أبحاث

أزمة العالم المعاصر، وتصور الحلول من منظور رسائل النور، لبديع الزمان النورسي

العدد 144

مقدمة:

الحمد لله نور السموات والأرض، يهدي لنوره من يشاء، وهو بكل شيء عليم. والصلاة والسلام على النور المبين، والسراج المنير، وصحبه الطيبين، وأهله الطاهرين. وبعد:

فإن القارئ لكليات رسائل النور، يشعر كأنما قد كتبت هذه الرسائل لزماننا هذا، عقب إشكالات وأزمات وقعت الآن، وأوقعت الناس في حيرة واضطراب، وبحث عن طريق الخروج والخلاص.

وإن الأزمة التي تملأ فكر الإنسانية اليوم، وتمس واقعها في صميم أعماقه، تتمثل في صعوبة إيجاد النظام الاجتماعي الذي يصلح للإنسانية، وتسعد به في حياتها الاجتماعية، وتتخلص به من مخاوفها وعللها وآلامها الموجعة.

وفي هذه الورقة البحثية نبسط ملامح الأزمة، ونسلط الأضواء على السبل المطروحة للخروج منها، ونبرز وسائل حلها من منظور كليات رسائل النور، وذلك من خلال المحاور الآتية:

المحور الأول: ملامح الأزمة وواقعها.

المحور الثاني: السبل المطروحة لحل الأزمة.

المحور الثالث: وسائل الحل من منظور كليات رسائل النور.

الخاتمة: المدينة القرآنية والهدى.

(1) ملامح الأزمة وواقعها:

إن البشرية اليوم، والمسلمون في مقدمتهم، أحوج ما يكونون إلى فقه واقع الأزمة التي تعاني منها البشرية، هذا الواقع الذي تقوده الأجهزة العملاقة التي تسيطر على تربية الناس وتوجيههم، بإعلام مهما قيل عنه وفيه، فإنه يذكرنا بالخوار الذي كان يصدر عن العجل الذهبي. هذا الخوار الذي ملأ الأجواء بفلسفة فكرية مادية تجسدت في معادلتين:

أولاهما: المعادلة السياسية في الفكر الليبرالي، التي تضع الحريات السياسية في صورة النظام الديمقراطي الليبرالي، كقيمة أسمى للمجتمع، ثم تشتق منه الفكر الاقتصادي في صورة الاقتصاد الرأسمالي الحر.

والثانية: المعادلة الاقتصادية التي قدمها الفكر الاشتراكي والماركسي، والتي تضع الصراع الطبقي باعتباره المحرك الأول للعملية الاجتماعية والتاريخية، وصولا إلى القضاء على البرجوازية كقيمة أسمى للمجتمع في صورة نظام سلطوي يحرك المجتمع لتحقيق حتميات تاريخية ثبت أنها هراء(1).

وقد دفعت هذه الأزمة بالإنسانية – في الميادين المختلفة – إلى خوض كفاح حافل بمختلف ألوان الصراع، الذي أثمر العديد من المآسي والمظالم، وأفرخ الكثير من مظاهر الشذوذ والانحراف عن الوضع الاجتماعي الصحيح.

وبما أن البشرية اليوم تقف على حافة انهيار، يدفعها بعنف عُبّاد العجل نحو الدمار؛ فقد أحكم الدجال قبضته عليها، فخنق الأنفاس، ومصّ دماء الناس، وإنها بذلك لفي ضلال كبير قال عنه الأستاذ النورسي منذ أكثر من نصف قرن: (إن ضلال البشرية، وعنادها النمرودي، وغرورها الفرعوني، تضخم وانتفش حتى بلغ السماء، ومسّ حكمة الخلق، وأنزل من السموات العلا ما يشبه الطوفان والطاعون، والمصائب والبلايا.. تلك هي الحرب العالمية الحاضرة؛ إذ أنزل الله سبحانه لطمة قوية على البشرية قاطبة، لأن أحد أسبابها يشترك فيها الناس كلهم، هو الضلال الناشئ من الفكر المادي، والحرية الحيوانية، وتحكم الهوى)(2).

هذا الانهيار والضلال الذي يصبغ واقع الأزمة، مرده الفلسفة المادية، التي هي طاعون معنوي كما أوضح الأستاذ النورسي بقوله: (الفلسفة المادية طاعون معنوي، حيث سببت في سريان حمى مهلكة في البشرية، وعرضها للغضب الإلهي. فكلما توسعت قابلية التمرد والانتقاد – بالتلقين والتقليد – توسع ذلك الطاعون أيضا وانتشر)(3).

هذا الطاعون الذي طبع هذا العصر، قلب النظام الاجتماعي، وأشاع الخلل في كل جوانب الحياة، هذا الخلل الذي وضَّح مظاهره الأستاذ النورسي بإخباره: (عن هذا العصر العجيب الذي أثقل كاهل الإنسان بالحياة الدنيوية، بما كثر عليه من متطلبات الحياة، وضيق عليه مواردها، وحوّل حاجاته غير الضرورية إلى ضرورية، بما ابتلاه بتقليد الناس بعضهم بعضا، ومن التمسك بعبارات مستحكمة فيهم، حتى جعل الحياة والمعاش هي الغاية القصوى، والمقصد الأعظم للإنسان في كل وقت.

فهذا العصر العجيب أسدل بهذه الأمور حجابا دون الحياة الدينية، والأخروية والأبدية، أو في الأقل جعلها أمرا ثانويا أو ثالثيا بالنسبة له(4).

هذه الفلسفة التي أشاعت الإسراف، ومحقت البركة، وأثخنت الجراح، فهي: (رفعت من هذا العصر البركة من جراء الإسراف المتزايد، وعدم مراعاة الاقتصاد، ومن عدم القناعة مع الحرص الشديد، فضلاً عن تزايد الفقر والحاجة، والفاقة وهموم العيش؛ مما سبب جروحا بليغة في تطلع الإنسان للعيش، وفي نزوعه لحفظ الحياة، علاوة على تشعب متطلبات الحياة المرهقة، زد على ذلك استمرار أهل الضلالة بتوجيه كل الأنظار إلى الحياة.. كل ذلك عمّق تلك الجروح حتى دفع الإنسان ليفضل أدنى حاجة من حاجات الحياة على مسألة إيمانية عظيمة)(5).

هذه الفلسفة التي أشاعت ما لا يحصى من ألوان الفساد، تغذيها الأنانية المفرطة؛ فـ (إن معدن جميع أنواع الاضطرابات والقلاقل والفساد وأصلها، وإن محرك جميع أنواع السيئات والأخلاق الدنيئة ومنبعها، كلمتان اثنتان؛ الكلمة الأولى: إذا شبعت أنا فمالي إذا مات غيري من الجوع. والكلمة الثانية: تحمّل أنت المشاق لأجل راحتي، اعمل أنت لآكل أنا، لك المشقة وعليّ الأكل)(6).

هذه الأزمة في النظام الاجتماعي أثارت الأستاذ النورسي لدرجة أنه يقرر: (إن طريق الضلالة يردي الإنسان إلى أسفل سافلين، إلى حد تعجز أية مدنية كانت، وأية فلسفة كانت، عن إيجاد حل له، بل يعجز الرقي البشري، وما بلغه من مراتب العلم من إخراجه من تلك الظلمات السحيقة التي في الضلالة)(7).

إن النظر إلى عالم ما بعد الحداثة، يجعلنا نوقن بأن ثنائية جديدة ستقوم في العالم، بين القيم المادية والنفعية ومفاهيم الوصولية والمصلحة والاستغلال، تلك التي تمثلها الخلفية الفكرية الوضعية للحضارة الغربية، والتي تنطلق من انعكاسات الفكرة العلمية اللادينية في النظر إلى الحياة والكون والإنسان، والتي تحدَّث عن دولتها الأم، الأستاذ النورسي مسلطاً الضوء على واقعها ومستقبلها الاستبدادي: (لقد أظهر الزمان أن دولة تسمى داعية الحرية، قد كبلت بثلاثمائة من موظفيها المستبدين، ثلاثمائة مليون من الهنود، منذ ثلاثمائة سنة، وسيطرت عليهم كأنهم ثلاثمائة رجل لا غير، حتى لم تتركهم يحركون ساكنا، ونفذت قانونها الجائر عليهم بأقسى صورة من صور الظلم.. وأعطت لقانونها الجائر هذا اسم “العدالة والانضباط”، فخدعت العالم ودفعته إلى نار الظلم. هذه الدولة غدت مقتدى ذلك الاستبداد القادم في المستقبل)(8).

ذلك من ناحية، وبين تلك القيم المطلقة الإنسانية والأخلاقية والجمالية القائمة على الإيمان بالله، وتكريم الإنسان، وإعمار الكون، تلك القيم المستندة على التوحيد، والاستخلاف لهذا الإنسان في الأرض، وعلى تسخير هذا الكون بقوانينه ونواميسه، التي تدعو الإنسان إلى الإيمان بقيم التوحيد والتزكية والعمران، وما يتفرع عنها من تبنٍّ للهدى والحق والعدل والمساواة بين الناس وإلى الشورى والتكافل داخل المجتمع، وذلك انطلاقاً من دعوة التوحيد وشهادة الحق على العالمين. هذه الثنائية ألمح إليها في عبارات مضيئة مشرقة، الأستاذ النورسي معلنا: (إن المدنية الحاضرة الغربية، لسلوكها طريقاً مناقضاً لأسس دساتير السماء، وقيامها بمناهضتها؛ فقد طفح كيل سيئاتها على حسناتها، وثقلت كفة أضرارها على فوائدها؛ فلقد اضطرب أمن الناس واطمئنانهم وأقلقوا، وأسنت سعادتهم الحقيقية؛ فاختل ما هو مطلوب من المدنية والمقصود منها، حيث قد حلت بسببها نوازع الإسراف والسفاهة محل بوادر الاقتصاد والقناعة، واستُمرئت ميول الكسل والدعة، وهُجرت مراعي السعي والعمل.

ولقد ألبست – هذه المدنية – البشرية المضطربة لباس الفقر المدقع، وكستها أثواب الكسل والتقاعس الرهيب.

واستنادا إلى ما قامت به رسائل النور من إيضاح الدستور الذي يخاطب به القرآن الكريم في ندائه العلوي: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف: 31.

وكذلك في قوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) النجم: 39.

فقد أشارت تلك الرسائل – مستضيئة بنور الآيتين المذكورتين – إلى أن سعادة البشرية منوطة بالاقتصاد وعدم الإسراف، وعلى إثارة الهم للسعي والعمل والكد.. وأنه بهذين الشرطين يتم التآلف بين طبقتي البشرية: الخواص والعوام)(9).

(2) السبل المطروحة لحل الأزمة:

بعدما شخصنا الداء، ووضعنا اليد على موطن الخلل في النظام الاجتماعي الغربي وما إليه من أنظمة، وخرجنا بالتعليل الذي نتصوره صحيحاً للأزمة، وهو أن ركيزة الأزمة تتمثل في تلك الفكرة التي تمثل الأساس الحقيقي في البلاء الاجتماعي، والمتمثلة في الفلسفة المادية، وتفسيرها المادي المحدود للحياة، والقائم على اللذة والمنفعة وحب الذات.

نرى أن البشرية اليوم أمامها سبيلان لإقامة دعائم المجتمع المستقر.

أ- السبيل الأول: أن يبدل الإنسان غير الإنسان، أو تخلق فيه طبيعة جديدة تجعله يضحي بمصالحه الخاصة، وبمكاسب حياته المادية والمحدودة في سبيل المجتمع ومصالحه، مع إيمانه بأنه لا قيم إلا قيم تلك المصالح المادية، ولا مكاسب إلا مكاسب هذه الحياة المحدودة.

وهذا إنما يتم إذا اُنتزع حب الذات من صميم طبيعة الإنسان، وأُبدل بحب الجماعة؛ فيولد الإنسان وهو لا يحب ذاته إلا باعتبار كونه جزءاً من المجتمع؛ فإن غريزة حب الجماعة تكون ضامنة حينئذ للسعي وراء مصالحها، وتحقيق مطالبها بطريقة آلية.

وهذا السبيل مستبعد واقعياً وفطرياً، وأدلة عدم جدواه كثيرة ومبثوثة في رسائل النور؛ فالإنسان أدواره متتابعة، وأوضاعه متغايرة كما يوضح الأستاذ النورسي: (لقد اشتعل رأس الإنسان شيباً، بعد أن مرّ بأدوار خمسة: الوحشية، والبداوة، والرق، وأسر الإقطاع، وهو الآن أجير، وهكذا بدأ، وهكذا يمضي)(10).

والأخذ بهذا السبيل يكرس التضحية بالأفراد حفاظا على المجموع، انطلاقاً من: (إن القانون الأساس للسياسة البشرية هو: يضحي بالأفراد من أجل سلامة الأمة، ويفدي بالأشخاص حفاظاً على الجماعة، ويرخص كل شيء في سبيل حماية الوطن. فجميع الجرائم البشعة التي ارتكبت في البشرية إلى الآن، إنما ترتكب بالاستعمال السيئ لهذه القاعدة، ولهذا القانون الأساس.

فهذا القانون البشري الأساس ليس له حد معين، ولا ضوابط مخصصة؛ لذا فقد مهد السبيل للتلاعب باستعماله بكثرة.

ولقد وجدت عوضا في هذا القانون البشري الأساس الغادر، القانون الأساس للقرآن العظيم النازل من العرش الأعظم، وذلك في الآيتين الآتيتين:

– (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام: 164، – (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة: 32.

فهاتان الآيتان تعلمان القاعدة الجليلة الآتية: لا يؤاخذ أحد بجريرة شخص آخر. ثم إن البريء لا يضحى به – حتى من أجل جميع الناس – دون رضاه، ولكن لو ضحى بنفسه بإرادته وبرضاه، فتلك مرتبة الشهادة.

هذه القاعدة الجليلة هي التي ترسي العدالة الحقة في البشرية)(11).

كما أن هذا السبيل يتنافى مع إنسانية الإنسان، لأن: (هذا الإنسان هو سيد الموجودات، فرغم أنه صغير جدا؛ فهو لما يملك من فطرة جامعة شاملة؛ فهو قائد الموجودات، والداعي إلى سلطان ألوهية الله، (الممثل للعبودية الكلية الشاملة ومظهرها؛ لذا فإن له أهمية عظمى)(12).

ب- السبيل الآخر: أن يطور الإنسان المفهوم المادي للإنسان عن الحياة، وبتطويره تتطور طبيعياً أهداف الحياة ومقاييسها، وتتحقق المعجزة حينئذ من أيسر طريق.

وهذا هو السبيل الذي سلكه الأستاذ النورسي في رسائل النور؛ فالإنسان مفهوم كوني شامل: (إن الإنسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة، ومن المعلوم أن الثمرة هي أبعد أجزاء الشجرة، وأجمعها وألطفها؛ لذا فإن الإنسان هو ثمرة العالم، وأجمع وأبدع مصنوعات القدرة الربانية، وأكثرها عجزاً وضعفاً ولطفاً)(13).

والإنسان مميز بطاعته كما أوضح الأستاذ النورسي: (فالإنسان بمثل هذه العبادة والتفكير يصبح إنساناً حقاً، ويظهر أنه في “أحسن تقويم” فيصير بيمين الإيمان وبركته، لائقاً للأمانة الكبرى، وخليفة أمينا على الأرض)(14).

أما حقيقة الحياة، فقد أوجزها الأستاذ النورسي بقوله: (حقيقة الحياة هي أصغر خلاصة مترشحة من الكائنات كلها، كما أنها أعظم سر يولد الشكر، والعبادة، والحمد، والمحبة، التي هي أعم المقاصد الإلهية في الكون)(15).

(3) تصور الحلول من منظور رسائل النور:

إذا كان مرد الفشل، والوضع الفاجع في النظام الاجتماعي الأزمة، مرجعه إلى المفاهيم المادية الخالصة التي لا يمكن أن يسعد البشر بنظام يستوحي جوهره منها، ويستمد خطوطه العامة من روحها وتوجيهها؛ فلابد إذن من معين أخر. ومن هنا تبرز “كليات رسائل النور” باعتبارها تفسيراً لرسالة القرآن الكبرى، الذي هو: (مرب للعالم الإنساني، وكالماء والضياء للإنسانية الكبرى، التي هي الإسلامية. وكذا هو الحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد الهادي إلى ما خُلق البشر له، وكذا هو للإنسان كما أنه كتاب شريعة، كذلك كتاب حكمة. وكما أنه كتاب عبودية، كذلك هو كتاب أمر ودعوة. وكما أنه كتاب ذكر، كذلك هو كتاب فكر. وكما أنه كتاب واحد، لكن فيه كتب كثيرة في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية. كذلك هو كنزل مقدس مشحون بالكتب والرسائل؛ حتى إنه أبرز لمشرب كل واحد من أهل المشارب المختلفة، ولمسلك كل واحد من أهل المسالك المتباينة، من الأولياء والصديقين، ومن العرفاء والمحققين، رسالة لائقة لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره، حتى كأنه مجموعة من الرسائل)(16).

لذا يتجلى دور رسائل النور في القيام بالربط بين المقياس الخلقي الموضوع للإنسان، وحب الذات المرتكز في فطرته، لتحقق التوفيق بين الذاتي والقيم الأخلاقية، من أجل إنقاذ البشرية التائهة، وذلك من خلال أسلوبين: أ- الفهم المعنوي للحياة. ب- التربية الخلقية للنفس.

فهما الأسلوبان المجتمعان على معالجة السبب الأعمق لأزمة المأساة الإنسانية، ويقود سفينة البشرية إلى ساحل الحق والخير والعدالة.

أ- الفهم المعنوي للحياة: وذلك بتركيز التفسير الواقعي للحياة، وإشاعة فهمها في وضعها الصحيح كمقدمة تمهيدية إلى حياة أخروية يكسب الإنسان فيها من السعادة، على مقدار ما يسعى في حياته المحدودة هذه في سبيل تحصيل رضا الله.

فالمقياس الخلقي – رضا الله – يضمن المصلحة الشخصية في نفس الوقت الذي يحقق فيه أهدافه الاجتماعية الكبرى، ويأخذ بيد الإنسان إلى المشاركة في إقامة المجتمع السعيد، والمحافظة على قضايا العدالة فيه؛ لأن ذلك يدخل في حساب ربحه الشخصي، ما دام كل عمل ونشاط في هذا الميدان يعوض عنه بأعظم العوض وأجلّه (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ) فصلت: 46.

أما عن نقطة البدء في فهم الحياة، فقد أرسى معالمها الأستاذ النورسي: (“الحياة” هي تجل أعظم لاسم الله “الحي المحيي”. هي لهذه الكائنات: أهم غاية.. وأعظم نتيجة.. وأسطع نور.. وألطف خميرة.. وأصفى خلاصة.. وأكمل ثمرة.. وأسمى كمال.. وأزهى جمال.. وأبهى زينة.. وهي سر وحدتها.. ورابطة اتحادها.. ومنشأ كمالاتها.. وهي أبدع ذات روح فيها.. وهي حقيقتها المعجزة؛ تصير أصغر مخلوق عالما بحد ذاته.. وهي أروع معجزات القدرة الإلهية.. وهي صنعة إلهية خارقة.. وهي أسطع برهان ضمن ماهيات الكائنات.. وهي أبلغ صورة لصنعة ربانية حكيمة.. وهي ألطف تجل للرحمة الإلهية.. وهي أجمع مرآة تعكس الشؤون الإلهية للأنظار.. وهي أعجوبة الخلقة الربانية.. وهي ماكنة تنظيف عظيمة.. وهي وسيلة ينور بها الحي سبحانه عالم الدنيا المظلم الغاني.. وحقيقة الحياة نورانية تتطلع إلى الأركان الإيمانية الستة، وتثبتها معنى ورمزا)(17).

وعن مجمل غايات الحياة التي يجب أن تُغرس ويُشاع فهمها، فقد نشر أشعة نورها الأستاذ النورسي في: (تسعة أمور: أولها: القيام بالشكر الكلي، ووزن النعم المدخرة في خزائن الرحمة الإلهية بموازين الحواس المغروزة في جسمك.

ثانيها: فتح الكنوز الخفية للأسماء الإلهية الحسنى بمفاتيح الأجهزة المودعة في فطرتك، ومعرفة الله جلّ وعلا بتلك الأسماء الحسنى.

ثالثها: إعلان ما ركّبت فيك الأسماء الحسنى من لطائف تجلياتها، وبدائع صنعتها وإظهار تلك اللطائف البديعة أمام أنظار المخلوقات بعلم وشعور، وبجوانب حياتك كافة في معرض الدنيا هذه.

رابعها: إظهار عبوديتك أمام عظمة ربوبية خالقك بلسان الحال والمقال.

خامسها: التجمل بمزايا اللطائف الإنسانية التي وهبتها لك تجليات الأسماء، وإبرازها أمام الشاهد الأزلي جلّ وعلا.

سادسها: شهود مظاهر الحياة لذوي الحياة، شهود علم وبصيرة.

سابعها: معرفة الصفات المطلقة للخالق الجليل، وشؤونه الحكيمة، ووزنها بما وهب لحياتك من علم جزئي، وقدرة جزئية، وإرادة جزئية.

ثامنها: فهم الأقوال الصادرة من كل موجود في العالم، وإدراك كلماته المعنوية – كل حسب لسانه الخاص – فيما يخص وحدانية خالقه، وربوبية مبدعه.

تاسعها: إدراك درجات القدرة الإلهية، والثروة الربانية المطلقتين، بموازين العجز، والضعف، والفقر، والحاجة، المنطوية في نفسك)(18).

أما من أراد كمال سعادة الحياة، فالأستاذ النورسي يرشده إلى (الشعور بما يتجلى من أنوار التجليات الإلهية في مرآة حياتك، وحبها، وإظهار الشوق إليها، وأنت مالك للشعور، ثم الفناء في محبتها، وترسيخ تلك الأنوار المنعكسة، وتمكينها في بؤبؤ عين قلبك)(19).

وبهذا الفهم المعنوي للحياة، يسلك الإنسان طريق التكمل، الذي هو وظيفة الإنسان في هذه الحياة، تلك الوظيفة التي كشف الأستاذ النورسي اللثام عنها: (إن وظيفة الإنسان الفطرية إنما هي التكمل “بالعلم” أي الترقي عن طريق كسب العلم والمعرفة، والعبودية “بالدعاء”. أي أن يدرك الإنسان في نفسه ويستفسر: “برحمة مَنْ وشفقته أُداري بهذه الرعاية الحكيمة؟! وبمكرمة مَنْ وسخائه أُربى هذه التربية المفعمة بالشفقة والرحمة؟ وبألطاف مَنْ، وجوده، أُغذّى بهذه الصورة الرازقة الرقيقة؟” فيرى أن وظيفته حقاً هي الدعاء والتضرع، والتوسل والرجاء، بلسان الفقر والعجز، إلى قاضي الحاجات؛ ليقضي له طلباته وحاجاته التي لا تصل يده إلى واحدة من الألف منها. وهذا يعني أن وظيفته الأساس هي التحليق والارتفاع بجناحي “العجز والفقر” إلى مقام العبودية السامي.

إذن، فلقد جيء بهذا الإنسان إلى هذا العالم، لأجل أن يتكامل بالمعرفة والدعاء؛ لأن كل شيء فيه موجه إلى العلم، ومتعلق بالمعرفة، حسب الماهية والاستعداد. فأساس كل العلوم الحقيقية، ومعدنها، ونورها، وروحها، هو “معرفة الله تعالى” كما أن أُسّ هذا الأساس هو “الإيمان – بالله جلّ وعلا”)(20).

وبقيام الإنسان بوظيفته ينطلق نحو الصراط الذي هو الدواء الناجح لكل العلل والجروح كما أعلن الأستاذ النورسي ووضح: (أما الصراط المستقيم، أو الجادة المنوّرة للقرآن الكريم، فإنه يداوي جميع تلك الجروح التي يعاني منها أهل الضلالة، ويضمدها بالحقائق الإيمانية، ويبدد كل تلك الظلمات في ذلك الطريق، ويسد جميع أبواب الضلالة والهلاك بالآتي:

1- إنه يداوي ضعف الإنسان وعجزه وفقره واحتياجه، بالتوكل على القدير الرحيم، مُسلِّما أثقال الحياة وأعباء الوجود على قدرته سبحانه، وإلى رحمته الواسعة، دون أن يحملها على كاهل الإنسان، بل يجعله مالكاً لزمام نفسه وحياته، واجداً له بذلك مقاماً مريحاً، ويعرّفه بأنه ليس بحيوان ناطق، بل هو إنسان بحق، وضيف عزيز مكرم عند الملك الرحمن.

2- ويداوي أيضاً تلك الجروح الإنسانية الناشئة من فناء الدنيا وزوال الأشياء، ومن حب الفانيات، يداويها بلطف وحنان بإظهاره الدنيا دار ضيافة الرحمن، ومبيناً أن ما فيها من الموجودات هي مرايا الأسماء الحسنى، وموضحا أن مصنوعاتها رسائل ربانية تتجدد كل حين بإذن ربها، فينقذ الإنسان من قبضة ظلمات الأوهام.

3- ويداوي أيضا تلك الجروح التي يتركها الموت، الذي يتلقاه أهل الضلالة فراقاً أبدياً عن الأحبة جميعاً، ببيانه أن الموت مقدمة الوصال، واللقاء مع الأحباء الذين رحلوا إلى عالم البرزخ، والذين هم الآن في عالم البقاء، ويثبت أن ذلك الفراق هو عين اللقاء.

4- ويزيل كذلك أعظم خوف للإنسان بإثباته أن القبر باب مفتوح إلى عالم الرحمة الواسعة، وإلى دار السعادة الأبدية، وإلى رياض الجنان، وإلى بلاد النور للرحمن الرحيم. مبيناً أن سياحة البرزخ التي هي أشد ألماً وأشقى سياحة عند أهل الضلالة، هي أمتع سياحة، وآنسها، وأسرها، إذ ليس القبر فم ثعبان مرعب، بل هو باب إلى روضة من رياض الجنة)(21).

وفي انطلاق الإنسان في هذه الحياة مشاركاً في إقامة المجتمع السعيد، يرشد الأستاذ النورسي هذا الإنسان إلى أن يفوض أمره لله في غير حزن ولا قلق، موجها إياه: (إن كانت إرادتك واختيارك جزئية، ففوض أمرك لإرادة مولاك الكلية.. وإن كان اقتدارك ضعيفاً، فاعتمد على قدرة القادر المطلق.. وإن كانت حياتك فانية وقصيرة، ففكر بالحياة الباقية الأبدية.. وإن كان عمرك قصيراً، فلا تحزن؛ فإن لك عمراً مديداً.. وإن كان فكرك خافتا، فادخل تحت نور شمس القرآن الكريم، وانظر بنور الإيمان؛ كي تمنحك كل آية من الآيات القرآنية نوراً كالنجوم المتلألئة الساطعة، بدلاً من ضوء فكرك الباهت.. وإن كانت لك آمال وآلام غير محدودة، فإن ثواباً لا نهاية له، ورحمة لا حد لها ينتظرانك.. وإن كانت لك غايات ومقاصد لا تحد، فلا تقلق متفكراً بها، فهي لا تحصر في هذه الدنيا، بل مواضعها ديار أخرى، ومانحها جوّاد كريم واسع العطاء)(22).

ب- التربية الخلقية للنفس:

تلك التربية الأخلاقية الخاصة التي تتعهد الإنسان بالتغذية الروحية، وتنمية العواطف الإنسانية، والمشاعر الخلقية فيه.

وإن الأخلاق في “كليات رسائل النور” هي جوهر العمل الديني التربوي؛ فمن خلالها خاطب الأستاذ النورسي أجيال ما بعد جيله وزمانه، وضَمِن للتدين امتداداً في المستقبل، بل ضمن له انتصاراً على كل منظومات العولمة في كل أشكالها وكل مقولاتها. فها هو يرسل النداء مجلجلاً: (يا أبناء الوطن، لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً، كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر؛ ذلك لأن الحرية تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها، والتخلق بالأخلاق الفاضلة)(23).

إن المفهوم الشمولي الذي أبرزته رسائل النور للأخلاق، يعتبر هو باب الخروج من الأزمة صلاحاً وإصلاحا؛ إذ بصلاحها ينهض الناس بالأمانة، وبفسادها يتمردون عليها ويخونونها. فهي غاية ووسيلة في الآن نفسه، وهي مادة التربية ومقصدها. كما أكد على ذلك الأستاذ النورسي: (أما الذين هم في مسار النبوة، فقد حكموا حكماً ملؤه العبودية الخالصة لله وحده، وقضوا بأن الغاية القصوى للإنسانية، والوظيفة الأساسية للبشرية، هي التخلق بالأخلاق الإلهية. أي التحلي بالسجايا السامية، والخصال الحميدة، التي يأمر بها الله سبحانه، وأن يعلم الإنسان عجزه فيلتجئ إلى قدرته تعالى، ويرى ضعفه فيحتمي بقوته تعالى، ويلمس نقصه فيسبّح ويقدس كماله تعالى)(24).

وأساس هذه السجايا السامية، ومنطلق هذه الخصال الحميدة، هو التوحيد؛ لأنه هو الإجابة الكونية الفطرية السوية للبعد الروحي للإنسان في فهم ذاته مبتدأ وحالاً، وهو سقف المنطق الإنساني في فهم أبعاد الحياة والوجود وما وراء الحياة. وما ألطف كلمات الأستاذ النورسي التي ضمنت هذه المعاني بأسلوب إشاري رفيع: (فإذا تأملت في “أنا” بالمعنى الحرفي، صار لك عيناً تفهمت، ورأيت به كل ما في الكون؛ لأنه إذا جاءت المعلومات الآفاقية صادفت في “أنا” ما يصدقها. فإذا فهمتها انتهت وظيفة “أنا” وربوبيته الموهومة، ومالكيته المفروضة؛ فليرجع أنا من السمكتية إلى الحبابية.

وأما إذا نظرت إلى “أنا” بالمعنى الإسمي واعتقدته مالكاً، وخنت الأمانة دخلت تحت (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) الشمس: 10. إذ الأمانة التي أدهشت من حملوا السموات والأرض والجبال هي “أنا” من هذه الجهة؛ إذ فيها يتولد الشرك والشرور والضلالات؛ إذ إذا تستر “أنا” عنك غلُظ، حتى صار جبلاً بلع وجودك، فصار كلك “أنا”، ثم استغلظ بأنانية النوع والاستناد به، فيصير شيطانا يبارز أمر صانعه، ثم يقيس الناس ثم الأسباب على نفسه فيقع في شرك عظيم. ففي هذا الوجه لو أرسلت عينك، وفتحت كل الآفاق انغلقت في وجهك، برجوع عينك إلى نفسك؛ إذ ترى كل شيء بلون ما في نفسك من “أنا”. ولونه في ذاته – في هذا الوجه – الشرك والتعطيل. ولو ملئت الآفاق آيات باهرة، وبقى في “أنا” نقطة مظلمة طمت على الآيات)(25).

ومن هنا ندرك تمام الإدراك أن “أنا” موضوع التخلق، وباب التربية، وسبيل المجاهدة، ووجب علينا تربيته على الصدق لأن: (الأخلاق العالية تتصل بأرض الحقيقة جدياً، وإن إدامة حياتها، وانتظام مجموعها، إنما هو بالصدق، ولو ارتفع الصدق من بينها، صارت كهشيم تذروه الرياح)(26).

وحاجتنا في التربية الأخلاقية الاجتماعية إلى الصدق تزداد كل يوم، وبخاصة في الواقع الاجتماعي الأزمة الذي أحسن توصيفه الأستاذ النورسي بقوله: (صار الصدق والكذب يعرضان معاً في معرض واحد، ويصدران معاً من مصدر واحد؛ ففسدت الأخلاق الاجتماعية، واختلت موازينها، وزادت الدعايات السياسية إخفاء قبح الكذب المرعب، وستر جمال الصدق الباهر)(27).

ولما كان العدل أول ما يؤمر به الإنسان: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) النحل: 90. لأنه لب معنى الحياة، وقاعدة ترشيد الفطرة، وجدنا الأستاذ النورسي يشتد في الأمر به، ويوبخ الغافل عنه بنداء قوي شديد: (أيها الإنسان المسرف الظالم الوسخ، اعلم أن الاقتصاد والطهر والعدالة سنن إلهية جارية في الكون، ودساتير إلهية شاملة، تدور رحى الموجودات عليها، لا يفلت منها شيء إلا أنت أيها الشقي. وأنت بمخالفتك الموجودات كلها في سيرها وفق هذه السنن الشاملة، تلقى النفرة منها والغضب عليك، وأنت تستحقها.

فعلام تستند وتثير غضب الموجودات كلها عليك، فتقترف الظلم والإسراف، ولا تكترث للموازنة والنظافة؟! وإن العدالة العامة الجارية في الكون النابعة من التجلي الأعظم لاسم “العدل” إنما تدير موازنة عموم الأشياء، وتأمر البشرية بإقامة العدل.

وإن ذكر الميزان أربع مرات في سورة “الرحمن” إشارة إلى أربعة أنواع من الموازين في أربع مراتب، وبيان لأهمية الميزان البالغة، ولقيمته العظمى في الكون، وذلك في قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ. أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) الرحمن: 7 – 9.

فاعلم أن “العدالة، والاقتصاد، والطهرَّ التي هي من حقائق القرآن ودساتير الإسلام، ما أشدها إيغالاً في أعماق الحياة الاجتماعية، وما أشدها عراقة وأصالة.

وأدرك من هذا مدى قوة ارتباط أحكام القرآن بالكون، وكيف أنها مدت جذوراً عميقة في أغوار الكون؛ فأحاطته بعرى وثيقة لا انفصام لها)(28).

كما اهتمت رسائل النور بترسيخ الشورى، وتربية الأفراد على هذا المبدأ الأخلاقي لإدارة الأداء الإنساني الاجتماعي السوي، باعتباره – مبدأ الشورى – أداة لإعمال الفكر الإنساني السليم، وسلامة الأداء الخير الفعال، وكونه وسيلة اجتماعية إنسانية أساسية للتحاور والتواصل، والاعتدال والتوافق والتسامح، وهي درع بالأمة وللأمة، للحماية من شرور الاستبداد والطغيان والبغي والفساد، وما أروع تجلية الأستاذ النورسي لهذه الحقائق بإعلانه الواضح القسمات: (إن مفتاح سعادة المسلمين في حياتهم الاجتماعية إنما هو “الشورى”؛ فالآية الكريمة تأمرنا باتخاذ الشورى في جميع أمورنا، إذ يقول سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) الشورى: 38. أجل، فكما أن تلاحق الأفكار بين أبناء الجنس البشري، إنما هو شورى على مر العصور بواسطة التاريخ، حتى غدا مدار رقي البشرية وأساس علومها. فإن سبب تخلف القارة الكبرى التي هي آسيا عن ركب الحضارة، إنما هو لعدم قيامها بتلك الشورى الحقيقية… إن الحرية الشرعية النابعة من الإيمان إنما تأمر بأساسين:

1- أن لا يذلل المسلم ولا يتذلل. من كان عبدا لله، لا يكون عبداً للعباد.

2- [أن لا يجعل بعضكم بعضا أرباباً من دون الله] إذ من لا يعرف الله حق معرفته، يتوهم نوعا من الربوبية لكل شيء، في كل حسب نسبته، فيسلطه على نفسه.

نعم، إن الحرية الشرعية عطية الرحمن، وتجل من تجليات الخالق الرحمن الرحيم، وهي خاصة من خواص الإيمان. فليحيا الصدق، ولا عاش البأس، فلتدم المحبة، ولتقو الشورى، والملام على من اتبع الهوى، والسلام على من اتبع الهدى)(29).

وعن آثار الشورى في واقع البناء الاجتماعي، يوضح لنا الأستاذ النورسي أهم هذه الآثار بضرب المثال: (إن الشورى الحق تولد الإخلاص والتساند، إذ إن ثلاثة ألفات هكذا (ااا) تصبح مائة وأحد عشر؛ فإنه بالإخلاص والتساند الحقيقي يستطيع ثلاثة أشخاص أن يفيدوا أمتهم فائدة مائة شخص..

إن حياة البشر الاجتماعية إنما تستطيع أن تدوم وتقاوم بالشورى الشرعية النابعة من حقائق الإيمان، وتلبي احتياجاتهم..)(30).

والتربية على الشورى تستلزم التخلص من بعض الآفات المدمرة، التي ساق أهمها الأستاذ النورسي في استعارة تمثيلية رائعة: (جمعية تشكلت برئاسة “الجهل” أغا، و”العناد” أفندي، و”الغرض” بك، و”الانتقام” باشا، و”التقليد” حضرتلي، ومسيو “الثرثرة”، هي جمعية تشوه “الشورى” التي هي منبع سعادتنا وتكدرها)(31).

خاتمة: (المدنية القرآنية والهدي)(32)

إن القرآن الكريم النازل رحمة للعالمين، لا يقبل للحضارة ومظاهر الرقي إلا طرازاً من المدنية التي تحمل السعادة للجميع أو الأكثرية، بينما المدنية المادية الحاضرة أفقرت الإنسان، وجعلته في حاجة إلى مائة حاجة وحاجة حتى لم يعد السعي الحلال كافياً لسد النفقات؛ فدفعت تلك المدنية البشرية إلى ممارسة الخداع، والانغماس في الحرام.

ومن هنا يتأكد لكل ذي عينين، أن مدنية القرآن إيجابية، تدور سعادتها على خمسة أسس إيجابية:

1- نقطة استنادها: الحق بدل القوة، ومن شأن الحق دائماً العدالة والتوازن. ومن هذا ينشأ السلام، ويزول الشقاء.

2- هدفها: الفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة المحبة والتقارب. ومن هذا تنشأ السعادة، وتزول العداوة.

3- دستورها في الحياة: التعاون بدل الخصام والقتال، وشأن هذا الدستور الاتحاد والتساند اللذان تحيا بهما الجماعات.

4- خدمتها للمجتمع: بالهدى بدل الأهواء والنوازع. وشأن الهدى الارتقاء بالإنسان ورفاهه إلى ما يليق به، مع تنوير الروح ومدها بما يلزم.

5- رابطتها بين المجموعات البشرية: رابطة الدين والانتساب الوطني، وعلاقة الصنف والمهنة، وأخوة الإيمان. وشأن هذه الرابطة أخوة خالصة، وطرد العنصرية والقومية السلبية.

وقاعدة ارتكاز المدينة القرآنية الهدى، بينما أساس المدينة المادية الحاضرة الدهاء.

* الهدى نزل من السماء، والدهاء خرج من الأرض.

* الهدى فعال في القلب، يدفع الدماغ إلى العمل والنشاط، بينما الدهاء فعال في الدماغ، ويعكر صفو القلب ويكدره.

* الهدى ينور الروح حتى تثمر حباتها سنابل، فتتنور الطبيعة المظلمة وتتوجه الاستعدادات نحو الكمال.

أما الدهاء فيتوجه مقدماً إلى النفس والجسم، ويخوض في الطبيعة، ويجعل النفس المادية مزرعة لإنماء الاستعداد النفساني وترعرعه. بينما يجعل الروح خادمة حتى تتيبس بذورها وحباتها، فيضع في سيماء الإنسان صورة شيطان.

* الهدى يمنح السعادة لحياة الإنسان في الدارين، وينشر فيهما النور والضياء، ويدفع الإنسان إلى الرقي.

أما الدهاء الأعور كالدجال، فيفهم الحياة على أنها دار واحدة فحسب، لذا يدفع الإنسان ليكون عبد المادة، متهالكاً على الدنيا، حتى يجعله وحشا مفترسا.

* نعم، إن الدهاء يعبد الطبيعة الصماء، ويطيع القوة العمياء. أما الهدى، فإنه يعرف الصنعة المالكة للشعور، ويقدر القدرة الحكيمة.

* الدهاء يسدل على الأرض ستار الكفران.. والهدى ينثر عليها نور الشكر والامتنان؛ فالدهاء أعمى أصم.. والهدى سميع بصير.

وبعد،

فإننا بهذا البحث المتواضع نستطيع الجزم بأن “كليات رسائل النور” تبصّرنا بسبيل الهداية والرشاد للخروج من أزمة النظام الاجتماعي، بما يحقق السعادة في الدنيا والآخرة.

ومن هنا وجب علينا نحن – المسلمين – أن نكتشف القرآن من خلال رسائل النور؛ لنكتشف أنفسنا، ونكتشف غيرنا، ونحمل القرآن إلى العالم الإنساني المهدد بالدمار؛ ليعالجوا أدواءهم، ويضمدوا جراحاتهم، ويبعدوا عن أنفسهم شبح الفناء والهلاك.

***

الهوامش

(1) منى أبو الفضل، طه جابر العلواني – مفاهيم محورية في المنهج والمنهجية – ص 15، 16 ص 37، 38 (بتصرف) – دار السلام، ط1 (1430 – 2009) القاهرة.

(2) بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات، ص 859 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(3) المرجع ذاته، ص 877.

(4) بديع الزمان سعيد النورسي – الملاحق، ص 145 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(5) المرجع ذاته، ص 143.

(6) بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات، ص 851 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(7) المرجع ذاته، ص 761.

(8) بديع الزمان سعيد النورسي – الملاحق، ص 126 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(9) المرجع ذاته، ص 377، 378.

(10) بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات، ص 852 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(11) بديع الزمان سعيد النورسي – الملاحق، ص 376، 377 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(12) بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات، ص 604 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(13) المرجع ذاته، ص 204.

(14) المرجع ذاته، ص 373.

(15) بديع الزمان سعيد النورسي – صيقل الإسلام، ص 343 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(16) بديع الزمان سعيد النورسي – إشارات الإعجاز، ص 22، المكتوبات، ص 267 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(17) بديع الزمان سعيد النورسي – اللمعات، ص 557: 559 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(18) بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات، ص 137، 138 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(19) المرجع ذاته، ص 139 .

(20) المرجع ذاته، ص 355.

(21) المرجع ذاته، ص 759.

(22) المرجع ذاته، ص 759، 760.

(23) بديع الزمان سعيد النورسي – صيقل الإسلام، ص 467 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(24) بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات، ص 642 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(25) بديع الزمان سعيد النورسي – المثنوي العربي، ص 328 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(26) بديع الزمان سعيد النورسي – إشارات الإعجاز، ص 166 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(27) بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات، ص 575 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(28) بديع الزمان سعيد النورسي – اللمعات، ص 525 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(29) بديع الزمان سعيد النورسي – صيقل الإسلام، ص 514، 515 – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

(30) المرجع ذاته، ص 515.

(31) المرجع ذاته، ص 389.

(32) بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات، ص 855: 858 (بتصرف يسير) – دار سوزلر – ط 4 (2004) – القاهرة.

مراجع البحث

1- بديع الزمان سعيد النورسي – الكلمات – ترجمة: إحسان قاسم الصالحي – دار سوزلر – الطبعة الرابعة (2004) – القاهرة.

 

2- ————-، اللمعات – ترجمة: إحسان قاسم الصالحي – دار سوزلر – الطبعة الرابعة (2004) – القاهرة.

3- ————-، إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز – ترجمة: إحسان قاسم الصالحي – دار سوزلر – الطبعة الرابعة (2004) – القاهرة.

4- ————-، المتنوي العربي النوري – ترجمة: إحسان قاسم الصالحي – دار سوزلر – الطبعة الرابعة (2004) – القاهرة.

5- ————-، الملاحق في فقه دعوة النور – ترجمة: إحسان قاسم الصالحي – دار سوزلر – الطبعة الرابعة (2004) – القاهرة.

6- ————-، صيقل الإسلام – ترجمة: إحسان قاسم الصالحي – دار سوزلر – الطبعة الرابعة (2004) – القاهرة.

7- عبد الحميد أحمد أبو سليمان – الرؤية الكونية الحضارية القرآنية – دار السلام – الطبعة الأولى (1430 – 2009) – القاهرة.

8- فريد الأنصاري – مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور – دار النيل – الطبعة الأولى (1431 – 2010) – القاهرة.

9- منى أبو الفضل، طه جابر العلواني – مفاهيم محورية في المنهج والمنهجية – دار السلام – الطبعة الأولى (1430 – 2009) – القاهرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر