساوم بالشيء وإن لم تشتر. فلا خلاف في أن طلب الرزق مشروع، قال r: «اطلبوا الرِّزْقَ في خبايا الأرض»، وإنما الكلام في أن التكسب بعد الطلب هل يدخل في حد الفرض؟ وجوابه ما قاله الإمام الراغب من أن التكسب في الدنيا وإن كان معدوداً من المباحات من وجه فإنه من الواجبات من وجه، وذلك أنه إذا لم يكن للإنسان استقلال بالعبادة إلا بإزالة ضروريات حياته فإزالتها واجبة؛ لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كوجوبه، وإذا لم يكن له إلى إزالة ضرورياته سبيل إلا بأخذ تعب من الناس فلابد أن يعوضهم تعباً له وإلا كان ظالماً، فمن توسع في تناول عمل غيره في مأكله وملبسه ومسكنه وغير ذلك فلابد أن يعمل لهم عملاً بقدر ما يتناوله منهم وإلا كان ظالماً لهم قصدوا إفادته أو لم يقصدوها، ومن أخذ منهم المنافع ولم يعطهم نفعاً فإنه لم يأت بأمر الله تعالى في قوله U: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولم يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].

ولهذا ذم من يدعي التصوف فيتعطل عن المكاسب ولا يكون له علم يؤخذ عنه ولا عمل صالح في الدين يُقتدى به، بل يجعل همه في قضاء شهواته ولذاته، فإنه يأخذ منافع الناس ويضيق عليهم معاشهم ولا يرد إليهم نفعاً، فلا طائل في أمثالهم إلا أن يكدروا الماء ويغلوا الأسعار-. وقال الجنيد – رحمه الله تعالى-: «إذا رأيت الفقير يطلب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة، والله لا يحب الرجل البطال، فإن من تعطل وتبطل فقد انسلخ عن الإنسانية وصار من جنس الموتى، وذلك أن الله خص الإنسان بالقوى؛ فالقوة الفكرية تطالبه بالعلوم التي تهديه وبالصنائع التي يترتب عليها من المكاسب والمنافع ما يرضيه ويصونه ويحميه، فحق الإنسان أن يتأهل بقوة فكره ويسير بقدر ما يطيقه، فيسعى لما يفيده السعادة ويتحقق أن سعيه سبب انتقاله من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعة إلى الرفعة، ومن الخمول إلى النباهة، وكان النبي ﷺ يتعوذ بالله تعالى من الكسل، وقال بعض الحكماء من تخلق بالكسل فَلْيَنْسَل عن سعادة الدارين. وكان أبو مسلم الخراساني في مبادي خروجه للدعوة لبني العباس ينشد هذا البيت:

فَلا أُؤَخِّر شُغْلَ اليَوْمِ عَنْ كَسَلٍ           إِلى عَدٍ إِنَّ يَومَ العَاجِزِينَ غَدُ

ومن كلام أزدشير بن بابك كسرى الفرس: شهْد الجهد أحلى من عسل الكسل، يعني أن الشهد الحاصل بالجهد أحلى من الكسل الشبيه بالعسل في ميل النفس إليه والتذاذها به. وقال بعض العقلاء راحتي في جراحة راحتي، أي بالشغل، ومن شأن البطالة أنها تبطل الهيئات الإنسانية، فإن كل هيئة بل كل عُضو تُرك استعماله يبطل كالعين إذا غمضت، واليد إذا عطلت، فإن الأعضاء خلقت لحكم في كل شيء، فإن الله c لما جعل للحيوان قوة التحرك لم يجد له رزقاً إلا بسعي ما منه لئلا تتعطل فائدة ما جعله له من قوة التحرك، ولما جعل للإنسان الفكرة ترك له من كل نعمة أنعمها عليه من الأعضاء ما يصلحه حينئذ بفكرته لئلا تبطل فائدة الفكرة فيكون وجودها عبثاً.

وتأمل حال السيدة مريم – عليها السلام- وقد جعل لها من الرطب ما كفاها مؤنة الطلب، ولم يحْن لها النخلة([27]) وفيه أعظم معجزة، فإنه تعالى أمرها بهزها فقال: ﴿وَهُزَى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، وقد أخذ بعضهم منه إشارة إلى أن الرزق من الله تعالى ولكنه مسبب تسبباً عادياً عن الطلب من العبد ومباشرة أسبابه فقال:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله قال لمريم   وهزي إليك الجذع تساقط الرُّطَب
ولو شاءَ أَحْنَى الجِذْعَ من غير هزه   إِلَيْهَا وَلَكِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ

وعن أبي الأسود الدؤلي:

وَمَا طَلَبُ المعيشة بالتَّمَنِّي   ولكن أَلْقِ دَلْوَكَ فِي الدِّلاءِ
تَجِئكَ بِملْئهَا طَوْرًا وَطَوْرًا   تجِئك بحمأةٍ وقليل مــاء

وقد ورد في الخبر عن خير البشر أنه قال: إن الله تعالى يقول: يا عبدي حرك يدك أنزل عليك الرزق، وكون حركة العبد من الله تعالى لا ينافي طلبها من العبد، كيف وهو مأمور بها؟ وحقيقة الأمر الطلب وحركة العبد أيضًا من الله تعالى، ولا ينبغي أن يتوهم أن الأمر الوارد في قوله r: «توكلوا على الله» بالتوكل الذي مرجعه إلى أن يوكل الأمر كله إلى مالكه، والتعويل على وكالته يستلزم النهي عن التوسل بالكسب وأسبابه؛ لأن التوكل إسقاط الأسباب عن حيز الاعتداد بها والاعتماد عليها والاستظهار بادخار الذخائر لا إسقاطها عن حيز الإمداد على الوجه المعتاد، وقد أشار r إلى أن التوكل ليس التعطيل، بل لابد فيه من التوسل بنوع من السبب؛ حيث قال: «لو توكلتم على الله حق التوكل لرُزِقتم كما تُرزق الطير تغدو خماصاً([28]) وتروح بِطانًا»، فإن الطير ترزق بالطلب والسعي، نعم إنه لا ينبغي الإفراط في الكد وصرف النظر عن الاستراحة بعض الأحيان يشهد لذلك حديث: «إنّ المُنْبَت([29]) لا أرضًا قطع ولا ظهراً أبقى»، وإلى هذا أشار بعض الشعراء بقوله:

لَعَمْرُكَ ما كلُّ التعطل ضَائِرٌ             ولا كلُّ شُغْل فيه للقلب مَنْفَعَة

ومن جملة حسن السعي طلب تكثير التناسل والتوالد وقضاء اللذة المباحة بالتزاوج والتوالد، وهذه المزية هي خلاصة اللذة الشهوانية، فهي مزية ممدوحة، وليس عنها في بقاء النوع البشري مندوحة، ومن حكمة هذه اللذة حب الذكر والأنثى بعضهما لبعض للائتلاف والنسل والتمتع بما أحله الله تعالى، فلا شك أن بين الذكر والأنثى روابط التلذذ المباح، ويشتد الشوق بينهما ولو على بعد النواح، كما قال الشاعر:

يَا نَسِيمًا هَبَّ مَشْكُور الرُبا   أهدت الأشواق مسراه إلى
وبريقًا لاحَ مِن نَحْوِهِم   حاكيًا ذاك السَّنَا مِن ثغرِ مَي
آه وا شَوْقِي إِلى مَنْ قَدْ غَدَا   بَصَرِي يَلْقَاهُمُ فِي كُلِّ شَيْ
وإذا لم يَجْتَلِيهِمْ نَاظِرِي   أي نفع لي إذا في ناظري
لو قطعتُ الدَّهْرَ وَصْلاً كان لي   قَدْرُ ما يثبت للطائر في

فأصل الحب يولد في قلب المتحابين الانبساط والانشراح، وفي ميل أحد الزوجين للآخر كمال الارتياح، وفيما أودع الله في الأنثى والذكر من الذوق والشوق والتَّوق([30]) ما لا ينكر، وإن اختلفت الرجال والنساء في الفضائل والسمات والصفات والشمائل.

 

* * *

 

([1]) من طب لمن حب: أي معاملة الفطن الحاذق واحتياله واجتهاده لإرضاء من يحب. (م).

([2]) ملكة: موهبة. (م).

([3]) الأحاد: الأفراد. (م).

([4]) بنيها: أبنائها. (م).

([5]) يفشو: ينتشر. (م)

([6]) انتقش: ترسخ. (م).

([7]) إناطة: تكليف (م).

([8]) الناموس: القانون، الشريعة. (م).

([9]) الحدق: المهارة. (م).

([10]) العطب: الفساد. (م).

([11]) المثالب: جمع «المثلبة»، وهي العيب والمنقصة. (م).

([12]) الغرا: يقصد الغراء بتسهيل الهمزة، وتعني الشريفة. (م).

([13]) قماطا: قطعة من قماش ونحوه يلف بها الصغير. (م).

([14]) نجابته: نباهته وتفوقه. (م).

([15]) الشقراء: الفرس، والمقصود إظهار الشجاعة عمليا. (م).

([16]) أديار: جمع دير»، وهو مبني مُعد لسكنى الرهبان والراهبات النصارى. (م).

([17]) الخطوب: النوازل، الأمور العظيمة. (م).

([18]) وطيسها: نارها. (م).

([19]) اخترام: استئصال، إهلاك. (م).

([20]) خميسها: الخميس: الجيش. (م).

([21]) قبض: مات. (م).

([22]) التختة: السبورة. (م).

([23]) الأجرام الأجسام التي في الفلك مع ما فيها. (م).

([24]) الأكام: جمع أكمة، وهي تل صغير، أو موضع يكون أكثر ارتفاعا مما حوله. (م).

([25]) تحا: شتم. (م).

([26]) مه: اكفف. (م).

([27]) لم يحن لها النخلة: لم يجعلها تنعطف وتنحني. (م).

([28]) خماصًا: جمع (خميصة وهي ضامرة البطن من الجوع. (م).

([29]) المنبت: الذي أتعب دابته حتى عطبت، فبقي منقطعا في سفره. (م).

([30]) التوق: الشوق والميل للشيء. (م).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر