سمينار

حلقة نقاشية حول بحث نحو نظرية عامة في الزمن الفقهي

العدد 168

التاريـخ: 6 فبراير 2021
الحضور: فضيلة الدكتور علي جمعة – أ. د. أميمة أبو بكر – د. أحمد ممدوح – د. عمرو الورداني – أ. مهجة مشهور
تحـرير: د. شريف عبد الرحمن

أ. د. علي جمعة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في هذه الاجتماع المبارك نناقش دراسة “نحو نظرية عامة في الزمن الفقهي: تأصيل وتحليل” بقلم الاستاذ الدكتور محمد كمال الدين إمام، رحمه الله، وفي البداية يقدم الدكتور أحمد ممدوح تلخيصا لما في هذه الورقة.
د. أحمد ممدوح:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، أنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما نافعا، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
لقد طلب مني أن أقدم ملخصا لما جاء في هذه الدراسة التي كتبها أستاذنا الدكتور محمد كمال الدين إمام رحمه الله، وقد رأيت أن يكون منهجي في ذلك هو تبسيط أهم ما تناولته الدراسة من أفكار.
يدور البحث حول فكرة فلسفية، اجتهد الفلاسفة والمتكلمون في دراستها ومحاولة التعريف بها، وهي فكرة الزمن، وكان اجتهادهم في تعريف مفهوم الزمن منطلقا من قاعدة عقلية منطقية، وهي قاعدة أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره. فعندما استقرأ الفلاسفة والمتكلمون المسلمون هذا الكون، قسموا الموجودات الممكنات إلى قسمين رئيسين، الجواهر والأعراض، والجوهر والعرض اصطلاحان كلاميان يُفهم من كل منهما مفهومٌ معين محدد، فالجوهر هو الشيء الذي له تحيز ووجود خارجي؛ أي يشغل حيزا من الفراغ، وله قيام بنفسه. أما العرض فهو ما قام بغيره، فأي جسم من الأجسام يسمى عندهم جوهرا، والأعراض هي التي تقوم بهذا الجسم، وتنقسم إلى تسعة أقسام رئيسية، أجملوها في النظم الذي قالوا فيه:
زيد طويل أزرق بن مالك
في بيته بالأمس كان متكي

بيده غصن لواه فالتوى
فهذه عشر مقولات سوى

فهذه عشر مقولات تعبر عن فكرة الجوهر والأعراض التي تُحمل على هذا الجوهر. إذن هناك جوهر واحد زيد، وتسعة أعراض؛ الطويل، إشارة للعرض الذي يعبر عن الكم، الأزرق، عرض يعبر عن الكيف، ابن مالك عرض يعبر عن الإضافة، في بيته عرض يعبر عن الأين، بالأمس عرض يعبر عن المتى، كان متكي عرض يعبر عن الوضع، بيده غصن عرض يعبر عن المِلك، لواه عرض يعبر عن الفعل، فالتوى عرض يعبر عن الانفعال.
وفي أثناء بحثهم في هذه المقولات العشر، تطرقوا لمفهوم الزمان عندما تناولوا مقولة الكم وعندما تكلموا عن مقولة المتى، ولم يكن البحث في مثل هذه الأمور من قبيل الترف العقلي، أو البحث عن اللذة الفلسفية، بل كان ذلك من قبيل التأسيس لمفاهيم أساسية في التصور الإسلامي عن الكون والحياة، لها علاقة بنظرية المعرفة الإسلامية epistemology التي تعتمد في المقام الأول على ثلاثة مصادر، أو ثلاثة أصول أساسية، هي الحس والعقل والخبر الصادق. ونظرية المعرفة هي تلك النظرية التي تبحث في كيفية إثبات صحة المعتقدات؛ فإذا كنت تعتقد شيئا ما فما مبررك لهذا الاعتقاد؟ هل هو من قبيل العلوم أم من قبيل الظنون؟ فكان بحثهم في هذه الأشياء يصب في مصلحة التأسيس لهذه النظرية. هذه التصورات التي بحثت في كتب علم الكلام أو في كتب الفلسفة فيما يعرف بمبحث الأمور العامة لم تكن مجرد تشقيقات كلامية، إنما كان لها أثر في غيرها من العلوم، فالعلوم عند علماء المسلمين تشبه في علاقاتها ببعضها البعض الأواني المستطرقة، تلك الأواني المتجاورة التي بينها مجرى متحد، إذا وضعت سائلا في أحدها ارتفع بحيث يصير منسوبه متساويا في جميع هذه الأواني، فكأن العلوم بينها وبين بعضها البعض قنوات مفتوحة، بحيث يؤثر بعضها في بعض، ولهذا نجد أثرا لعلم النحو في علم الفقه، ونجد أثرا لعلم الكلام في علم الفقه، وقد كُتبت في ذلك أطروحات ورسائل عديدة.
نفس الأمر بالنسبة لفكرة الجوهر والعرض، فقد وجدنا لها آثارا في فروع الفقه، فمثلا عندما تناول العلماء مسألة “التروح برائحة الميتة،” استدعوا ثنائية العرض والجوهر، وتفصيل ذلك أن الفقهاء يذهبون إلى أن الماء لا يحكم عليه بالتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة؛ طعمه أو لونه أو ريحه. ولكن ماذا إذا كان ثمة ماء مستقر ثم مات حيوان ما بجوار هذا الماء، فغير ريحه أو غير طعمه. وجه الإشكال هنا أنه لم يحصل اختلاط بين العين المتنجسة وبين الماء، فهل سنحكم على هذا الماء بأنه قد تنجس أم لا؟ هنا تم استدعاء نظرية الجوهر والعرض، حيث ساعدت أحكام العرض في استنباط الحكم في هذا النوع من المسائل، فمن الأحكام التي استقروا عليها أن العرض لا يقوم بمحلين، وإنما العرض يكون في محل واحد، واستنادا على هذا التأسيس، وعلى ضوء هذه القاعدة خلص الفقهاء إلى إن الماء المتروح برائحة الميتة لا يحكم عليه بالنجاسة.
كذلك استحضر الفقهاء فكرة الجوهر والعرض عند كلامهم عن المنفعة، هل يحكم عليها بالمالية أم لا يحكم عليها بالمالية، فأنا عندما أستأجر عينا من الأعيان، شقة لمدة عام مثلا، في هذا العام الشقة ليست ملكي ولكنها ملك لصاحبها، فعلى أي شيء يقع هذا العقد؟ هل يقع على المنافع؟ وهل المنافع هذه متقومة؟ أي يمكن أن تكون مالا وتأخذ أحكام الأموال، اختلف الفقهاء في تكييف المنافع فمنهم من قال إن المنافع من قبيل المال، ومنهم من قال إن المنافع من قبيل ما يقع عليه الملك فقط. هذا الخلاف بينهم متفرع عن فهمهم لقضية الجوهر والعرض، فهم يقولون إن المنافع أعراض، والأعراض توجد شيئا فشيئا، فالذين نفوا أن يقع العقد في الإيجار على المنافع بذاتها، يقولون لا يمكن أن يقع الملك على شيء لم يقع بعد لأنه متجدد. وبناء عليه يظهر أن فهم الفقهاء لقضية الجوهر والعرض وغيرها من القضايا الكلامية كان له انعكاس على فهمهم للفروع الفقهية.
هناك أيضا فكرة التسلسل (أو ترتب المعلولات) التي بحثها الأصوليون وقرروا أنها مستحيلة، واستخلصوها من حديث النبي  “كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيهِ ببسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فَهوَ أقطعُ،” (أبو داود) والذي فهم منه أن البداء بالبسملة في كل شيء من المطلوبات الشرعية، فقالوا البسملة نفسها ما شأنها، يعني عندما أقول “بسم الله الرحمن الرحيم” فهذا أمر ذو بال، فهل أبدأه بالبسملة، وهل هذه البسملة تبدأ ببسملة أخرى؟ هنا قال الفقهاء إن هذا لا يصح من الناحية الفقهية لأنه يلزم منه التسلسل، والتسلسل عندهم من قبيل الممنوعات، فنكتفي ببسملة واحدة. وهكذا فإن الفهم الكلامي أثّر على تصورهم الفقهي.
قضية الزمن بدورها كان لها حظ وافر ونصيب كبير من حيث التقعيد الأصولي والفقهي، فقد كانت نظرية الزمن حاضرة بشدة في مفهوم العرف الذي هو من جملة مصادر التشريع. والعرف هو ما استقرت عليه النفوس واعتاده الناس في مكان ما وزمان ما، فالحكم يمكن أن يتغير بتغير العرف، كما قال القرافي “فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك… والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين”. (القرافي، أنوار البروق في أنواع الفروق).
من القواعد التي ظهر فيها أثر الزمن أيضا قاعدة “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان،” فكرة النسخ نفسها التي هي عبارة عن رفع حكم سابق بدليل لاحق ظهر فيها أثر الزمن. قاعدة تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهل يجوز أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة، بحث الأصوليون هذه المسألة وقرروا أن ذلك ممنوع، وكما يظهر فإن فكرة الزمن حاضرة في هذا القاعدة. الفتوى، وكيف تختلف باختلاف الزمان. الزمن كان حاضرا كذلك في الفروع، فإذا مررنا على الأربعة أرباع الفقهية وذكرنا مثالا سريعا في كل باب، فنستطيع أن نقول أن فكرة الزمن كانت حاضرة في (1) العبادات وفي (2) المعاملات وفي باب (3) الأحوال الشخصية؛ الزواج والطلاق وما يتعلق بهما، وفي (4) الجنايات والحدود، فالزمن حاضر في العبادات؛ مثل تحديد أقل زمن للحيض وأكثره، وفي الموالاة في الطهارة، وأوقات الصلاة والأداء والقضاء، وفي اشتراط مرور الحول عند كلامهم عن الزكاة، وفي وقت الرمي عند كلامهم عن الحج، وفي الصيام وارتباطه بوقت معين وأنه لابد من تبييت النية فيه من الليل، وفي المعاملات؛ مثل زيادة الثمن نظير الأجل في البيع بالتقسيط، وفي الحلول (بمعنى عدم التأجيل) كشرط في صحة المعاملة في المعاوضة الربوية (تبادل ماليين ربويين)، وفي السَلَم وكيف أنه عقد يشتمل على التأجيل، كبيع موصوف في الذمة مؤجل غير مقبوض في مجلس العقد، وفي الإجارة وكيف أنها عقد يفسده عدم تحديد المدة فيه، وفي الوصية وكونها تَصرُّف مضاف إلى ما بعد الموت، وأن المريض إذا تصرف في زمن مرض موته فإن تصرفاته كلها تحمل على الوصية. وكذا في باب الأحوال الشخصية ظهر الزمن بصورة جلية، ومن الأمثلة على ذلك لزوم اتصال الألفاظ في عقد النكاح؛ أن تكون في مجلس واحد وأن تكون متصلة غير منفصلة، وفي كلامهم حول تعليق الطلاق بزمان معين، وهل يقع أم لا يقع، وفي تدخل العِدَد وفي فكرة العِدَد نفسها، وفي الرضاع الذي يثبت به التحريم، وكيف أنه لابد وأن يكون في زمن معين. النفقات أيضا مرتبطة بالزمن، وكذا في الجنايات عندما اختلفوا أن العقوبة التعزيرية تختلف باختلاف الزمان، وأيضا عندما تكلموا عن سقوط الحدود في زمن المجاعة. وفي الكلام عن اللحظة اللطيفة؛ تلك اللحظة التقديرية التي تُقدَّر حكما بحيث نصحح بها بعض الأفعال، مثلاً إذا كان هناك أبا رقيقا، ثم اشتراه ابنه فلابد أن يعتق هذا الأب، (ولكن كيف يعتق ما لم يُملَّك؟ وكيف يُملَّك ما يستحق العتق؟) فنحن نقدر لحظة لطيفة يقع فيها المِلْكُ، حتى يترتب عليها العتق، اللحظة اللطيفة هنا هي أقل مدة يعتبر فيها المِلْك مستقرا. وهكذا تبدو فكرة الزمن حاضرة بشدة ولها أثار في الأصول والفروع.
في البحث الذي سطره الدكتور محمد كمال الدين إمام – رحمه الله – تناول فكرة الزمن وما تثيره من أسئلة في الدرس الكلامي الإسلامي، ثم تكلم عن مصطلح الزمن الفقهي، وقد عرفه بأنه فعل ممكن في زمن معين، وقال إنه لابد أن يرتبط بمدة وأن يرتبط بأمر، فهذه المدة تعبر عن سيرة العمل، وهذا الأمر يعبر عن قيمته، وأشار إلى أن الزمن الفقهي له ركنان هما الإمكان والتعيين، وله خصائص؛ وهي أنه بدهي وعملي ونسبي، وعند كلامه في قضية الزمن النسبي تكلم عن أنه يقبل النسخ والتدرج والتغير، ثم تكلم عن قواعد الخلاف في الفتوى وأثر الزمن الفقهي في قواعد الخلاف في الفتوى، ثم عرض لمثالين واحد من عند أهل السنة والآخر من عند الإمامية، فتناول فكرة العرف عند أهل السنة، وكيف أن تغير الأعراف يترتب عليه تغير الأحكام، ثم بعد ذلك تكلم عن مسألة الشرط المتأخر عند فقهاء الإمامية، وهل يمكن أن نصحح عقد الفضولي بناء على إجازة الشرط المتأخر، والفضولي هذا هو شخص يتصرف في حق الغير دون إذن منهم، فيعقد عقد بيع أو غيره، دون إذن منهم، الفقهاء السنة اختلفوا في صحة عقد الفضولي، فمنهم من صححه ومنهم من صححه إذا أجازه الأصيل، ومنهم من حكم بفساده حتى إن أجازه الأصيل. أما فقهاء الإمامية فقد تناولوا المسألة، بحسب عرض أستاذنا رحمه الله، من ناحية فكرة الزمن، هل الشرط المتأخر يمكن أن يكون معتبراً، فيمكن أن نصحح مثلا عقد الفضولي بناء على صحة الشرط المتأخر، تناول أستاذنا رحمه الله تعالى هذه المسألة باختصار، وبيَّن أن فكرة الزمن حاضرة عند فقهاء الإمامية في العبادات والمعاملات وأن لها أثرا عظيما.
كان هذا البحث – ربما – هو آخر ما سطرته يد أستاذنا رحمه الله تعالى، وأنا تشرفت بأنني صحبت الدكتور محمد كمال إمام لسنوات عديدة، وتشرفت أن كان لي مشرفا في مرحلتي الماجيستير والدكتوراه، وكان – رحمه الله تعالى- عالما قديرا وإنسانا فريداً بأخلاقه، فهو نموذج يحتذى به، كما قال السلف الصالح “إن فعل الرجل أبلغ من قوله”، فكانت أخلاقه تعبر عن حقيقته، وكم له من أياد بيضاء على تلاميذه، وكم له من مواقف إنسانية جليلة، وكان باذلا للعلم لكل من يطلبه ويحتاج إليه، وقد تشرفت لاختياري، كي أمثل في حضرة الأستاذ الدكتور على جمعة (حفظه الله تعالى)، لإلقاء هذا الملخص عن هذا البحث الذي ختم أستاذنا رحمه الله تعالى به حياته المباركة، ثم لوجودي في حضرتكم، شكرا لكم، والسلام عليكم رحمة الله وبركاته.
أ.د. على جمعة:
بارك الله فيك وتقبل منك هذا العرض المتأني لما خطه الدكتور محمد كمال الدين إمام.
بالنسبة لي يبدو هذا البحث كفكرة ومضت في عقل الدكتور كمال، رحمه الله تعالى، من وحي اطلاعه الواسع على الكتابات الفلسفية والكلامية فضلاً عن علم أصول الفقه وفروعه، فقد تحدث من خلاله عن المعنى الفلسفي للزمن عند أرسطو وكانت، كما تطرق إلى الفلسفة الإسلامية، وعلم الكلام، وأصول الفقه، والفقه. ولهذا جاء هذا البحث ذا طبيعة بينية، تشكلت من الاطلاع على عدة علوم مختلفة، سواء كانت علوما راجعة إلى الحس أو الشرع أو إلى اللغة أو إلى غير ذلك.
والأبحاث من هذا النوع تبدأ كومضة تلم بكبار المفكرين، بعد معاناتهم الكبيرة في البحث والاطلاع والدرس في هذه العلوم، ومما يؤكد هذا المعنى أنه لم يقدمه في صورة بحث علمي، يهتم بذكر مصادر الأفكار ومراجع المعلومات، على نحو ما جرى عليه العمل في الأبحاث الأكاديمية. وهذا شأن الومضات أنها تسجل ولا توثق.
ولذلك فإن من الأهمية بمكان العمل على ما جاء في هذا البحث من أفكار، لتوثيقها، وتدارسها، والتعمق فيها وتتبعها، وصولا إلى استخلاص نظرية منها، فالذي نوصي به ابتداءً هو أن تتحول هذه الورقة إلى برامج عمل يتولد عنه عدد وافر من الدراسات ورسائل الماجيستير والدكتوراه. فإذا كان الكثير من الباحثين في مجال الشريعة وفي مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية يبحثون عن مواضيع جديدة ذات فائدة وإضافة، فإن هذه الورقة سوف تكون بلا شك مرجعا ذا غناء لبيان العلاقة بين الحكم الفقهي والزمن، حتى نرى كيف كان الأصوليون يفكرون، وكيف كانوا يفرقون بين المعاني مع إدراكهم للزمن.
وإذا كان الراحل الكريم لم يصِغ ما كتب في شكل بحث مكتمل، وإنما سجل أفكارا لم يرد لها أن تتفلت وتذهب مع العمر والزمن، فجاءت بهذا الشكل المختصر، فقد أحسن فيما فعل، لأن هذه الومضات كثيرا ما تذهب مع الراحلين من أصحابها دون أن تُسجَّل أو تُحفَظ عنهم، فالحمد لله أن وفقه لهذه الكتابة، والحمد لله الذي وفق المجلة وإدارتها لتسجيل ونشر هذه الومضة التي سيتولد عنها دراسات كثيرة، تتحول بها في يوم من الأيام إلى مستوى النظرية كما أراد لها صاحبها. هذا ما أحب أن أسجله ابتداء، ونحن نستمطر الرحمات على روح ذلك العالم الخلوق الفاضل.
إن التسمية المستخدمة في عنوان هذه الدراسة، أي الزمن الفقهي، تسمية جديدة ليست مطروقة ولا موجودة في تراثنا، أو في الشائع من كتاباتنا. ومن يقرأ الورقة، بعنوانها هذا، لن يفهم مراد كاتبها، إلا إذا كان عنده خلفية يتبين من خلالها موقعها في خريطة المعرفة، فثمة حمولة فلسفية كلامية ضرورية لفهم هذه الدراسة، تبدأ بتقسيم الموجودات الممكنة إلى جواهر وأعراض، والجوهر ينقسم إلى ما هو بسيط وما هو مركب، وقد استعمل المتكلمون مصطلح “الجوهر” للإشارة إلى الجزء الذي لا يتجزأ وأسموه الجوهر الفرد، وذلك في مقابل “الجسم” الذي ينقسم إلى أجزائه. وفكرة أن الجوهر يشير إلى الجزء الذي لا يتجزأ هي فكرة تحتاج إلى بحث يتقاطع في بعض جوانبه مع حقل الفيزياء، وبالأخص ما يقرره علماء هذا الحقل من خصائص الذرة، وكيف أنها إذا شطرت انتفت، فكأن الجزء الذي لا يتجزأ إذا قسمناه لا ينقسم، إنما يتحول من صورة جسم إلى صورة طاقة، وهذه الطاقة تجعله في حالة تشبه الفناء، أو حالة يتحول معها من جوهر إلى عرض. هذه المباحث العلمية مازالت محل خلاف، فالعلماء ليسوا متفقين على تصور نهائي للذرة، وما ندرسه في المدارس باعتبار مسلمات هو ليس بمسلمات، بل هو محل نظر كبير في تلك العلوم.
نفس هذه الخلافات الفلسفية الكلامية تثار حول مفهوم الزمن، الذي يصفه المتكلمون بأنه عرض غير قار، أي غير مستقر، فهو يجري، دون أن يستطيع أحد أن يوقفه، وهنا أيضا تثار أسئلة حول طبيعة الزمن، وهل هو متصل أم منفصل، (وحول طبيعة علاقته بالحركة، وحول ما إذا كان جوهرا قائما بذاته أم عرضا) إلى غير ذلك. والبحث الذي بين أيدينا واضح في حديثه عن الزمن كعرض من الأعراض، وفهم ذلك المعنى وموقعه من الخريطة الفكرية والمعرفية التي يتحرك في إطارها المؤلف (رحمه الله) مهم لنفهم ماذا يريد قوله.
ثم تطرق المؤلف إلى الفقه الذي يؤول في النهاية إلى تعريف الناس بأحكام دينهم، فالفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. والفقه بهذا المعنى مرتبط بالفتوى، وكلمة الفتوى تشمل ثلاثة أقسام؛ إدراك النص، وإدراك الواقع، والوصل بينهما، مع الوعي بكيفية النزول بفهم النص على الواقع شديد التركيب والتطور والتغير، وهذا هو جانب الفن في الإفتاء، فالإفتاء لا يكفي للقيام به أن تكون فقيها، ولا يكفي أن تكون مدركا للواقع متبحرا فيه، بل لابد أن تكون صاحب ملكة تستطيع من خلالها أن تصل إلى فهم الأمور المطلقة في إطار من الواقع المتجدد.
هنا تحديدا يأتي موقع فكرة الزمن الفقهي، أي العلاقة بين مفهوم الزمن الفقهي وبين قضية الإفتاء، وقد أشار الدكتور إمام (رحمه الله) في عبارة له إلى هذا الاتصال بين الإفتاء والزمن الفقهي، كما أشار الدكتور أحمد ممدوح في عرضه للدراسة إلى العديد من مظاهر هذا الاتصال، مثل نظرية اللحظة اللطيفة، وهي إحدى المسائل التي تبحث في الزمن وأثره على متعلق الحكم الشرعي، فاللحظة اللطيفة هي لحظة افتراضية، (مدتها أقل حيز زمني يمكن أن يتم فيه المقصود)، ومن تطبيقات ذلك أيضا ما ذكره ابن عابدين بخصوص “يمين الفور”، فلو أقسم رجل ألا يجلس، (في مكان يلزمه الجلوس فيه لاحقا)، هل يجلس بعد ذلك في هذا المكان أم لا، يقول ابن عابدين يجلس بدون كفارة، لأن هذا “يمين الفور”، فكأنه أقسم على ألا يجلس هنا “الآن”، فلم يقل مثلا لن أجلس هنا أبد الأبدين ولا حياتي كلها. نفس هذا الأمر في الطلاق، فلو قال رجل لزوجته إذا خرجتي من هذا الباب تكوني طالقا، فهل يعني هذا أنها لا تستطيع أن تخرج من هذا الباب طوال حياتها أم في هذا الموقف فقط؟ قال العلماء بل في هذا الموقف فقط، لأن هذا من باب يمين الفور. وهكذا فإن يمين الفور قد حل مشاكل كثيرة في الفتوى.
أيضا القضية المتضمنة في حديث الرسول  البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا (البخاري)، تثير مسألة بم يفترق البيعان، هل بأجسامهم أم بالزمن أم بالجلسة، فكل هذا مما يستدعي النظر، ويثير التساؤل حول ارتباط الزمن بالمكان. كما يظهر أثر الزمن أيضا في “تفريق الأحكام”، حيث توجد مواقف في الفقه تفرق فيها الأحكام، مثل القضية المتضمنة في الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، تقول فيه: كانَ عُتْبَةُ عَهِدَ إلى أخِيهِ سَعْدٍ أنَّ ابْنَ ولِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فاقْبِضْهُ إلَيْكَ، فَلَمَّا كانَ عامَ الفَتْحِ أخَذَهُ سَعْدٌ، فقالَ: ابنُ أخِي عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، فَقامَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ، فقالَ: أخِي وابنُ ولِيدَةِ أبِي، وُلِدَ علَى فِراشِهِ، فَتَساوَقا إلى النبيِّ ، فقالَ سَعْدٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، ابنُ أخِي، قدْ كانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، فقالَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ ولِيدَةِ أبِي، وُلِدَ علَى فِراشِهِ، فقالَ النبيُّ : هو لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ ثُمَّ قالَ لِسَوْدَةَ بنْتِ زَمْعَةَ: احْتَجِبِي منه لِما رَأَى مِن شَبَهِهِ بعُتْبَةَ، فَما رَآها حتَّى لَقِيَ اللَّهَ. (البخاري)
هنا ادعى سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة هو ابن أخيه عتبة (من علاقة غير شرعية مع جارية زمعة)، أما عبد بن زمعة فاحتج بأن الولد هو أخوه، ولد على فراش أبيه من وليدته (أمته)، فلما أتوا إلى الرسول  حكم بما تستقر به الحياة الاجتماعية، وقال الولد للعلاقة الصحيحة، للفراش، وللعاهر الحجر، فأعطى الولد لعبد بن زمعة، ثم قال لزوجته سودة بنت زمعة، “واحتجبي منه يا سودة،” وهنا مفارقة، فلو كان الولد ابنا لزمعة فإن سودة تكون أخته، بمعنى أنه لا داعي لأن تحتجب منه، وإن كان ليس ابنا لزمعة، فإن سودة تحتجب منه، ويحكم به لعتبة، ولكن الرسول الله  أعطى حكمين في زمن واحد، فقد حكم بأن الولد ابنا لزمعة، وحكم بأن تحتجب سودة منه احتياطا، لما رأى من شبه الولد بذلك المدعي، من دون أن يحكم به له، غلقا للباب أمام أي مدع يدعي زورا مثل هذا الأمر ليغيظ أو يفتري على أخيه أو خصمه. من هنا نأخذ من هذا الحديث قاعدة الحكمين في الزمن الواحد، ولكل حكم منهم له غرض.
يُفعّل الفقه أيضا نظرية “تفريق الأحكام” في حالة المرأة التي تلد بعد وفاة زوجها بمدة، وتطالب بإلحاق الولد بزوجها، وبأن يعاد توزيع التركة لمنح ابنها نصيبا من الميراث، وهو ما قد يتضمن إيقاع ظلم بوارث استحق نصيبه من التركة وفق توزيعها الأول. في هذه الحالة يتم تفريق الأحكام، فيحكم ببنوة الولد للمتوفى، مع عدم حصوله على نصيب من الميراث، فالحكم الأول يحفظ للولد حقه في النسب، والحكم الثاني يحفظ للورثة حقوقهم، دون هذا الولد الذي ظهر متأخرا عن الزمن الطبيعي للحمل والولادة كما أقره الطب والقانون، فلتحقيق مصالح متعارضة نقوم بتفريق الأحكام، وهذا له علاقة بنظرية الزمن الفقهي.
أيضا هناك نظرية “ذهاب المحل”، والتي تشتمل بداخلها على مفهوم صريح للزمن، على سبيل المثال يلزم الشرع من يريد الصلاة بالوضوء، ولكن ماذا عمن قطعت يده، كيف ينفذ أمر الشرع واليد لم تعد موجودة، هنا يظل الحكم ثابتا، ولكن موضوعه يلحقه تغير، بعبارة أخرى يظل الحكم في علاقته بالزمن ثابتا، ولكن تطبيق الحكم قد يمتنع لذهاب المحل.
من القضايا التي تستدعي معنى الزمن أيضا قضية “العادة والعرف”، لأن العرف يتغير كما في مسألة ذهاب المحل. ومن القواعد الفقهية التي تستدعي معنى الزمن تلك المتعلقة “بتغير الموضوع”، وهي قاعدة مشهورة في المذهب الجعفري، فقد أفتى الجعفرية بحل التماثيل والتصوير وما شابه، وحجتهم أن موضوع هذه الصور (الساكنة والمتحركة) والتماثيل قد تغير، فلم تؤخذ هذه الصور، ولم تنحت هذه التماثيل، بغرض العبادة، صحيح أنه إذا وجد من يعبد الصور والتماثيل فإنها تصير محرمة بحقه، ولكن أما وإنه لا يوجد من يعبدها فإن هذا مما يشير إلى تغير الموضوع، ومن ثم تغير الحكم المتعلق به. ومن ذلك أن بعض الفقهاء قد أفتوا بأنه إذا صار لبس البياض (وهو سنة) شعارا للفاجرين في بلد، فإنه يَحرم لبسه، يعني إذا أصبح علامة ورمزا لمخالفة السنة، فتغير موضوعه، يتغير حكمه فيصبح لبسه حراما. وهذا الباب الفقهي يختلف عن باب العرف والعادة، ولكنه يشير إلى معنى ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا ونحن بصدد التأصيل لنظرية في الزمن الفقهي.
“تطور مفهوم العبارة” أيضا مما له علاقة وثيقة بمفهوم الزمن، على سبيل المثال: التصوير الفوتوغرافي عند ظهوره قيل إنه حرام، لأن الرسول  لَعَنَ المُصَوِّرِينَ (البخاري)، واعتبره الفقهاء كبيرة من الكبائر، إلى أن كتب الشيخ محمد بخيت المطيعي في مؤلفه “الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي” عام 1919م، ما يفيد أن الصور الفوتوغرافية ليست صورا (بالمعنى المنهي عنه)، ولكنها احتباس ظل، كما لو أن أحدنا وقف أمام المرآة فحبست المرآة صورته ثم انصرف، فهذا ليس التصوير المنهي عنه والذي يتضمن معنى العبادة، ولذلك فهو حلال. نفس هذا التطور في العبارة حصل في التاريخ الإسلامي مع مفهوم القهوة، والذي كان يشير إلى اسم من أسماء الخمر، فلما اكتشف أبو الحسن الشاذلي اليمني حبوب البن، ووجد أنها تُحدِث نوعا من اليقظة، أطلق عليها اسم (قهوة الصالحين). وقد ظل السؤال قائما لمدة 400 سنة، هل القهوة حلال أم حرام؟ فمرة يُفتى بأنها حلال ويَصدر بذلك أمر سلطاني، ومرة يُفتى بأنها حرام ويصدر بذلك أمر سلطاني، إلى أن جاء أحد علماء الأزهر وقام بتجربة على عشرة من طلابه، فسقاهم القهوة أمامه من بعد الفجر وحتى الظهر، فوجدها تحدث أثرا على العكس مما تحدثه الخمر، إذ ظل الطلاب مستيقظين ومنتبهين، فأبيحت القهوة. أحد تطبيقات تطور مفهوم العبارة يتمثل في مفهوم اللعب، فقد كان في يوم من الأيام حراما، لأنه مما يلهي عن العبادة، ولكن أصبح اليوم من اللعب ما ينشّط الذهن ويقوّى الانتباه، فهو في هذا الحالة حلال، وعليه أصدرت دار الإفتاء المصرية فتواها بأن ألعاب الذكاء (السودوكو وغيرها) حلال، من هنا نفهم أن تغير المفهوم له تعلق كبير بتغير الزمن.
هذه الإضاءات وغيرها استدعاها مفهوم الزمن الفقهي، الذي تناولته الدراسة التي بين أيدينا، ولهذا نؤكد أن هذا البحث يجب أن يكون أساسا ومنطلقا لدراسات كثيرة تستكمل ما جاء فيه، وتبني على ما طرحه من ومضات فلسفية وكلامية وأصولية وفقهية. وصولا إلى بلورة نظرية للزمن الفقهي، ولا يبقى إلا أن نترحم على الفقيد رحمه الله تعالى، وجزاه الله عنا خيرا.
د. عمر الورداني:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد، نسأل الله  أن تكون هذه الجلسة في ميزان حسنات الفقيد رحمه الله، الذي كنت من الذين استفادوا منه استفادة كبيرة، وبخاصة في فترة تولي الدكتور على جمعة منصب المفتي، ففي ذلك الوقت استفادت دار الإفتاء المصرية من مجهوداته الكثيرة، حيث كان له جهد تطبيقي في العديد من مسائل وقضايا الافتاء، ولعل هذا الجهد كان ضمن الروافد التي أثمرت هذا البحث، لأنه من خلال تعاونه مع دار الإفتاء رأى عملية صناعة الفتوى عن قرب، واستشعر – رحمه الله – أهمية فكرة الزمن.
فيما يتعلق بهذا البحث لدي نقاط كثيرة أود أن أطرحها للنقاش، خاصة وأني مهتم حاليا بالعلاقة بين الديني والحياتي، وفي هذا الإطار فإن الزمن يمثل مكونا ذا أهمية كبيرة عند أصحاب النماذج المعرفية المختلفة، سواء الذين ينظرون إلى الحياة كهبة ربانية، أو الذين يرون أن الحياة شيء يجب أن نعيشه بتفاصيله دون الجواب على الأسئلة الوجودية المتعلقة به. فمهما اختلفت المنطلقات سنجد الجميع يعطون للزمن أهمية كبرى.
وأرى أنه من الأهمية بمكان النظر للبحث نظرة منهجية، فثمة حالة من التفريط في الموروث المنهجي للأمة، امتدت على مدار القرنين الماضيين، حيث حدث نوع من التراجع في أولوية الدراسات المنهجية، الأمر الذي أدى بالبحث العلمي الإسلامي أن يعتمد بشكل كبير جدا على منهج علمي (غربي) لا يجمع بين مصدري المعرفة؛ الوجود والوحي، ويعتمد على الأول بأكثر مما يعتمد على الثاني، فأصبح في كثير من الأحايين لا يشبع الباحث الذي يبحث في الدراسات الإسلامية. وقد تنبه لذلك الدكتور محمد كمال الدين إمام، لذا نراه في هذا البحث يلفت انتباه أهل العلم والمعرفة، وخاصة أبناء المنهج الإسلامي، إلى مسألة مهمة تتعلق بأهمية استئناف ما يجب القيام به من دراسات منهجية. فعندما يتكلم الدكتور كمال إمام عن معنى أو فكرة الزمن الفقهي، ويحاول أن يحولها لنظرية، فهو إنما يوقظ فينا هذا المعنى.
وأظن أننا يمكن أن نتناول الزمن من خلال ثلاثة محاور وهي وجود الزمن، وإدراك الزمن، وتأثير الزمن. والزمن عرض من الأعراض، فمما يجعل العرض عرضا وجود الزمن فيه، لأنه في الحقيقة كان بعد أن لم يكن، وتحول وتغير فأصبح عرضا. أما إذا تكلمنا عن تسكين البحث على الخريطة المعرفية، فإن هذا مما يقتضي الحديث عن المنهج والنظرية.
المنهج هو رؤية كلية، تنبثق منها إجراءات، فإذا كان البعض يشير إلى المنهج على أنه هو الإجراءات، أو الأدوات، أو الكليات، فإن الصحيح هو أن المنهج هو هذه الثلاثة معاً، الكليات والأدوات والإجراءات، وبدون أي منها لن يكون المنهج، أما العمليات المنهجية فهي خمس، التلقي ثم الفهم ثم التحليل ثم التجريد ثم التشغيل. من جانبها فإن النظرية هي قسم من أقسام الكليات، وأقسام الكليات أربعة، المقاصد، وهي الغايات فليس هناك منهج بدون غايات وبدون مقاصد واضحة، ثم بعد ذلك تأتي النظريات، والنظريات هي نظام للبحث وللمعرفة، يضبط نظر الباحث، ثم بعد ذلك تأتي القواعد والضوابط. واعتبار أن الزمن الفقهي نظرية ثم الانتقال بعد ذلك إلى مناقشة معاني كلية سواء في أصول الفقه أو في القواعد الفقهية أو في الضوابط الفقهية يتسق مع طبيعة هذا البحث من حيث هو يثير قضية منهجية.
والنظرية لابد أن يكون لها أركان وقبل الأركان لابد أن تكون هناك خصائص، ومع الأركان والخصائص لابد أن تكون هناك شروط ووظيفة للنظرية، وهناك ثلاث أنواع من النظريات، فهناك النظريات الأساسية والنظريات الفرعية والنظريات الوسيطة. النظريات الأساسية هي التي تتناول موضوعا لا يمكن الاستغناء عنه، مثل نظرية العقد، وأيضا نظرية الملكية، فهذه نظريات أساسية في الفقه، أما النظريات الوسيطة فمثل نظرية الضمان ونظرية الشروط، أما النظرية الفرعية فمثل ما اقترحه الدكتور محمد كمال الدين إمام بخصوص الزمن الفقهي. الزمن بهذا المعنى هو نظرية فرعية في الدراسات الفقهية.
واختصارا يمكن القول إن كل ما جاء في الفقه وتكلم فيه الفقهاء، وقالوا فيه رأيا قبل ورأيا بعد، فإن الزمن مؤثر فيه، على سبيل المثال هناك القصة المشهورة عن سيدنا ابن عباس عندما جاءه رجلٌ فقال: ألمن قتل مؤمنًا توبةٌ؟ قال: لا إلى النَّارِ، فلمَّا ذهب قال له جلساؤُه: ما هكذا كنتَ تفتينا، فما بالُ هذا اليومِ؟ قال: إنِّي أحسبُه مُغضَبًا يريدُ أن يقتُلَ مؤمنًا، قال: فبعثوا في أثرِه، فوجدوه كذلك. (ابن حجر العسقلاني – التلخيص الحبير). في هذا المثال كان الجواب في الحالين صحيح، فمن ناحية فإن القتل ليس من الصغائر التي تغفر (يتاب على صاحبها) بالاستغفار، ورغم هذا فإن للقاتل توبة لأن الله تعالى فتح باب التوبة إلى أن تخرج الروح من الحلقوم. فكل ما فيه “قبل وبعد” في الفقه، وتغير للحكم فيما قبل عن فيما بعد، فهو من الكلام عن الزمن وتأثيره في مسائل الفقه.
نستطيع من خلال توظيف عنصر الزمن، إثباتا ونفياً، أن نقوم بنوع من النمذجة، يعني قد ننمذج الظواهر من خلال إثبات عنصر الزمن لدراسة أثره على الظاهرة، ونستطيع أيضا أن نحيِّد عنصر الزمن لتجريد نموذج عبر—زمني، وهذا شيء قام به الأستاذ الدكتور علي جمعة، فيما أطلق عليه نظرية النماذج الأربعة للتعايش، والتي تشير إلى النماذج الأربعة التي تركها لنا رسول الله  لتبين للمسلم منهاج معيشته وتعايشه مع العالم. النموذج الأول هو نموذج مكة، والنموذج الثاني هو نموذج المسلمين في الحبشة، والنموذج الثالث هو نموذج المسلمين في المدينة في أول الأمر، والنموذج الرابع هو نموذج المسلمين في المدينة في آخر أمرهم إلى أن انتقل رسول الله  إلى الرفيق الأعلى، حيث جرد الدكتور على جمعة هذه النماذج التاريخية من عنصر الزمن لتصبح نماذج عامة صالحة لإعادة الاستلهام في سياقات زمنية مغايرة. فالزمن وجوده ونزعه في القضية العلمية والمعرفية يؤدي إلى تأثير بالغ جدا.
أما بخصوص موضوع تحويل الأفكار المتضمنة في هذا البحث إلى نظرية، يعني إذا أردنا أن ندخل الزمن في الهيكل الفقهي فأرى أن يحدث ذلك من زاوية ما يسمى بالحكم الوضعي (هو ما اقتضى وضع شيء سبباً لشيء، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو وصفه بالصحة والفساد). فالزمن يؤثر بشكل واضح في أنواع الأحكام الوضعية، ففي السبب، الذي يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم، يبدو الزمن حاضرا في العلاقة السببية (ومثال ذلك هلال رمضان علامة على وجود صيام رمضان) وفي الشرط، الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، يكون الشرط متقدما على المشروط (ومثاله الطهارة من شروط الصلاة: فإنه يلزم من عدم الطهارة عدم الحكم وهو صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وهو الطهارة وجود الحكم وهو الصلاة). وفي المانع، الذي يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجودٌ ولا عدَم. (فالحَدَث مانع من الصلاة، فإن الصلاة لا تصح مع وجوده، ولكن عدمه وهو ارتفاعه لا يلزم منه وجود الصلاة، فقد يصلي المكلف وقد لا يصلي)، هنا أيضا يعمل المانع عمله قبل العمل، فإذا جاء بعد العمل فلا يكون له تأثير، (فإذا أحدث بعد الصلاة فصلاته صحيحة)، ولهذا يتكلم المناطقة والفلاسفة عن مسألة التقدم، فيقولون:
وخمسة أنواع التقدم يا فتى
أقر بها بيت من الشعر واعترف

تقدم طبع والزمان وعلة
ورتبة أيضا والتقدم بالشرف

فقد قال المتكلمون إن المتقدم لا يخرج عن خمسة أشياء، المتقدم بالطبع، والمتقدم بالعلة، والمتقدم بالشرف، والمتقدم بالرتبة، والمتقدم بالزمان. إذن من المهم اعتبار الزمن، والمدخل الصحيح لتحويل هذا الاعتبار إلى نظرية يكون عبر الدخول من باب الحكم الوضعي، حيث يجعل هذا من فكرة الزمن الفقهي جلية.
هذا ويبدو الزمن حاضرا في الأداء والقضاء في الفقه، وفي مسألة النية، مرورا بمسألة الرواتب ومسألة قضاء الفوائت، فالفقه لأنه يتعامل مع قضايا الحياة لا نكاد نجد مسألة فيه تخلو من الزمن، فعلى سبيل المثال إذا أخذنا القواعد الفقهية، نجد الزمن حاضرا فيها، فالضرر يُزال (إذا وقع)، وإنما الأعمال بالنيات (الأعمال تسبقها النيات وتصاحبها)، والزمن لا يكون قبل وبعد فقط، لأن هناك زمن في العمل، كما هو الأمر في استصحاب النية ولزوم النية إلخ، فهذه جميعا قضايا تتعلق بالزمن بشكل كبير. ثم إن هناك فنون قد جاءت من أجل الزمن في الفقه الإسلامي مثل فقه النوازل، فعنصر الزمن أصيل فيه، وإنما سُميت نوازل لأنها جاءت (نزلت) مرتبطة بزمن معين، فالنوازل نفسها أصبحت بعد أن لم تكن في الفقه الموروث.
وقد تحدث أستاذنا عن النموذج المعرفي، وأنا أرى أنه من الأمور التي تحكم عقل الفقيه، ولكنه خارج قضية الفقه، فإذا أردنا أن ندخله في الفقه، فإنه يدخل في الإجابة عن السؤال الثاني من أسئلة النموذج المعرفي، فالنموذج المعرفي يجيب على ثلاثة أسئلة: من أين أتيت؟ وكيف أسير؟ وإلى أين المسير؟ وهنا فإن السؤال الثاني (كيف أسير؟) هو الذي يتشابك مع الفقه.
ولتحويل الأفكار الواردة في الدراسة إلى نظرية يجب أن نثير موضوع وظائف الزمن، الوظيفة الأولى أن الزمن خادم لمسألة التصور، ففي الفتوى على سبيل المثال، لا يجوز أن تتصور مسألة ما لم تتصور الزمان المتعلق بها، حتى لو كان تصورا للزمن العام، لأنه جزء من محيط الفتوى لا يمكن تجاهله. في أوقات أخرى نتناول الزمان الخاص، كحالة من شرع في الصلاة متيمما، ثم اكتشف وجود الماء، أو حتى الزمان الأخص كحالة من تلفظ بلفظ، فنسأل عن نيته وهل تحققت قبل التلفظ أم بعد التلفظ، ويتعلق هذا بالعلاقة الدقيقة ما بين الفعل والزمن، فهنا الزمن من وظائفه الخدمة، لإحسان تصور المسألة. من جانب أخر يعتبر الزمن بديلا، كما في مسألة البلوغ، (اعتبار سن معين كبديل لظهور علامات البلوغ لدى الشخص للتحمل بتمام الأحكام). كما يمكن النظر إلى الزمن كمعيار، كالاطمئنان في الصلاة على سبيل المثال، والاعتدال في الركوع، هنا يؤخذ الزمن كمعيار للاطمئنان والاعتدال إلخ.
يبقى القول إن هذا البحث يمثل حالة من حالات الإلهام، مما جعله يفتح آفاقا كثيرة، ويكشف عن معان جديدة وتنظيرٍ جديد لقضية المنهج. شكرا لحضراتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أ.د. أميمة أبو بكر:
بسم الله الرحمن الرحيم في البداية أشكر السادة المنظمين على دعوتي للمشاركة في هذه المناقشة المنعقدة لتكريم الأستاذ الدكتور محمد كمال الدين إمام رحمه الله.
لي بعض التعليقات المختصرة على البحث، فمن خلال المناقشة السابقة تفكرت في مفهوم الزمن وعلاقته بالفقه وبالمعارف الفقهية، وكيف أنه مكون أساسي في العقل الفقهي والأحكام كما أوضح السادة المناقشون. ولقد كان عامل الزمن موجودا دائما، ولكن ما فعله بحث الدكتور كمال إمام أنه وضعه في بؤرة التفكير، ولهذا يعد عملا رائدا.
هذا البحث مكثف ومتخصص جدا، حتى إنني أتساءل هل سيوضع في إطار النظرية أو المنهج؟ وأعتقد أن الدكتور كمال إمام قصد أن يكون بهذا الشكل المكثف، كي يتولد عنه دراسات أخرى مستفيضة، حيث إن كل نقطة من النقاط التي وردت به يمكن التوسع والتعمق فيها بشكل أكبر، فأنا أعتقد أن الدكتور إمام أراد أن يكون بحثه لبنة أو فكرة مؤسسة. لذا أضم صوتي للاقتراح الداعي إلى استكتاب عدد من الدارسين لاستيفاء النقاط المنهجية أو التنظيرية الموجودة في هذا البحث.
على جانب آخر، هناك العديد من القضايا الجدلية أو الإشكالية المثارة في الوقت الحالي، والتي تظهر في أبحاث الدراسات الإسلامية، وبخاصة التي تنشر في الأكاديميات الغربية، والتي يظهر فيها نوع من التهجم على الثوابت الإسلامية، وقد ألمح البحث لبعض منها عرضا، ولكنها ربما تحتاج إلى تناول أوسع في دراسات أخرى. ومن ذلك قضية تاريخانية النص، وهي قضية إشكالية أثارها مفكرون كثيرون، كان من أبرزهم الدكتور نصر حامد أبو زيد. مناقشة هذه القضية تتجاوز بكثير مسألة تغير الفتوى بتغير الزمن، وقد أشار الدكتور كمال إمام لخطورة “القول بتاريخية النصوص”، فوفقا له إن الحديث عن التغير بهذا المعنى ما هو إلا ذريعة للخروج على النص، بدعوى أن المصالح تتقدم النصوص عند التعارض.
هذه القضية الإشكالية تقوم على دعوى التعارض بين المصلحة القطعية وبين النص القطعي، وتُستدعى عند مناقشة موضوعات مختلفة كالعبودية على سبيل المثال، حيث يناقش القائلون بالتاريخانية كيف أن القرآن الكريم لم يمنع العبودية، وكيف أنها كانت ممارسة مقبولة في زمن الوحي، وكيف أن مفهومنا عن العدالة والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان في العصر الحاضر قد تجاوز النص. صحيح أن مناقشة هذه الأفكار يثير قضايا فقهية أو فلسفية، ولكنها أيضا تثير تداعيات خطيرة، تذهب بالبعض إلى حد التشكك في الأصول، كما تغري البعض بالاعتقاد بأن الواقع قد تجاوز النص.
وعلى الرغم من أن فكرة تاريخانية النص قد بدأها المستشرقون منذ قرون، إلا أنها مازالت حية في الكتابات الأكاديمية الغربية، وحضورها يتسم باستمرارية مريبة، فكلما ماتت تواجد من يوقظها مرة أخرى، ومن يتفرع بها لقضايا جديدة، عبر إثارة عنصر “القبول الاجتماعي،” فما كان مقبولا في الماضي لم يعد مقبولا في الحاضر، وهذا الموضوع يثير تساؤلات يتعين على الفقه المعاصر أن يقدم إجابات عنها، وأن يشرح بوضوح موقفه من مسألة ما إذا كان ثمة أحكام يمكن أن تتغير أو تلغى اعتبارا لعنصر اختلاف المآلات، فما كان يحقق العدالة في وقت ما لا يشترط أن يستمر في تحقيقها في أوقات لاحقة، كالقول بأن العبرة في توريث المرأة النصف في زمن الوحي كان تحقيق العدالة (لأن المرأة لم تكن ترث أصلاً)، وأنه قد آل الحال إلى أن صار توريث المرأة على النصف من الرجل لا يحقق العدالة، (لأن الأخ لم يعد يصرف على أخته، والرجل لم يعد يعول ابنة أخيه، وهكذا)، فهل تتغير أحكام الميراث اعتبارا للمآل المختلف. هذه الأفكار حول التاريخانية والمآلات والتدرج تشير إلى فكرة ارتباط الأحكام الشرعية بالزمن.
هذه الإشكاليات تتمدد (ككرة الثلج)، حيث يتحدث البعض عن أنه إذا كان الزمن قد تجاوز فكرة العبودية، وأحكامها، وإذا كان الواقع قد تجاوز فكرة الحدود وتفاصيلها، فلماذا لا نمد الخط على استقامته ونعمل بنفس المنهج فنبطل أشياء أخرى. طبعا من المفهوم أن من لا يريد الالتزام بالأحكام الشرعية يستهويه الحديث عن مثل هذه الإشكاليات، ولكن المؤمن الذي يريد الالتزام بدينه، ويتمسك به، هو من تمثل الإجابة عن هذه الإشكاليات قضية هامة بالنسبة له، فهو يجد نفسه محاصراً بهذه الأفكار التي تستخدم للتشكيك في الأحكام الشرعية، والتي تطرح بمنطق الحق الذي يراد به الباطل، ووفق منهاجية مراوغة في التفكير قوامها أنه ما دمنا غيرنا في شيء فلم لا نغير فيما يمكن قياسه عليه؟ أعتقد أن إثارة قضية الزمن الفقهي كما تناولها الدكتور كمال الدين إمام، رحمه الله، تفترق عن هذا التناول، وهذا ما ينبغي إيضاحه عبر دراسات مفصلة، ومتعمقة.
نفس الشيء يقال عن فكرة العرف أيضا، فهناك دراسات كثيرة جرت على مدار العقد الماضي تناولت أهمية تفعيل نظرية العرف في الفقه كمدخل للتجديد ومراعاة للتغير في الزمن، ولكن هل العرف شيء إيجابي أم سلبي؟ ففي قضايا المرأة مثلاً ألا يعد الختان وجرائم الشرف والإجبار على الزواج من الأعراف والعادات والتقاليد المعمول بها في مجتمعات معينة في إطار العالم الإسلامي، فهل نأخذ بهذا النوع من الأعراف، أم أن ثمة معيار للتمييز بين العرف الحسن والعرف الضار، وهل هناك معيار شرعي يمكن استخدامه لمعرفة متى يكون العرف سليما ومقبولا كقاعدة من قواعد الاستنباط للفتوى؟ وهل نطمح إلى أن نعد قائمة بالقضايا الجدلية التي يمكن أن نبحثها في ضوء هذا البحث المكثف جدا، وأن نستكتب فريقا بحثيا للقيام بهذه المهمة، على اعتبار أن هذا يعد تكريما مناسبا لسيرة الراحل الكبير الأستاذ الدكتور محمد كمال إمام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أ.د. على جمعة:
هناك نظريات تجيب عن كل القضايا التي أثارتها الدكتورة أميمة، مثل نظرية الشروط، فكل الأحكام الشرعية، بما فيها الميراث والعبودية إلى آخره، لها شروط، فإذا فقد الشرط تغير معه الحكم، وعندما نفهم بعمق هذه المسألة سيتم الإجابة على كل ما ذكر من أسئلة بكلمة واحدة وهي كلمة “الشروط،” فالعبودية لها شروط، فإذا فقدت هذه الشروط فقدت العبودية، وأصبح هناك انتقال عن الحكم، أسماه الرازي النسخ بالعقل، أو ذهاب المحل، لأن المحل لم يعد موجود أصلا، أي أن الظاهرة لم تعد موجودة لفقد شرطها، فنقول إن الزمن تغير فلم يعد هناك عبودية.
وعموما، فإن نظام الرق في الإسلام كان يشير إلى معنى من معاني الرحمة بالإنسان، وهناك تجربة شخصية بطلها جدي في منتصف القرن 19، فعندما صدر الأمر بإعتاق العبيد، رفض عبيده أن يغادروا بيته، وتساءلوا أين نذهب، وقد نشأنا هنا وبقينا طوال عمرنا، فأبقاهم في بيته على الرغم من تحررهم، نفس الأمر حدث أيضا في السعودية، وفي موريتانا عندما رفض العبيد التحرر، بل إننا نجد في الأدب العالمي، كما في رواية ذهب مع الريح، نماذج لمثل هذا المعنى، حيث رفض العبيد في الجنوب الأمريكي التحرر في كثير من الأحيان، وأيا ما يكن الأمر، فقد أصبحت العبودية ضد المفاهيم السائدة، ولكن وجب علينا أن نفهم نظرية الشروط حتى نستطيع الرد على التساؤلات المرتبطة بها.
أما بخصوص الميراث فهناك نظام كامل، وهناك نظام للزواج ونظام للنفقة، وهناك نظام يتعلق بمن ينفق ومن لا ينفق، ومن الممكن من خلال الشروط الموضوعة لكل جزئية أن يحكم القاضي بما يريد مع إبقاء النظام كما هو، فكما ذكرنا، قد يغيب المحل فيختلف التطبيق، ولكن مع بقاء النظام على أصله. فاليد إذا قطعت فليس عليها وضوء، ولكن الوضوء يظل على صورته ويظل غسل اليدين ركن فيه.
أ. مهجة مشهور
ولكن يثور التساؤل هنا حول تغير العرف في الأسرة النووية المعاصرة، والتي فيها الأخ غير مسؤول عن أخته والأب غير مسؤول عن ابنته وهكذا، حتى أصبحنا أمام وضع مفروض على المجتمع، يتناقض مع وجهة نظر الشرع التي تشجع الأسرة الممتدة، حيث التراحم والمسؤولية، وحيث كانت المرأة دائما مسؤولة من رجل معين في العائلة، فأين الشروط في هذه الحالة؟
أ.د. على جمعة:
النظام (الفقهي) سيبقى كما هو، لأنه متعد للزمان والمكان، ولذلك سيظل في حالة الإطلاق غير مقيد بزمان أو مكان، أما التطبيق فيرتبط بالزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهذه هي العناصر الأربعة التي نحتاجها في الفتوى، والتي يحتاجها هذا البحث للتحول إلى نظرية. إذن هناك نظام، وهناك تطبيق يمكن أن يستدعي أمورا أخرى، إذا رأينا أن هذا سيحقق لنا المصالح المرجوة من ذلك النظام، على سبيل المثال هناك النظام المتعلق بالميراث، وهناك التطبيق الذي يعرف أفعالا مثل الهبة، والوصية، والشرط، إلخ، فإذا كنتُ مورثا ولم أشترط شيئا، فكأني أريد اختيار ما عليه النظام، فكأنني أختار تطبيقه وأنا على قيد الحياة، ولكن قد أتحرك خارج النظام (على نحو يسمح النظام لي به) فأقول أنا أريد أن أعطي البنت مثل الولد، أو ضعف الولد، أو أعطي البنت ولا أعطي الولد، أو أعطي بنتا دون باقي البنات، فأوصي بعد الموت أو أهب حال الحياة، أو أهب هبة موقوفة بالموت، فنظرية الزمن، كما بيَّن ذلك الدكتور عمرو الورداني في كلمته، توجه نظر الفقيه، فلي مطلق الحرية أن أتصرف كما أشاء في مِلكي ما دمت حيا، ولكن إذا سكت، فكأني ضمنيا أوافق على تطبيق النظام العام.
وهكذا يظل النظام العام موجودا، وتظل هناك حرية غير متناهية للإنسان في أن يفعل ما يشاء، فما دام الفرد حيا فإن كل تصرفاته تكون جائزة، ولكن من دون المساس بالنظام، فليس معنى أن هناك من يحتاج إلى أن يتحرك خارج النظام، أن نلغي النظام ذاته، تماما كما أنه ليس من حق أحد القول بأنه طالما أن أكثر الناس يدها مقطوعة (افتراضا) إذن لا داعي للإبقاء على فرض غسل اليد في الوضوء، فهذا كلام قاصر وليس له معنى.
أما فيما يتعلق بالرق والعبودية، فإنه عندما اجتمع المسلمون سنة 1852م لإلغاء الرق، رأوا أن الشرع يتشوف إلى الحرية، ورأوا أن الإسلام أقام حضارة بلغت من الإنسانية أن جعلت عبيدها حكاما. فالمسلمون علَّموا عبيدهم وصدَّروهم وأعطوهم السلطة، حينما كانوا أهلاً لها، حتى إن فترة حكم المماليك استمرت 700 سنة، وخلالها أبدعت الأمة في كل ألوان الحضارة، في الخط والعمارة والموسيقى والآداب وغيرها، ورغم ذلك لم يعترض علماء المسلمين على إلغاء الرق. ولكن هذا ليس إلغاء للأحكام المتعلقة بالرق (لأن هناك قواعد ومناهج في باب الرق يمكن أن يستفاد بها في أبواب الاقتصاد أو الاجتماع أو في المعاملات المالية… إلخ). نفس الأمر فيما يتعلق بأنظمة العبادات، فهذه أنظمة ثابتة، فالصلاة مثلاً لها مواقيت ولها شروط، من الوضوء واستقبال القبلة ودخول الوقت إلى آخره، ولكن عند التطبيق قد أجد أني غير قادر على استعمال الماء، هنا فقدت شرطا من الشروط، فأنتقل إلى الشرط الثاني، فإذا فقدته انتقلت للثالث، لدرجة أني قد أصلي بدون الطهورين كما في حال المحبوس مثلا.
فالقضية قضية شروط، إذا ما تفهمناها وتعمقنا فيها، وجدنا أن جميع الأسئلة لها ردود، فقضية الشروط قد تحيلنا إلى ذهاب المحل، أو تغير المفاهيم، أو إلى مسائل العرف والعادة، فكل ما ذكر في هذه الجلسة هو من الشروط التي تحل بها جميع المشكلات، ذلك أن الشروط من الأحكام الخمسة الوضعية، التي يقام عليها علم أصول الفقه، صحيح أنها غير شائعة، لأنها غاية في التخصص، ولكن عند دراستها نجدها من أوضح الواضحات، فهناك ما يسمى بالأسباب والشروط والموانع والصحة والفساد، فهذه خمسة أحكام وضعية في مقابل الأحكام التكليفية وهي الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح، وهي مداخل يمكن تطبيقها على مسائل الحضارة المعاصرة، التي يعمل العقل الفقهي إزاءها على أربع أنحاء؛ تغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهم الأربع جهات التي أشار لهم القرافي، وهي ما نعمل عليه حتى يومنا هذا، فمتى تعرضنا لقضية جديدة تعرضنا لها والخريطة مرسومة وجاهزة.
ولكن يظل هناك فريق يحب الدين والالتزام، ولا يملك مثل هذه الخريطة، وهؤلاء لا يرضون بالواقع المتغير، ويريدون سحب الماضي على الواقع، ويستبعدون الزمن من حساباتهم، وكأنهم يقولون نحن نعرف هيئة معينة كان رسول الله  عليها، فلا نخالفها. وهذا خلط لعالم الأشياء بعالم الأفكار والأحكام، لذا رفض فريق منهم رصف الشوارع بالأسفلت، لأن الرسول لم يفعله، فلما رصفت الشوارع بالأسفلت وسار عليه الناس بنعالهم فذابت من شدة حرارتها، اعتبروا هذا غضبا من الله، لابتعادنا عما كان عليه رسول الله .
ولكن هل كل تغير يشير إلى انحراف؟ لا يصح هذا الفهم، (صحيح إن بعض أنواع التغير قد تحمل معاني سلبية) فبعد أن كان الإنسان البسيط يأكل من زرع يده ودواجن بيته، ابتعد عن هذه الحياة، فأصبحنا لا نزرع أكلا ولا نربي دواجن، وإنما نأكل الطعام المحفوظ، الذي راكم الدهون والسموم في أجسادنا، فاستحدثنا صالات الألعاب الرياضية لكي نخرج هذه السموم والدهون الزائدة التي دخلت أجسامنا، (ولكن التغير يحمل أيضا جوانب إيجابية لا مراء فيها)، فبعد كنا ننتقل بالخيل والجمال في أيام وأسابيع وشهور، صار من الممكن أن نقطع نفس المسافة في يوم أو بعض يوم. إذن تغيرت حياتنا عما كنا عليه في السابق، فإذا ببعض الناس يعترضون على هذا التغير، وقد بدأ هذا الاعتراض منذ وقت مبكر، منذ أواخر القرن 19، حين دبت خصومة هائلة بين الطربوش والعمامة، فمثَّل أنصار الأول الفريق الذي رضى بالتغير، فيما مثَّل أنصار الثانية الفريق الذي رفضه، بحجة أن أباءنا لم يفعلوا هذا أو يستعملوه، فمن رفض رأى في التغير فسادا في الأرض، ومن قبل رأى أن هذا منطق الحياة ومن يعارضه فإنه يخرج خارج التاريخ. وعموما فإن كل التساؤلات التي أثيرت يمكن حلها بالنظريات القائمة فعلا دون الدخول في التفاصيل، ومن أهمها نظرية الشروط.
أما بخصوص ما أثاره الدكتور عمرو الورداني حول ما إذا كانت نظرية الزمن الفقهي من نظريات الفروع أو من النظريات الوسيطة أو من العليا، فأنا اعتقد أن القيد (الفقهي) الذي أضافه الدكتور كمال إمام رحمة الله جعلها من الفروع كما ذكر الدكتور عمرو الورداني، ولكن إذا كنا نتحدث عن نظرية في الزمن عموما، فأنا أعتقد انها ستكون من النظريات الأساسية العليا، لأن نظرية في الزمن ستتضمن أجوبة كلية على أسئلة النموذج المعرفي، من أين أتينا، كيف نسير، إلى أين المسير؟ وهي الأسئلة التي تتضمن بيان طبيعة العلاقة بين المخلوق والخالق، والتي أصلها أن الله خارج الزمان، وخارج المكان، ومادام كذلك فلا يقال من خلقه، لأنه لم يخلق، لأن فعل الخلق يقع ضمن الزمن، ونحن نفترض عدم وجود الزمن في حق الخالق، لأنه فعال لما يريد، ولأنه مطلع على الغيب، ولو كان داخل الزمن لما استطاع (حاشاه) أن يطلع على الغيب، ولكنه لأنه خارج الزمن فهو يطلع على الزمن كله كمخلوق أمامه، وهذا التصور الكلي يحل كثيرا من قضايا القضاء والقدر، والتسيير والتخيير، فكل هذه التساؤلات الكبرى تُحَل بالاعتقاد أن الله خارج الزمان، فالزمن في إطلاقه يشير إلى نظرية مهمة للغاية، أما الزمن الفقهي فيشير كما سبق القول إلى نظرية فرعية، مفيدة في مسائل الأحكام، كمسألة إساءة استعمال الحق، وغيرها من المسائل.
أ. مهجة مشهور:
عند قراءتي لهذا البحث تبادر إلى ذهني العديد من النماذج التي يمكن أن تؤيد ما جاء في هذا البحث من الناحية الفقهية، ولكن ما كان يشغلني هو كيفية تحويل هذا المنتج البحثي إلى آلية اجتهاد تتعدى الإطار الفقهي إلى أطر العلوم الاجتماعية والإنسانية، بمعنى إنه من خلال الإطار الفقهي أو المساحة الفقهية الكبيرة الموجودة يمكن استخراج آلية اجتهاد أو طريقة للاجتهاد في العلوم الاجتماعية والإنسانية بجانب العلوم الشرعية، فداخل البحث ثروة كبيرة، مثل ما ذكر الدكتور على جمعة من أن للفقيه أن يحكم حكمين متضادين بنفس الاعتبار، لوجود مصلحة في ذلك، وذلك في إطار شرعي، مما يدفع للتفكير بأن هناك الكثير من الآليات القابلة للتحويل إلى أدوات اجتهاد عامة.
أ.د. على جمعة:
لقد ذكر الدكتور عمرو الورداني أن النظرية هي عبارة عن تلك الأداة التي توجه نظر المجتهد، ومن ذلك ما أطلق عليه الدكتور كمال إمام اسم نظرية الزمن الفقهي. ولكن كأن المطلوب هو استخدام هذه النظرية في دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية. وقد أشار الدكتور الورداني لمراحل بناء النظرية، وكيف أنه لابد للنظرية من هدف ومراحل وشروط، وقد أشرت أنا في أخر حديثي إلى الفرق بين نظرية عامة في الزمن ونظرية الزمن الفقهي. إذن يمكن أن نتحدث عن نظريتين؛ الأولى نظرية فقهية خاصة بالفقه، تأخذ مميزاته وخصائصه، والأخرى عامة، يمكن أن تستعمل في إطار العلوم الإنسانية والاجتماعية، فالفقه في النهاية معدود من العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولكننا يمكن أن نذهب إلى ما هو أوسع، إذا ما شيدنا نظرية للزمن، بحيث تتناول علم النفس والاقتصاد والاجتماع وغيرها من العلوم، وهكذا فلدينا مقترح ببناء نظريتين، على أن نؤكد أن النظرية الفقهية ليست رأيا لأحدهم، وإنما هي أداة لتوجيه النظر وللاجتهاد في المجال الفقهي، والنظرية العامة يمكن أن تكون أداة للفهم والاختيار والانتقاء والبناء عليها في المجالات الإنسانية والاجتماعية.
د. عمرو الورداني:
وكأنكم تشيرون إلى أن هناك فرق بين نظرية خاصة ونظرية متجاوزة للتخصص، فنظرية الزمن هي نظرية متجاوزة للتخصص، على أن تكون نظرية إنسانية، بمعنى أنها ليست خاصة ولكنها شاملة لحياة الإنسان كلها، بحيث تكون صالحة للاستعمال في حقول مختلفة.
أ. مهجة مشهور:
أعتقد أنه هناك فرق بين النظرية ومنهج الاجتهاد، فالنظرية شيء هام جدا، أما فكرة أن استخرج من الفقه أدوات للاجتهاد، بحيث تكون مساعدة في ممارسة الاجتهاد في باقي المجالات فهذا قد لا يقل أهمية، وأرى أن البحث يحتوي على عناصر جديدة تغذي هذه الفكرة، ففكرة الزمن تشير إلى مساحات متنوعة متضمنة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها بصورة واضحة.
أ.د. علي جمعة:
إن لدينا ألفاظا ولدينا معاني، والألفاظ إنما توضع إزاء المعاني. فأحيانا تتداخل المعاني، بأن تكون عامة أو خاصة، وأحيانا تتداخل الألفاظ أيضا، وهذا مما يمكن بحثه والوصول فيه إلى نتيجة، فعندما اخترنا كلمة النموذج المعرفي إزاء كلمة Paradigm في لقاء جمعني والدكتور المسيري رحمه الله، استعرضنا أكثر من 40 مقترحا في هذا المجال، وفي النهاية تم اختيار “النموذج المعرفي”، ولكن هذا لا يمنع أن يأتي أحدهم ويقول إن هذه الكلمة ليست بمعنى النموذج المعرفي، ولكن على الأقل هذا الوضع للألفاظ إزاء المعاني يشير إلى ما نقصده، وقد نختار كلمة أخرى كـ “نموذج” أو “أساس” أو “رؤية كلية” أو “أصل”، لن نختلف، فكما قال الإمام الغزالي: “من طلب الحقائق من الألفاظ هلك”. وبناء عليه فإن المعنى الذي نحوم حوله واحد، يصلح أن نشير إليه بأنه أداة من أدوات الاجتهاد، ويصلح أن نشير إليه كنظرية، ولا مشاحة في الاصطلاح، فالأمور بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
* * *

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر
Secret Link