أبحاث

فلاسفة المسلمين القدماء وفلاسفة أوربا المحدثين ….. هل من علاقة؟

العدد 152

ـ 1 ـ

الغزالي والفلاسفة المحدثون

التفت بعض الكتاب المشتغلين بحقل الدراسات الفكرية والفلسفية في المجال العربي المعاصر، إلى وجود حالة من الشبه والتشابه على مستوى الأفكار والمناهج، سواء من طرف قريب أو من طرف بعيد، ما بين بعض فلاسفة المسلمين القدماء، وبعض فلاسفة أوروبا المحدثين، دفعت بهؤلاء الكتاب إلى إجراء مقارنات ومقاربات وموازنات استطلاعية واستكشافية وتحليلية في هذا الشأن، عبروا عنها في كتابات ومؤلفات وأطروحات جامعية.

ولعل من أقدم الأعمال الفكرية والأكاديمية في هذا النطاق، رسالة الدكتوراه الأولى للأديب المصري الدكتور زكي مبارك (1892-1952م)، الموسومة بعنوان (الأخلاق عند الغزالي)، التي ناقشها في الجامعة المصرية سنة 1924م، وأثارت في وقتها من الجدل والسجال ما أثارت، لأن صاحبها تجرأ وانتقد الغزالي الموصوف بحجة الإسلام.

 في هذه الرسالة، خصص زكي مبارك بابا هو الباب الثالث عشر والأخير، حمل عنوان (في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين)، اعتبر فيه أن لآراء الغزالي أشباها كثيرة في الفلسفة الحديثة، ولكنه حملته الرغبة في الإيجاز على الاكتفاء بأهم وجوه المقابلة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين، وحسبه كما يقول أن يدل القارئ على كيفية السير في هذا الطريق.

وقد أشار الدكتور مبارك في هذه الموازنة والمقابلة، إلى ثمانية من المفكرين والفلاسفة الأوروبيين المحدثين، وهم حسب دولهم، الفرنسيون: ديكارت (1596-1650م) وباسكال (1623-1662م)، وجسندي (1592-1655م)، ومالبرانش (1638-1715م). والإنجليزيون: هوبز (1588-1679م)، وبوتلير (1692-1752م)، وكارليل (1795-1881م). وأخيرًا الهولندي اسبينوزا (1632-1677م).

ومن أبرز ملامح وجوه الشبه بين الغزالي وهؤلاء الفلاسفة في نظر الدكتور مبارك، بالنسبة لديكارت الذي يرى فيه مبارك أنه أقرب الفلاسفة شبها بالغزالي، فإنه ارتاب كما ارتاب الغزالي، وبقي في شكه وارتيابه زمنا غير قليل.

ووجه الشبه بين الغزالي وباسكال، هو أن كلا منهما ابتدأ حياته بقوة قهارة، ثم انتهت به صحته إلى الرضا بالخمول في ظلال التنسك والزهد. والشبه بين الغزالي وجسندي، في أن الأخير عني باللذة كما تكلم عنها الغزالي، لكن الفرق بينهما بعيد باعتبار أن جسندي يرى اللذة غرضا من أهم أغراض الإنسان، في حين أن الغزالي يراها صفة من صفاته ويجب أن تحدد بحدود العقل والشرع. والشبه مع مالبرانش أنه لا يصح عنده أن نحب خيرا من الخيرات حبا تاما ما دمنا نستطيع ألا نحبه بلا ندم، وهنا يتفق مع الغزالي الذي يقرر أنه لا يجب أن نحب غير الله حبا تاما مطلقا، كما يتفق مالبرانش مع الغزالي في عدم الثقة بأحكام الحواس.

ووجه الشبه بين الغزالي وهوبز، أنهما يتفقان في تكييف وجهة الطبيعة الإنسانية، وإن اختلفا في غاية الأخلاق. والشبه مع بوتلير في أن الواجب والمنفعة لا يختلفان عنده، وهنا يتفق مع الغزالي بعض الاتفاق، لأن وجهة النظر الإسلامية ترى المنفعة في الواجب، وإن كانت لا ترى أيضا الواجب في المنفعة، فإن هذا الشيء يكون وقد لا يكون. والشبه مع كارليل في أنه والغزالي كلا منهما مؤمن ثابت اليقين، ويختلفان في فهم السريرة الإنسانية، وفي نتيجة التفكير. والشبه مع اسبينوزا أنه يتفق مع الغزالي في اعتبار أن غاية الأخلاق هي كمال الطبيعة الإنسانية، فكل علم لا يفضي إلى ذلك فهو غير مفيد.

بعد هذه الموازنات والمقابلات الموجزة، أوصى الدكتور مبارك القارئ بأن يعتبر هذا الباب لمعة يسيرة في جانب ما يجب من درس آراء الفلاسفة المحدثين، وحضه على إتمام ما فاته(1).

وأظن أن هذه أول محاولة في المجال العربي المعاصر، يتم فيها إجراء هذا النمط من الموازنة والمقابلة بين الغزالي وبعض الفلاسفة الأوروبيين المحدثين، بقصد الكشف عن بعض جوانب الشبه والتشابه، وبعض جوانب الافتراق والاختلاف على مستوى الآراء والأفكار.

ويبدو أن هذه المحاولة على أهميتها وقيمتها لم تلفت الانتباه كثيرا، ولم تلعب دورا في إثارة الدهشة، أو تحفيز الفضول العلمي، مع أنها تناولت قضية لا تخلو من دهشة، والاقتراب منها يثير الفضول، ونادرا ما يتم الاقتراب منها، وبرهان ذلك أنها لم تتابع من الآخرين، وتعرضت للإهمال، وباتت بعيدة عن التذكر.

وعند البحث عن تفسير لهذا الأمر، فإنه إما يرجع إلى تراجع الفلسفة، وانحدار الفكر الفلسفي بصورة عامة في المجال العربي المعاصر، وإما أنه يرجع إلى أن قضية الموازنة والمقابلة بين فلاسفة المسلمين القدماء وفلاسفة الغرب المحدثين ما زالت خارج دائرة البحث الفكري والفلسفي، وإما أنه يرجع إلى أن طريقة المعالجة التي تناولت جوانب الشبه والتشابه العام، وليس جوانب الأثر والتأثير الذي يمكن أن يثير الدهشة، وإما أنه يرجع إلى هذه العوامل مجتمعة.

ـ 2 ـ

ما بين الفلسفتين.. تشابه والتقاء

مع الدكتور إبراهيم مدكور (1902-1995م) تجدد الاهتمام بهذه القضية، التي أشار إليها، وتحدث عنها بعناية واهتمام في كتابه (في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيق) الصادر سنة 1947م، والدكتور مدكور هو الذي خلف الدكتور طه حسين (1306-1393هـ/ 1889-1973م)، في رئاسة مجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1974، وبقي فيه إلى سنة 1995م، ويعد من رواد البحث الفلسفي في مصر والعالم العربي.

وأول ما لاحظه الدكتور مدكور آنذاك، أن هذا الشبه بين فلاسفة المسلمين والفلاسفة المحدثين لم يعره الباحثون من قبل عناية تذكر، وإثبات هذه الصلة وهذه العلاقة في نظره ربما يبدو غريبا، فقد جرت عادة مؤرخي الفلسفة الإسلامية أن يقفوا بها عند حدود القرون الوسطى، ولم يفكر واحد من هؤلاء في جد -حسب قوله- أن يدرس هذه الصلة بين الفلسفة الإسلامية وفلسفة العصور الحديثة دراسة منظمة، الصلة التي يرى فيها مدكور أنها جديرة بالبحث والدرس.

وعند بحثه حول هذا الموضوع، وجد الدكتور مدكور أن هناك مواطن شبه والتقاء يحمل على الظن –حسب قوله- بأن ما بين التفكير الفلسفي في الإسلام وفلسفة العصر الحديث، وفي تشابه الأفكار والآراء ضربا من النسب والقرابة، وإذا كانت هذه القرابة غير ظاهرة الروابط آنذاك، ففي طول البحث ما يكشفها ويؤكدها.

وفي هذا النطاق، وجد الدكتور مدكور أن لدى اسبينوزا وليبنتز آراء كثيرة الشبه بآراء فلاسفة المسلمين، فالحب الفلسفي الذي قال به اسبينوزا يشبه كل الشبه نظرية السعادة عند الفارابي، ومشكلة العناية عند ليبنتز لا تختلف كثيرا عما قال به ابن سينا من قبل، وحين توقف أمام شك ديكارت، تساءل مدكور بقوله: ومن يدرينا أن هذا الشك لم يتأثر في قليل أو كثير بشك الغزالي؟

ويضيف الدكتور مدكور وإن لم يكن ثمة تأثير أو تأثر، فلا أقل أن نحاول القيام بشيء من المقارنة والموازنة، وقد وجد أن الكوجيتو الديكارتي لا يمت بصلة فقط إلى القديس أوغسطين، بل هناك شبه كبير بينه وبين فكرة الرجل المعلق في الفضاء الذي قال به ابن سينا، وهذا الشبه أصبح من المسلمات عند الدكتور مدكور(2).

وفي الجزء الثاني من كتابه، اعتبر الدكتور مدكور أنه ليس بعزيز علينا أن نعقد مقارنات بين فكرة الألوهية عند فلاسفة المسلمين، ونظائرها لدى الفلاسفة المحدثين، أمثال ديكارت واسبينوزا وليبنتز، وأن نقد كانْت للأدلة التقليدية لإثبات وجود الله يعود بنا إلى الفكر الإسلامي وما دار فيه حول هذه الأدلة من أخذ ورد.

كما أنه ليس بعسير كذلك في نظر مدكور، كشف أن نظرية وحدة الوجود عند اسبينوزا تكاد تلتقي تماما مع ما قال به ابن عربي، وفكرة التناسق الأزلي التي قال بها ليبنتز لا تبعد كثيرا عن فكرة الصلاح والأصلح التي قال بها المعتزلة، ولا عن فكرة العناية التي قال بها المشاؤون العرب(3).

هذه الإشارات السريعة من الدكتور مدكور، جاءت بقصد ربط الفلسفة الإسلامية بمراحل التفكير الإنساني القديم والوسيط والحديث، وأنها تمثل مرحلة من مراحله المهمة والمؤثرة، وحلقة من حلقاته المتصلة والفاعلة.

وهذه هي الأطروحة التي حاول الدكتور مدكور تأكيدها والدفاع عنها، والتمسك بها، ولفت الانتباه إليها، ولم يكن بصدد البحث في هذه القضية والتوغل والتوسع فيها بحثا ودراسة وتحقيقا.

والملاحظ أن الدكتور مدكور لم يكن جازما وواثقا تمام الثقة في هذه الموازنات التي أشار إليها، لأن هذه القضية في نظره لم تكن ظاهرة في زمنه بالقدر الواضح والثابت، ولأنه أيضا لم يكن معنيا أساسا بدراسة هذه القضية، بقدر ما كان بحاجة إلى إشارات يبرهن من خلالها على صحة أطروحته السالفة الذكر، وحتى هذه الإشارات جاءت عابرة ومتفرقة ومقتضبة، وكانت بحاجة إلى تركيز وتكثيف وتوسيع، وإلى مزيد من البرهنة عليها.

ولو اعتنى الدكتور مدكور بهذه القضية، وبذل جهدا في بحثها ودراستها لأنجز لنا عملا مهما في هذا الشأن، يمكن أن يحدث تغييرا في وجهة هذه القضية ومسارها، وفي نمط الاهتمام بها، ولجرى التعامل معها بغير الصورة التي هي عليه اليوم، ولكان بالإمكان دراسة هذه القضية، والنظر فيها بصورة أفضل.

والموقف الذي أشار إليه الدكتور مدكور، يطابقه تماما ما انتهى إليه قرينه الدكتور محمد يوسف موسى (1317-1383هـ،/1899-1963م)، في خاتمة رسالته للدكتوراه التي ناقشها بجامعة السوربون الفرنسية سنة 1948م، وكانت بعنوان (الدين والفلسفة في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط)، وحصل بها على درجة مُشَّرِف جدا، وهي أعلى درجة علمية تمنحها جامعة السوربون.

في هذه الرسالة رأى الدكتور موسى، ما اسماه (تشابها إلى حد كثير أو قليل بين بعض آراء مفكري الإسلام ومفكري الغرب، ومن مثل ذلك الغزالي من ناحية ومالبرانش وهيوم وديكارت وكانت من ناحية أخرى في مشكلة السببية، وبين ابن رشد من ناحية، واسبينوزا من ناحية أخرى في ضرورة فصل الفلسفة عن الدين بالنظر إلى العامة)(4).

ولا يزعم الدكتور موسى بسبب هذا التشابه، أنه كان هناك انتقال لبعض الآراء من مفكر إلى آخر عن معرفة وعلم، لكنه أراد بهذه الإشارة أن يذكر حسب قوله (أنه من الخير عدم إقامة الحدود الفاصلة بصفة قاطعة بين العقل في الشرق والغرب، فإن العقل لا يعرف فواصل الجنس والزمن، وأنه من الخير أن يعاد النظر في الفلسفة الإسلامية على هذا الأساس، لنستطيع بالقدر الممكن لمؤرخ الفلسفة تقدير ما أسهم به الفكر الإسلامي، في إقامة صرح التفكير الفلسفي العالمي كله)(5).

ـ 3 ـ

الغزالي وديكارت.. وتطابق المنهج الفلسفي

من المحطات التي يمكن التوقف عندها في الحديث عن تجدد الاهتمام بقضية التشابه ما بين فلاسفة المسلمين القدماء وفلاسفة أوروبا المحدثين، هي المحطة التي ترجع إلى سنة 1968م، حين تقدم الدكتور محمود حمدي زقزوق برسالته للدكتوراه باللغة الألمانية إلى جامعة ميونيخ بألمانيا، وكانت بعنوان (المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت)، ونشرت حينها في طبعة جامعية باللغة الألمانية، وصدرت بالعربية في كتاب سنة 1973م.

في هذه الرسالة اعتبر الدكتور زقزوق أنه أثبت بالنصوص القاطعة، التطابق الواضح بين المنهج الفلسفي لدى كل من الغزالي وديكارت، وهو المنهج المعروف بالشك المنهجي، التطابق الذي فاجأ الأستاذ المشرف على الرسالة راينهارد لاوت، الذي يعد حسب قول زقزوق، من أشد المعجبين بفلسفة ديكارت، وكان يعلن في محاضراته أن الفلسفة الحقيقية بدأت مع ديكارت.

لهذا كان من الصعب على المشرف الألماني حسب قول الدكتور زقزوق، معرفة أن الغزالي قد سبق ديكارت في اكتشاف واستخدام الشك المنهجي، لكنه مع ذلك لم يعترض على شيء، غير أنه طلب تحويل الرسالة إلى أحد الألمانيين المستشرقين لمراجعة النصوص المترجمة إلى الألمانية لكونه لا يعرف العربية، وكان هذا المستشرق هو أنطون اشبيتالر، الذي وصفه زقزوق بأنه من كبار المستشرقين الألمان، وبعد مراجعة الرسالة لم يغير فيها حرفا واحدا، لكنه رفض فكرة أن يكون ديكارت قد تأثر بالغزالي، وعزا التشابه في المنهج بينهما إلى أنه مجرد توافق أو توارد خواطر، نافيا أن تكون هناك معرفة لديكارت بأفكار الغزالي(6).

وفي سنة 1992م صدرت الرسالة في طبعة جديدة باللغة الألمانية، وتوقف عندها الكاتب السويسري كريستوف فون فولتسوجن الذي نشر مقالة في ديسمبر 1993م، بعنوان (هل كان الغزالي ديكارتا قبل ديكارت؟)، أشار فيها حسب قول زقزوق (إلى أهمية الكتاب بوصفه عملا علميا جديرا بالاعتبار، مبينا أنه قد كشف عن حقيقة مفادها أن الشك المنهجي الذي يعد عملا تأسيسيا حاسما في الفكر الغربي، مرتبط بالفلسفة الإسلامية في القرن الحادي عشر، أي قبل ديكارت بأكثر من خمسة قرون، كما أشار الكاتب إلى أن التطابق المدهش بين الأفكار الواردة في كتاب “المنقذ من الضلال” للغزالي وكتاب “التأملات” لديكارت، يوحي في حد ذاته بأن هناك مؤثرات فيلولوجية، وأن هذه المقارنة التي جرت لأول مرة من الناحية المنهجية، قد برهنت على وجود تطابق أساسي في المنهج الفلسفي لكلا الفيلسوفين)(7).

هذا الالتقاء الفكري والمنهجي بين الغزالي وديكارت، طالما شغل اهتمام البعض في المجال العربي، الذين توقفوا أمام تساؤلات ظلت بدون إجابات حاسمة، من قبيل: هل تعرَّف ديكارت على أفكار الغزالي أم لا؟ وهل اطلع ديكارت على كتاب الغزالي (المنقذ من الظلال) مترجما في نسخة مخطوطة، عن طريق بعض المستشرقين الذين ربطتهم بديكارت صلة صداقة أم لا؟ أو عن طريق بعض الكتاب الغربيين الذين سبقوا ديكارت في الاقتباس من الغزالي؟

ومع تعدد الأقوال في هذه القضية، والتي تميل في معظمها من جهة العرب والمسلمين إلى ترجيح تأثر ديكارت بالغزالي عن طريق إطلاعه على كتابه (المنقذ من الضلال)، مع ذلك فإن هذا الموضوع حتى سنة 1997م، ما زال في نظر الدكتور زقزوق بحاجة إلى مزيد من البحث، حتى يمكن التوصل إلى حكم قاطع.

وفي مقدمة الطبعة الرابعة من الكتاب الصادرة سنة 1997م، دعا الدكتور زقزوق إلى أن يتجه بعض الباحثين في الحقل الفلسفي، إلى الاهتمام بصلة الفلسفة الإسلامية بالفلسفة الأوروبية الحديثة، لأن الأمر في نظره لا يقتصر على التشابه الذي يصفه بالواضح بين ديكارت والغزالي، بل يتعداه إلى فلاسفة آخرين، ففكرة السببية لدى الغزالي هي نفسها لدى دفيد هيوم، ومذهب الذرات الروحية لدى ليبنتز له ما يماثله في مذهب الجوهر الفرد لدى فلاسفة المسلمين ومتكلميهم، وهناك صلة وثيقة بين اسبينوزا والفكر الإسلامي عن طريق الترجمات اللاتينية، وعن طريق موسى بن ميمون، ولدى ابن عربي أفكار لها ما يماثلها لدى اسبينوزا، ولابن سينا أفكار لها ما يماثلها لدى ديكارت وغيره، ولا نعدم أن نجد صلة بين ميتافيزيقا الغزالي وكانت، وهذه كلها حسب قول زقزوق، مجرد أمثلة وليس حصرا للمجالات التي يمكن البحث فيها عن صلات ببن الفلسفة الإسلامية والفلسفة الأوروبية الحديثة(8).

والملاحظ أن الدكتور زقزوق، الذي وصف العلاقة بين فكر الغزالي وفكر ديكارت تارة بالتشابه الواضح، وتارة بالتطابق الواضح، وتارة بالتطابق الذي يكاد أن يكون تاما، مع ذلك تجنب الحديث عن تأثر ديكارت بالغزالي، لا من جهة المنهج ولا من جهة الأفكار، واعتبر نفسه معنيا فقط بمقارنة منهج الغزالي بمنهج ديكارت، وناظرا إلى مسألة التأثر والتأثير بوصفها قضية تاريخية تتطلب أدلة مادية دامغة، وآخر ما انتهى إليه في سنة 1997م أن موضوع الأثر والتأثر لا زال بحاجة إلى مزيد من البحث.

ـ 4 ـ

من التشابه إلى الاستيلاء

لعل من أكثر المحطات إثارة للجدل والانتباه، في قضية الحديث عن العلاقة ما بين فلاسفة المسلمين القدماء وفلاسفة أوروبا المحدثين، المحطة التي مثلها وكشف عنها الباحث الليبي الدكتور محمد ياسين عريبـي (1939-1998)، أستاذ الفلسفة الإسلامية، وعضو جمعية كانت الفلسفية بألمانيا، وشرحها في كتابه (مواقف ومقاصد في الفكر الإسلامي المقارن) الصادر سنة 1982م.

ويعتبر الدكتور عريبـي نفسه أنه صاحب منهج في اكتشاف العلاقة بين الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي الحديث، منهج بدأه وتعرف عليه وطبقه في بحثه الأكاديمي الموسوم بـ(وصف نقدي لمشكلة العلية عند الغزالي)، أعده باللغة الألمانية، ونال عليه درجة الماجستير من جامعة فريدرخ فلهم في مدينة بون سنة 1968م، واتضح له في هذا البحث العلاقة بين الغزالي وهيوم، وتبينت له العلاقة أيضا بين الغزالي وليبنتز، العلاقة التي خصص لها لاحقا رسالته للدكتوراه، وجاءت بعنوان (إشكالات فلسفة الغزالي وعلاقتها بمبدأ العلية)، أعدها كذلك باللغة الألمانية، وناقشها في الجامعة نفسها، وحصل على درجة الدكتوراه سنة 1972م.

وفي نطاق هذا الاهتمام، وفي إطار هذا المنهج، توصل الدكتور عريبـي إلى نتائج ليس من السهولة التوصل إليها، وليس من البساطة التثبت منها، كما ليس من اليسير البوح بها، نتائج يمكن وصفها بالمذهلة والخطيرة، بغض النظر عن تصويبها أو تخطئتها كليا أو جزئيا، وهي من نوع النتائج التي تثير الجدل والاختلاف، وستظل تثير الجدل والاختلاف دوما وعلى طول الخط.

وهذه النتائج التي توصل إليها الدكتور عريبـي، تتعلق بصورة رئيسية بثلاثة من الفلاسفة الكبار وهم: “ديكارت” و”كانت” و”هيجل”.

وبشأن “ديكارت” الذي وصفه عريبـي بأنه صاحب أول محاولة تركيب للفكر الإسلامي تميزت بالشمول، فقد اعتبر أنه (اعتمد في مبحثي المعرفة والوجود على مذهب ابن سينا، وفي الطبيعيات على المذهب الأشعري، وفي المنهج على الغزالي وابن الهيثم، ومن هنا جاءت اعتراضات جاسندي ومن معه على الكوجيتو مطابقة لاعتراضات طلبة ابن سينا، وجاءت ردود “ديكارت” مطابقة لردود ابن سينا، وكذلك جاءت اعتراضات “كانت” على الميتافيزيقا وعلم النفس مطابقة لاعتراضات الغزالي، أما تطوير “ليبنتز” لمفهوم المادة الديكارتي من نقطة رياضية إلى نقطة ميتافيزيقية، فهو نفس العمل الذي قام به الغزالي لإصلاح مفهوم المادة عند الأشاعرة كنقطة رياضية لتكون نقطة ميتافيزيقية. وقد كرس الغزالي لتوضيح هذا المذهب كتابه “مشكاة الأنوار”، أما ليبنتز فقد وضع كتابه “المونادولوجيا” موازيا لكتاب الغزالي)(9).

وفيما يتعلق بـ”كانت” وكتابه (نقد العقل المحض)، الذي يعده الدكتور عريبـي بحق أنه يمثل محطة روحية لتطور الفكر الحديث والمعاصر، فهذا الكتاب في صميمه حسب قول عريبـي هو مجرد محاولة لفهم كتاب (تهافت الفلاسفة) للغزالي، ونقد “كانت” للميتافيزيقا في القسم الثالث من كتابه والمعنون بالجدل المتعالي، فهذا النقد جاء مطابقا لما ورد في كتاب التهافت للغزالي من دون أن يتقدم عليه خطوة واحدة.

وأما نظريات “كانت” عن الزمان والمكان والأحكام، كما وردت في القسم الأول من كتابه السالف الذكر، القسم المعنون بالحساسية المتعالية، فهذه النظريات يعتبرها الدكتور عريبي أنها تمثل خلاصة الصراع في الفكر الإسلامي بين ما يسمى بعلماء الكلام من جهة، وفلاسفة الإسلام من جهة أخرى، كما وردت كذلك عند الغزالي في كتابيه (التهافت) و(معيار العلم).

وبشأن ما تحدث به “كانت” في القسم الثاني من كتابه المذكور، القسم المعنون بالتحليل المتعالي، والمتعلق بمشكلة العلية، فإنه في نظر عريبـي أن “كانت” وإن ادعى أنه يرد على ديفيد هيوم، إلا أنه ينتقد موقف الغزالي من علاقة السبب بالمسبب، باعتبار أن فلسفة هيوم كما يرى عريبـي، تعتمد أولا وأخيرا على تحليل المسألة السابعة عشر من التهافت.

لهذا فإن نقد “كانت” في تقدير عريبـي ليس جديدا، إذ اعتمد فيه على نظرية الأحوال الكلامية، التي رفضها الغزالي في تهافته حفاظا على منهجه الجدلي(10).

أما ما يتعلق بهيجل، فقد وجد الدكتور عريبـي أن العلاقة بينه وبين الغزالي أقوى من أي علاقة أخرى، لأن كليهما يلتقيان في تحديد مسار الجدل، من جهة أن كل مفهوم ينطوي على تناقض، ومن التعصب في نظر عريبـي أن يرد جدل هيجل إلى اليونان، دون إشارة إلى جدل الإسلاميين(11).

على ضوء هذه النتائج، أنكر الدكتور عريبـي على الغرب ما أسماه إخفاء الحقيقة، ونسبة تلك الآراء الفلسفية لغير أصحابها بموجب التمويه والتضليل حسب قوله، مما أدى إلى الاعتقاد على أن الكثير من نظريات الفكر الفلسفي في الإسلام هي من إبداع الفكر الغربي، مثل مسألة العلية التي سميت بمشكلة هيوم، ومبدأ السبب الكافي الذي نسب إلى ليبنتز، والكوجيتو الذي تحدد على أنه لديكارت، والمذاهب المتعددة كالمذهب الأسمى والمثالي والواقعي والجدلي.. إلخ، ذلك من الاتجاهات التي استلبها الغرب من أصحابها، وأصبحنا في ضوء منهج التلقي والتقليد نؤكد على أنها إبداع غربي، وباسم التحرر انتزع فلاسفة الغرب الجوانب الإبداعية في الفكر الإسلامي ونسبوها إلى نفسهم(12).

هذه المرة الأولى التي أجد فيها كاتبا عربيا يبحث في هذا الموضوع بهذه الطريقة، وبهذه الثقة العالية، وبهذا المستوى من الوضوح، ولا شك أن هذه الآراء والنتائج لا تخلو من غرابة، كما أنها لا تخلو من دهشة وإثارة، مع ذلك لم أجد في حدود متابعاتي أنها أثارت دهشة في المجال العربي، أو حركت إثارة.

وذلك يعود إما لأن المجال العربي لا تثيره الدهشة عادة، ولا تحركه الإثارة الفكرية، وإما لأنه تنقصه الثقة والجرأة في التعاطي مع هذا النمط من الآراء والنتائج، وإما لأنه ما زالت تفصله مسافات فكرية لا تقربه ولا تجعله قريبا من هذا النمط من الآراء والنتائج.

من جانب آخر، هناك مفارقة ما بين محاولات السابقين الذين أظهروا حذرا شديدا في تأكيد علاقة أثر وتأثر فلاسفة أوروبا المحدثين بفلاسفة المسلمين القدماء، وما بين هذه المحاولة للدكتور عريبـي التي تخطى فيها حذر أولئك السابقين، لكنه أظهر اندفاعا شديدا، أقل ما يقال عنه أنه بحاجة إلى قدر من التأني والتروي.

وفي الانطباع العام، يمكن القول إن ما حصل من الطرفين، هو أقرب إلى نوع من الاختلال في الموقف، اختلال في جانب الحذر الشديد عند أولئك السابقين، الحذر الذي يسلب القدرة على التقدم ولو بمقدار خطوات بسيطة، واختلال في جانب الاندفاع الشديد عند الدكتور عريبـي، الاندفاع الذي يسلب القدرة على التحكم والتحسب في خطوات العمل، فلا الحذر الشديد يمثل موقفا سليما، ولا الاندفاع الشديد كذلك، والقطع في هذه القضية لن يتحقق إلا بعد تحصيل ناصية العلم، وامتلاك إرادة المعرفة.

ـ 5 ـ

ملاحظات ومفارقات

أمام هذه القضية، وعند النظر فيها تفسيرا وتحليلا، يمكن تسجيل الملاحظات والمفارقات الآتية:

أولا:في الموقف العام، لا تخرج هذه القضية عن صورة الحضارة ناظرا ومنظورا إليها، وتتصل بسياق أنماط العلاقات السائدة عادة بين الحضارات الغالبة والحضارات المغلوبة، فالحضارات الغالبة تنظر وتتعامل في الغالب بمنطق أو بخيال أو بمخيال على أنها تمثل بداية التاريخ، أو بداية لتاريخ، أو فتحا تاريخيا لعالم البشر ولعالم الحضارات كافة.

 الخيال أو المخيال الذي يجعل الحضارات الغالبة لا ترى إلا مآثرها وإنجازاتها وفتوحاتها، وبشكل قد يجعلها لا تلتفت إلى مآثر وإنجازات الحضارات الأخرى، أو تتعمد تجاهلها، أو الاستنقاص منها، والتقليل من شأنها أو غير ذلك، رفعة لها وتعظيما لذاتها.

ومثل هذا الموقف في الحضارات القديمة، تجلى في الحضارة اليونانية التي عرف عنها أنها أخذت واستفادت من إرث وتراث الثقافات والحضارات الشرقية القديمة السابقة عليها، ومنها الحضارة المصرية، وهذا ما كشف عنه، وأثبته وبرهن عليه من المعاصرين، الباحث والمؤرخ الأمريكي مارتن برنال في كتابه الكبير الذي يتجلى من عنوانه (أثينة السوداء) الصادر سنة 1987م.

مع ذلك فقد تنكرت الحضارة اليونانية لهذا الإرث والتراث، وأغفلته وتعمدت إغفاله، ووصل بها الحال في تعظيم ذاتها، وبتأثير صراعها العنيف مع الدولة الفارسية آنذاك، إلى إطلاق وصف البرابرة على ما هو غير يوناني، ونظروا لأنفسهم بوصفهم أهل الحكمة والمنطق، حتى يغالوا في تمجيد ذواتهم، ويعلنوا تفاضلهم على غيرهم.

وفي الحضارات الحديثة، تجلى هذا الموقف في الحضارة الأوروبية الغربية، التي عرف عنها كذلك أنها أخذت ما أخذت من إرث وتراث الثقافات والحضارات السابقة عليها، وبالذات الحضارة الإسلامية، مع ذلك فقد تنكرت لكل ذلك الإرث والتراث، وأغفلته وتعمدت إغفاله، وأعطت لنفسها صفة الحضارة، وحاولت احتكار هذه الصفة لذاتها، وعرفت الحضارة على أساس أنها نقيض التوحش، في دلالة على تقريب صفة التوحش بالمجتمعات التي تقع خارج الغرب.

ليس هذا فحسب، فإن أوروبا حين أقامت حضارتها، حولت التقدم إلى استعمار، وجعلت من التقدم علة موجبة لاستعمار الشعوب الأخرى بذريعة ربط هذه الشعوب بعالم التقدم، وحولت الثقافة كذلك إلى إمبريالية عملت على طمس تراث الأمم والشعوب التي استعمرتها، وتغريب ثقافات هذه الأمم والشعوب، وتخريب لغاتها، وتمزيق هوياتها، وتمييع أخلاقياتها.

 وهذا ما كشفته وشرحته العديد من الكتابات والمؤلفات الغربية والعربية، ومنها الكتابان المعروفان للناقد الفلسطيني إدوارد سعيد (1935-2003م)، وهما كتاب (الاستشراق) الصادر سنة 1987م، وكتاب (الثقافة والإمبريالية) الصادر سنة 1993م.

وليس دفاعا عن الحضارة الإسلامية التي انفردت من هذه الجهة، فهي الحضارة التي أظهرت تواضعا قل نظيره في تاريخ الحضارات الإنسانية، ويكفي للدلالة على ذلك بشاهد يتصل بمجال العلم، وهو المجال الذي تتفاخر به الحضارات عادة، فقد أعطت هذه الحضارة الإسلامية صفة المعلم الأول للفيلسوف اليوناني أرسطو وعرفته بهذه الصفة، وكان بإمكانها وهي في عز قوتها وصعودها، أن تعطي هذه الصفة لرجل ينتسب إلى حضارتها كما تفعل الحضارات عادة، كالفارابي الذي أعطته صفة المعلم الثاني، وبشكل تجعل من أرسطو نسيا منسيا، وتعدد باقي الأسماء الأخرى من داخل حضارتها كذلك، فيكون ابن سينا المعلم الثاني، وابن رشد المعلم الثالث وهكذا.

وما من حضارة تقدم على هذه الخطوة التي أقدمت عليها الحضارة الإسلامية، وهي في عز قوتها وصعودها، إلا أن تكون حضارة لا تنظر إلى ذاتها بخيال ومخيال العظمة والتعالي والكبرياء.

وهذا لا يصْدق على التعامل مع أرسطو فحسب، وإنما يصْدق على عموم التعامل مع التراث اليوناني، الذي كتبت له الحياة من جديد بفضل الحضارة الإسلامية، وإلا لكان في طريقه إلى التلاشي والاضمحلال، فقد تعامل معه العلماء المسلمون بطريقة راقية جدا، أعادت له الروح والاعتبار، واعتبروه وكأنه يمثل جزءا من تراثهم، وبالغوا في تعظيمه وتبجيله، ورفعوا من شأنه ومنزلته، بشكل أثار حفيظة شريحة من العلماء الآخرين، واعتراضهم على شدة المبالغة في تعظيمه وتبجيله بوصفه تراثا لا ينتمي إلى المجال الإسلامي.

هذا من جهة الحضارات الغالبة ومنظوراتها في الرؤية، أما من جهة الحضارات المغلوبة فلها منظورات عكسية تماما، فهي حضارات يعرف عنها ضعف صلتها بالعلم والمعرفة، وتراجع عزيمتها وإرادتها في هذا الشأن، وتقلص معرفتها بإرثها وتراثها وتاريخها العلمي والثقافي والحضاري، وانكماش علاقاتها بالعالم والعصر، كما يعرف عنها أيضا أن العلم لا يمثل لها هما واهتماما، ولا الإبداع والإنجاز يمثل لها نهجا وسبيلا، ولا التقدم الذي خرجت منه يمثل لها وجهة ومسارا.

وفي ظل هذه الوضعيات تفقد هذه الحضارات انتباه العالم من جهة العلم والمعرفة، ويكون من الصعب عليها كسب الثقة من هذه الجهة، فهل الحضارات الغالبة تنتبه وتلتفت إلى جانب العلم والمعرفة عند الحضارات المغلوبة، في حين أن القاعدة الخلدونية الشهيرة تقول بعكس ذلك تماما، وحسب هذه القاعدة فإن المغلوب ليس فقط يتبع الغالب، وإنما يكون مولعا أبدا بالاقتداء بالغالب لاعتقاد الكمال فيه(13).

وبحسب هذا التحليل، فإن الغربيين ما داموا ينظرون لأنفسهم بوصفهم يمثلون الحضارة الغالبة، وأننا بالنسبة إليهم نمثل حضارة مغلوبة، فإنهم لن يلتفتوا إلى ما يطرح من قضية أثر وتأثير فلاسفة المسلمين القدماء على فلاسفتهم المحدثين، ومن الصعب أن يكون مقنعا لهم ما نطرحه نحن حول هذه القضية، وقد لا يكون مقنعا حتى عند أنفسنا أيضا، لأن الحضارات المغلوبة تنقصها الثقة الجازمة بذاتها.

لكن هذا الموقف لن يكون على هذا الحال، إذا تغيرت الموازين الحضارية بيننا وبين الغرب، وتحولنا من حضارة مغلوبة إلى حضارة غالبة، أو حضارة خرجت عن كونها حضارة مغلوبة، لأن نظرتنا لأنفسنا عندئذ سوف تتغير كليا، وهكذا نظرة الآخرين إلينا، وجميع الحضارات في مثل هذه الحالات تتغير نظرتها إلى ذاتها، وتستعيد الثقة بنفسها وبعلومها ومعارفها.

ثانيا:من اللافت جدا أن الغربيين والمستشرقين، لم يقتربوا من هذه القضية ولم يتطرقوا إليها نفيا أو إثباتا، ولم تكن موضع اهتمام عندهم، وكأنها كانت خارج إدراكاتهم، وبعيدة عن حسهم وحدسهم، فلم يتنبهوا إليها، ويعتنوا بها، ولم يعرف رأيهم وآراؤهم نحوها.

والقدر الذي أشار إليه الدكتور محمود زقزوق عند بحثه عن العلاقة بين الغزالي وديكارت في المنهج الفلسفي، تحدد فقط في إشارة واحدة نقلها عن المستشرق الفرنسي أرنست رينان (1823-1892م)، يقول فيها (إن هيوم لم يقل في نقد السببية أكثر مما قاله الغزالي)(14).

علما أن الغربيين والمستشرقين منهم بالذات، قد عرف عنهم دأبهم الكبير، وعنايتهم الفائقة بالتراث الفلسفي للمسلمين، ومن تعرف على جهودهم من العرب والمسلمين، ذكر لهم فضلهم، وقدر لهم جهدهم، وأحسن لهم صنعهم.

ويكفي للدلالة على ذلك، الإشارة إلى موقفين مهمين:

الموقف الأول: أشار إليه الشيخ مصطفى عبدالرازق (1302-1366هـ/1855-1947م)، في كتابه (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية)، بقوله: (فإن الناظر فيما بذل الغربيون من جهود في دراسة الفلسفة الإسلامية وتاريخها، لا يسعه إلا الإعجاب بصبرهم ونشاطهم، وسعة إطلاعهم، وحسن طريقتهم)(15).

الموقف الثاني:أشار إليه الدكتور إبراهيم مدكور الذي خصص في كتابه (في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيقه)، فقرة بعنوان (المستشرقون والدراسات الفلسفية)، نوه فيها بجهود المستشرقين وسبقهم وفضلهم وشدة عنايتهم، وكان من جهودهم حسب قول الدكتور مدكور، أن نشرت (مؤلفات لفلاسفة الإسلام بقيت مخطوطة زمنا طويلا، وقوبلت أصولها العربية بما عرف لها من ترجمات لاتينية وعبرية، وعلق عليها بما يشرح غامضها، ويعين على فهمها، ولولا المستشرقون لبقيت مهملة في خزائن المكتبات العامة، ولولا تمكنهم من عدة لغات قديمة وحديثة، واعتمادهم على منهج صحيح، ما ظهرت هذه المؤلفات على ما ظهرت به من ضبط ودقة)(16).

والسؤال: إذا كان المستشرقون بهذه السعة من الدراية والمعرفة، وبهذه الدرجة من الصبر والنشاط، وبهذا المستوى من الدقة والضبط، فلماذا لم يلتفتوا إلى ما بين فلاسفة المسلمين القدماء وفلاسفة أوروبا المحدثين من علاقة! سواء علاقة تشابه أو علاقة توافق أو علاقة توارد خواطر أو علاقة تأثر!

وهم الذين قال عنهم الدكتور مدكور: (ولو لم يقيض الله لفلاسفة الإسلام جماعة من المستشرقين وقفوا على بعض بحوثهم ودراساتهم، لأصبحنا اليوم ونحن لا نعلم من أمرهم شيئا يذكر)(17).

وهل هؤلاء المستشرقون على عددهم وعدتهم وتعاقب أجيالهم وأزمنتهم، وتعدد دولهم وأمكنتهم، وتنوع فنونهم وتخصصاتهم، لم يلتفتوا حقا إلى هذه القضية؟

أم أنهم التفتوا لهذه القضية، لكنهم صمتوا عنها، وفضلوا خيار الصمت، وتعمدوا التجاهل، وغلبهم الكبرياء من الاقتراب نحو هذه القضية والتلميح بها أو التصريح!

ولكن لماذا يأخذهم الصمت، ويتعمدون التجاهل، ويغلبهم الكبرياء! فهل كان في هذا الموقف ما يمكن أن يغير من واقع الحال عندنا أو عندهم!

وهل وصل بهم الحال إلى حد الإجماع على هذا الموقف، بشكل لا يكاد يخرج عليه أحد معلنا رفضه له أو نقده أو تبرمه، وكاشفا عن حصول مثل هذا التأثر، أو حصول شكل من أشكال العلاقة؟

والأقرب أننا ما زلنا حتى هذه اللحظة، نجهل حقيقة الموقف عند الغربيين، ونجد صعوبة في الاستناد على تفسيرات تتسم بالدقة والضبط والوضوح، وستظل هذه القضية على ما هي عليه إلى أن يقترب منها الغربيون أنفسهم، ويكشفوا عن حقيقة الموقف عندهم، إذا كان لهم موقف حقيقة.

وما أود تقريره في هذا الجانب، أن من الصعب تحريك هذه القضية من دون مشاركة الأوروبيين والغربيين عموما، وذلك لأن حجتهم في هذا الأمر على أنفسهم، أقوى من حجتنا نحن، وأن قدرتهم العلمية في التعامل مع هذا الأمر، هي أقوى من قدرتنا كما نعلم نحن بذلك عن أنفسنا، ليس ضعفا أو هزيمة، وإنما هو اعتراف بواقع الحال الذي نبصر به، ولا نحتاج لأحد أن يبصرنا به.

ثالثا:كشفت هذه المقاربات والموازنات بين فلاسفة المسلمين القدماء وفلاسفة أوروبا المحدثين، عن مفارقة لا تخلو من طرافة ومن إثارة دهشة، وتحددت هذه المفارقة، في تلك الصورة من العلاقة التي تكررت بين الغزالي تحديدا وعدد من الفلاسفة الأوروبيين الكبار، أمثال ديكارت وكانت وليبنتز وهيوم وهيجل وآخرون.

ومن أقرب هذه المقاربات والموازنات شبها وتوافقا ووضوحا عند الناظرين لها من الباحثين العرب المعاصرين، هي تلك التي ظهرت بين الغزالي وديكارت، العلاقة التي أوصلها الدكتور محمود زقزوق إلى حد التطابق التام على مستوى المنهج الفلسفي، وعدت مدخلا ممكنا للنظر في هذه القضية، ولولا هذه العلاقة تحديدا لكان من الشك النظر والاقتراب من هذه القضية في وجهتها العامة، ولأصبح من الصعب والعسير الالتفات إليها، والاهتمام بتوسعة دائرتها، بما يشمل آخرين من أولئك الفلاسفة الوارد ذكرهم.

وفي هذه العلاقة بشكل خاص تظهر المفارقة المدهشة، بين الغزالي الذي يعد في نظر الكثيرين أنه أطاح بالفلسفة وقوض أركانها، وتسبب في تراجع وجمود الفكر الفلسفي، وفي طمس وانحدار نزعة العقلانية في العالم الإسلامي، وبين ديكارت الذي يعد في نظر الكثيرين أنه مثَّل فتحا جديدا لعصر الفلسفة، وأسهم في نهضة وتقدم الفكر الفلسفي، وفي إحياء وصعود نزعة العقلانية في العالم الأوروبي.

والمفترض من هذه المفارقة، أنها تباعد بين الغزالي وديكارت، وتفصل وتفاصل بينهما، وهذا بخلاف الصورة الحاصلة التي جعلت من الممكن المقاربة والموازنة بينهما، ودفعت بالحديث عن أثر وتأثر ديكارت بالغزالي!

وحسب تساؤل الدكتور زقزوق: كيف يحق عقد مقارنة بين ديكارت الذي يعتبر أبا للفلسفة الحديثة، وبه ومعه بدأت الفلسفة عصرا جديدا يختلف عن العصر الوسيط، وبين الغزالي الذي يشاع عنه أنه هدم الفلسفة في العالم الإسلامي! أليس هناك من البون الشاسع بينهما مثل ما بين الفكر في العصر الوسيط والعصر الحديث؟ أليس الغزالي وديكارت على طرفي نقيض؟(18).

أمام هذه المفارقة، يمكن الإشارة إلى ثلاثة مواقف، تكشف عن طرق اتجاهات النظر في تفسير وتحليل هذه المفارقة، وهذه المواقف بحسب تراتبها الزمني هي:

الموقف الأول:وأشار إليه الدكتور زكي مبارك الذي اعتبر أن ديكارت هو أقرب الفلاسفة شبها بالغزالي، لأنه ارتاب كما ارتاب الغزالي، والفرق بينهما والذي وصفه الدكتور مبارك بالعظيم جدا، تحدد في طريقة الخروج من هذا الشك وهذا الارتياب، فالغزالي خرج من شكه بطريقة لا تصل بأحد إلى يقين، وأنه في تقدير مبارك انهزم أمام شكوكه، ووجد من العبث الاستعانة بالعقل والمنطق للخروج من ظلمات الشكوك، وهذا في نظر مبارك يناقض ما فعله ديكارت للخروج من شكوكه، مستندا في موقفه على رأي بول جانيه الذي يرى أن ديكارت حين اقتنع بعدم كفاية العلوم المعروفة لعصره، لم يركن إلى الارتياب، بل رأى من الواجب أن يبني صرح العلم على أساس جديد. وعلى هذا الأساس يرى مبارك أن الغزالي كان سببا لجمود الفلسفة في الشرق، في حين كان ديكارت سببا لنهوضها في الغرب(19).

الموقف الثاني:وأشار إليه الدكتور محمود زقزوق، الذي يرى أنه ينبغي النظر إلى موقف الغزالي النقدي من مسائل الفلسفة نظرة عادلة، تضع هذا النقد في مكانه الصحيح، ولا تخلط بينه وبين إنكار الفلسفة من حيث هي فلسفة، ولا يبالغ زقزوق إذا قال إن الغزالي بمنهجه الفلسفي قد تقدم عصره بعدة قرون، ولم يلحقه في أفكاره إلا ديكارت أبو الفلسفة الحديثة(20).

وحسب هذا الموقف، فإن العلاقة بين الغزالي وديكارت هي بين حالتين من حالات التقدم والازدهار الفكري والفلسفي، وليس بين حالتين متعارضتين ومتنافرتين، إحداهما تتسم بالتراجع والجمود، وأخرى تتسم بالتقدم والنهوض.

الموقف الثالث:وأشار إليه الكاتب السويسري كريستوف فون فولتسوجن الذي يرى في مقالته السالفة الذكر، أن التطابق المدهش بين أفكار الغزالي الواردة في كتابه (المنقذ من الضلال)، وأفكار ديكارت الواردة في كتابه (التأملات)، قد برهنت على وجود تطابق أساسي في المنهج الفلسفي عندهما، مما دعاه إلى القول بأن من يعتقد في الغزالي مجرد صوفي منحاز لصوفيته، وفي ديكارت مجرد عقلاني منحاز لعقلانيته، أن يعيد النظر في آرائه(21).

هذه المواقف الثلاثة، تكشف عن أننا أمام قضية تتعدد فيها وجهات النظر وتختلف، وستظل على هذا الحال بصورة مستمرة، أو إلى أجل غير معلوم، ومن جهة أخرى فإن هذه القضية ما زالت بحاجة إلى نظر وتحقيق، ومن الغربيين بصورة خاصة، وهم المعروفون بنشاطهم وصبرهم ودأبهم في البحث والتحقيق.

ومن جانب آخر، لا تأثير لمسألة التقدم والتراجع في نفي العلاقة أو تعارضها بين الغزالي وديكارت، وذلك لأن الفكرة الواحدة يمكن أن يتحدد مصيرها تقدما وتراجعا، صعودا وهبوطا، حياة أو موتا، بحسب البيئة التي تتصل بها وتتفاعل معها، فالبيئة المتراجعة تتراجع فيها الأفكار حتى الأفكار المتقدمة، والبيئة المتقدمة تتقدم فيها الأفكار وتزدهر.

* * *

الهوامش

1- زكي مبارك، الأخلاق عند الغزالي، بيروت: دار الجيل، 1988م، ص335.

2- إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه، القاهرة: سميركو للطباعة والنشر، ج1، بدون تاريخ، ص187.

3- إبراهيم مدكور، المصدر نفسه، ج2، ص88-187.

4- محمد يوسف موسى، بين الدين والفلسفة في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط، بيروت: دار العصر الحديث، 1988م، ص227.

5- محمد يوسف موسى، المصدر نفسه، ص228.

6- محمود حمدي زقزوق، المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت، القاهرة: دار المعارف، بدون تاريخ، ص11.

7- محمود حمدي زقزوق، المصدر نفسه، ص12.

8- محمود حمدي زقزوق، المصدر نفسه، ص14.

9- محمد ياسين عريبـي، مواقف ومقاصد في الفكر الإسلامي المقارن، طرابلس: الدار العربية للكتاب، 1982م، ص9.

10- محمد ياسين عريبـي، المصدر نفسه، ص8-9.

11- محمد ياسين عريبـي، المصدر نفسه، ص11-253.

12- محمد ياسين عريبـي، المصدر نفسه، ص10.

13- عبدالرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ضبط وتقديم: محمد اسكندراني، بيروت: دار الكتاب العربي، 1998م، ص146.

14- محمود حمدي زقزوق، المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت، ص44-141.

15- مصطفى عبدالرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، بدون تاريخ، ص27.

16- إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه، ج1، ص27.

17- إبراهيم مدكور، المصدر نفسه، ص28.

18- محمود حمدي زقزوق، المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت، ص15.

19- زكي مبارك، الأخلاق عند الغزالي، ص339.

20- محمود حمدي زقزوق، المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت، ص18.

21- محمود حمدي زقزوق، المصدر نفسه، ص12.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر