أبحاث

نظرة منهجية واقعية في موضوعات النقود والبنوك والبورصات والتأمين (5: التأمين)

العدد 115

التأمين

موقف الإسلام من نظام التأمين بصورته الحالية موضوع ترجع بداية التعبير عنه إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي بواسطة الفقيه ابن عابدين في كتابه المعروف بحاشية المختار على الدر المختار والمعروف اختصاراُ بحاشية ابن عابدين، وذلك بعد أن وصل نظام التأمين إلى العالم الإسلامي والذي  كان قد نشأ في أوربا في بداية عصر نهضتها وثورتها الصناعية.

ومنذ ذلك الحين بدأت الكتابة في الموضوع وتتابعت حتى يومنا هذا، وليس من الممكن معالجة الموضوع في مقال أو كتاب، ولذلك أريد في هذا المقال التركيز على الإضافات التي أراها ضرورية انطلاقاً من مبدأ التراكم المعرفي.

أنا أدعو الراغبين في بحث الموضوع إلى البدء بدراسة البحث الذي كتبه الدكتور برهام محمد عطا الله تحت عنوان «التأمين وشريعة الإسلام» ونشر في مجلة إدارة قضايا الدولة[1] في مصر عام 1961 م وأعيد نشره في مجلة المسلم المعاصر[2] عام 2011م.

في هذا البحث قام كاتبه بتغطية مفصلة للآراء المختلفة في الموضوع مع بيان حجج كل منها، ومناقشة هذه الححج واحدة تلو الأخرى، ومن هنا كانت أهمية البحث كمدخل لدراسة الموضوع.

و كمدخل آخر للإضافة التي أراها، أعيد هنا ما ذكرته في المقال الأول من هذه السلسلة والذي  نشر بالعدد 110 من هذه المجلة:

[كان التكافل الاجتماعي قائماً منذ زمن سحيق على أساس قبلي، إذ كانت القبيلة هي وحدة المجتمع البشري الأولى. ثم جاء الإسلام فوضع نظاماً للتكافل الاجتماعي متمثلاً في الزكاة ونفقات الأقارب ومسئولية العاقلة وجميعها أحكام ملزمة ترعاها الدولة، فضلاً عن أحكام أخرى اختيارية كالصدقات والوصايا والأوقاف. وقد عاش العالم الإسلامي قروناً تحت مظلة هذا النظام في وقت كانت تتعاظم فيه في الغرب النزعة الفردية المتمثلة في الرأسمالية الجشعة وانحصار دور المجتمع والدولة في أضيف نطاق، فكان طبيعيًّا أن يتجه التفكير إلى إقامة نظام تعاوني للتأمين لمواجهة مواقف تخلى المجتمع والدولة عن مواجهتها، وانتهز الفكر الرأسمالي الفرصة فأقام نظامًا تجاريًّا لبيع الأمن للناس الذين تخلى المجتمع والدولة عنهم، فكانت شركات التأمين التجاري.

وكان طبيعيًّا أن ينتقل النظامان التعاوني والتجاري للتأمين إلى العالم الإسلامي ضمن ما انتقل إليه من بضائع ونظم غربية، ولكن اللافت للنظر أن النظام التعاوني لم ينتقل بل أوصدت أمامة الأبواب ليس في مجال التأمين فحسب بل في مجالي البنوك والاستثمار كذلك بالنص صراحة على أن هذه الأنشطة الثلاثة لا يسمح القيام بها إلا لشركات مساهمة، أي تجارية رأسمالية.

وانشغل الفكر الإسلامي بتحديد موقفه من نظام التأمين، وبدلاً من تطوير نظام التكافل الإسلامي الأصيل انحصر الجدل في النظام  البديل بصورتيه التعاونية والتجارية، أيهما الحلال وأيهما الحرام، فكان من رأي البعض الآخر حل التعاوني و حرمة التجاري. واعتمد القائلون بحرمة التجاري على ما يشوبه من غرر، كما تجذبهم إلى القول بحل التعاوني صفة «التعاون» في اسمها، وقامت بالفعل بعض شركات التأمين «الإسلامية»، التعاونية اسمًا، التجارية فعلاً، لغياب الإطار القانوني للشركات التعاونية في مجالات التأمين والبنوك والاستثمار كما أشرنا سابقاً، فأخذت صورة الشركات المساهمة أي التجارية الرأسمالية.

أما الغرر الذي كان سببًا في القول بحرمة التأمين التجاري فهو موجود كذلك في التأمين التعاوني؛ لأن العملية التأمينية واحدة وآلياتها واحدة وحسابتها الاكتوارية واحدة، وهي عملية تبادلية وليست تطوعية كما يصورها البعض، وهي متمثلة في العلاقة بين المؤمن لصالحه والشركة، وهي واحدة في الحالتين، أما العلاقة بين أعضاء الشركة التعاونية فمسألة أخرى مؤسسية منفصلة عن العلاقة التأمينية.

وأما صفة «التعاون» التي أسيء فهمها فهي بدورها لا تعني معاونة القادر للمحتاج، فالشركة التعاونية لا تخدم  ألا أعضاءها ولو كانوا محتاجين … إنه اسم ليس له من الحقيقة إلا القدر اليسير، المنتقي عملاً في النماذج التي قامت بالفعل باسم التعاون الإسلامي].

هذا إجمال يحتاج إلى تفصيل …

المسألة الأولى التي تحتاج إلى توضيح هي أننا نعيش اليوم عصر الأكاذيب الكبرى و المغالطات التي تتبع مبدأ إكذب إكذب حتى يصدقك الناس. وقد انعكس هذا على موضوع التأمين حتى أصبح قضية مغلوطة من بين الكثير من القضايا المغلوطة التي تشغلنا عن القضايا الحقيقة.

القضية الحقيقة هي أن الأمن بمختلف صوره حاجة بشرية، توافراها نعمة امتن الله بها على قريش {وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفِ}، وافتقادها مشكلة تحتل الأولوية في سلم مسئوليات الراعي المسئول عن رعيته: أمن الحياة، وأمن الغذاء، وأمن الحرية، وأمن العدالة، وأمن الكرامة … إلى عشرات الصور من الأمن التي إذا تخلت الدولة – أقصد السلطة أو الحكومة عنها – لم بعد لوجودها مبرر.

لقد ولَى – مع الأسف الشديد – العهد الذي كان فيه الخليفة الراعي يتعسس بالليل ليطمئن على رعيته ويحمل على ظهره كيس الدقيق ليطعم الجائعين، والذي  كان فيه الخليفة الراعي يجمع الزكاة وينفق منها لسد حاجات الرعية من مسلمين وغير مسلمين، ويبقي فائض نصح المشكلة ماذا يفعل به …

هذا عهد ولّى، وجاء عهد تخلت فيه الدول وحكوماتها عن مسئولياتها، وأفرزت الرأسمالية البشعة الجشعة نظمًا للتعامل في سلعة الأمن المفقود، فقامت نظم تعاونية ثم تجارية للقيام بما تخلت عنه الدول، ثم قامت نظم اشتراكية وشيوعية تحاول تحقيق المساواة على حساب الحرية، ثم كان من أمرها ما كان … ناهيك عن نظم دكتاتورية لا تتستر بستار الديمقراطية والاشتراكية، وتجاهر بأنها تحافظ على أمن الحاكم، أما أمن الدولة من الداخل فهناك شركات لحراسة الأفراد والبنوك بالأجر، وأما أمن الدولة من الخارج فحدث ولا حرج.

القضية الحقيقية أننا افتقدنا الأمن الأصيل … مسئولية الدولة، ورحنا نبحث عن نظم بدلية، وتختلف أيها حلال وأيها حرام، التأمين التعاوني أم التأمين التجاري؟ .. هذه هي القضية المغلوطة.

المسالة الثانية التي تحتاج إلى توضيح هي أنه لا فرق أساسي من حيث النظام بين التعاوني و التجاري، فكلاهما يتبع نفس الآليات المعتمدة على قانون الأعداد الكبيرة وحساب الاحتمالات والحساب الاكتواري و القسط و التعويض و الفائض و الربح … الفرق الوحيد أن الربح في الشركة التجارية – المتمثل في زيادة الأقساط عن التعويضات – يوزع – بعد خصم المصاريف و الاحتياطيات – على المساهمين وفقًا لعدد الأسهم التي يملكها كل مساهم، بينما العائد في الشركة التعاونية – و المتمثل كذلك في زيادة الأقساط عن التعوضيات- يوزع – بعد خصم المصاريف والاحتياطيات كذلك – على المستأمنين وفقًا لحجم تعاملهم مع الشركة، وأن التصويت في الجمعية العمومية للشركة لا يتم على أساس عدد أسهم كل شريك، وإنما بالتساري، أي لكل شريك صوت واحد بصرف النظر عن عدد أسهمه في الشركة.

أي أننا في كل من نوعي التأمين أمام علاقة مركبة من عقدين: عقد تأسيس الشركة، وعقد المستأمن مع الشركة، ويمكن الفارق بين النوعين في عقد تأسيس كل من الشركتين، وهذا الفارق لا علاقة له بالعملية التي ينظمها عقد المستأمن مع الشركة التعاونية والشبيه بعقد المستأمن مع الشركة التجارية.

وبالتالى فكل ما يؤخذ على التأمين التجاري من جهالة وغرر موجود في التأمين التعاوني، أما استثمار الشركة أموالها بالربا فأمر يرجع إلى قرار الشركة في الحالتين، فقد تستثمر الشركة التجارية بأساليب خالية من الربا – في العقارات والأسهم مثلاً – وقد تستثمر الشركة التعاونية أموالها بالربا، إذ لا تلازم بين الأمرين.

المسألة الثالثة: أن أنصار التأمين التعاوني ينفون عنه شيهة الغرر المحرم على أساس أنه عقد تبرع يُتسَاهل في الغرر الذي يدخله، وليس عقد معارضة، وهذه مغالطة كبيرة؛ عقد معارضة، وهذه مغالطة كبيرة؛ إذ أن المستأمن في شركة التأمين لا يتبرع بالقسط الذي يدفعه وإنما يدفع بمقابل أن تدفع له الشركة التعويض إذا أصابته المخاطر المؤمن ضدها، بالضبط كما يفعل المستأمن في الشركة التجارية.

المسألة الرابعة: أن أنصار التأمين التعاوني ينخدعون بصفة «التعاوني» ظنًا منهم أنها تعبير عن مبادىء الإسلام في التعاون والتكافل، والواقع أن الشركة التعاونية – شأنها في ذلك شأن الشركة التجارية – تسد حاجة المشتركين أو المستأمنين الذين يدفعون أقساط التأمين، أما من أصابته حائجة أو نزلت به مصيبة و لم يكن مشتركًا في أحد أنظمة التأمين ومسددًا ما عليه من أقساط فإن الشركة التعاونية – شأنها في ذلك شأن الشركة التجارية – لا تخف لنجدته، وهنا تفتقد هذه الشركات معنى التعاون و التكافل بمفهومة الإسلامي، ويلزمنا لذلك عدم الانزلاق إلى اللبس الذي تثيره صفة التعاوني في شركات التأمين التعاوني فنخلط بين المفهوم الاقتصادي للنظام التعاوني وهو نظام ثالث يقابل النظامين لرأسمالي والاشتراكي – له أركانه وشروطه، وله تاريخ وتطبيقات يعرفها من درس هذا النظام من الاقتصاديين والقانونيين.

المسألة الخامسة: أن شركات التأمين الإسلامية التي تدعي أنها شركات تعاونية هي في واقع أمرها شركات تجارية مساهمة؛ لأن الإطار القانوني للشركات التعاونية غير موجود في البلاد التي تأسست فيها فاتخذت صورة الشركة المساهمة التجارية، ونتج عن ذلك الكثير من المفارقات التي تبعدها عن حقيقة الشركة التعاونية، فمن ذلك:

1-    أن جمعيتها العمومية مكونة من المساهمين على أساس صوت لكل سهم.

2-  أن هذه الجمعية العمومية هي التي تختار مجلس الإدارة ومراقب الحسابات وهيئة الرقاية الشرعية، و هي التي تقرر توزيع الأرباح في كل سنة.

3-    أن المستأمنين – وقد استبعدوا من الجمعية العمومية – ليس لهم كيان في هيكلية الشركة؟

4-  أنه لا إلزام على الشركة في توزيع العائد أو الفائض التأميني على المستأمنين، وأنه في حالة تصفية الشركة  يطبق قانون الشركات أي توزع موجودات الشركة واحتياطياتها على المساهمين مع أنه حق المستأمنين ومقتطع من فائض أقساطهم.

وهكذا لا يكاد يبقي من النظام التعاوني في هذه الشركات إلا الاسم فقط؛ مما يجعل هذه الشركات في الحقيقة شركات تأمين تجارية وإن تسترت خلف الاسم التعاوني أو الإسلامي، هربًا من حكم التجريم الذي يقول به أغلبية الفقهاء المعاصرين بالنسبة للتأمين التجاري، وسعياً إلى كسب العملاء الذين يحرصون على التعامل الحلال ولا يدققون في فحص الأمور إكتفاء بالشعار المرفوع.

المسألة السادسة: أصل مما سبق إلى نتيجة واضحة لي هي: أن كلا النوعين من التأمين حلال، أو كلاهما حرام، ولا أجازف بأحد القولين ولكني أرتب النتائج على كل من الرأيين:

أ‌-       فإذا انتهينا إلى أن كلاًّ منهما حرام، فتكون مهمتنا هي البحث عن الحل الإسلامي:

1-  وهو في رأيي – مؤقتًا على الأقل – في بيت المال أو بيت الزكاة وتطويره بحيث يكون من أنشطته تغطية الوظيفة التي تقوم بها شركات التأمين ولكن على أساس من التعاون الإسلامي والتكافل الحقيقي بحيث يجمع فيه الزكاة والصدقات والتبرعات وينفق منه على الحالات التي تجددها لائحته بما يغطى وظيفة شركات التأمين ودون اشتراط أن يكون من يدفع إليه ممن سبق لهم دفع الزكاة أو التبرع.

2-  أو أن يخصص لكل نوع من المخاطر صندوق تحدد له موارده على أساس من نظام العاقلة، سواء  كان الرباط بينهم أسريًّا أو إقليميًّا أو مهنيًّا أو غير ذلك.

3-  ومن هذا القبيل صندوق الشرطة الذي كان موجودًا في الكويت قبل دخول شركات التأمين إليها حيث كانت تدفع ديات المتوفين في حوادث المرور من هذا الصندوق الذي كانت تغذيه رسوم تسجيل السيارات ورخص القيادة وغرامات مخالفات المرور، أي أن العاقلة هنا كانت هي جماعة مستعملي السيارات.

4-  ومن هذا القبيل كذلك الصناديق المهنية التي يشارك فيها أبناء المهنة الواحدة (نقابة أو موظفي وزارة أو مؤسسة)، ويدفع منها مصاريف العلاج ورواتب التقاعد ومعونات الورثة في حالة الوفاة .. إلخ.

وباب التفكير في هذه الصور واسع، وإنما أردت الإشارة إليه بعدد من الأمثلة لا على سبيل الحصر.

ب‌-  أما إذا انتهيا إلى أن كلاًّ من نوعي التأمين حلال، فتكون مهمتنا:

1-    تنقية الصورتين من التعامل الربوي.

2-  تنظيم إطار قانوني للنشاط التعاوني، ولا أقول التأمين التعاوني فقط ولكن الشركات والجمعيات التعاونية عمومًا، فما زلنا نفتقد الإطار القانوني لهذا النشاط، ونستخدم إطار الشركات الرأسمالية والجمعيات، المخالف لفلسفة النظام التعاوني.

أن الناظر في قوانين معظم البلاد العربية يجدها لا تبيح النظام التعاوني في ثلاث من أهم المجالات، وهي أنشطة البنوك والتأمين والاستثمار، إذ تشترط أن تأخذ هذه الأنشطة صورة الشركة المساهمة:

3-  والاتجاه إلى إباحة النظام التعاوني يقتضي تعديل القوانين التي تحصر الأنشطة الثلاثة سابقة الذكر في صورة الشركة المساهمة التجارية، كما يقتضي وضع قانون خاص ينظم نشاط الشركات والجمعيات التعاونية عمومًا، و وضع قانون خاص بشركات التأمين التعاوني يحدد نظامها وأحكامها.

 


المراجع :

[1] السنة السادسة، العدد الثالث.

[2] السنة السادسة والعشرون، العدد 102.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر