أبحاث

مقاصد الأحكام السلطانية في الشريعة الإسلامية: دراسة دستوريه مقاصدية مقارنة

العدد 139

مقدمة:

لعل من أشق الأبحاث على الفكر التشريعي تعقب نوايا المشرع ومقاصده المضمرة في مختلف النصوص التشريعية محاولة منهم في التفتيش عن إرادة الشارع وأهدافه من وراء وضع التشريع؛ ومن ثم البناء عليها عند غموض النص أو في حالة الفراغ أو السكوت التشريعي المتروك عمدا تخفيفا من الشارع؛ ولعل من أهم الموضوعات المعاصرة التي تحتاج إلى البحث عن مقاصدها وأهدافها العامة والخاصة تلك التي لها علاقة بالقانون العام الإسلامي والمصطلح على تسميته بمقاصد الأحكام السلطانية؛ من خلال التفتيش عن الإرادة التشريعية الكلية للشارع الحكيم من وراء الاجتماع السياسي للبشر في الإسلام.

فمن بين الأولويات البحثية في الاجتهاد المقاصدي البحث عن المقاصد العليا والمصالح العامة الناظمة لنصوص الشريعة في أصولها وفصولها على مستوى الأمة، من خلال إمعان النظر في الخطابات الشرعية الموجهة للأمة أمراً ونهياً، وسبر الأحكام في سياقاتها المختلفة وصولا إلى معرفة حكمة التشريع وسره؛ وهي التي يعبر عنها اصطلاحا بالمقاصد الكلية المنوطُ تحقيقُها بالأحكام الشرعية في جزئياتها وفروعها. والعمل المنقطع النظير الذي قام به الإمام الطاهر بن عاشور وعلى خطاه الإمام علال الفاسي من خلال الاهتمام بالبعد الاجتماعي في منظومة مقاصد الشريعة، فنجده مثلا يستدرك على القدامى إغفالهم مراعاة المقاصد الضرورية على مستوى الأمة فيقول:” إن حفظ هذه الكليات معناه حفظها بالنَّسبة لآحاد الأمة، وبالنِّسبة لعموم الأمة بالأولى، فحفظ الدين معناه حفظ دين كل أحد من المسلمين أن يدخل عليه ما يفسد اعتقاده وعمله اللاحق بالدين، وحفظ الدين بالنِّسبة لعموم الأمة هو دفْع كل ما من شأنه أن ينقص أصول الدين القطعية؛ ويدخل في ذلك حماية البيضة، والذب عن الحوزة الإِسلاَمِية بإبقاء وسائل تلقيِّ الدين من الأمة حاضرها وآتيها”(1).

وهذه الورقة البحثية محاولة متواضعة للغوص في أبعاد ومقاصد العمران البشري من أجل اكتشاف القيم العليا للشريعة ومعرفة الروحَ العامة التي تسري في نصوصها في جانبها المخاطب للأمة، والمعانِيَ الكليةَ التي تنضوي تحتَها جزئياتُها، والأصولَ العامة التي تنتظم فروعَها، ومن ثم إدراك مناسبات المصالح واعتبارها عند استنباط الأحكام السلطانية، وإجرائها على الوقائع والنوازل التي تعرض لهم(2). وهو الأمر الذي يحتاج- حسب كثير من النقاد- إلى امتلاك الجرأة على مناقشة الأقدمين فيما توصلوا إليه في تحديد مقصود الشارع من وضع الشريعة في مختلف مجالات الحياة الدستورية والاجتماعية والاقتصادية؛ جرأة منضبطة؛ وصادرة من أهل الاختصاص(3).

إذ يكاد الفكر المقاصدي الحديث(4) يتفق على عدم قدرة مقاصد الشريعة – كما عرضها القدماء وبلورها الشاطبي من جانبها الفردي – على الإحاطة بمطالب الحياة المعاصرة المعقدة والمتشعبة؛ حيث رغم الترسانة القانونية الهائلة المنظمة لمختلف مجالات الحياة التي تبقى كما يقول د. الريسوني “لا تفي بعشر معشار الشريعة”مما يعني ضرورة الاعتماد على الكليات المقاصدية(5) وربطها بأهداف الأمة لتنظيم الحياة بقواعد قادرة على التوليد منها، كما فعل المعاصرون وعلى رأسهم ابن عاشور الملقب بـ الشاطبي الثاني؛ ومن بعده وعلى خطاه الإمام علال الفاسي، مما يعني أن تطبيق الشريعة مرهون بتحقيق تطابق بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف وبين أهداف الأمة(6).

ولعل من بين أهم هذه الأزمات والمشاكل السياسية التي تحتاج إلى ملكة مقاصدية جريئة تجمع بين مقاصد الشريعة ومقاصد الحياة السياسية أزمة المشكلة الدستورية ممثلة في ذلك الصراع والصدام المزمن بين السلطة وبين الحرية(7)، والذي كان المجتمع الإنساني دائما وبصفة مستمرة مسرحا لما يجري بينهما من صدام؛ وبسبب هذا الصراع الأبدي بينهما تمخضت جهود المفكرين الدستوريين عن إيجاد مناهج وضوابط ومبادئ وقيم ليوازنوا بين حقوق الأفراد في أن يعيشوا الحرية ويتنفسونها؛ وبين حق السلطة العامة في التدخل في النشاط الاجتماعي والسياسي بالتنظيم والتقييد(8)، بحيث تكون غاية ومقصد هذه المناهج السامية بناء دولة قانونية يخضع فيها الحاكم والمحكومين للقانون بمفهومه الواسع؛ وترتيبا على ذلك صارت وظيفة مقاصد الشريعة والقانون معا إقامة وتنظيم التعايش السلمي بين السلطة والحرية في إطار الدولة والأمة، مما يعني أن أي نظام دستوري ناجح هو في الحقيقة محاولة لحل تلك المشكلة الدستورية الخالدة، مشكلة الموازنة بين السلطة وحقها في فرض النظام وتقييد النشاط الفردي وبين حقوق أفراد لشعب وعلى رأسها الحرية.

ومن هنا تأتي إشكالية هذه الورقة البحثية في تحديد مقاصد الأحكام السلطانية كما يجب أن تكون عليه انطلاقا مما كانت عليه في عصر الحكومة النبوية والخلافة الراشدة؛ مع مراعاة تغير المعطيات السياسية والاجتماعية والدولية المعاصرة؛ ليتم في خاتمة البحث معرفة مدى قدرة منظومة مقاصد الشريعة فيما يخص الأمة على صياغة نظام دستوري إسلامي يحقق التوازن والتوافق بين ثنائية السلطة والحرية.

وهذا ما سيتم معالجته من خلال مبحثين:

المبحث الأول: مقاصد الشريعة والأحكام السلطانية.

المبحث الثاني: القواعد المقاصدية الخاصة بالحريات العامة.

المبحث الأول

مقاصد الشريعة والأحكام السلطانية

يشكّل غياب فقه مقاصد الشريعة وبُعده عن فقه الأحكام السلطانية أزمة واقعية أورثت جمودا فكريا على مستوى بناء دولة دستورية متوافقة مع مبادئ الإسلام؛ فأصبحت الأحكام الشرعية السلطانية نتيجة لهذا الغياب قاصرة عن إيجاد صياغة متناسبة مع ظروف كل عصر وزمان؛ فالكتابات السياسية والدستورية السابقة كانت كتابات ظرفية تغترف من الواقع؛ كتعبير وترجمة عن تفاعل المفكر وفهمه للواقع السياسي مع المبادئ التي تشكل قاعدة لقناعاته الإيمانية.

فالفقه السياسي الإسلامي القديم لم يكن انعكاسا معبرا ومترجما لمبادئ الإسلام كما يجب أن تكون، بقدر ما كان تكييفا لهذه المبادئ مع سلطان القوة وإمارة التغلب؛ وهذا ما عبر عنه المفكر مالك بن نبي عندما أكد على أن “الحضارة الإسلامية لم تنشأ عن مبادئ الإسلام، ولكن المبادئ هي التي تكيفت مع سلطة زمنية قاهرة”، وهو تشخيص دقيق لداء الفقه السياسي في الحضارة الإسلامية(9)، ففي الإسلام من القيم العالمية ما يمكِّن من الإجابة على كل أسئلة الواقع وعلاج لكل أزمات المجتمع والحياة؛ فمبادئ الإسلام وخصائصه في فن السياسة والحكم قادرة على بناء هندسة دستورية واجتماعية واقعية للعمران الحضاري، فعلى سبيل المثال تعتبر نظرية الدولة التي أنشأها الرسول -صلى الله عليه وسلم- من وجهة النظر الدستورية أقدم صورة للدولة كتنظيم للاجتماع السياسي؛ ذلك أنه تقرر فيها لأول مرة مبدأ الشرعية وخضوع الدولة للقانون، فالأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن والسنة هي أحكام صادرة عن سلطة أعلى من سلطات الدولة جميعاً، ولأول مرة في التاريخ يتم الفصل بين إرادة الحاكم وبين القانون(10).

ذلك أن الشريعة كما يقول الإمام علال الفاسي “أحكام تنطوي على مقاصد؛ ومقاصد تنطوي على أحكام”(11). وهذا كما يقول الريسوني أحسن ما قيل في تصوير وتقرير علاقة المقاصد بالاجتهاد والاستنباط، ذلك أن المقاصد تؤخذ من الأحكام، وأن الأحكام تؤخذ من المقاصد، بأن ننظر في الأحكام فنستنبط منها المقاصد والغايات، وننظر في المقاصد فنستنبط منها الأحكام والقواعد والوسائل والأوصاف المناسبة لها(12)، لأن مقاصد الشريعة، تنطوي على كل ما يمكن أن يقع من حوادث وأحكام، والمقاصد جزء من المصادر الأساسية للتّشريع الإسلامي، والحكم الذي نأخذه بطريق المصلحة والاستحسان أو غير ذلك من ضروب المآخذ الاجتهادية يعتبر حكما شرعيا، أي خطابا من الله متعلّقا بأفعال المكلّفين، لأنّه نتيجة الخطاب الشرعي الذي يتبين من تلك المقاصد التي هي أمارات للأحكام التي أرادها الله، فحقيقة مقاصد شريعته هي نفسها مصالح الإنسان، وأن المصالح والمقاصد وجهان لحقيقة واحدة هي سعادة الإنسان في الدارين ابتداء وانتهاء، وأن مقاصد الشريعة لا تقوم في الوجود والواقع إلا برعاية وتحقيق مصالح الإنسان المختلفة، كما أنه لا رعاية لمصالح الإنسان دون استحضار لمقاصد الشرع(13)“. وقد بالغ الفقهاء كثيراً في دور المقاصد وأهميتها، حيث يكاد كل من يتكلم في المقاصد أن يركز على أنها مفتاح التنمية الاجتماعية والسياسية دون عناية بالضوابط التي على رأسها أن لا تصادم نصا قطعيا وأن تكون ملائمة لمقصود الشرع وتصرفاته مما يشهد الشرع لجنسها(14).

المطلب الأول: علاقة المصلحة العامة بمقاصد الأحكام السلطانية وطرق إثباتها:

يعيش الفقه السياسي الإسلامي تحديات كبيرة يتعيّن معها مراجعة فقه الأحكام السلطانية، مراجعة تنطلق من إعادة تركيب الأصول وربطها بمقاصدها في ضوء الواقع السياسي الذي عليه المسلمون اليوم؛ فلا شك أن الدراسات المعاصرة في الفقه السياسي مازالت تركز على كليات النظام السياسي الإسلامي وكيفية بنائه، ولم تخطو خطوات هامة نحو تقديم صيغ تنظيمية للقيم السياسية الإسلامية، ولعل السبب في ذلك أن الفقه السياسي المعاصر قد اكتفى بما تمّ إنجازه في فقه الأحكام السلطانية من جهة، ومن جهة أخرى فإن التجربة السياسية الإسلامية المعاصرة لم تنضج بعد، ومازال خطابها يركز على المبادئ، ولم ينتقل بعد إلى صياغة البرامج.

ولعل أهم قضية يجب البدء بها في عملية المراجعة والنقد قضية تنظيم ممارسة السلطة وعلاقتها بمؤسسة رئاسة الدولة ومكانتها في النظام السياسي الإسلامي حتى لا تفضي إلى الديكتاتورية(15). إلا أن قيام الدولة الحديثة على غرار النموذج الغربي، فرض على التجربة السياسية الإسلامية المعاصرة الأخذ بآليات العمل السياسي في المشاركة السياسية، والاهتمام بموضوع الحريات العامة، وتدعيم وجود المجتمع المدني، إلى غيرها من المواقف، الأمر الذي يوجب على الفكر السياسي الإسلامي المعاصر تطوير البحث النظري في مثل هذه الموضوعات، وتقديم صيغ تنظيمية للقيم السياسية الإسلامية.

لكن ما يجب تأكيده هو أن تقديم صيغ تنظيمية هي مرحلة متأخرة في التنظير السياسي، يسبقها التحديد الدقيق لمنهجية الاجتهاد في الفقه السياسي.. وفي هذا الإطار يجب أن يتم التركيز على محاولة صياغة النظرية السياسية الإسلامية انطلاقا من الأصول الشرعية: الكتاب والسنة، مع استيعاب التجربة السياسية الإسلامية؛ وانطلاقا من تلك الجهود التي قدمها السابقون في مثل هذا البحث في مجال تحديد مقاصد سامية كلية لمقصود الشارع متمثلة في العبادة ثم الخلافة ثم العمارة؛ ثم التخريج عليها بما يناسب مقتضى الحال.

1-المصلحة العامة، روح مقاصد الأحكام السلطانية:

أهمية المقاصد بالنسبة للسياسة الشرعية وفقه الأحكام السلطانية كأهمية الروح للجسد، فمقاصد الشريعة هي روح السياسة الشرعية؛ “فالمقاصد- كما يقول الإمام الشاطبي – أرواح الأعمال”(16). لأن جماع مقاصد الشريعة كما يقال دفع ونفع؛ قال الجويني: “مجمل مقاصد الشريعة عبارة الأغراض الدفعية والنفعية”(17). وهو المعنى المعبر عنه بعبارة جلب المصالح والمنافع ودرء المفاسد والمضار، وهو الذي تبناه الغزالي وعبَّر عنه بقوله: “أما المقصود، فينقسم إلى ديني ودنيوي. وكل واحد ينقسم إلى تحصيل وإبقاء وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة، وقد يعبر عن الإبقاء بدفع المضرة…”(18) وقد برزت حاجة الفقه السياسي الإسلامي لنظرية المقاصد الشرعية لاستحداث أحكام شرعية تتناول الواقع المستجد، فضلا عن التأسيس لمشروعية الأخذ الانتقائي من المؤسسات النظامية في الحضارة الغربية، وهنا كان لابد من استثمار نظرية المقاصد المبنية على استصلاح الخلق بناء على جلب مصالح الدارَيْن ودرء مفاسدهما، ومعرفة الحكم في النوازل السياسية من خلال توخي مناسبات الأحكام، بعد فقه الواقع وفقه التوقع ولو بظنٍّ غالب، سيراً منهم في ذلك على منهاج الشريعة وسياستها التشريعية، “فالعبرة في القول بالمشروعية من عدمها في الوقائع النازلة هو بما يتضمنه الفعلُ من الصلاح والفساد، ولا عِبرة للفظه ومظهره”. فكما أن معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل، فكذلك معظم الشرائع والتكاليف؛ لا يخفى على عاقل وجه المصلحة فيها؛ ومن هنا قرر الإمام العز بن عبد السلام في قواعده : “ان تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حَسَن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حَسَن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حَسَن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حَسَن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حَسَن. تذكيراً لهم بأن ربهم لا يريد إلا صلاحَهم دون نكايتهم”. يقول الإمام القرافي “إن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع”(19) ومعناه أن أي قول أو فعل لا ينبني عليه ما يصلح حال المتصرف أو حال غيره، لا يعتبر تصرفا في الشرع؛ فكان مما قرره الفقهاء قاعدة: “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة” وهذا ما يستفاد من استقرار ما كتبه في مقاصده؛ وفي أصول النظام الاجتماعي في الإسلام حيث يقول الطاهر بن عاشور: “استقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية منوطة بحكم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد”(20)؛ فلم يخلق الله وضعا إلا ليرتب عليه أحكاما مبنية على مقاصد تحقق مصالح العباد في المعاش والمعاد على أساس من العدل؛ ذلك أن الأوامر والنواهي في الخطاب الشرعي متجهة كلها إلى اكتساب المصالح أو الوسائل المفضية إليها؛ والى درء المفاسد أو الوسائل المؤدية إلى درئها(21). ومن هنا يجب أن يكون واضحا لدى القائمين بالمهام الاستخلافية في الأمة أن مقصود أعمالهم وتصرفاتهم في الرعية منوط بتحقيق الصلاح العمراني المفضي إلى الصلاح الفردي والجماعي بضبط تصرف الجماعات والأقاليم بعضهم مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع، ورعاية المصالح الكلية الإِسلاَمِية، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة؛ فعمدة الاجتهاد المقاصدي في مجال الأحكام السلطانية مبني على حرية الاستصلاح المنضبط بضوابط المصلحة ، فمثلا – أن “الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة”(22) كما جاء على لسان شعيب عليه السلام: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ)(23) وعلى لسان موسى خطابا لأخيه هارون عليهما السلام: (وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)(24).

تحدث ابن عاشور عن المصالح والمفاسد تلخيصا وتنقيحا وتتميما لما كتبه السابقون؛ خاصة الشاطبي؛ ولكن كانت له إضافات في هذا الباب، أهمها عنايته الفائقة بمصالح الأمة والمقاصد الجماعية والمقاصد العامة. فبينما نجد العلماء السابقين على ابن عاشور كالغزالي والشاطبي وغيرهما، غيبوا فقه الأمة ومقاصد الأمة فإن ابن عاشور كلما صنف أو عرَّف شيئا من المقاصد والمصالح والمفاسد، كان اعتبار الأمة ماثلا ومعيارا معتمدا. فحتى حينما أراد تعريف التحسينيات التي هي ألصق شيء بالأفراد وأذواقهم، عرفها بأنها هي المصالح التي تكون بها الأمة ذات منظر وبهجة، تنجذب إليها الأمم والشعوب الأخرى وتحترمها، وتهفو إليها نفوس الناس(25).

ولا شك أن التركيز على مقاصد الشريعة على مستوى الأمة هو الأعلى والأولى في ظل شيوع فقه التمدن، وهو الذي يحتاج أن يأخذ مكانته اللائقة المستحقة؛ فقد لاحظ ابن عاشور أن مصالح الأفراد أخذت كامل العناية والرعاية من الفقهاء والأصوليين والمقاصديين، بخلاف الأمة ومصالحها ومقاصدها، فهي ضامرة عند عامة علمائنا المتقدمين. هذا مع العلم أن المصالح الفردية لا تفضي بالضرورة إلى تحقيق مصالح الأمة إلا بشكل محدود، ولكن مصالح الأمة تفضي بالضرورة إلى مصالح الأفراد، فهي داخلة فيها(26).

2- طرق إثبات مقاصد الأحكام السلطانية: لاشك أن أصعب مباحث مقاصد الشريعة كيفية إثباتها؛ فالقاعدة المقاصدية قاضية أن لا تقصيد بلا دليل؛ ولكن بالإضافة إلى ما قرره أهل الاختصاص من مسالك وطرق للكشف عن إرادة الشارع من وراء تشريعه، يلاحظ أن مسلك الاستقراء والاستبصار والاستشراف المستقبلي أو ما يسمى بفقه التوقع يكاد يكون أكثرها تعلقا باستخراج مقاصد الأحكام السلطانية، خصوصا استقراء الوقائع التاريخية التي وقعت زمن الحكومة النبوية والخلافة الراشدة بنماذجها الأربع؛ في مجال حفظ المجتمع ودولته الفتية.

ويتجلى مضمون هذا المسلك الاستقرائي الواقعي من خلال النظر في مآلات تطبيق الأحكام السلطانية استدلالا بما هو كائن على رسم ما ينبغي أن يكون لتفادي مفاسد وتحري مصالح؛ فإذا كانت مآلاتها معلومة يقينا أو بظن غالب حكم بما يتناسب معها. ومن هذا القبيل ما حكاه الإمام الشاطبي وغيره من سيرة عمر بن عبد العزيز لما تولى الملك؛ من أنه أجَّل تطبيق بعض أحكام الشريعة فلما استعجله ابنه في ذلك أجابه بقوله: “أخاف أن احمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة”(27)؛ ومن قبله تأجيل الخليفة عمر بن الخطاب قطع يد السارق عام المجاعة؛ فقد كان من بين مقاصده النظر في مآلاته المستقبلية؛ فحر الجوع بحكم الطبيعة عامل غلاب يطغى على النفس، ومن ثم فإقامة الحد مع حر الجوع لن يحقق مقصد الارتداع ولا استتباب الأمن على الأموال؛ ومثله تأجيل تنفيذ الأحكام القضائية بالنظر إلى مآلاتها الشرعية، مثل ما فعل الخليفة عثمان مع ابن الخليفة المغتال عمر بن الخطاب في جريمة الثأر لأبيه بقتل غالبية العلوج الذي سكنوا المدينة فانه كان يستحق القصاص ولكنه أجَّله. ومن أمثلة عدم تعجله صلى الله عليه وسلم في معاقبة المنافقين مع علمه بدسائسهم وهمهم باغتيال الرسول وزرع الفتنة بين المسلمين ومع ذلك لما أشير عليه -عليه الصلاة والسلام – بقتل من ظهر نفاقه وبدت نواياه، حينها قال عبد الله بن عمر للنبي – عليه الصلاة والسلام؛ “إن أذنت لي في قتله قتلته؛ فقال النبي عليه السلام؛ “بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا- أي ما لم يشكل حركة مسلحة متمردة-؛ ولا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه؛ ولكن بر أباك وأحسن صحبته”؛ كل ذلك مراعاة لمقصد حماية حرية المعارضة؛ وتغليبا لمصلحة سمعة النظام السياسي في المجتمع الدولي في الحال والمآل(28).

ولعل من أصول هذا المسلك في توخي تحقق مقصد الأحكام السلطانية في استكشاف المآل والاستبصار المستقبلي بنتائجها الواقعية قوله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) فقد ورد في بعض الروايات عند ابن عاشور في “التحرير والتنوير” أن سبب نزول هذه الآية أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: “لئن لم تنته عن سب آلهتنا وشتمها لنهجون إلهك”؛ فنهى الله سب أوثان الجاهلية لما يترتب على ذلك بحكم العادة من تبادل السب والشتم، ونظير ذلك ما تقوم به بعض الحركات الإسلامية دون تبصر استشرافي من تحريق وتمزيق لأعلام وصور ومقدسات دول أجنبية أو بث قنوات فضائية لسبهم، فإنه بالنظر إلى مآلاتها الواقعية فإنها تفضي بحكم مبدأ المعاملة بالمثل إلى سب مقدساتها وتمزيق كتابنا المقدس والاستهتار بنبينا وشريعتنا.

ومن الأمثلة التي كانت محل دراسة للبحث عن مدى مقصدية قاعدة حفظ النظام العام، فإنه باستقراء القرارات التالية: قرار النبي عليه السلام بهدم مسجد الضرار؛ قرار عدم معاقبة المنافقين؛ مسارعة الصحابة إلى مبايعة أبي بكر خليفة قبل دفنه صلى الله عليه وسلم؛ قرار الخليفة أبي بكر بمحاربة المرتدين؛ وقراري الخليفة عمر بنفي نصر بن حجاج إلى البصرة؛ وإجراء الحجر الصحي في طاعون عمواس، وقرار المنع من الإقامة الذي اتخذه الخليفة عثمان ضد الصحابي أبي ذر الغفاري؛ وقرار الإمام علي تأجيل متابعة قتلة عثمان حتى يتم استتباب الأمن العام، وقراره المواجهة المسلحة ضد الخوارج المحاربين، يلاحظ أنها كلها قرارات تجد أساسها في مقصد حفظ نظام الأمة وتحقيق الوحدة وحماية الدين؛ ليتحدد بعدها مقاصدية النظام العام في الشريعة الإسلامية كأهم المصالح الضرورية العامة التي يجب على الدولة مراعاتها من جانب الوجود ومن جانب العدم.

المطلب الثاني: القواعد المقاصدية الناظمة لتقييد السلطة السياسية:

تنطلق هذه القواعد المقاصدية من قاعدة الوعي بالوسائل المفضية للمقاصد؛ وهي بذلك تأخذ حكم المقاصد ذاتها؛ ومن هنا جعل الفقه السياسي قيام السلطة وسيلة ضرورية لقيام الإنسان بمهمة الخلافة التي كلفه الشارع الحكيم القيام بها؛ وقد عبر الإمام الغزالي عن هذا الترابط ما بين الدين والتنظيم السياسي أيما تعبير مما يدل على تألق فقهه السياسي حيث يقول: “الدين والملك توأمان؛ والدين أصل؛ والسلطان حارس؛ وما لا أصل له فمهدوم؛ وما لا حارس له فضائع(29).

ولهذا فلا غرابة أن يعتبر بعض أئمة الفقه السياسي – كالجرجاني – إقامة الدولة من أعظم مقاصد الدين، فيقول “نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين وأعظم مقاصد الدين”؛ والى هذه النتيجة تقرر عند الإمام الشاطبي وغيره من المقاصديين إلى أن السلطة السياسية ضرورة من ضرورات الدين وأنها أي (الإمامة) أصل مقطوع به لا يفتقر في صحته؛ وملاءمته لتصرفات الشارع إلى شاهد(30)؛ مما يعني اعتبار تأسيس الدولة في الإسلام أحد مقاصد الشريعة على حد تعبير د/ حمادي العبيدي(31).

وبهذا يجب الاهتمام بالقواعد المقاصدية بغرض ضبط السلطة السياسية بضوابط أصول الشريعة، ومن ثم التأصيل السياسي للمصلحة العامة متمثلة في إقامة أمة قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال، وهذا يستلزم من ولاة الأمور سن قوانين وإقامة جهاز تنفيذي يوكل إليه حمل الناس بالرغبة والرهبة على رعاية مصالح الأمة باعتبارها شخصية معنوية، وطريقة ذلك ما حدده ابن عاشور في قوله: “وذلك بأن نتخيل الأمة الإسلامية في صورة الفرد الواحد من المسلمين فنعرض أحوالها على الأحكام الشرعية كما تعرض أحوال الفرد، ويذكر لذلك مثالا يجب الانتباه له عند النظر في الأحوال العامة الاجتماعية للأمة يتمثل في باب الرخصة الشرعية، فيذكر إن الفقهاء إنما فرضوا الرخص في خصوص أحوال الأفراد؛ ولم يعرجوا على إن مجموع الأمة قد تعتريه مشاق اجتماعية تجعله بحاجة إلى الرخصة كما هو الحال في القول بسد الذرائع ورعي المصالح المرسلة في تعلقها بمجموع الأمة”(32).

1- حفظ دين الدولة وحماية الأخلاق العامة غاية ومقصود المجتمع الإسلامي:

تحدث الفقهاء القدامى والمحدثون كثيرا عن حماية الدين وحوزة الإسلام وبيضته كمجاز عن أمته، حيث شبهت ببيضة الطائر في حرص وليّها على حفظها(33). وهو ما يشير بلغة العصر إلى الأمن القومي، وقد عرفها العلامة ابن عاشور بقوله: ” وحماية البيضة هو حفظ دين الأمة الإسلامية من اعتداء عدّوها عليها، وحفظ بلاد الإسلام من أن ينتزع عدّوها قطعة منها، أو يتسرّب إليها؛ وهذا الدفاع من أوّل أعمال الحكومة الإسلامية…»(34). ويدرج ابن عاشور مسألة حفظ البيضة أو الأمن القومي ضمن المقصد العام لحفظ الدين بالنسبة لعموم الأمة، بمعنى دفع كل ما من شأنه أن ينقض أصول الدين القطعية، ويدخل في ذلك حماية البيضة والذب عن الحوزة الإسلامية، بإبقاء وسائل تلقي الدين من الأمة حاضرها وآتيها. لأن مصلحة الإيمان أكمل المصالح ودفع الكفر في أعلى مراتب الدفع كونه أعظم المفاسد(35). فالخلق صلاحهم وسعادتهم في أن يكون الله هو معبودهم الذي تنتهي إليه محبتهم وإرادتهم وهو الذي يجب أن يكون المراد المقصود بالحركات(36). فليس في الشريعة فصل للدين والأخلاق عن نظام المجتمع.

وفي الشريعة تكون السلطة الحاكمة بمختلف مؤسساتها ملزمة بحفظ دين عموم الأمة من خلال حراسته وإقامة شعائره وليس مجرد احترامه؛ ودليل مراعاة حفظ دين الأمة تشريع أحكام العبادات والشعائر التي تؤدى جماعيا، كصلاة الجمعة والجماعات والعيدين ومناسك الحج، حتى يستشعر الجميع الرباط العقائدي والعبادي الذي يجمعهم ويوحدهم. وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفروض الكفائية ليظل هناك مدافعون عن القيم الأساسية للمجتمع فلا ينتشر الفساد والانحلال ومن ثم فلا يستحكم؛ مما يصعب معه العلاج.

كما جعل الشارع طلب العلم المتعلق بالعقيدة والعبادة والأخلاق فرضا عينيا باعتباره وسيلة لحسن التعبد(37)؛ كمقصد من مقاصد الشريعة السامية والغائية عند من يرى عدم انحصار المقاصد الضرورية في الكليات الخمس.

أما الأخلاق كقيم ضابطة للسلوك الفردي والجماعي فيكفي للتدليل على أنها مقصود للشارع في تشريع أحكامه وأنها مقصد عام تهدف إليه قوله عليه الصلاة والسلام: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، مما يجعلها ذات أهمية محورية في كل أحكام الشريعة، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل والتعجب معا- والكلام لجمال الدين عطية(38)– كيف تم اعتبار محاسن الأخلاق عند علماء الأصول من المقاصد التحسينية والكمالية؛ مع أن هناك من الأخلاق ما هو بمنـزلة الضرورة لبقاء الأمة ودوام صلاحها في تبليغ الشريعة، كالتزام الصدق في المعاملة مع الآخر غير المسلم خاصة معاهدات حسن الجوار معهم، وعقود تأشيرة الدخول إلى ديارهم والالتزام بالأخلاق الإسلامية في التعامل معهم في الأحوال الشخصية والمالية، وبهذا يتحقق مقصود الشارع – حسب تعبير الطاهر ابن عاشور – حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوبا في الاندماج فيها أو في التقرب منها؛ لما رأوه من حسن أخلاق في التعايش مع أفرادها أثمر بهجة منظر للمجتمع الإسلامي في مرأى بقية الأمم.

هذا ومن المناسب في هذا المقام الإشارة إلى أن القواعد التشريعية والقواعد الخلقية في الإسلام؛ جميعها واردة في صيغة الأمر في القرآن الكريم لا يختلف بعضها عن بعض في مفاهيمها ولا في وظائفها؛ ولا في آثارها لأن القاعدة الخلقية إن هي إلا قاعدة تشريعية(39).

وعلى هذا فإن حفظ دين الأمة؛ وحماية عقول أبنائها وفكرها من الانحراف والحفاظ على حياة الإنسان ماديا ومعنويا؛ وصيانة الأعراض والحرمات من الانتهاك المؤدي إلى اختلاط النسل، وصيانة الأموال من الإتلاف أو الضياع في أغراض غير مشروعة، والعمل على تنميتها واستثمارها، هذه جميعاً نعم ومصالح يتم بها بناء الحياة وعمارة الدنيا.

فعلى سبيل المثال يعتبر الجهاد في فكر جماعات العنف غاية وليس وسيلة، فبعضهم يريد الجهاد من اجل الشهادة فحسب ولو على حساب الأبرياء ممن ليسوا أهل قتال من الأطفال والنساء والشيوخ ورجال الأمن من خلال القتل والتفجير بدعوى التترس وإهدار النفس لمصلحة تطبيق الشريعة(40). إلى غير ذلك من الصور والمظاهر التي يمارسها أهل العنف والغلو وبعضهم يريد الجهاد حتى يظل الجهاد ماضيا غير معطل؛ ولو على حساب الأمة ومكتسباتها وعهودها وأهل ذمتها؛ مع أن النصوص الشرعية كتابا وسنة تقرر وبكل وضوح إن الجهاد وسيلة مقصدية لحفظ الدين من العدم لإعلاء كلمة الله، يقول العز بن عبد السلام: «وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد تلو الإيمان لأنه ليس بشريف في نفسه؛ وإنما وجب وجوب الوسائل»(41) وقال أيضا« فإن قيل: الجهاد إفساد وتفويت النفس والأطراف والأموال وهو مع ذلك قربة إلى الله قلنا: لا يتقرب من جهة كونه إفسادا وإنما يتقرب من جهة كونه وسيلة إلى درء المفاسد وجلب المصالح»(42) ولو كان الجهاد في ذاته غاية لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف دون قتال؛ ولما عاهد كفار مكة في الحديبية.

لقد ترتب على هذا الفكر العنفي إهدار مقصد التشريع في تحقيق أمن المجتمعات على أموالهم ودمائهم المعصومة؛ بل حصل تشويه لمقصد التشريع في حفظ النظام العام(43). إن غياب البعد المقاصدي في فكر جماعات العنف جعلهم يقعون من حيث لا يشعروا تحت طائلة حد الحرابة المقرر لجريمة ترويع الآمنين؛ لا يمكن لأية حركة إصلاحية أن تساهم في عمليات الإصلاح بأنواعه دون أن تكون متقِنة لعلم المقاصد، وقد بلغت من الوعي به مبلغا يجعل لديها ملكة تدرك من خلالها أن المقاصد كليات للتشريع حاكمة لكل الفروع الفقهية، فهي الرابط الجامع لكل فروع التشريع في جميع المناحي العبادية والعادية والاجتماعية والقضائية وغيرها.

2- قاعدة مقصد تحقيق الوحدة الإسلامية: أول مقصد من مقاصد الأحكام السلطانية توخي تحقيق الوحدة الإسلامية؛ فهي مقصد من المقاصد الكبرى على مستوى الأمة في التشريع الإسلاميِّ، ولا شكَّ أنَّ هذا المفهوم مقتبس من توحيد الله عز وجل، وأنَّ هذه الأمَّة أمَّة توحيد واتحاد، واقرأ قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(44)، وفي آية أخرى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)(45)، ففلسفة المقاصد تنطوي على أحكام تتناسب وتحقيق مقصود الشارع من خلقهم إخوة متعاونين متحابين(46). إن الأزمة الحقيقية التي يمر بها الفكر السياسي الإسلامي في عصورنا الراهنة هي أزمة وعي بالدور الحضاري للأمة التي أراد الله – عز وجل- أن تكون شاهدة على كل الأمم وفي كل العصور(47) يقول الحق تبارك وتعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..)(48) وقال سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً…)(49) فالخيرية التي وُصفت بها الأمة إنما هي معلّلة بالدور الذي يجب أن تؤديه لتلك المجتمعات الأرضية من أمر بالمعروف بكل ما يشمله هذا المفهوم، وكذلك النهي عن المنكر بنفس الشمول أيضاً، وهذا المعنى الزائد عن الوصف هو من أهم الأسس في شهودنا الحضاري على الأمم، وقد نبه الخليفة عمر -رضي الله عنه- على حقيقة هذا المفهوم الشامل الذي يتعدى الأحكام الفردية إلى الممارسات الحياتية المختلفة إلى الهيئات الخارجية للناس، لما قال: “يأيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها”(50).

ورغم أهمية مقصد الوحدة إلا أنه ظل غائبا عن منظومة الأحكام السلطانية، إذ لا يوجد في حدود المراجع المستقرأة من القدامى أومن المعاصرين من نبه صراحة إلى مقصد الشريعة في أن تتحول الدولة أو الأمة الإسلامية إلى قوة عظمى، مثلما فعل المفكر ابن عاشور رحمه اللَّه، فقد عقد فصلاً خاصا في كتابه «مقاصد الشريعة» عنونه بـ «مقصد الشريعة من نظام الأمة أن تكون قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال»(51)؛ وقد عبر عن ذلك في موضع آخر بـ «انتظام أمر الأمة وجلب الصالح إليها، ودفع الضر والفساد عنها»، إشارة إلى دور الانفعال المتبادل ما بين مختلف مكونات الأمّة لجلب الصالح العام، وإحقاق الشهود الحضاري على العالمين، لذلك نجد الطاهر بن عاشور يدعو في مقاصده إلى ضرورة رعاية مقصد الشريعة من نظام الأمة ووحدتها وفي هذا يقول: “إننا بحاجة إلى علماء أهل نظر سديد في فقه الشريعة وتمكن من معرفة مقاصدها؛ وخبرة بمواضع الحاجة في الأمة ومقدرة على إمدادها بالمعالجة الشرعية؛ لاستبقاء عظمتها واسترفاء خروقها ووضع الهناء بمواضع النقب من أديمها”(52).

3- مقصد حفظ نظام الأمة كقيد على السلطة:

رغم محورية قاعدة الاستدلال بحفظ النظام ودورها الهامّ في تحديد موارد الاستدلال بها ومركزيتها في منظومة الفقه الإسلامي وأصوله ومقاصده و قوانينه سعة وضيقاً؛ إلا أنها بقيت مرسلة إرسال المسلّمات؛ ولم تشتغل بال الفقهاء وعلماء الأصول والمقاصد كما شغلتهم سائر القواعد الفقهية والأصولية والمقاصدية من حيث تأصيلها و مجالات استثمارها وبيان مستندها، مما يوحي أن الفقهاء القدامى كانوا يعتبرون حسن حفظ النظام كامن في الكليات الخمس ومن ثم فهو مدرك من المدركات القطعية والمقررات العقلية الوجدانية المستغنية عن البرهان، مما يجعلها في مصاف القضايا الضرورية التي لا يشكّك أحد في بداهتها ولا يتجشّم عناء الاستدلال عليها، لأن العقل يدرك حُسن حفظ النظام وقبح الإخلال به؛ وعليه فإذا ثبت اعتبار حفظ النظام العام مقصدا ضروريا من حيث أثره على الحياة فان دليل إثباته مستمد من أدلة إثبات الكليات الخمس التي اتفق الشاطبي وغيره على الإجماع على رعايتها فقال: “اتفقت الأمة بل سائر الملل؛ على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس؛ وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري؛ ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين؛ ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه؛ بل علمت ملا ءمتها للتشريع بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد(53)“. وهو ما يعبر عنه قانونا بالنظام العام المجسد لأهداف الجماعة في ظل القيم والأصول التي يؤمن بها أفراد المجتمع؛ وهو ما يمكن أن نجد له تخريجا مقابلا في منظومة مقاصد الشريعة على مستوى الأمة وهو مقصد حفظ نظام الأمة؛ ويعتبر المفكر المقاصدي ابن عاشور أول المنظرين لفكرة مقاصدية النظام العام في منظومة مقاصد الشريعة على مستوى الدولة بحيث تشكل مقصدا ضروريا في مباحث القانون العام الإسلامي أو فقه الدولة في الشريعة الإسلامية؛ حيث يقول: “إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا من كليات دلائلها ومن جزئياتها المستقرة أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه؛ وهو نوع الإنسان…” ثم يقول بعد استعراض ستة عشرة آية من القرآن: “ومن عموم هذه الأدلة حصل لنا اليقين بأن الشريعة متطلبة لجلب المصالح ودرأ المفاسد معتبرا ذلك قاعدة كلية ومقصدا أعظما”… ثم يقول: “وقد استشعر الفقهاء في الدين كلهم هذا المعنى في خصوص صلاح الأفراد، ولم يتطرقوا إلى بيانه وإثباته في صلاح المجموع العام؛ ولكنهم لا ينكر أحد منهم أنه إذا كان صلاح حال الأفراد وانتظام أمورهم مقصد الشريعة؛ فان صلاح المجموع وانتظام أمر الجامعة أسمى وأعظم… وهل يقصد إصلاح البعض إلا لإصلاح الكل”(54). وقد خصص رحمة الله عليه كتابا مستقلا لأصول النظام الاجتماعي في الإسلام تحدث فيه بإسهاب عن أصول الإصلاح الاجتماعي؛ حيث أكد على أهمية مقصد حفظ نظام الأمة وأن “مراد الله في الأديان كلها؛ منذ النشأة إلى ختم الرسالة واحد؛ وهو حفظ نظام العالم وصلاح أحوال أهله”(55)؛ وبين فضيلته أن أصول نظام سياسة الأمة تقوم على أساس فنين أصليين: فن القوانين الضابطة لتصرفات الناس في معاملاتهم؛ والفن الثاني؛ فن القوانين التي بها رعاية الأمة في مرابع الكمال؛ والذود عنها أسباب الاختلال(56). يقول د. عبد المجيد النجار(57) مثمنا لنظرة ابن عاشور المقاصدية إلى فكرة النظام العام” أنها جماع مقاصد الشريعة؛ بل أنها المقصد العام الجامع لكل التكاليف الشرعية؛ والذي ينحل إلى مقاصد كلية تؤدي إليه؛ درج العلماء إلى تقسيمها إلى ثلاثة أنواع: ضرورية لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ وحاجية يفتقر في التوسعة ورفع الضيق؛ وتحسينية يلزم الأخذ بها من باب محاسن العادات؛ وتنحل هذه المقاصد الكلية المتفرعة عن المقصد العام بدورها إلى مقاصد جزئية وفرعية وهي المعروفة بعلل الأحكام التي تنتهي كلها إلى تحقيق المقصد العام كما حدده الإمام الطاهر بن عاشور”. و مما قرره علال الفاسي في هذا الصدد أن المقصد العام للشريعة الإسلامية هو”عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها وصلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة ومن صلاح في العقل وفي العمل وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع(58)؛ وذلك إنما يكون بتحصيل المصالح واجتناب المفاسد على حسب ما يتحقق به معنى المصلحة والمفسدة” وهو في ذلك يسير على خطى الإمام ابن عاشور في تقرير مقاصدية النظام العام.

لقد أبانت كتابات ابن عاشور والفاسي أن هنالك مقاصد كلية خاصة بمصالح الأمة وعلى رأسها الحرية والمساواة والعدل وحفظ نظام الأمة وتحقيق وحدتها. ومن الآثار التي تدلل على مقاصدية حفظ النظام العام الشرعي مسارعة الصحابة- رضوان الله عليهم- إلى مبايعة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فقد كان مراعاة لمقصد شرعي ألا وهو حفظ نظام الدولة والحفاظ على هيبتها ووحدتها والعمل على استمرارها والقيام بدورها في الدعوة إلى دين الله.

ولعل من بين أهم ما يمكن الاستشهاد به في إثبات مقصدية حفظ النظام من جانب ما يحفظه من العدم، قضية إسقاط حد الحرابة بالتوبة قبل القبض عليه، بأن ألقى السلاح وترك ما هو عليه من المحاربة وأتى للخليفة طائعا نادما تائبا؛ قبل أن يقدر عليه(59)؛ ففي ذلك إرشاد من الشارع إلى ولاة الأمر أن مقصوده من إسقاط الحد هو حفظ النظام بوقف مصدر الإخلال والتهديد؛ فمتى توقف بإرادته وتحقق الحفظ دون تدخل الدولة بوسائل القهر والإكراه سقط الحد إرشادا منه إلى أهمية استتباب النظام وعلو مكانته في الاعتبار الشرعي ولو بإسقاط تنفيذ حد الحرابة المتفق عليه؛ فلا يصار إلى إجراءات المتابعة فيها لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

4- قاعدة مقصدية شرعية السلطة الحاكمة:

إن الوصول إلى السلطة – على أهميته – ليس وصولا إلى الغاية؛ ومن ثم كان لابد من ضبط آليات الوصول إلى السلطة بالطرق السلمية الرضائية حيث يتم إشراك الشعب في اختيار ممثليه؛ وهو ما نجده مغيبا ومهملا في كتب الأحكام السلطانية في فقهنا السياسي، فمجال طرق التعبير عن الإرادة العامة ضعيف جدا، ضاعت فيه الأولويات الشرعية.

ومما زاد في ضعف الفقه السياسي في مجال شرعية السلطة عدم اعتباره للبعد المقاصدي في الاجتهاد السياسي في مشروعية ما جاد به الغرب الديمقراطي من ميكانيزمات كيفية الوصول للسلطة؛ ومن هذا القبيل موقف الإسلاميين من الديمقراطية كوسيلة لشرعية السلطة؛ بين مكفر لها؛ ومنفر منها؛ ومؤطر لها فقد ظل السؤال: “هل قيم الإسلام تنسجم مع مبادئ الديمقراطية”؟ يتردد صداه عقودا من الزمان، وضاعت جهود علمية وطاقات ذهنية كثيرة في نقاشات لفظية لا تقدم ولا تؤخر، مثل الإلحاح على استعمال مصطلح “الشورى” الإسلامي بدلا من مصطلح “الديمقراطية”، وكأنهما خطان لا يلتقيان، مما يدل على عجز عن تفكيك المبدأ الديمقراطي في مظهره القيمي وصيغه الإجرائية، وهو عجز مصدره غياب البعد المقاصدي(60).

فالديمقراطية في أصلها ومقصودها أنها وسيلة للعدل ومنع الاستبداد ولترشيد تسيير الشؤون العامة؛ وسواء سمي ذلك ديمقراطية أم شورى فالعبرة بالمقاصد والجواهر لا بالوسائل والظواهر؛ إذ رغم عورات الديمقراطية حتى عند أهلها إلا أنها تبقى النظام الأمثل للحيلولة دون وقوع الناس في فرائس الطغيان والاستبداد والاستئثار بالسلطة والثروة(61) فهي أحسن الموجود؛ خصوصا بعد عودة مظاهر التأله البشري، وتسلط الإنسان على الإنسان، تحت مظلة الدفاع عن حقوق الإنسان.

فرغم كثرة الدراسات المقارنة حول نظام الحكم في الإسلام وطبيعته الدستورية؛ وهل هو نظام ديمقراطي أم ثيوقراطي، أم مزيج بينهما على نحو ما صاغه المودودي في كتابه الحكومة الإسلامية من خلال عبارة الديمقراطية الإسلامية؛ إلا أنها بالرغم مما أكدته بعض تلك الدراسات من ذاتية النظام الدستوري الإسلامي في فن الحكم وطرق ممارسة السلطة فيه؛ إلا أنها كانت تبقى أفكارًا ظرفية ممزوجة بواقع ما عايشه فقهاء الأحكام السلطانية؛ فلا تعبر عن حقيقة الحكم الإسلامي؛ لأن ببساطة كانت بعيدة عن مصادر التأصيل والتخريج؛ فهي لم تولِ اهتماما كافيا لنظام الحكم في الحكومة النبوية ومقاصده؛ ولا لحكومات الخلافة الراشدة ومقاصدها؛ كونها كانت في الغالب تركز على مسألة الخلافة ومراسيمها التطبيقية خلال الحكم الأموي والعباسي؛ وهكذا أهملت طرق التعبير عن الإرادة العامة في النظام الدستوري الإسلامي؛ حتى قال الشهرستاني: “ما سل سيف على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان” كتعبير عن انشغال الكافة حول مسألة الخلافة وانصرافهم عن مسألة فرض النظام والوفاق(62).

ومن ثم فانه يبدو للباحث أن موضوع التعبير عن الإرادة العامة هو أحد أهم الموضوعات التي أصبحت لها الأولوية في التفكير الدستوري والسياسي المعاصر؛ من خلال ضرورة إعادة بناء مصدر السيادة الفعلية في الفقه الإسلامي، وصولا إلى تحديد الطرق والوسائل المعبرة بحق وصدق عن الإرادة العامة في المجتمع السياسي الإسلامي؛ لأن كل ما كتب حول مفهوم السيادة أو الحاكمية؛ هو في الواقع نوع من التنظير البعيد عن الواقع السياسي، وكأن بمنظِّري ومقعِّدي نظرية الحاكمية في الفقه الإسلامي في معرض الرد والدفاع عن أصالة النظرية السياسية الإسلامية؛ فكانوا في تنظيرهم بمعزل عن صاحب السيادة الفعلي في دنيا الناس؛ وحتى الفقهاء الذي نادوا بحاكمية القرآن كبديل للحاكمية الإلهية المستفادة من قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ)؛ لم يعطوا جوابا يشفي الغليل عن محل الإرادة العامة من هذه الحاكمية؛ باستثناء قلة من الباحثين ممن درسوا فكرة الأغلبية وأثرها في وضع الأحكام الدستورية والسياسية، وهو يدفع الباحث إلى التساؤل عن: ما مدى حاكمية الإرادة العامة وطرق التعبير عنها وحدودها في الفقه الدستوري الإسلامي؛ من خلال تجربة الحكومة النبوية والخلافة الراشدة؛ وهذا ما لا يمكن الإجابة عنه دون النظر المقاصدي الحصيف. فبمنظور مقاصد الشريعة فانه رغم عدم وجود نصوص صريحة في وجوب تحكيم رأي الأغلبية إلا أن هناك من الإشارات الكثيرة في السيرة النبوية ما يدل على أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بحكمها؛ كما في استشارة القوم في ملاقاة العدو في غزوة بدر؛ و استشارته صلى الله عليه وسلم في الخروج لغزوة أحد؛ وكذا في ملاطفة ومصالحة قبيلة غطفان بثلث ثمار المدينة في غزوة الأحزاب كسرا للحصار المضروب عليهم. فكلها إشارات في وجوب تحكيم رأي الأغلبية عند التعارض والتزاحم من باب الترجيح لا من باب أن قولهم هو الصواب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: “عليكم بالسواد الأعظم”(63).

بل إن فكرة مبدأ الأغلبية نجد له تطبيقا عمليا من خلال نظام البيعة كأحد أهم وسائل التعبير عن الإرادة العامة في الفقه السياسي الإسلامي؛ حيث يعتبره الغالبية العظمى من الفقهاء- باستثناء الشيعة- وسيلة إسناد السلطة إلى الحاكم؛ وسند مباشرة السيادة نيابة عن الأمة؛ إلا انه لم يلق عناية كبيرة من جانبه المقاصدي من حيث تطويره وتنويعه تنوع التنظيمات السياسية المعاصرة، يقول ابن خلدون: “واعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة؛ كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له في أمر نفسه؛ وأمور المسلمين؛ لا ينازعه في شيء من ذلك؛ ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره؛ وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد”(64). فدل ذلك على أن البيعة عقد رضائي بين الأمة صاحبة الإرادة العامة؛ وبين الحاكم الذي يلتزم به وفقا للكتاب والسنة وصالح الأمة(65). ولعل المقصد الكبير هو إخضاع الحاكم لسلطان الشريعة؛ “لا أحد فوق القانون ولا أحد تحت القانون على حد تعبير أبراهام لنكولن(66)؛ فدل ذلك على أن البيعة عقد رضائي بين الأمة صاحبة الإرادة العامة؛ وبين الحاكم الذي يلتزم به وفقا للكتاب والسنة وصالح الأمة(67).

4- تنظيم السلطة وشكل نظام الحكم:

بالعودة إلى نصوص الشرع الحكيم في مجال تنظيم عمل السلطة، فقد جاءت الآيات القرآنية صريحة على تقييد تصرّفات السلطة التنفيذية بالشورى وعدم اطلاقها؛ كما في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)(68) وفي قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(69)، وجاءت السيرة النبوية مطبّقة لذلك على وجه قطعي، إذ لم يكن صلّى الله عليه وسلّم يقطع برأي في الشأن السياسي إلاّ عن مشورة من أصحابه، وكثيرا ما كان يتصرّف بمقتضى رأيهم المخالف لرأيه، والتزم ذلك النهج الخلفاء الراشدون في عموم تصرّفاتهم، بحيث يتقرر معه أن الزمن الذي منح فيه الفقه السياسي لمنصب رئيس الدولة صلاحيات واسعة هو بداية الاستبداد والملك العضوض، حيث أنتج ذلك المستبد في الحكم دون مشورة الأمّة.

فإذا كان فقه الأحكام السلطانية قد أحاط منصب الإمامة- السلطة- بهالة من المهابة والتقدير؛ بما كلفها به من مهمة حراسة الدين؛ وسياسة الدنيا؛ وما فرض في حق متوليها من الطاعة والبيعة إلى حد تقديس، فإن الفقه السياسي قد ضخم من ذلك المنصب إلى ما يغري الرئيس لأن يمارس الاستبداد؛ متجاوزا بذلك مقصود الشارع من نصب الإمام وولاة الأمور؛ والمتمثل في مقصد استتباب وحدة الأمّة وحفظ نظامها على أساس العدل المنتج للعمران؛ وتلك حقيقة يلحظها كل من درس الموروث الفقهي من كتب الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية، ففيها تضخيم كبير لمؤسّسة رئاسة الدولة، سواء من حيث شروط ومواصفات متوليها(70)، أو من حيث الاختصاصات التي توكل إليه، كل ذلك على حساب تنظيم مبدأ الشورى ومؤسستها في مؤسسات رسمية كالبرلمان في تجربته الغربية؛حيث يجتمع نواب الشعب للتعبير عن إرادته العامة وتمثيله في إدارة وسير شؤون الدولة؛ ومن ثم فهو المعبر عن المشاركة السياسية للشعب؛ لما يضطلع به من مهام تشريعية وأخرى رقابية فضلا عن مهامه المالية؛ وقبل هذا وذاك يترتب على هذا أن يعتبر بحق عصب النظام النيابي في كل دولة ومستودع الفكر والخبرة؛ ومصدر قوة الدفع فيها؛ بسبب مكانته العلية بين المؤسسات الدستورية في الدولة؛ ونظرة الشعب إليه وقد استودعه وديعة التشريع؛ وإقرار السياسات ومساءلة الحكومة.

وكذلك كان الأمر أيضا بالنسبة لمسألة عزل الإمام، حيث تعامل معها الفقه السياسي بحذر نظرا للصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها، ومن ثم فقد كان تنظيره لمسالة العزل جاري مجرى التضييق البالغ، من خلال اشتراطات مشدّدة أوشكت أن تضفي على هذا المنصب صفة القداسة، الى حد اعتبار مسألة إصابة الحاكم بمرض مفقد للعقل مسألة خلافية في عزل الحاكم، فإنه لكي يصبح سببا كافيا لعزله عن الإمامة ينبغي أن يكون غيابَ عقله مستديما لا تتخلّله إفاقة(71). ومن مظاهر التشدّد أيضا في عزل الإمام أنّ العزل لا يتمّ إذا ما جُرحت عدالته، أو انحرفت عقيدته بتأويل فاسد(72).

ويبدو أن التشدّد في عزل الإمام على النحو السابق له أسباب لعل من أهمها التحسب لما قد يحدث عن العزل من الفتنة التي تضرّ بمصلحة المسلمين عموما؛ ولهذا فقد نُظِّر وقُعِّد لنظرية العزل مقياس دقيق مضبوط بميزان المصلحة والمفسدة، فإذا ما كانت الفتنة الحاصلة منه أشدّ ضررا من ضرر إخلال الإمام بالأمانة فإنه لا يجوز، وإذا كان العزل يسبّب فتنة ضررها أقلّ مما يسببه البقاء على الإمامة، فإن العزل يكون جائزا. ولكنّ هذا المقياس على مشروعيته فإنّه آل أمره إلى شيء من التناسي، ويكاد يكون قد استقرّ الحال في الفقه السياسي على التشدد في العزل إلى ما يقارب المنع؛ مما يدل على أن الفقه السياسي الإسلامي يشكو فقرا كبيرا وضعفا مخلاّ، يدعو إلى المراجعة والنقد.

ومن هذا المنطق أن الحاكم الذي لا يقوم بالتزاماته أو يخرج على حدودها فليس له أن ينتظر من الشعب السمع والطاعة، وعليه أن يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر منه على الحكم في حدود ما أنزل الله، فإن لم يتنح مختارا نحاه الشعب مكروها واختار غيره، وهذا الذي عليه نصوص الشريعة الصريحة: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف”، ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام في ولاة الأمور: “من أمركم منهم بمعصية فلا سمع له ولا طاعة”(73).

وبعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام اختار المسلمون أبا بكر خليفة عليهم، فكانت أول خطبة يقولها تطبيقا لهذه النصوص حيث يقول: “أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”. ولما ولي عمر الفاروق رضي الله عنه أمر المسلمين بعد أبي بكر رضي الله عنه كان حريصا على إظهاره معاني تلك النصوص وتثبيتها في الأذهان فخطب يوما قائلا: “لو وددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقا وغربا؛ فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم فإن استقام اتبعوه، وان جنف قتلوه”، فقال طلحة: “وما عليك لو قلت: وإن عوج عزلوه؛ فقال: لا القتل أنكل لمن بعـده“(74).

ولذا تجد بيننا من يتورع عن الوقوع في أمور خلافية بسيطة جدا بالميزان الشرعي، لكنه لا يتورع عن ارتكاب موبقات سياسية بالمعيار الشرعي، مثل فرض نفسه قائدا أو رئيسا على قوم وهم له كارهون، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم عدَّ من أشد الناس عذابا يوم القيامة “إمام قوم وهم له كارهون”(75)، ولفظ “الإمام” في الاصطلاح النبوي ليس إمام الصلاة فقط، بل القائد السياسي والعسكري كذلك، ومثل تولية شخص على قوم وهو يجد أصلح منه، وهو ما اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم “خيانة لله ورسوله”، فقال صلى الله عليه وسلم: “من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله” رواه الحاكم

وما من شك أن التأمل في مقاصد القيم الديمقراطية التي أقرّها الفكر الدستوري الغربي فيما يتعلّق بضرورة الفصل بين السلطة والأشخاص الممارسين لها “رئاسة الدولة” من حيث اعتبار النيابة عن الشعب والتداول على السلطة والرقابة والمحاسبة، وهي القيم التي يلتقي فيها الفقه السياسي الوضعي مع المبادئ السياسية الإسلامية، ولكنّ الفقه السياسي الموروث فيما أحدثه من تضخيم للرئيس أدّى إلى هذا الوضع الذي عليه المسلمون في واقعهم السياسي، وهو ما يدفع إلى مراجعة الفقه السياسي في مجال مكانة مؤسسة رئاسة الدولة من خلال استبدالها بفكرة الدولة كشخص معنوي منفصل عن شخص الحاكم؛ كمجرد نائب عن الأمّة تختاره بمحض إرادتها ليقوم وفقا لإرادتها بتنظيم شؤون الحياة، وتراقبه في أداء هذه الأمانة، وتحاسبه عليها، وتعزله عنها إذا أخلّ بشروط النيابة..(76).

المبحث الثاني

القواعد المقاصدية الخاصة

بالحريات العامة

إن الحقيقة الغائبة عن الفكر الغربي أن الإسلام ميثاق عالمي إنساني(77)؛ جوهره تحرير الإنسان من ذل العبودية وإخراجه إلى نور الحرية؛ على نحو يمكن أن نقول معه بأنه حرب لا هوادة فيها ضد الاستئثار والاستفراد والاستبداد السياسي؛ ومن ثم حق أن يوصف الإسلام كثورة شاملة على الأوضاع الفاسدة والمزرية التي بلغتها الإنسانية في وقت عز فيه الحق أن يطلب؛ فأهدرت حقوق الإنسان وحرياته العامة وامتهنت كرامته(78).

إن هذا الجوهر المغيب في واقعنا هو سر انبهار أبناء جلدتنا بحضارة الغرب اليوم؛ وللأسف عرف الفكر الحضاري الغربي كيف يتقمص دور المنقذ للبشرية من الاستبداد برسالة حقوق الإنسان وكرامتها وباستعمال حق أو واجب التدخل الإنساني الدولي. وبنظرة سريعة إلى مقاصد الشريعة من وراء تشريع يدفع إلى تقرير أن مصالح الإنسان وحقوقه هي روح المقاصد الشرعية(79)، ونشر الحرية بإسقاط الأغلال وفك القيود عن البشرية وتركها حرة تختار الحضارة التي تريد دون إكراه أو ضغوط؛ ومن ما قاله المصلح الجزائري ابن باديس: “فحق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية، و المعتدى عليه في شيء من حريته كالمعتدى عليه في شيء من حياته، وما أرسل الله من رسل وما شرع لهم من الشرع إلا ليحيوا أحرارا، وليعرفوا كيف يأخذون بأسباب الحياة والحرية، وحتى يستثمروا تلك الحياة وتلك الحرية إلى أقصى حدود الاستثمار النافع، وما انتشر الإسلام في الأمم إلا لما شاهدت فيه من تعظيم للحياة والحرية، ومحافظة عليهما، وتسوية بين الناس فيهما، مما لم تعرفه تلك الأمم من قبل ملوكها، ولا من أحبارها ورهبانها وكل من يقف أمام رسالة مصالح الإنسان وعلى رأسها حقه في الحرية”.

وفي ظل إقصاء هذه الحقائق الناصعة من فكرنا وفقهنا السياسي عاشت الأمة الإسلامية منمية لفقه الأفراد والسلطة؛ ومغيبة لفقه الحرية؛ فقد نما فقه الآداب السلطانية وأفل فقه الحريات السياسية، فكانت مسيرتنا الفكرية والحضارية والفقهية ناقصة من تناول مسألة الحرية وأحكامها الفقهية وتسعيرتها الشرعية والمقاصدية، وإنها لها الأولوية في العمل على التمكين لها قبل المطالبة بتطبيق الشريعة وتطبيق الحدود؛ وقد آن الأوان لإعادة التأسيس والبناء لفقه الحرية وبعث رسالة الإسلام التحررية. وإذا أُحسن استثمار مقاصد التشريع وتفعيلها، من خلال وسائل تنميتها وحفظها، فإن هذا سيفضي إلى تحقيق أكبر قدر من التواصل الإنساني مع أمم الأرض وشعوبها؛ إذ لا خلاف على كثير من تلك القيم الإنسانية القارّة في التشريع الإسلامي؛ كحفظ النفس، والنسل، والعقل، والمال، وتحقيق الحرية، وإقامة العدل والمساواة(80). ولعل هذا هو ما نبه إليه علماء الأمة، عندما قرروا أن الضروريات الخمس هي محل اعتبار في جميع الملل والأديان، ومن ذلك مثلاً ما قاله الغزالي والآمـدي والشاطبي: “فإن المقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع؛ وفي هذا كله إمعان في تحقيق معنى الرحمة للعالمين، التي جعلها الله تعالى المقصد الأسمى لبعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(81).

فمقاصد الشريعة العليا يرجى منها أن تكون ركيزة أساسية من ركائز مشروع نهضة الأمة، واستئناف دورها، وإصلاح أحوالها، نهضة هادفة تظهر للعالم الغربي ريادة الإسلام في تحقيق مصالح الإنسان وحقوقه، وسبقه في إرساء القيم الإنسانية التي تمثل أعظم مقاصد الشارع وأهم أهداف التشريع(82).

فالاجتهاد السياسي الحقيقي لا يمكن أن يتصور في الشريعة إلا بالنظر إلى المقاصد؛ وهو ما يحتاج إلى قدر عميق من الفقه يشمل نوعًا من معرفة مقاصد الأحكام، ومقاصد الشارع، ومقاصد المكلفين؛ كي لا يكون الاجتهاد الحرفي الظاهري عائقًا عن تحقيق المرجوّات العليا للشريعة(83)؛ وبفقه الأفراد عن فقه المجتمعات غاضين الطرف أن الشريعة شريعة تخاطب الفرد والدولة معا.

المطلب الأول: القواعد المقاصدية الخاصة تقرير الحريات العامة:

لقد أدت عوامل كثيرة إلى انكشاف عورة بنية الدولة السلطانية الاستبدادية مما ساهم في إحداث نوع من الوعي بداء الاستبداد إلى الوعي بضرورة تقرير الحريات العامة؛ الوعي الذي بدأ بأهمية وجود دستور للدولة كضابط لها؛ ويمكن الاسترشاد على ما تقرر بما صاغه الإمام الكواكبي في كتاب “طبائع الاستبداد” الذي صدر في سنة 1900، حيث جاء فيه بنظرات جريئة أبرزها صياغته لمصطلح الاستبداد الديني(84)، واعتبار هذا الأخير مدخلاً للاستبداد السياسي؛ فقد تحدث بإسهاب عن شعبتين متآلفتين يقوم عليهما الاستبداد:شعبة الاستبداد الديني وشعبة الاستبداد السياسي؛ وما تمخض عن ذلك من تبرير للدولة السلطانية المهيمنة على الرعية المحكومة بسيف الدين المسخر لخدمة السلطان؛ فضاعت بذلك قيمة الحرية.

ومن ثم فلا غرابة من أن يتلقى المعاصرون الحرية كمقصد عام للشريعة ويولوه عنايتهم في تقرير حقوق الإنسان وحرياته العامة، ومن هؤلاء وفي مقدمتهم الإمام علاّل الفاسي الذي كانت مسألة حقوق الإنسان في تفكيره وتنظيره بارزة، حيث يقول: “إنّ غاية الشريعة هي مصلحة الإنسان كخليفة في المجتمع الذي هو منه، وكمسؤول أمام الله الذي استخلفه على إقامة العدل والإنصاف، وضمان السعادة الفكرية والاجتماعية، والطمأنينة النّفسية لكل أفراد الأمّة”. وبهذا يكون علال الفاسي من المقاصديين القلائل الذين تنبهوا لضرورة توسيع دائرة المقاصد لتشمل مقاصد المجتمع التي هي من الأهمّية بمكان، فكان مما قرره على الدولة أن تحمي الجميع من كل استغلال أو تعسّف أوظلم؛ وعن الجانب الأمني قال علال بأنّه على الدولة أن تقاوم كلّ تطاحن قد يؤدي إلى القتل داخل المجتمع، وتقضي على أسباب الفتنة والاضطراب، ويدخل في باب الأمن أيضا أنّه “على الدولة أن تقاوم كل الأوبئة الاجتماعية التي تفتك بحياة الإنسان، وبصحّته وبسلالته، وفساد نسله”؛ وبذلك يكون كلا من ابن عاشور والفاسي قد جعلا من فكرة المصالح والمفاسد مجرد وسيلة لتحقيق مقاصد سامية وعالية تبرز في عمارة الأرض وحفظ نظام الأمة فيها بصلاح المستخلفين عليها.

ومن هنا فإن لقضية الحرية الإسلامية أولوية في الخطاب الإسلامي الحديث؛ لأن التحدي الحضاري اليوم جاء عبر آلية الحرية ومشتقاتها؛ وإغرائها وإغوائها؛ ومالم يدافع مثقفو الأمة عن الدين والهوية عبر آلية الحرية؛ بضوابطها الإسلامية القطعية؛ فستحتل العلمانية الغربية كثيرا من حصوننا التي نظنها منيعة، لقد اعتبر الإسلام الاعتداء على هذه الحقوق جريمة كبرى، وعظَّم أمرها، كما أنه لم يدع أمر تحديد العقوبة لرأي البشر واجتهادهم، وإنما نص على الجريمة ونص على العقوبة وحددها، وما العقوبات الحدية في الإسلام، أو العقوبات المنصوص عليها، إلاّ حماية لهذه الحقوق الإنسانية الأساسية وراجعة إليها.

1- مبدأ كرامة الإنسان كقاعدة مقاصدية قرآنية سامية على السلطة:

بالرغم من أن العبادة مقصد إسلامي أصيل بل هي أم المقاصد على الإطلاق إلا أن الشارع الحكيم توصل إلى تحقيقها ببسط الحريات أمام الإنسان دون فرضها عليه، لذلك نقول بأن الحرية تلد العبادة بالضرورة. ويتفرع عنه أن تصبح الحرية هي أم العبادة؛ فالعبادة إذن مقصد لا جدال فيه ولكنها بالنسبة إلى مقصد الحرية الجالب للتكريم مقصد تال ناشئ؛ وتلك هي حكمة التكريم الإلهي للإنسان إذ حرره؛ ثم دعاه إليه ليعبده؛ ومعنى ذلك أن الحرية هي المدخل إلى العبادة؛ ومن ثم فلا مجال للتشكيك في مقاصدية الحرية لأنها كفيلة بتكريم الإنسان وسوقه إلى العبادة وأحسن مراقيها إخلاصا وعملا وعمارة وعدلا وقوة ووحدة وأمانة وخلقا(85). ومن ثم عد الإسلام ثورة تحررية ضد المعبودات البشرية؛ وقد لا نكون بحاجة إلى التأكيد بأن حقوق الإنسان في الإسلام إنما شرعت بأصل الخلق، ولم تأت ثمرة لمعاناة أو مظاهرات أو صراعات بين الحاكم والمحكوم، أو ثمرة للثورات والحروب، فانتزعت انتزاعًا، وإنما هي مقاصد الدين وغاياته العليا، ورسالة النبوة التاريخية. وعلى دروب إخراج الناس من تعبيد بعضهم لبعض جاء الأنبياء والمرسلون والمصلحون لتقرير أولوية الحرية في الإصلاح والتغيير السياسي. فمقصود الشارع ما نطق به سفير الإسلام إلى ملك الفرس رستم: “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد”.

2- استثمار مبدأ الشورى في تفعيل سلطان الأمّة:

من القضايا الدستورية التي تتطلب المراجعة الفقهية في الموروث السياسي الإسلامي؛ تهميش دور الأمة المحوري في ممارسة السيادة؛حيث تستبعد الأمة من مواقع الاختيار والقرار والمشاركة الفعلية، لدرجة انه توجد في بعض المراجع عبارات استصغارية لدورها في اتخاذ القرار كنعتها بوصف العامّة والغوغاء والدهماء وأمثالها.

الشورى قيمة أساسية في بناء دولة المشروعية؛ وتنظيمه واجب في مواطن النـزاع ومظان الصراع تجنبا للفتن الحاثة للناس بقدر ما أحدثوا من فجور، كما قال عمر بن عبد العزيز وذلك مما يرويه الطبري من سيرته انه لما بويع له دعا عشرة من فقهاء المدينة فلما دخلوا عليه وجلسوا حمد الله ثم قال: “إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه؛ وتكونوا فيه أعوانا على الحق؛ ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو رأي من حضر منكم فان رأيتم أحدا يتعدى؛ أو بلغكم عن عامل ظلامة فأحرج الله على من بلغه ذلك إلا بلغني فخرجوا يجزونه خيرا”. يعلق د. الريسوني بأن ذلك فيه تنظيم الشورى وإسنادها في مؤسسة نظامية تتكون من عشرة مستشارين اختصاصاتها الاجتهاد والمشاركة في الرأي؛ ومراقبة المجتمع وما يقع فيه من ظلم؛ ومراقبة عمل موظفي الدولة والتبليغ عن مظالمهم”(86)؛ ولهذا يسمي بعض الباحثين المعاصرين الحكومة الإسلامية بحكومة الشورى؛ وشريعتها بشريعة الشورى؛ تنبيها إلى أنها دولة الشورى والاستشارة معا؛ لما يقوم به أهل الشورى من مشاركة في تسيير شؤون السلطة من خلال عقد البيعة الدستورية(87)؛ فهم يشكلون بحق مؤسسة دستورية قرآنية قائمة بذاتها أوجبها الله عز وجل فقال: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ)، ومتخصصة في استنباط ما عظم أمره وعجز عنه الحكام؛ يلجأ إليها الحاكم وجوبا بحكم ما يتمتع به أهلها من علم ودراية وملكة فقهية بأحكام الإسلام؛ وفقه للواقع المعاش. ولأهمية هؤلاء المستشارين من أهل الشورى ودورهم الفعال في توجيه السياسة العامة في الدولة أقدم الخليفة عمر بن الخطاب إلى منع كبار الصحابة من مغادرة عاصمة الخلافة المدينة المنورة؛ حتى يرجع إليهم فيما أعضل عليه من مسائل خلافة طالبا للرأي ومشركا إياهم مسؤولية الحكم. ولذلك يجب أن يكون لكل دولة مسلمة هيئة شورية تضم صفوة الأمة من العلماء وأهل الاختصاص في مختلف المجالات التشريعية. يلجأ إليهم تنفيذا لقوله تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)(88).

وباستثناء بعض المراجع التي تكيّف الإمامة على أساس أنها عقد اجتماعي سياسي بين الأمة وبين الحاكم يصطلح عليه بعقد البيعة حيث يكون الحاكم نائب عن الأمّة؛ وملتزم بتنفيذ إرادتها السياسية؛ فإن غالبية المراجع تهمش دور الأمة في المشاركة السياسية، حيث نجد أنّ الرأي الشائع في الفقه السياسي أنّ حق الاختيار للرئيس الذي يُولّى عليها ليس بحقّ عام لجميع أفرادها، بل هو حقّ مخوّل لعدد القليل من الأفراد قد ينتهي أحيانا إلى الفرد الواحد كما أشار إليه إمام الحرمين في قوله: “فإذا لم يُشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد معدود ولا حدّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد”(89).

صحيح أن الفقه السياسي الإسلامي في شقه السني يكيف البيعة أو الإمامة على أساس أنها عقد بالتراضي، مضمونه تسليم مجموع الأمّة لجماعة أهل الحل والعقد التي يكون هي العاقد الحقيقي في الترشيح للرئاسة ثم عرضه على الاختيار الشعبي، في تزكية ملزمة للاختيار مفرغة من حقيقة الرضا الشعبي؛ وهو ما أوضحه الماوردي وتابعه فيه من جاء بعده من أغلب فقهاء السياسة الشرعية، إذ يقول متحدّثا عن أهل الحلّ والعقد: “فإذا تبيّن لهم من بين الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت بيعته له الإمامة، فلزم كافّة الأمّة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته”(90).

حيث يظهر جليا إمكانية استبعاد الأمّة عن ممارسة حقّها في الاختيار الحرّ لرئيس الدولة الذي هو أمر يهمّ كلّ فرد من أفرادها.

إن هذا التأصيل الشرعي لقضية تقييد سلطة الإمام بالشورى الملزمة يدفع إلى ضرورة التأسيس لمؤسسات دستورية تكون لها الرقابة القبلية والبعدية عليه، بحيث تكون شريكا لسلطة الإمام في ممارسة السلطة حتى نضمن أن يتصرّف رئيس الدولة في شؤون الأمة تصرفا شوريا؛ وذلك باشتراط شروط في اختياره كأن يكون المرشّح للرئاسة مؤمنا بالشورى معروفا بممارسته الفعلية لها من خلال السيرة الذاتية له في العمل المدني والنضال السياسي أو العسكري، وأن يكون إخلاله بالشورى سببا كافيا لعزله عن منصب الرئاسة، يقول ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز: “والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب”(91)، لأن في الاستبداد بالرأي مفسدة بل انه جل المفاسد التي تنشأ في ممارسة الحكم متأتية منه. وأمام هذا لم نعدم من كبار العلماء من قرروا بصراحة ووضوح؛ أن إخلال الإمام بالشورى مبررا كافيا لعزله، فهو رأي الإمام القرطبي حيث يعتبر رائدا بالنسبة لما ساد في هذا الشأن في الفقه السياسي الشرعي؛ وعليه فإن مبدأ الرقابة على تصرفات الإمام ومحاسبته في أداء مهمته كان مهملا؛ ضعيفا في الفقه السياسي؛ وإن وجد فانه لم يكن منظما في مؤسسات محددة وهيئات معلومة وبصفة دورية، بل لم يكن يحظى بمكانة دستورية ملزمة حيث تكاد يقتصر على المناصحة الوعظية التي تخلو من معنى الإلزام؛ فلا نجد في التاريخ السياسي الإسلامي وجود مؤسسات دستورية توقف سلطة الإمام عند حدود المشروعية وتشارك معه في ممارسة السلطة، سوى بعض المأثورات من النصائح والمواعظ المتروكة لشجاعة العالم والواعظ وهيبة القاضي، والتي كانت تقدم لبعض رؤساء الدول الإسلامية بصفة غير منظمة دستوريا مما أدى في الكثير من الأحيان إلى اعتبار ذلك الإمام خارجا على السلطة موجبا للحد(92).

فبرغم مركزية الشورى في النظام السياسي الإسلامي إلا أنها لم تحظ بدراسات مقاصدية سوى ما ذكره بعض المفسرين من فوائدها(93)، قولهم أنها طريق الوصول إلى الرأي الصواب والتدبير السديد؛ كما أنها طريق الخروج من الأهواء والمؤثرات الذاتية التي تتسلط على الحاكم؛ غير أن أعظم مقاصد الشورى على حد تعبير د. الريسوني منع الاستبداد والطغيان وانفراد بالأمر؛ فالشورى في مقصودها نقيض للاستبداد إذا حضرت غاب؛ وإذا غابت حضر؛ فالاستبداد داء والشورى وقاية ودواء؛ فهو يحمي الشعوب من استبداد حكامها كما يحمي الحكام من نزعة الاستبداد كما قال تعالى واصفا فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)(94)، ومن مقاصدها أيضا إشاعة جو الحرية خاصة حرية التعبير عن الآراء من غير خنق للمعارضة؛ وحرية التفكير من غير حجر على العقول؛ فالشورى الحقيقية هي التي تعزز وتخدم الحريات السياسية.

ورغم أهمية هذه المقاصد إلا أن الفقه السياسي الإسلامي غير جازم حول مسألة مدى إلزامية الشورى وهل هي للإعلام أم للإلزام؛ وهي المسألة التي يترتب على الفصل فيها معرفة منـزلة قاعدة حكم الأغلبية، لأن القول بإلزامية الشورى هو قول مآله إلى الأخذ بمبدأ الأغلبية؛ فرغم عدم وجود نصوص صريحة في وجوب تحكيم رأي الأغلبية إلا أن هناك من الإشارات الكثيرة في السيرة النبوية ما يدل على أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بحكمها كما في استشارة القوم في ملاقاة العدو في غزوة بدر، واستشارته صلى الله عليه وسلم في الخروج لغزوة احد؛ وكذا في ملاطفة ومصالحة قبيلة غطفان بثلث ثمار المدينة في غزوة الأحزاب كسرا للحصار المضروب عليهم. فكلها إشارات في وجوب تحكيم رأي الأغلبية عند التعارض والتزاحم من باب الترجيح لا من باب أن قولهم الصواب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: “عليكم بالسواد الأعظم”(95).

المطلب الثاني: القواعد المقاصدية المقررة لحماية الحريات العامة:

تحفظ الحريات بتوفير ضمانات عملية تكرس تمتع الأفراد بكامل حقوقهم وحرياتهم في إطار النظام العام الشرعي؛ ومن أهم هذه القواعد المقاصدية الضامنة لممارسة الحرية والمقيدة في نفس الوقت للسلطة الحاكمة:

1- قاعدة مبدأ المشروعية الإسلامية العليا:

فمبدأ المشروعية باعتباره أهم مبادئ القانون العام، قاعدة مقصدية في الشريعة تقررت و ترسبت واستقرت في ضمير الإنسان المعاصر الذي ينشد الحرية، إذ يبلور هذا المبدأ كل ما استطاعت الشعوب أن تحرزه من مكاسب في صراعها مع السلطات الحاكمة لإجبارها على التنازل عن كل مظاهر الحكم المطلق؛ بحيث لم يعد من المتصور إهداره في أي مجتمع متحضر؛ كونه أصبح فيصل التفرقة بين الدولة القانونية والدولة الاستبدادية تلتزم به السلطة إن أرادت لتصرفاتها أن تكون مشروعة ونافذة؛ بأن تكون جميع تصرفات السلطات العامة في الدولة متفقة وأحكام القانون بمدلوله العام”(96)، ومقتضى هذا التعريف هيمنة القانون الإسلامي وسيادته على كل مَن في الدولة من حكام ومحكومين فلا عصمة لأحد؛ولا أحد فوق القانون(97). يقول عبد القادر عودة(98) في مقدمة الجزء الأول من “التشريع الجنائي الإسلامي” في معرض حديثه عن طائفة من النظريات والمبادئ الشرعية التي لم تعرفها القوانين الوضعية الأخرى، “ومن هذه النظريات نظرية تقييد سلطة الحاكم، فكانت أول شريعة قيدت سلطة الحكام وحرمتهم من حرية التصرف وألزمتهم أن يحكموا في حدود معينة، ليس لهم أن يتجاوزوها، وجعلتهم مسؤولين عن عدوانهم وإخضاعهم. مما يمكِّن من التأكيد على فضل السبق الإسلامي في تقرير مبدأ المشروعية العليا في النظام الإسلامي؛ فالدولة في الإسلام وليدة القانون؛ فالقرآن الكريم هو الذي أوجد الدولة وحدد وظائفها ودورها وكان وجوده أسبق من وجود الدولة”(99).

ومن المعروف أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد أن أخذ على الأنصار ميثـاق بيعة العقبة التي مثلت بحق عقدًا اجتماعيَّا وسياسيًّا حقيقيًّا؛ وكان قد سبق ذلك القرآن الكريم الذي تضمن أحكامًا تتعلق بأصول النظام الإسلامي ومبادئ تقرير الحريات، مما يعني أن السلطة المقيدة به لا تخرج عن أحكامه.

فمما لا خلاف فيه أن السلطة في النظام الإسلامي تخضع لقانون هو شريعة عامة لا يملك الحكام مخالفتها؛ ولا تملك الأمة ذاتها تعديلها أو تبديلها مما يعني أنها سلطة مقيدة بأحكام القرآن والسنة والتي تشكل نوعا ساميا من القانون الدستوري يعلو حتى على وثيقة الدستور نفسها؛ لأن الأمة كلها ولو اجتمعت لا تستطيع أن تغير أو تبدل فيه، لكونه قانونا موحي به من عند الله عز وجل؛ وبناء على التقيد به تحصل الطاعة للحكام، وفي هذا يقول الإمام الماوردي “إذا قام الإمام بحقوق الأمة فقد أدى حق الله فيما لهم وعليهم ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله”(100).

ومن هنا يتقرر مبدأ سيادة الشريعة بخضوع الجميع حكاما ومحكومين للقانون، ومن أجل كفالة هذا الخضوع وضعت الشريعة الإسلامية قيودا لحماية هذا المبدأ، وعلى رأس هذه القيود عدم مخالفة قواعد القانون الإسلامي وما أوجبه الشارع بمقتضى قواعده الكلية(101)؛ وبهذا فالدولة في النظام الإسلامي وليدة القانون الإلهـي وهي بذلك قانونية منذ وجودها وما السلطة إلا وسيلة تحمي الشريعة وتقيمها.

وجدير بالذكر أن الطابع الإلهي للشريعة الإسلامية أفاد القانون المستمد منها في تحقيق الثبات له وللمبادئ العامة المستفادة منها، فلا تستطيع السلطة بجميع أجهزتها أن تعطلها بتغيير الدستور والقوانين، ويترتب على هذا نتيجة هامة وهي أن الصفة الإلهية هي للشريعة فقط وليس للسلطة “حكومة وإدارة”، مما يعني أن القداسة والخلود والثبات تكون صفة للمبادئ التي قررتها الشريعة؛ ولا يجوز إعطاء هذه الصفة للهيئات والسلطات التي تنفذ هذه المبادئ، بل أنها جميعا هيئات وسلطات مدنية تنوب عن الجماعة وتعمل باسمها وتلتزم هي أيضا بالخضوع لمبادئ الشريعة بما يعنيه ذلك من عدم إمكان قيامهم بتغييرها أو تبديلها(102). فالحاكمية التشريعية لله تعني تقييد سلطة المشرع الوضعي وحماية الأفراد والمجتمعات من طغيان الحكام الذين يتخذون القوانين وسيلة لفرض سلطانهم واستبدادهم.

ولهذا كان من بين مقاصد نظام الحكم في الإسلام قاعدة مسؤولية الحاكم(103) عن تصرفاته المخالفة للشريعة كانتهاك الحريات، فإذا زاغ الحاكم أو خالف نصا قطعيا فان عمله هذا يعد باطلا أو منعدما لا يترتب عليه أي أثر قانوني، وهذا البطلان لا يحتاج إلى نص ولا إلى تقرير من القضاء. وقريب منه ما يسميه فقهاء القانون العام بالانعدام(104) بل يترتب عليه جزاء أخر وهو الدفاع الشرعي العام عند أمن الفتنة؛ وينبني على اعتبار نصوص الوحي قرآنا وسنة لها المرجعية الأولى أن تنشأ محكمة دستورية عليا تختص بالفصل في مدى مطابقة القوانين و اللوائح لأحكام الشريعة(105).

2- قاعدة مقصدية العدل أو “القضاء العادل”:

من مقاصد القرآن والسنة إيجاب العدل وتحريم الظلم في كل المجالات؛ العدل مع الرعية والعدل مع النفس والعدل حتى مع الأعداء، ومقصدها ليقوم الناس بالقسط؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه؛ قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ). وقال عز وجل أيضا: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)؛ وقال أيضا: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)؛ وقال أيضا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ). فيستفاد من جملة هذه النصوص وغيرها أن المقصد من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه(106)… فمن عدل عن الكتاب قوِّم بالحديد على حد تعبير ابن تيمية(107) في سياسته الشرعية الذي اشتهر منها مقالته “إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة”، ومن بعده قرر تلميذه ابن القيم في طرقه الحكمية: “أن العدل هو المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب وأن السياسة العادلة جزء من الدين فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان؛ فثم شرع الله ودينه”(108) أي إرادته ومقصده؛ وإقامة العدل يكون بتطبيق القانون وسيادته على الجميع فلا عدل إذا تم التمييز بين المواطنين؛ فلا فرق بين حاكم ومحكوم بين قوي وضعيف: “وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” فأساس الشريعة العدل المستفاد من سيادة الشريعة على الجميع وكان جان جاك روسو يقول: “هذه هي المشكلة الكبرى في السياسة: إيجاد شكل من الحكم يضع القانون فوق الإنسان” وبهذا التفكير استطاع الإنسان الغربي أن يحقق العدل لنفسه في وطنه، رغم قصور قوانينه الأرضية عن شريعة الإسلام السماوية، ورغم جوره في تعامله مع الآخرين خارج حدود أرض. أما في تاريخ العرب والمسلمين وحاضرهم فلا يزال الحاكم فوق القانون لا يُسأل عما يُفعل حتى قيل انه لا يعدل في شيء مثل العدل في توزيع الظلم على رعيته(109). وتجنبا لهذا الظلم أو التعسف في استعمال السلطة ابتكر الفقه السياسي ما عرف في النظم الإسلامية بديوان المظالم المتخصص في المنازعات التي عجز عنها القضاة العاديون بسبب قوة أحد الخصوم لجاهه أو ماله أو نفوذه. فكانت عدالة قضاء المظالم توقفهم عند حدهم وتعتبر أن أي اعتداء على الحريات والحقوق هو من النظام العام الذي يجوز لأي احد أن يبلغ عنه القضاء الإداري الإسلامي(110)؛ ولهذا فلا يحتاج ناظر المظالم إلى شكوى المتظلم وهذا ما يفهم من قوله عليه الصلاة والسلام: “أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها؛ فان من أبلغ ذل سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم تذل الأقدام”(111). ومن ثم شكل قضاء المظالم وسيلة مقصدية هامة في تحقيق مقصد العدل بين السلطة وحقها في التنظيم بالإكراه المنوط بتحقيق المصلحة وبين حقوق الأفراد وحرياتهم حتى في الظروف الاستثنائية من خلال تركيزه على قاعدة التناسب بين الإجراء المقيد للحرية أو المصادر لها وبين المصلحة العامة، فالضرورة تقدر بقدرها؛ والاضطرار لا يسقط حق الغير؛ والضرر يجب أن يزول ويرفع ولو كان ناشئا في حالة الضرورة؛ ومن ثم يتقرر سبق الفقه الإسلامي في تقرير حماية حقوق وحريات الأفراد(112). وتطبيقا لهذه السنة في تلقي شكاوي المواطنين من ولاتهم ومن عمال الدولة؛ كانت حكومات الدولة الراشدة حافلة بالقضايا والأحكام والقرارات القضائية الصادرة ضد سلطة حفظ النظام حماية للحريات؛ نذكر منها مقولة أبي بكر الصديق: “الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له؛ والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه”؛ ومقولة الخليفة عمر لعماله وولاته على الأمصار: “ما أرسلتكم لتضربوا أبشار الناس”. ومن أشهر الأقضية في حماية الحريات بما في ذلك حريات الموظفين ما روي من تعويض الخليفة عمر لذلك الجندي الذي أكرهه قائده العسكري في يوم شديد البرد على عبور نهر ليس به جسر؛ حتى يعرف مدى إمكانية اجتياز الجيش له؛ فدخل الرجل فمات؛ فعوضه الخليفة باعتبار ذلك خطأ مرفقيا؛ وعزل القائد وقال: “لا تعمل لي عملا أبدا”(113)؛ وهو نوع من قضاء التعويض الذي كان يمارسه ناظر المظالم في الدولة الراشدة.

فلا شك أن الحرابة من الجرائم الأكثر مساسا بالنظام العام؛ كونها تشتمل على جرائم قطع الطريق وتخويف المارة وتهديدهم في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ولذلك تسمى أيضا بالسرقة الكبرى؛ وبجرائم الإرهابية الماسة بأمن الدولة واستقرار الجماعة؛ مما يشكل إخلال بالأمن العام ولهذا اعتبرها الشارع من باب المجاز محاربة لله ورسوله تفخيما وتغليظا لعظم جرمها قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً)(114)؛ فالأكيد كما يقول ابن العربي: “إن الله لا يحارب ولا يغالب ولا يشاق ولا يحاد”؛ وإنما هو مجاز على نحو قوله: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً)؛ والمعنى فيهما يحاربون عباد الله الآمنين الضعفاء(115)؛ فقاطع الطريق محارب لله لأن المار أو المسافر معتمد على الله متوكل عليه في تحصيل الأمن والسلامة على النفس والمال والولد؛ فهو الصاحب في السفر كما في دعاء المسافر؛ وكأن الذي يقطع الطريق أمامه؛ محارب لله ومحارب لرسوله باعتباره مكلف بتوفير الأمن؛ وحفظ الأنفس والأموال بمقتضى الاستخلاف الإلهي في الأرض(116)؛ قال ابن الهمام وهو على حذف مضاف: “أي يحاربون عباد الله؛ وهو أحسن من تقدير أولياء الله لأن هذا يثبت بالقطع على الكافر الذمي”(117)؛ قلت وربما كان تقدير – يحاربون شريعة الله وتحقيق مقصودها من حفظ النظام- أكثر حسنا- بل إن بعض الفقهاء من ترجم عبارة “الله ورسوله” الواردة في كل آي القرآن وأحاديث السنة بعبارة حق الله أو المصلحة العامة التي هي أساس النظام العام.

خاتمة:

لا شك أن الباحث في مقاصد الشريعة عموما وفي مجال الأحكام السلطانية خصوصا عليه، كما يقول ابن عاشور، أن يطيل التأمل ويجيد التثبت في إثبات مقصد شرعي؛ وعليه أن يحذر من التساهل والتسرع في ذلك لأن تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط، ففي فالخطأ فيه خطأ كبير؛ ومن ثم فعلى الباحث أن لا يعين مقصدا شرعيا إلا بعد الاستقراء لتصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه، ولذلك كان لابد من الانطلاق من مقاصد الأحكام السلطانية كنظرية بنيوية في تحديد شكل نظام الحكم الذي يقصده الإسلام من خلال فهم حقيقي لمراد الشرع الحنيف من التكاليف والخطابات الموجهة للأمة، وهو الجانب المغيب في الفقه الإسلامي، مما جعل فقه الدولة متأخرا والشريعة- من منظور الغير- قاصرة عن تنظيم حياة الناس السياسية والدستورية، وهو ما تم التنبه له من خلال محاولات الفقه والفكر المقاصدي استثمار مقاصد الشريعة في بناء نظرية الحكم والدولة في إطار مقاصد القرآن والسنة من الاجتماع السياسي، انطلاقا من تحقيق مقصودها العام الكامن في “حفظ نظام الأمة واستدامة صلاح هذا النظام الشامل بصلاح المهيمن عليه، وهو النوع الإنساني” كما قال الإمام الطاهر بن عاشور -رحمه الله- في معرض ذكره عن المقصد الرئيس لهذه الشريعة، على اعتبار أن المقاصد لا تبحث في الأحكام ولكن في ثمرات الأحكام ومآلاتها الشَّرعية على حد تعبير أستاذنا د. الأخضري، ذلك أنه أدرك مقاصد هذه الأحكام – وبالخصوص السلطانية منها – وتحصيل الثمرات المتمثلة في المصلحة المأمور جلبها، والمفسدة المطلوب درؤها أو رفعها حال التوقع أو الوقوع؛ هو أهم تشوفا لدى الشارع من الاهتمام بمجرد معرفة الأحكام ذاتها.

إن مشكلة الفقه السياسي الإسلامي تكمن في أن فقهاءه لم يقدموا لنا المنهج السياسي الإسلامي الصحيح كما طبقه النبي صلى الله عليه وسلم؛ وخلفائه الراشدين، بل يقدمون النظرية السياسية في الإسلام كما تشكلت عبر الأزمنة الأموية والعباسية، فيسوء فهم النص المقدس الذي جرده التطبيق النبوي والراشدي، بالآراء التي ترعرعت في ظلال القمع وفيها ما هو صواب يجب احترامه، وفيها ما هو خطأ، يجب أن يملك أهل الاختصاص الجرأة لتجاوزه.

وعلى هذا يجب تفعيل مقاصد الشريعة في مجال السياسة الشرعية والأحكام السلطانية من خلال التأصيل والتأسيس لعقلية مقاصدية تنطلق من مقاصد الكتاب والسنة؛ وقراءة مقاصد الحياة السياسية والدستورية؛ ولا تكتفي فيما تمّ إنجازه في فقه الأحكام السلطانية من مراسيم ظرفية؛ مقاصد قادرة على أن تخطو خطوات هامة نحو تقديم صيغ تنظيمية للقيم السياسية الإسلامية؛ محكومة بمقاصد عليا بمثابة مخطط بناء هندسة دستورية للعمران الحضاري.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش

(1) ابن عاشور، مقاصد الشَّرِيعة؛ ص302 .

(2) حمد الطاهر الميساوي؛ التعليل والمناسبة والمصلحة: بحث في بعض المفاهيم التأسيسية لمقاصد الشريعة مجلة المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ العدد: 052 بحوث ودراسات الأحد 16 حزيران 2002.

(3) ومن قبيل هذه الجرأة أن أحد علماء العصر سئل عن رأيه حول الموضوع المركزي في القرآن الكريم، فكانت الإجابة غير متوقعة ومفاجئة لكل الاحتمالات الممكنة حيث قال: إن الموضوع المركزى فى القرآن هو الإنسان! نعم تلك حقيقة قرآنية إن الإنسان هو هدف القرآن وموضوعه المركزى، وهي النتيجة التي يمكن البرهان عليها بأدلة كثيرة؛ لعل من أهمها اتفاق الجميع على أن الإسلام هو دين الحرية؛ وتلك حقيقة ثانية طمستها عهود الاستبداد منذ أيام الفتنة الكبرى وحتى اليوم؛ فضلا عن دلالة أن القرآن الكريم ذاته حيث نجده يبدأ بـ (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ ويختتم بتـ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ..) مما يرشد إلى مقاصدية حفظ الإنسانية في القرآن. فالإنسان يعد بحق مبحثا قرآنيا نظرا لأن مقاصد الحياة في الدنيا متوقفة على صلاحه في المنهج الإسلامي قرآنا وسنة ولا يتبين له ذلك سوى بعد تحريره عقلا وإرادة؛ وعندها فحسب ينطلق في الأرض ساعيا بقيم الحق والعدل والقسط والأمانة والقوة والوحدة ضمن تنوعها والميزان المتوسط المعتدل بين الاخسار والطغيان والعلم والاجتهاد والجهاد، وكل ذلك ضمن قانون الابتلاء الكوني الماضي المطرد؛ ينظر مقالة د/ الهادي بريك تفعيل مقاصد الشّريعة في معالجة القضايا المعاصرة للأمة؛ على موقع إسلام أون لاين؛ وينظر أيضا: محمد حماد؛ الإسلام دين الحرية؛ مقالة على الأنترنت على موقع.

http://al-araby.com/docs/1027//print2636.htm.

(4) وقد أشار د. يوسف القرضاوي في أكثر من موضع حاجة الفقه الإسلامي إلى إعادة النظر في المقاصد من حيث مفردتها بالاهتمام بالمقاصد المتعلقة بالمجتمع كالحرية والمساواة والعدالة والإخاء والكرامة والتكافل؛ فكلها مقاصد عامة للشريعة الإسلامية؛ ويعطي أمثلة من كتب الأصول للتدليل على غياب العقلية المقاصدية لدي الجماعة كتمثيلهم حفظ العقل في عقوبة الشرب، كأن هذا هو كل اهتمام الإسلام بالعقل، متسائلا ومتعجبا فأين العقلية العلمية وطلب العلم والإشادة بالعلماء وقيمة المعرفة؛ ومثله د. محمد سليم العوا؛ في محاضرة “مقاصد الشريعة الإسلامية وتحديات الواقع”، بجامعة القاهرة – ندوة تحت عنوان “مقاصد الشريعة في ضوء المتغيرات المعاصرة” يوم الأربعاء -11 إبريل 2007 حيث دعا إلى فتح الاجتهاد لاكتشاف مقاصد جديدة مثل ما فعل رائد المقاصديين المعاصرين ابن عاشور مع مقصد الحرية وحفظ نظام الأمة.

د. القرضاوي؛ مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية؛ ص84.

(5) ينظر تفصيلا أكثر مقدمة كتاب د/أحمد الريسوني؛ الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية؛ الناشر اللجنة العلمية لحركة التوحيد والإصلاح؛ بالمغرب؛ ط1؛ سنة 2007، وقد حدد فضيلته هذه الكليات المقاصدية وفصلها بدورها إلى أربع: أولها: ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وثانيها: التعليم والتزكية وثالثها: جلب المصالح ودرء المفاسد، ورابعها: قيام الناس بالقسط. وهي التي سماها من قبله د. طه العلواني بالمقاصد القرآنية العليا الحاكمة وعددها هي التوحيد والتزكية والعمران. وهي عند غيرهم محصورة في مقاصد ثلاث: العبادة والخلافة والعمارة.

(6) د. حسن حنفي؛ مقاصد الشريعة وأهداف الأمة – قراءة في الموافقات للشاطبي- مجلة المسلم المعاصر العدد103السنة26 ص102.

(7) د. محمد سليم العوا؛ الحرية في أصولها الإسلامية؛ كتاب قضايا الأمة على موقع الوحدة الإسلامية.

(8) د. أبو بلال عبد الله الحامد؛ المشكلة والحل- الاستبداد والشورى-؛ الدار العربية للعلوم؛ بيروت؛ ط1؛ سنة 2004؛ ص18.

(9) محمد بن المختار الشنقيطي الشرعية قبل الشريعة؛ مركز الراية للتنمية الفكرية” في دمشق أو جدة.

(10) د. الغنوشي؛ الحريات العامة في الدولة الإسلامية بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993؛ ص 28.

(11) علال الفاسي؛ مقاصد الشريعة ومكارمها؛ ص7.

(12) الريسوني؛ محاضرات في مقاصد الشريعة؛ ص103.

(13) عبد النور بزا؛ مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية؛ الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ط1؛ سنة 2008؛ ص 18.

(14) د. إسماعيل السعيدات؛ مقاصد الشريعة عند الإمام الغزالي؛ دارا لنفائس؛ ط1؛ 2011؛؛ ص 1،4.

(15) http://www.alshawkany.net/index.php?action=showDetails&id=

(16) الشاطبي؛ الموافقات؛ ج2؛ ص 344.

(17) الجويني؛ البرهان؛ ج2؛ ص604.

(18) د. اسماعيل السعيدات؛ مقاصد الشريعة عند الإمام الغزالي مرجع سابق؛ ص37 نقلا عن الغزالي؛ شفاء الغليل159.

(19) الإمام القرافي؛ الفروق؛ ج3ص135 القاعدة 153.

(20) الطاهر بن عاشور؛ مقاصد الشريعة؛ ص 190.

(21) د. عبد السلام الرفعي؛ فقه المقاصد في الفكر النوازلي؛ الناشر دار إفريقيا الشرق–المغرب-2004؛ ص18.

(22) الجويني؛ الغياثي؛ ص 140.

(23) سورة هود؛ آية 88.

(24) سورة الأعراف آية 142.

(25) ومن الأمثلة التي يتميز بها الفكر المقاصدي لابن عاشور عن غيره ما ذكره الإمام الريسوني من أن الشاطبي يقول: المقصد من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد له اضطرارا أما ابن عاشور يأتي فيقول: المقصد العام للشريعة هو حفظ نظام الأمة وبقاء قوتها وهيبتها؛ هذا صحيح وهذا صحيح، ولكن هذا من زاوية وهذا من زاوية.

(26) الريسوني؛ محاضرات في مقاصد الشريعة؛ 101.

(27) الشاطبي؛ الموافقات؛ ج2 ص 148؛ وعبد المجيد النجار؛ تجديد مقاصد الشريعة؛ ص 278.

(28) ينظر تحليلا قريبا من هذا عند د. طه جابر العلواني؛ لا إكراه في الدين- إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم؛ مكتبة الشروق الدولية القاهرة؛ ط1؛ سنة 2003؛ ص68؛ حيث يعتقد فضيلته بناء على هذه الواقعة وغيرها بأن جريمة الردة ليست حدا وإنما عقوبتها التعزير؛ ناعيا على بعض الأنظمة العربية إقدامها على تنفيذ حد الردة أو الحكم بالإعدام علي بعض المواطنين صدر عنهم ما يفهم منهم حرية الكفر كسلمان رشدي وفتوى الإمام الخميني سنة 1989 بإهدار دمه ورصد جائزة لقاتله؛ وفرج فودة؛ ونوال السعداوي؛ ونصر أبو زيد؛ وحسن حنفي؛ وغيرهم كثير؛ ينظر تفصيلا حول هذه الوقائع ووجهة نظر فضيلته؛ د. العلواني؛ المرجع نفسه؛ ص 8 وما يليها. ود. محمد سليم العوا؛ الحق في التعبير؛ دار الشروق؛ ط2؛ 2003؛ ص64؛ حيث تساءل في أعقاب الحكم بالتفريق بين د. نصر أبو زيد وزوجته بسبب أفكاره التي رأت فيها المحكمة خروجا عن الإسلام وردة عنه؛ هل يوجب الإسلام قتل المرتد؛ ينظر تفصيلا في المرجع نفسه الذي خصصه لقضية تكفير د. ابو زيد؛ الضبط الاداري دراسة مقارنة، ص 65.

(29) الغزالي؛ المرجع السابق؛ ص99.

(30) الشاطبي؛ الاعتصام؛ ص74.

(31) د. حمادي العبيدي؛ الشاطبي ومقاصد الشريعة؛ منشورات كلية الدعوة الإسلامية؛ طرابلس؛ ليبيا؛ ط1؛ سنة 1992؛ ص241.

(32) الطاهر بن عاشور؛ المرجع السابق؛ ص293.

(33) طارق الشامخي؛ الأمن الجماعي الإسلامي: مقاربة مقاصدية http://chamkhi.maktoobblog.com/765398/ 7-

(34) الإمام ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام تحقيق د. محمد الطاهر الميساوي؛ دار النفائس، عمّان: 2001؛ ص337.

(35) د. عمر بن صالح بن عمر؛ مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام؛ دار النفائس الأردن؛ ط1؛ 2003؛ ص160

(36) د. سميح عبد الوهاب الجندي؛ أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية وآثارها في فهم النص واستنباط الحكم؛ دار الإيمان؛ الاسكندرية2003؛ ص19 نقلا عن ابن تيمية؛ درء التعارض؛ ج9؛ ص382.

(37) د. يحي محمد؛ نظرية المقاصد والواقع مجلة قضايا إسلامية معاصرة العدد08 ص101. حيث يقرر عدم كفاية المصالح المذكورة والمحصورة في الضروريات الخمس لمختلف نواحي الحياة في ظل الدولة الحديثة؛ إضافة إلى انه يعتبر هذه الضروريات ليست مقاصدا حقيقية؛ وإنما تتعلق بالحاجات المادية للإنسان؛ وأما المقاصد الحقيقية والتي أسماها بالمقاصد الغائية فعدد منها: التعبد والتخلق والتوحد والتعقل والتحرر…المرجع نفسه؛ ص150.

(38) د. جمال الدين عطية؛ نحو تفعيل مقاصد الشريعة؛ المعهد العالمي للفكر الإسلامي دار الفكر – دمشق – ط1؛سنة 2001؛ ص119.

(39) د. فتحي الدريني؛ الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده؛ ص48.

(40) د. عثمان عبد الرحيم؛ جماعات العنف ومقاصد التشريع؛ مقالة على الأنترنت موقع الوحدة الإسلامية.

(41) الإمام العز بن عبد السلام؛ قواعد الأحكام في مصالح الأنام؛ ج1؛ ص 54.

(42) الإمام العز بن عبد السلام؛ مرجع نفسه؛ ج1؛ ص 132 .

(43) د. عثمان عبد الرحيم جماعات العنف ومقاصد التشريع؛ مقالة على الأنترنت موقع الوحدة الإسلامية.

(44) سورة الأنبياء: الآية 92 .

(45) سورة المؤمنون: الآية 52

(46) ومن المآثر الخالدة التي تنسب إلى المصلح المجدِّد “حسن البنا” أنـَّه دخل المسجد ذات يوم، فوجد صداما عنيفا قد احتدم بين المصلِّين، إلى درجة أن كادت الفتنة تعصف بهم جميعا، مختلفين في صلاة التراويح وفي عدد ركعاتها، ما بين مقتصر على ثمانية وعلى عشرة وعلى عشرين ركعة، ودخل الشيخ بأسلوبه الحكيم، ونظره البعيد، ومنطقه السديد، ليُصلح بين القوم، فإذا بالمرشد أو المصلح ينظر إلى الموضوع من زاوية غابت عن الجميع، فهو لم يحتكم إلى جزئية من جزئيات الموضوع، أو مسألة من مسائل النصِّ، فيحكم بها بين المتخاصمين، متعِّرضا إلى مصدر الفتوى التي من أجلها احتدم الخلاف، بل استند إلى أصل من أصول الشريعة، ومقصد من مقاصدها الكبرى التي تضافرت على اعتباره نصوصٌ كثيرة من القرآن والسنة، فسألهم قائلا: «هل صلاة التراويح فرض أم سنة؟»، واتفق الجميع بأنـَّها سنَّة، ثم زاد فسألهم: «هل الوحدة الإسلامية ونبذ الصراع والخصام فرض أم سنَّة؟» فقال الجميع بأنـَّها فرض، ثم زاد فسألهم: «إذا تعارض الفرض مع السنة أيـُّهما يقدَّم؟»، فقال الجميع: «يقدَّم الفرض»، ثم قال: «اليوم لا نصلِّي صلاة التراويح».

(47) لكن مع هذه الأهمية للعمران البشري الذي يمثل أشرف المقاصد التشريعية- على تعبير الإمام ابن عاشور- المطلوبة من عموم المسلمين إلا انه يبق فقها مغيبا لعقود من الزمن هجرنا فيها العمل بمقتضى قوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)47، قال الطبري: “وجعلكم عمارا فيها”، وقال البيضاوي: “أقدركم على عمارتها وأمركم بها” ومن ثم فالواجب جعل الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع ومن كل أبواب الخير قال الإمام الجصاص ناقلا حكم الوجوب لعمارة الأرض: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) أي أمركم بعمارتها… وفيه دلالة على وجوب عمارة الأرض؛ للزراعة والغراس والأبنية”؛ وهو المعنى الذي تلقاه الإمام علال الفاسي وأودعه في مقاصده بقوله: “والمقصد العام للشريعة الاسلامية هو عمارة الأرض” ينظر بتصرف د/ مسفر بن علي القحطاني؛ الوعي المقاصدي – قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مناحي الحياة-؛ الناشر الشبكة العربية للأبحاث والنشر؛ بيروت ط1؛ سنة 2008؛ ص 91 نقلا عن علال الفاسي؛ مقاصد الشريعة ومكارمها؛ الناشر دار الغرب الإسلامي؛ ط5؛ سنة 1993؛ ص42.

(48) سورة آل عمران:110.

(49) سورة البقرة: 143.

(50) د/مسفر بن علي القحطاني؛ يقظة الوعي الحضاري.. هل يُنهي زمن الغفوة؟؛ على موقع الإسلام اليوم 12) بتاريخ الأربعاء 04/10/2006.

(51) ابن عاشور؛ المرجع السابق؛ ص300 .

(52) الطاهر بن عاشور؛ المرجع نفسه؛ ص294.

(53) الشاطبي؛ الموافقات؛ ج1؛ ص37 .

(54) الطاهر بن عاشور؛ مقاصد الشريعة؛ ص 190.

(55) الطاهر بن عاشور؛ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام؛ دار السلام؛ القاهرة؛ ط2؛ سنة 2006؛ ص08

(56) الطاهر بن عاشور؛ المرجع نفسه؛ ص114.

(57) د. عبد المجيد النجار؛ خلافة الإنسان بين الوحي والعقل؛ – بحث في جدلية النص والعقل والواقع؛ إصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ فرجينيا؛- أمريكا-؛ ط3؛ سنة 2000؛ ص118 وما بعدها.

(58) علال الفاسي؛ مقاصد الشريعة ومكارمها؛ دار البيضاء؛ مكتبة الوحدة العربية؛ دون تاريخ نشر؛ ص41.

(59) ينظر عبد القادر جدي؛ الحماية الجنائية للأمن العام في الفقه الإسلامي؛ مجلة المعيار؛ جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة- الجزائر العد 15 فيفري 2004؛ ص92.

(60) ينظر: د. محمد سليم العوا؛ في النظام السياسي للدولة الإسلامية؛ ص 181؛ الشيخ الغنوشي؛ الحريات العامة في الدولة الإسلامية؛ ج1؛ ص45.

(61) د. محمد سليم العوا؛ في النظام السياسي للدولة الإسلامية؛ ص 205.

(62) د. هاشم يحي الملاح؛ حكومة الرسول – صلى الله عليه وسلم-؛ دار الكتب العلمية؛ بيروت؛ ط1؛ سنة 2007؛ ص3.

(63) الريسوني؛ الشورى في معركة البناء؛ ط1؛ 208؛ الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ ص95 وص98.

(64) ينظر ابن خلدون؛ المقدمة؛ ص 209.

(65) ينظر د. منير حميد البياتي؛ النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة القانونية؛ دار وائل؛ عمان؛ ط1؛ سنة 2003؛ ص209.

(66) محمد بن المختار الشنقيطي الشرعية قبل الشريعة؛ مركز الراية للتنمية الفكرية” في دمشق أو جدة: المصدر: الجزيرة نت.

(67) ينظر د. منير حميد البياتي؛ النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة القانونية؛ دار وائل؛ عمان؛ ط1؛ سنة 2003؛ ص209.

(68) آل عمران: آية 159.

(69) الشورى: آية38 .

(70) وقد ظلّت هذه الشروط تتردّد في مؤلّفات السياسة الشرعية منذ الماوردي إلى عصرنا الحاضر بل هناك من كبار العلماء من يذهب إلى أن بيعة الإمام تنعقد بالواحد وبالاثنين من أهل الاختيار ووصل الحد بها إلى العهد بها إلى الصبيان والرضع ينظر محمود شاكر؛ الخلافة والإمارة؛ الناشر المكتب الإسلامي، بيروت 1992؛ ص 139ود. الريسوني؛ الشورى في معركة البناء؛ ص 124.

(71) لقد ذهب الماوردي إلى أنّ الإمام إذا أصابه مرض يُفقده عقله بصفة ملازمة كالجنون والخبل فإنه لكي يصبح سببا كافيا لعزله عن الإمامة ينبغي أن يكون غيابَ عقل مستديما لا تتخلّله إفاقة، أما إذا كان غيابا تتخلله إفاقة “فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يُمنع من عقد الإمامة واستدامتها، ويخرج بحدوثه منها، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل… فقيل يُمنع من استدامتها.. وقيل لا يُمنع من استدامة الإمامة” الماوردي؛ الأحكام السلطانية؛ المكتب الإسلامي، بيروت 1996؛ ص 32 .

(72) وهو ما رواه الفراء إذ يقول:” فإن كان جرحا في عدالته وهو الفسق، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات، اتباعا لشهوته، أو كان متعلقا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحقّ ” الفراء؛ الأحكام السلطانية؛ دار الكتب العلمية: بيروت2000؛ ص 20.

(73) أخرجه مسلم؛ الجامع الصحيح، كتاب الإمارة؛ تحقيق فؤاد عبد الباقي؛ ج3؛ رقم 1839؛ ص 1429. وينظر إلى هذه الأقوال و الروايات؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى؛ ج3؛ ص 187.

(74) عبد القادر عودة؛ المصدر السابق؛ ص45 ومحمد الغزالي؛ الإسلام والاستبداد السياسي؛ تحقيق: أ. مسعود فلوسي؛ دار الريحانة؛ الجزائر؛ ط 1999 ص 199 ،200. ويعلق على قول عمر السابق: “إن عمر يريد أن ينكل بالحاكم الطائش ليكون لمن بعده عبرة، ذلك أن التلاعب بمصير الجماعة مصيبة نكراء، ولذلك فالإسلام يعتبر الحكم تكليفا لا تشريفا”.

(75) رواه الترمذي؛ أبواب الصلاة؛ باب فيمن أم قوما وهو له كارهون؛ وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر؛ وقد وردت أحاديث يعضد بعضها بعضا في الثبوت؛ يلعن فيها رسول الله من أم قوما وهم له كارهون؛ ينظر تعليقا مميزا على هذه الأحاديث عند د. الريسوني؛ الشورى في معركة البناء؛ ص 158 .

(76) يراجع حول هذا المعنى د. يوسف القرضاوي؛ من فقه الدولة في الإسلام: 80 وما بعدها.

(77) بحيث يمكن الاستشهاد على ذلك بما أقر به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم منذ بداية وضع أول لبنات في صرح الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة حيث أقر في دستورها بالحرية الدينية ليهود المدينة، ويعترف لهم بأنهم يشكلون مع المسلمين أمة واحدة. وكذلك حين فتحت القدس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضمن للمسيحيين من سكان القدس الأمان على حياتهم وكنائسهم. يقول محمد الخضر حسين:”وإبقاء المحكومين على شرائعهم وعوائدهم، منظر من مناظر السياسة العالية، وباب من أبواب العدالة يدخلون من قبله إلى أكناف الحرية” ينظر محمد الخضر حسين: محاضرات إسلامية، ص 45 حيث يمكن معه تقرير أن الإسلام يعتبرضمانة لحرية أهل الذمة الدينية من حيث:حرية المعتقد. وحرية التحاكم لشرائعهم فيما بينهم. وحرية ممارسة شعائرهم التعبدية، واحترام معابدهم.

(78) د. عبد الجليل محمد علي؛ مبدأ المشروعية في النظام الإسلامي؛ والأنظمة القانونية المعاصرة؛ ط1؛ سنة 1984؛ ص 18.

(79) عبد النور بزا؛ مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية؛ الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ط1؛ سنة 2008؛ ص 36.

(80) عبد الرحمن الكيلاني؛ قراءة في كتاب مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية؛ مقالة على الأنترنت على موقع المعهد العالمي للفكر الإسلامي العدد؛ 55 ليوم السبت 11 شباط 2006 السبت 06 نيسان 2002 .

(81) سورة الأنبياء: آية 107 .

(82) عبد النور بزا؛ مصالح الإنسان- مقاربة مقاصدية-؛ الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ ط1؛ سنة 2008؛ ص 18

(83) ولمّا فهم أحد الصحابة قوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) البقرة:187 أن ذلك خيط وحبل حقيقي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لعريض الوساد) أي قليل الفقه، وما أكثر قليلي الفقه المعاصرين الذين اهتموا بالفروع عن الأصول وبالجزئيات عن الكليات.

(84) وجيه كوثراني؛ الدولة السلطانية؛ مقالة على الانترنت على موقع الإسلام أون لاين.

(85) ينظر مقالة د. الهادي بريك تفعيل مقاصد الشّريعة في معالجة القضايا المعاصرة للأمة؛ على موقع إسلام اون لاين.

(86) أحمد الريسوني؛ الشورى في معركة البناء؛ ص 120 ومات بعدها والإمام الطبري؛ تاريخ الأمم والملوك؛ ج7؛ ص61.

(87) د. توفيق الشاوي؛ فقه الشورى والاستشارة؛ ص421؛ وينظر أيضا: المرجع نفسه؛ ص459.

(88) وتتمثل أمور الأمن في مصالح وشؤون الأمة في وقت السلم في الظروف العادية، أما أمور الخوف فتتمثل في شؤون الجهاد والقتال في ظل الظروف الاستثنائية؛ ويشهد لهذا المعنى ما ذكره الإمام الزمخشري وغيره في تفسيرها ” ولو ردوا وفوضوا تدبير أمر السلم والحرب إلى الرسول حال حياته؛ والى أولي الأمر أهل الحل والعقد لعلمها الذين يستنبطون تدبيرها وما يأتون منها وما يذرون بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور السلم ومقتضياتها والحرب ومكايدها” ينظر الزمخشري؛ تفسير الكشاف؛ ج1؛ ص531 سورة النساء؛ آية 83.

(89) إمام الحرمين: الإرشاد؛ الناشر مؤسسة الكتب الثقافية؛ بيروت 1985؛ ص 357 .

(90) الماوردي؛ الأحكام السلطانية: 17.

(91) والشرط الذي اختص ابن عطية بالنص عليه دون سواه في حدود ما نعلم- مما يعني التأكيد على أن للشورى مدخلا في التولية وفي العزل، وهو مبدأ دستوري معاصر مسلم به حيث يشترط في المترشح للرئاسة ان يكون محترما للخيار الديمقراطي ولاحترام الدستور في ممارسة السلطة ينظر ابن عطية؛ تفسير المحرر الوجيز: طبعة قطر 1977؛ ج3؛ ص 197 .

(92) راجع نماذج من ذلك في: محمد سليم العوا؛ في النظام السياسي للدولة الإسلامية الناشر دار الشروق، القاهرة بيروت 1989.

(93) الريسوني؛ الشورى في معركة البناء؛ ط1؛ 208؛ الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ ص 35 حيث خصص لمقاصد الشور ى وفوائدها مبحثا كاملا قرر فيه عشرة مقاصد وفوائد. ينظر من ص 35 إلى ص 49.

(94) د. الريسوني؛ الشورى في معركة البناء؛ ط1؛ 208؛ الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ ص 40

(95) د. الريسوني؛ الشورى في معركة البناء؛ ط1؛ 208مرجع نفسه؛ ص95 وص98.

(96) د. رمزي الشاعر؛ القضاء الإداري ورقابته على أعمال الإدارة؛ دار النهضة العربية؛ القاهرة سنة 1982 ص11.

(97) د. اسماعيل بدوي؛ القضاء الإداري؛ ج1- مبدأ المشروعية-؛ ط2؛ سنة 1997؛ ص 19.

(98) عبدالقادر عودة؛ التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي مؤسسة الرسالة؛ بيروت؛ ج1 ط 09 سنة 1987؛ ص42

(99) د. احمد عبد المنعم؛ مبدأ المشروعية؛ الدعامة الأولى لحق الأمن الفردي في الدولة الإسلامية؛ ص 95.

(100) الماوردي؛ الأحكام السلطانية؛ ص 05

(101) د. عبد الله محمد القاضي؛ السياسة الشرعية مصدر للتقنيين؛ دار الكتب الجامعية؛ ط1 1989 ص 534 و 535.وقد ذكر أن هناك ثلاثة قيود: 1- احترام قواعد القانون الإسلامي. 2- عدم الانحراف في استعمال السلطة. 3- الملائمة بين الأسلوب المتبع والهدف منه. مرجع نفسه؛ ص535.

(102) د. هشام احمد جعفر؛ الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية؛ ص 204.

(103) د. محمد المبارك؛ نظام الإسلام – الحكم والدولة-؛ ص 36.

(104) د. علي جريشة؛ المشروعية الإسلامية العليا؛ رسالة دكتوراه؛ ص 233.

(105) د. علي جريشة؛ إعلان دستور إسلامي؛ ص 58.

(106) عبد الباقي يوسف؛ ثقافـة العدل في الإسلام موقع الوحدة الإسلامية 08/01/2004.

(107) ابن تيمية؛ السياسة الشرعية؛ ص26.

(108) ابن القيم الجوزية؛ الطرق الحكمية؛ ص14.

(109) محمد بن المختار الشنقيطي؛ الشرعية قبل الشريعة؛ مقالة منشورة مركز الراية للتنمية الفكرية” في دمشق أو جدة.

(110) د. منير حميد البياتي؛ النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة القانونية رسالة دكتوراه؛ الناشر دار وائل للنشر الأردن؛ ط1؛ سنة 2003؛ ص287؛ ود. سليمان الطماوي؛ عمر وأصول السياسة والإدارة الحديثة؛ ص349.

(111) وتطبيقا لذلك كان الرسول يستمع لكل شكوى تأتيه من أي عامل من عماله؛ وبهذا الخصوص عزل العلاء بن الحضرمي عامله على البحرين نظرا لشكوى قدمها وفد عبد القيس؛ وعين مكانه ابن سعيد واستوصاه خيرا بعبد القيس؛ ينظر تفاصيل القصة كاملة عند د. حمدي عبد المنعم؛ ديوان المظالم؛ ص53. والحديث أصله عند ابن سعد؛ الطبقات الكبرى؛ ج3؛ ص187.

(112) د. داوود الباز؛ أصول القضاء الإداري في الإسلام؛ ص37 وما بعدها.

(113) ينظر إلى هذه الأقوال كاملة وبعض القضايا في د. داوود الباز؛ أصول القضاء الإداري في الإسلام؛ ص42 ورسالة د. أحمد عبد الملك قاسم؛ قضاء المظالم في الإسلام؛ رسالة سابقة؛ ص125.

(114) ينظر عبد القادر جدي؛ الحماية الجنائية للأمن العام في الفقه الإسلامي؛ مجلة المعيار؛ جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة- الجزائر العدد 15 فيفري 2004؛ ص 120 .

(115) كما في الحديث القدسي: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب” من باب اللطف بهم؛ والرحمة لهم؛ ومن باب الإكبار لأذيتهم عند الله؛ ينظر عن ابن العربي؛ أحكام القرآن؛ ج 2؛ ص 593.

(116) ينظر عبد القادر جدي؛ الحماية الجنائية للأمن العام في الفقه الإسلامي؛ مقالة سابقة؛ ص 120.

(117) ابن الهمام شرح فتح القدير؛ ج5؛ ص 423؛ عبد القادر جدي؛ الحماية الجنائية للأمن العام في الفقه الإسلامي؛ مرجع نفسه؛ ص120.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر