أبحاث

الاجتهاد في تحقيق المناط وأنواعه وضوابطه

العدد 90

القسم الأول

الاجتهاد فى تحقيق المناط

ضرورة الاجتهاد وخطورته :

إن من حكمة الله فى شريعته أنه – سبحانه – شرع لنا أمور كلية ،بعبارات مطلقة ،تتناول أعداداً لا تنحصر من الجزئيات ،وكل معين من هذه الجزيئات ،وكل معين من هذه الجزيئات يمتاز بخصوصية ليست فى غيره ولو فى نفس التعيين ،وليست كل جهة اختلاف متعبرة فى الحكم الشرعى بإطلاق ،ولا هى ملغاة فى الحكم – بإطلاق – كذلك .

وبناء على هذا قرر المحققون أن كل واقعة <<نازلة مستأنفة فى نفسها لم يتقدم لها نظير ،وإن تقدم لها فلم يتقدم لنا ،فلابد من النظر فى كونها مثلها أولاً ،هو نظر اجتهاداً أيضاً >> (1).  

ويزداد الأمر صعوبة أمام المتصدى للحكم الشرعى ،فقهياً كان أو مفتياً أو قاضياً (2)حين تأخذ الواقعة بشبه من ناحيتين ،فلابد من نظر – سهل أو صعب – كى يلحقها الفقيه بالطرف الذى هى به أشبه .

تلك صعوبة أو خطورة تواجه كل مشتغل بالحكم الشرعى من ناحية الواقعة وما يحيط بها ،وهنا خطورة أعظم وذلك عندما يستشعر من يصدر الحكم الشرعى المقام الذى أقيم فيه ،وأنه يخبر عن الله كما يخبر النبى صلى الله عليه وسلم ،ويوقع الشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره واجتهاده ،وأمر نافذ فيهم ،فالعلماء ورثة الأنبياء (3)وهم أولو الأمر الذين قرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله فى قوله تعالى :

(يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم )(4).

ويوضح الشاطبى خطورة مقام المفتى ،وأن الله جعله شارعاً من وجه ،سواء فيما هو منقول عن صاحب الشرع أو فيما هو مستنبط من المنقول ،فيقول : <<إن المفتى شارع من وجه ؛لأن ما يبلغه عن الشريعة إما منقول عن صاحبها ،وإما مستبط من المنقول ،فالأول يكون مبلغاً ،والثانى يكون فيه قائماً مقامه فى إنشاء الأحكام ،وإنشاء الأحكام بحسب نظره فيه من جهة فهم العالم من الألفاظ الشرعية ،ومن جهة تحقيق مناطها وتنزيلها على الأحكام ،وكلا الأمرين راجع إليه فيه ،فقد قام مقام الشارع أيضاً فى هذا المعنى >>(5).

أنواع الاجتهاد :

بعد أن اتضح لنا أن كل واقعة تحتاج إلى اجتهاد نذكر أن الاجتهاد نوعان :

الأول : اجتهاد فى إدراك علل الأحكام الشرعية .

ونتناول كل واحد منها بتوضيح موجز ،قبل أن نستفيض فى الحديث عن النوع الثانى ،الذى هو موضع اهتمام هذا البحث .

الاجتهاد فى إدراك علل الأحكام الشريعة:

ويشتمل على نوعين :

أ- ما يسميه الأصوليون <<تخريج المناط >>وذلك حين ينص الشرع على حكم من الأحكام ،ولا ينص على الوصف المعتبر فى الحكم وهو المسمى <<علة الحكم >>،فيجتهد الفقهاء فى استخراج هذه العلة لُيطبق الحكم على الجزئيات المشتملة على هذه العلة بدون فارق أو معارض .

ونذكر لذلك مثلاً ،فالله عز وجل حرم الربا ،ولقد أجمع جمهور الفقهاء على أن ربا النسيئة وربا الفضل يقعان فى الأصناف الستة الواردة فى حديث عبادة بن الصامت عن النبى صلى الله عليه : <<الذهب بالذهب مثلاً بمثل ،والفضة مثلاً بمثل ،والتمر بالتمر مثلاً بمثل ،والبر بالبر مثلاً بمثل ،والملح بالملح مثلاً بمثل ،والشعير بالشعير مثلاُ بمثل ،فمن زاد أو ازداد فقد أربى ،بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد ،ويبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد ،وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد >> (6).

واتفق جمهور الفقهاء على أن هذه الأصناف معللة بعلل ،ولكنهم اختلفوا فى تخريج العلة ،وهى الوصف الذى اناط به الشارع حكم التحريم ،وترتب على ذلك اختلافهم فى الحكم عند التطبيق على الجزئيات .

*فذهب الأحناف إلى أن علة ربا الفضل هى الكيل أو الوزن مع حدة الجنس فى ،وأما علة ربا النسيئة فهى وجود أحد الوصفين ،نعنى وحدة الجنس ،أو الكيل أو الوزن (7).

*وذهب المالكية إلى أن علة ربا الفضل فى الذهب والفضة كونهما رءوس الأثمان مع وحدة الجنس فى المعاوضة ،أما علة الربا فى الأصناف الأربعة الباقية فهى الادخار والاقتيات مع وحدة الجنس .

أما ربا النسيئة فعلته فى الذهب والفضة مجرد كونهما رؤس الأثمان ،وفى الأصناف الأربعة الأخرى مجرد الطعم والادخار ،أى بدون اعتبار الاقتيات أو وحدة الجنس (8).

*وذهب الشافعية إلى أن علة ربا الفضل فى الذهب والفضة كونهما رؤس الأثمان ،فوافقوا فى ذلك المالكية ، وأما علته فى الأصناف الأربعة الباقية فهى الطعم ووحدة الجنس .

وعلة ربا النسيئة فى الذهب والفضة كونهما رءوس الأثمان ،وفى الأربعة الأخرى الطعم فقط (9).

*أما الحنابلة فلقد نقل عن أحمد رضى الله عنه فى ذلك ثلاث روايات ،أشهرها أن علة الربا فى الذهب والفضة كونهمت موزون جنس ،أى الوزن مع وحدة الجنس ،وعلة الأصناف الأربعة الأخرى كونها مكيل جنس ،أى الكيل مع وحدة الجنس .

وأما الرواية الثالثة فهى أن العلة فيما عدا الذهب والفضة هى المطعومية مع جنس الكيل أو الوزن ،فلابد لربا الفضل على هذه الرواية من أن يتوفر الطعم مع الكيل أو الوزن .

وقد رجح صاحب المغنى الرواية الثالثة فقال : <<وما وجد فيه الطعم وحده ،أو الكيل أو الوزن وحده من جنس واحد ففيه روايتان . الأولى :

– إنشاء الله – حله ،إذا ليس فى تحريمه دليل موثق به ،ولا معنى يقوى التمسك به >> (10).

ونكتفى بهذا المثال لتخريج المناط .

ب – ما يسميه الأصوليون <<تنقيح المناط >>وذلك حين يكون الوصف المعتبر فى الحكم مذكوراً مع غيره فى النص ،فيجتهد العلماء فى التنقيح (11)،والتهذيب ؛ليتميز ما هو معتبر مما هو ملغى .

مثال ذلك ما رواه البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : وقعت على امرأتى وأنا صائم ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ىهل تجد رقبة تعتقها ؟

قال : لا ،قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ،قال : فهل تجد إطعام ستين مسكيناً ؟ قال : لا ،قال (أى أبو هريرة ) : فمكث النبى صلى الله عليه وسلم ،فبينا نحن على ذلك أتى النبى صلى الله عليه وسلم بفرق فيه تمر (الفرق : المكتل ) قال (أى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : أين السائل ؟

فقال : أنا . قال : خذ هذا فتصدق به .

فقال الرجل : على أفقر منى يا رسول الله ؟ فوالله ما بين لابتيها (يريد الحرتين ) أهل بيت أفقر من أهل بيتى ، فضحك النبى صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ،ثم قال : أطعمه أهل بيتك >> (12).

ولقد اجتهد الفقهاء فى تنقيح مناط الحكم فى هذه الواقعة ،وجمهور الفقهاء على أن من أفطر بجماع فى رمضان الواجب عليه القضاء والكفارة ،ولكنهم اختلفوا فى :

– هل الإفطار متعمداً بالأكل والشرب حكمه حكم الإفطار بالجماع فى القضاء والكفارة ؟

– وما حكم من جامع ساهياً ؟

– وماذا على من جامع وهو صائم فى غير رمضان (13)؟

والاجتهاد فى استخراج علل الأحكام الشرعية علل الأحكام الشرعية أو تنقيحها ليس محل اهتمام هذا البحث ؛ لأننا نرى أن الاحكام الشرعية – فى جملتها – قد تقررت مع عللها بنصوص الشرع أو إجماع الصحابة واجتهادهم ،أو بالقياس ،ولكن يبقى المجال واسعاً للنوع الثانى الذى يهتم به هذا البحث وهو الاجتهاد فى تطبيق الأحكام الشرعية وهو بعينه :

الاجتهاد فى تحقيق المناط :

ونقصد به أن يثبت الحكم وتثبت علته بأحد المدركات الشرعية (14)،أو بأكثر من واحد منها ،ولكن الاجتهاد يكون فى النظر فى تعيين محل الحكم ،أى الجزئيات التى يطبق عليها هذا الحكم بناء على تحقيق علته .

لماذا آثرنا كلمة الاجتهاد ؟

لقد آثر البحث كلمة <<الاجتهاد >>دون كلمة <<الاختلاف >>لأن مسائل الاختلاف تكون محمودة كما تكون مذمومة ،ومسائل الاجتهاد ،وذلك حين لا يكون فى المسألة <<دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً ،مثل حديث لا معارض له من جنسه ،فيسوغ فيها الاجتهاد ،وليس فى قول العالم >>إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد <<طعن لمن خالفها ،ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب >> (15) .

فما دامت المسألة دليلها احتمالى فى دلالته أو ثبوته ،أو تعارضت فيها ظواهر الأدلة ،ولم يكن فيها إجناع معتبر – لا مدعى – فهى بلك من مسائل الاجتهاد ،أو من مسائل الاختلاف المحمود .

أما إذا كان فى المسألة نص يجب العمل به ،ولم تتعارض فيها الأدلة ،أو كان فيها إجماع شائع فإن القول بخلاف النص أو الإجماع إنما هو اختلاف مذموم ،وليست المسألة بذلك من مسائل الاجتهاد .

وقد يكون للصحابة – رضوان الله عليهم – وكذلك لأئتمنا السابقين عذرهم فى بعض المسائل التى يحكى عنهم الاختلاف فيها ،مع أنها ليست من مسائل الاجتهاد ،وذلك مثل ما حكى من الاختلاف فى جواز تغسيل من مات محرماً ،فإن ابن عمر – رضى الله عنهما – كان إذا مات المحرم يرى أن إحرامه قد اقطع ،فلما مات ابنه كفنه فى خمسة أثواب ،واتبعه على ذلك كثير من الصحابة ،وابن عباس – رضى الله عنهما – علم حديث الذى وقصته ناقته وهو محرم ،فقال النبى صلى الله عليه وسلم : <<اغسلوه بماء وسدر وكفنوه فى ثوبيه ولا تقربوه طيباً ،ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً >> (16).  

فأخذ بذلك وقال : <<الإحرام باق ،يجتنب المحرم إذا مات ما يجتنب غيره ،وعلى ذلك فقهاء الحديث

وغيرهم >> (17).

فالمسألة بذلك فيها نص ثابت ،ولا معارض له ،فيجب العمل به ،ولا يلتفت إلى غيره ،وهى ليست من مسائل الاجتهاد ،والاختلاف فيها اختلاف مذموم (18).

وبناء على ما تقدم آثر البحث كلمة <<الاجتهاد >>؛لأن مسائل الاجتهاد كلها محمودة ،وفيها الخير للشريعة وللمسلمين .

الاجتهاد فى تحقيق المناط ضرورة لكل مسلم :

إن أحكام الشريعة فى – جملتها – قد تقررت ،حيث قال تعالى :

(اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا )(19).

واجتهد الفقهاء الأول فى استخراج علل هذه الأحكام ،ومعظم اجتهاداتنا اليوم إنما هى فى تطبيق الأحكام الشرعية ،أى فى .. تنزيل الحكم الشرعى على الواقعة التى تحققت فيها علته ،وهذا سميناه ب <<تحقيق المناط >>وهذا النوع من الاجتهاد <<لابد منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت ،بل بالنسبة إلى كل مكلف نفسه ،فإن العامى إذا سمع فى الفقه أن الزيادة الفعلية فى الصلاة – سهواً ،من غير جنس أفعال الصلاة أو من جنسها – إن كانت يسيرة فمغتفرة ،وإن كانت كثيرة فلا ،فوقعت له صلاته زيادة ،فلابد من النظر فيها حتى يردها إلى أحد القسمين ،ولا يكون ذلك إلا باجتهاد ونظر ،فإذا تعين له قسمها تحقق له مناط الحكم فأجره عليه وكذلك سائر تكليفاته (20) >>.

ومسئولية المسلم المستفتى فى هذا المجال مسئولية دينية ،فكثيراً ما يكون هو – وحده – الذى يعلم حقيقة مناط المسألة التى يستفتى فيها ،أو التى يتخاصم فيها أمام القضاء . وكل من الفقيه والمفتى والقاضى إنما يحكم بما اظهره له المستفتى أو المتخاصم ،ويجعل هذا الظاهر مناطاً للحكم الشرعى ،وبهذا أفتى وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فعن أبى هريرة أن رجلاً قال : يا رسول الله : إن لى قرابة ،أصلهم ويقطعوننى ،فقال : <<لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ،ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك >> (21).

وعن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : <<إنكم تختصمون إلى ،ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ،فأقضى له على نحو ما أسمع منه ،فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له به قطعة من النار >> (22).

وبعد أن أوضحنا المراد من الاجتهاد فى تحقيق المناط ،وبينا ضرورته لكل مسلم ،ننتقل إلى القسم الثانى .

القسم الثانى

<<أنواع الاجتهاد فى تحقيق المناط>>

لقد اتضح أن المناط هو العلة التى يدور معها الحكم وجوداً وعدماً ،ويلاحظ أن هذه العلة وصف مناسب لتحقيق مقصود الشارع ،ونذكر هنا أن هذا المناط ينقسم إلى نوعين :

أ- مناط عام .

ب- مناط خاص .

والمقصود بالمناط العام أن يكون اجتهاد المجتهدين من أجل إيقاع الحكم على أية واقعة ،أو أى شخص ،بغض النظر عن الظروف والملابسات المحيطة بالواقعة أو الشخص ،فمناط وجوب الصوم أن يشهد المكلف شهر رمضان ،مقيماً ،صحيحاً ،ومناط حد الزنى أن يطأ المكلف فرجاً لا يحل له ،ولا شبهة له فى وطئه .

أما المناط الخاص فيظهر عند تطبيق الحكم الشرعى العام على واقعة معينة أو شخص معين ،فيلزم حينئذ أن ينظر الفقيه ،هل يتحقق من وراء الحكم العام مقصود الشارع أم لا ؟

فالله – عز وجل – أمر المسلمين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ،لما يترتب على ذلك من صلاح حال المسلمين ،ولكن حين يترتب على النهى والمنكر ما هو أشد منه نكارة ،فالنهى عن المنكر ما هو أشد منه نكارة ،فالنهى عن المنكر – حينئذ – يكون محرماً ،كما ذكر ابن القيم ،وفى هذا السياق ذكر ما سمعه من شيخه ابن تيمية يقول : <<مررت أنا وبعض أصحابى – زمن التتار – بقوم منهم يشربون الخمر ،فأنكر عليهم من كان معى ،فأنكرت عليه ،وقلت له : إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبى الذرية ،وأخذ الأموال ،فدعهم >>.

ويقول ابن القيم : <<وهذا من عجيب حكمته واقتداره فى العلم والفتوى رحمه الله رحمة واسعة >> (23).

ونتناول كل نوع من النوعين بالبيان وضرب الأمثلة .

أ – تحقيق المناط العام :

الاجتهاج فى تحقيق المناط العام أمر سهل إذا كانت الواقعة أو كان الشخص محل الحكم يتحقق فى كل منهما المناط بصورة واضحة ،فإذا ملك المكلف نصاباً من المال النامى وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة ،ومن سرق نصاباً من المال لا شبهة له فيه من حرز مثله وجب قطعه ،ولكن الأمر لا يكون بهذه السهولة حين يستشكل المناط ،أو حين تتعارض ظواهر النصوص وتختلف الأعراف ،أو حين تتعارض ظواهر النصوص مع بدائة العقول ،أو حين تأخذ الواقعة بشبه من ناحيتين .

مثال ما يستشكل فيه المناط معرفة القاضى المدعى من المدعى عليه ؛وذلك لأن علم القضاء يدور على أساس معرفة كل منهما ،وأن على المدعى البينة إذا إنكر المدعى عليه المطلوب ،وأن على المدعى عليه اليمين إذا لم تقم البينة ،نقول مع ذلك فإنهم اختلفوا فى كيفية تحديد المدعى من المدعى عليه .

ولقد وردت للفقهاء عبارات كثيرة فى تمايز المدعى من المدعى عليه فقال القرافى (فقيه مالكى ت 684 هجرى ) : المدعى من كال قوله على خلاف أصل أو عرف ،وقال ابن شاس (عبد الله ابن محمد، فقيه مالكى ت 616 هجرى ) :

المدعى من تجردت دعواه عن أمر يصدقه أو كان أضعف المتداعبين أمراً فى الدلالة على الصدق أو اقتران بها (أى دعواه ) ما يوهنها عادة ،وذلك كالخارج عن معهود ،والمخالف لأصل ،وشبه ذلك ،ومن ترجح جانبه بشئ من ذلك فهو المدعى عليه ..

وقال أبو عمر بن عبد البر (فقيه شافعى ت 777هجرى ) : إذا أشكل عليك المدعى من المدعى عليه فواجب الاعتبار فيه أن ينظر : هل هو آخذ أو دافع ؟ وهل يطلب استحقاق شئ على غيره أو ينفيه ؟ فالطالب أبداً مدع والدافع المنكر مدعى عليه … وقال المازرى (محمد بن على ،فقيه ملكى ت 536 هجرى ) : المدعى من إذا سكت ترك وسكوته ،والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك وسكوته ،وقال آخرون :

المدعى من ادعى أمراً خفياً ،والمدعى عليه من تمسك بظاهر الأمر ،(ثم يقول ابن فرحون ) : وما ذكرناه من اختلاف الحدين المذكورين لا ينبغى أن يعتمد عليه الفقيه فى كل مسألة تعرض ،بل ها هنا هو آكد ،واعتباره أنفع مما قد ذكرناه ،وهو استصحاب الحال ،فإنها هى الأصل المعتمد عليه فى مقتضى النظر ،ولا تردد فى ذلك ولا إشكال إذا لم يعارض الحال الحال ،ولكن قد يتعرض حالان ،استصحاب أحدهما يضاد استصحاب الآخر ،فها هنا يقع الإشكال ،فيختلف أهل النظر من الأئمة فى تمييز المدعى من المدعى عليه ،ويفتقر كل واحد منهما إلى ترجيح الحالة التى استصحبها >> (24).

ويتضح مما سبق أنهم جميعاً يعولون على استصحاب الحال ،ولكنه ليس أمراً واضحاً فى كل الأحوال ، وبخاصة حين يعارض الحال الحال ،وحين تضطرب الأنظار لتعارض الأحوال ،من عرف أو غالب أو أصل ولقد ذكر عن ترشيح القاضى (25)أنه قال : وليت القضاء وعندى أنى لا أعجز عن معرفة ما يتخاصم إلى فيه فأول ما ارتفع إلى خصمان أشكل على من أمرهما من المدعى ومن المدعى عليه >> (26).

ويضرب ابن فرحون مثالاً لتعارض الأحوال فيقول : << إذا بلغ اليتيم رشده وطلب من الموصى ماله الذى له تحت يده ،فاليتيم فيما يظهر أنه صار بسبب طلبه مدعياً ،وهو مدعى عليه ،والوصى المطلوب هو المدعى لرد المال ،فعليه البينة ،لأن الله تعالى أمر الأوصياء بالإشهاد على الأيتام إذا بلغوا ودفعوا إليهم أموالهم ،فلم يأتمنهم على الدفع ،بل على التصرف والإنفاق خاصة ،فالوصى مطلوب وهو مدع ،واليتيم طالب وهو مدعى عليه ،وكذلك فى دعوى الإنفاق على اليتيم لا يقبل قوله إلا ما أشبه الصدق >> (27).

فالأصل أن اليتيم طالب ،وإذا ترك الخصومة ترك وشأنه ،كما أن الأصل أمانة الوصى على مال اليتيم ،وهذا كله يفهم منه أن اليتيم هو المدعى والوصى مدعى عليه . ولكن هناك نظر آخر وهو أن الوصى مدع أنه سلم المال واليتيم مدعى عليه التسليم ،ولا شك أن الحكم سوف يختلف باختلاف اعتبار أحد الحالين ،ويحل هذا الإشكال الرجوع إلى قوله تعالى : (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبدراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً ) (28).

حيث يؤخذ من هذه الأية أن الوصى لا يقبل قوله فى التسليم إلا بالإشهاد ،مع أنه مؤتمن فى الإنفاق ،فإذا لم تقم له بينة على التسليم فإن اليتيم الذى بلغ رشداً وطلب تسليم ماله يحلف اليمين ويستحق المال باعتباره مدعى عليه .

والأخذ بهذا الاعتبار يحفظ لليتامى أموالهم ،بل إن موجب حفظ مال اليتيم يقتضى ألا يقبل من دعوى الوصى فى الإنفاق إلا ما أشبه الصدق .

ومثال آخر يوضح اختلاف الفقهاء بسبب اختلافهم فى تحقيق المناط <<واقعة زراعة الأعضاء البشرية >>وهى واقعة معاصرة حدثت فى النصف الثانى من القرن العشرين بعد التقدم الطبى الكبير فى عالم الجراحة ، ومكن الله الإنسان من فعل كثير من الأعاجيب ،ومنها نقل عضو صحيح من جسم إنسان حى إلى إنسان آخر قد تلف فيه هذا العضو ،والواقعة متشبعة الجوانب نختار منها هذا الجانب .

هل يباح للإنسان أن يتنازل عن عضو من أعضائه المزدوجة ،هبة أو بيعاً ،كى ينقل إلى جسم إنسان آخر ؟

وقبل أن نعرض لاجتهاد الفقهاء المعاصرين نقرر هنا عدداً من الأحكام الفقهية الإسلامية ،يكاد ينعقد عليها الإجماع :

1 – حرمة جسم الإنسان ،فلا يجوز النيل منه إلا لضرورة يباح من أجلها ما هو محظور ،مثل تطبيقه عن طريق الكشف عن عورته ،أو إجراء علمية جراحية له لدفع خطر المرض ،أو بتر عضو من أعضائه حتى لا يسرى تلفه إلى باقى الأعضاء .

2- ليس للإنسان أن يتصرف فى جسمه بغير إذن الشرع ؛لأن حق الله يغلب حق الفرد جسمه من أجل القيام بالتكاليف الشرعية التى خلق الله الإنسان من أجلها .

3 – لا يجوز التعاقد بشأن أعضاء جسم الإنسان تبرعاً أو بيعاً ؛لأن حق الإنسان فى أعضائه حق انتفاع ، والمالك هو الله عز وجل ؛ولأن محل الحقوق والعقود الأموال ،والشرع يأبى أن يعامل الإنسان الذى كرمه الله معاملة الأموال .

4 – العقل يأبى اعتبار جسم الإنسان مالاً ؛<<لأن هذا الاعتبار يقتضى أن يكون الشئ خارج الإنسان على حين أن جسم الإنسان ليس شيئاً خارجاً عنه >> (29).

وإعمالاً لهذه المبادئ واعتبارها عللاً شرعية يقول جمهور المعاصرين : إن الإنسان لا يباح له أن يتنازل عن عضو من أعضاء جسمه ،هبة أو بيعاً . ومناط الحكم عندهم حالة الضرورة ،فإن الأمر المحظور شرعاً تبيحه الضرورة ،فالله عز وجل يقول : (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اظطر غير باع ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) (30).

وبعد نجاح عمليات زرع الأعضاء وتطور التقنيات الطبية <<والتى أثبتت أنه فى الحالات العادية ،وعند استئصال عضو الكلية ،فإن نسبة حياة المريض أصبحت مؤكدة ،علاوة على ضالة الخطر الذى يتعرض له المانح >> (31)من أجل مصلحة الشخص المتنازل له ،والذى هو فى حاجة ضرورية لهذا الزرع ،والضرر الأصغر يتحمل فى سبيل دفع الضرر الأكبر .

ثم إن مبدأ عد جواز التصرف فى أجزاء الآدمى ،والذى يقوم على قضية تكريم الإنسان ،تحتمل الاستثناء ،إذا وجدت ضرورة عند آدمى آخر حياته متوقفة على هذا العضو وتعين ذلك وسيلة للعلاج ،وبناء على ذلك فإنه يجوز للإنسان أن يتصرف فى عضو من أعضائه المزدوجة بعد فحص الأطباء له وإقرارهم بأن تنازله لن يضر بصحة جسمه .

وما دمنا قد أعطينا الإنسان حق التصرف فى عضو من أعضاء جسمه المزدوجة ،طالما كان الزرع ،هو الوسيلة الوحيدة للعلاج ،وكان ذلك منه برضاء كامل ،وكان بالغاً عاقلاً فإنه يستوى أن يكون التصرف هبة أو مقابلاً بمال فالشرع أوجب للنفس دية مالية ،وأوجب لكل عضو من الأعضاء دية معينة فى حالة الإتلاف من الغير الخطأ ،وهذا يفهم منه أن أعضاء الإنسان يمكن أن تقابل بمال .

ومع أن الفقهاء الذين يحظرون تنازل الإنسان عن عضو من أعضاء جسمه المزدزجة – والباحث منهم – يعتمدون الضرورة مناطاً فقهياً تبنى عليه الأحكام الشرعية فإنهم يرون أن هذخ الواقعة لم يتحقق فيها المناط ، فمن الضوابط الشرعية للضرورة << ألا يخالف المضطر مبادئ الشرعية الإسلامية الأساسية …

فمثلاً لا يحل الزنا والقتل والكفر والغصب بأى حال ؛لأن هذه مفاسد فى ذاتها >> (32). فحفظ حياة كل إنسان ، وكذلك أعضاء جسمه ،من المبادئ الأساسية فى الشريعة الإسلامية ،ولا يباح التعدى عليها بحال ،لا من الشخص ولا من غيره .

والقول بأن الضرر الذى يصيب المتنازل أو البائع ضرر يسير يمكن تحمله فى سبيل دفع الضرر الأكبر قول فيه مغالطة ،فمن يستطيع أن يقول إن انتقاض عضو سليم من الجسم لا يؤثر فى سلامته الدائمة ،وهل خلق الله هذه الأعضاء فى الإنسان عبثاً ؟

ثم إن المصلحة التى قد تحققها للمريض مصلحة موهومة ،فالحياة والموت بيد الله وحده .

وأخيراً فإن القول بأن أعضاء الإنسان يمكن أن تقابل بمال لا يبنى عليه شيئ ؛لأن الواقعة ليس فيها ضرورة بضوابط الضرورة الشرعية ،والإنسان محظور عليه شرعاً التصرف فى أعضائه تصرفاً يضر بحياته ؛لأن المحافظة على حياة الفرد وأعضائه من المبادئ الإسلامية الأساسية التى لا تبيحها الضرورة .

***

وكذلك يختلف الفقهاء عند اجتهادهم الفقهاء عند اجتهادهم فى تحقيق المناط العام نظراً لتعارض ظواهر النصوص ،ولاختلاف الأعراف التى ينص عليها الحكم ،من ذلك أن الفقهاء متفقون على اعتبار شرط المالية فى المسروق الذى يجب فيه القطع ،فيجب أن يكون المسروق مالاً ،ولكنهم اختلفوا فى أشياء ،هل هى مال يجب فيه القطع أم لا ؟

مثال ذلك اختلافهم فيما كان أصله مباحاً فى دار الإسلام ،وكذلك الطعام الرطب الذى يتسارع إليه الفساد .

فقال الأحناف : <<لا قطع فيما يوجد تافهاً مباحاً فى دارالإسلام لقول عائشة – رضى الله عنها – : كانت اليد لا تقطع فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشئ التافه ،أى الحقير ،وما يوجد مباحاً فى الأصل بصورته غير مرغوب فيه ،حقير لقلة الرغبات فيه ،والطباع لا تضن به ،فقل أن يوجد آخذه على كره من المالك ،فلا حاجة إلى شرع الزاجر .. وكذا الشركة العامة التى كانت فيه ،وهى على تلك الصفة تورث الشبهة والحد يندرئ بها >> (33).

أى أن الأحناف لهم فى هذه القضية ثلاثة أدلة :

أولها : السنة العملية التى حكتها السيدة عائشة رضى الله عنها .

ثانيها : أنها ليست أموالاً يرغب فيها ،والنفوس لا تضن بها ،وأنها لا تكاد تؤخذ على كره من المالك ،فلا حاجة لشرع الزاجر .

ثالثها : أن فيها شبهة ناتجة عن الشركة العامة فى أصلها (34)،والحد يدرأ بالشبهة .

أما الطعام الرطب الذى يتسارع إليه الفساد ،مثل الفاكهة الرطبة واللحم واللبن والسمك ،فإن الحنفية يقولون :

<<لا قطع فيما يتسارع إليه الفساد ،لقوله صلى الله ليه وسلم : << لا قطع فى ثمر ولا كثر (35)،والكثر الجمار (36)،وقال صلى الله عليه وسلم :

<<لا قطع فى الطعام >> (37)والمراد – والله أعلم – ما يتسارع إليه الفساد كالميهأ للأكل منه وما فى معناه كاللحم والثمر؛لأنه يقطع فى الحنطة إجماعاً …

وذكر الاسبيجابى (على بن محمد ت 535هجرى ) أنه لابد أن يكون المسروق يبقى من حول إلى حول ،فإذا سرق شيئاً لا يبقى من حول إلى حول لا يجب القطع >> (38).

أى أن الحنفية لهم دليلان على عدم وجوب القطع هنا :

أولهما : ظاهر الحديثين ذكروهما ،حيث يؤخذ منهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى القطع عن سارق الثمر والطعام اللذان يتسارع إليهما الفساد ؛وذلك لانعقاد الإجماع على أنه يقطع فى الطعام الذى يدخر مثل الحنطة والسكر .

الثانى : أن هذه الأشياء لا يمكن ادخارها لوقت الحاجة ،وبذلك لا يتحقق فيها وصف المالية ؛لأن المال عندهم <<ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة >> (39) ،ولهذا ذكر الإسبيجابى لوجوب القطع شرط أن يكون المسروق صالحاً للبقاء من حول إلى حول ،كى ينتفع به فى أى أصل من فصول العام .

ولكن جمهور (40)فقهاء أهل السنة من المالكية والشافعية والحنابلة (41)يوحبون القطع فى سرقة الطعام الرطب وكذلك فيما كان أصله مباحاً فى دار الإسلام ،إذا سرق كل منهما من حرز ،وبلغت قيمة المسروق نصاباً ،ولم تكن هناك شبهة تدرأ الحد .

1- عموم قول الله تعالى يلى :

(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم) (42).

ولم تفرق الآية فى المسروق بين طعام رطب ولاغيره ،ولا ما كان  أصله مباحًا أو لم يكن ،ولم يرد في النسة تفصيل ؛ فبقت الآية على العموم .

2ـ الحديث الذى اسيدل به الحنفية إنما هو خاص بالثمر  المعلق ، أى غير المحرز ، بدليل ما روى عمرو بن

شعيب عن  أبية عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص : أن رسول ألله صلى ألله عليه وسلم سئل عن الثمر العلق فقال :<<من أصاب بفيه من ذى حاجة ،غير متخذ خبنة فلا شئ عليه ،ومن خرج بشئ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ،ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن القطع >> (43).

فهذا الحديث يفرق بين الثمر المعلق على الشجر والمجزوز الذى أحرز ،فالأول إن أكل منه جائع لا شئ عليه أما إن خرج من البستان بشئ فعليه غرامة مثليه والعقوبة التعزيزية المناسبة ،ولكن إن حدثت السرقة بعد الإحراز ،وبلغ قيمة المسروق نصاباً فقد وجب القطع على السارق .

3- روى أن عثمان رضى الله عنه أتى برجل سرق أترجه ،فأمر عثمان فأقيمت ،فبلغت قيمتها ربع دينار ، فأمر به عثمان فقطع (44)،فهذا عثمان  رضى الله عنه يقطع فى ثمرة من غير نكير ،فهو إجماع .

4- الطعام الرطب مال يتمول عادة (45)،ويرغب فيه ،فيقطع سارقه ،كالمجفف ،إذا اجتمعت شروط القطع وانتفت الموانع .

5 – ما وجب القطع فى معموله وجب فيه قبل العمل ،كالذهب والفضة .

6 – قول الحنفية بعدم القطع فيما كان أصله مباحاً فى دار الإسلام منتقض بالذهب والفضة والحديد والنحاس وكان معدن له قيمة .

ويتضح روح الاختلاف هنا أن الحنفية يتعمدون على السنة العملية فيما كانت عليه عادة أهل الحجاز ،من ترك بساتينهم لا حوائط عليها ،فهى بذلك غير محرزة ،ويعتمدون كذلك على سخاء الأنفس وبذلها لما فى أيديها من الأطعمة الطازجة التى لا تدخر،وفى ضوء ذلك يفهمون النصوص ،وعوائد الناس وأعرافهم لها أثر كبير فى اجتهاد الفقيه وفى الحكم الشرعى .

ومثال ما تعارض فيه ظاهر النص مع بدائه العقول <<ثبوت رؤية هلال رمضان أو شوال >>.

والأصل الذى يناط به هذا الحكم هو الحديث الذى رواه ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم : <<أنه ذكر رمضان فقال : لا تصوموا حتر تروا الهلال ،ولا تفطروا حتى تروه ،فإن أغمى عليكم فاقدروا له >> (46).

فوجب الصوم أو الفطر يتعلق برؤية الهلال عن طريق الشهادة ،ولكن هل يجب على أهل بلدنا ما لم يروا الهلال أن يأخذوا برؤية بلد آخر ؟ أم أن لكل بلد رؤيته ؟

هما رأيان فى الفقه الإسلامى ،وسبب الاختلاف هنا هو : هل مناط الحكم هو الرؤية عن طريق المشاهدة فى كل قطر ؟ أو هو التحقيق من الظهور بأية طريقة ؟

فالذين يأخذون بظاهر هذا الخبر ويلتزمون بارؤية البصرية لكل من أقطار المسلمين لوجوب الصوم أو الفطر يؤيدهم أثر أخرجه مسلم <<عن تكريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام ،فقال : قدمت الشام فقضيت حاجتها ،واستهل رمضان وأنا بشام ،فرأيت الهلال ليلة الجمعة ،ثم قدمت المدينة فى آخر الشهر فسألن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ،ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة فقال : أنت رأيته ؟ فقلت : نعم ،ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ،فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت ،فلا نزال نصوم حنى نكمل ثلاثين أو نراه ،فقلت : أولا تكتفى برؤية معاوية وصيامه ؟

فقال : لا ،هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (47).

ولكن هذا اتجاه يتعارض مع بدائه العقول التى لايمكن أن يتعارض معها الشرع ؛لأنها واقعة فى نطاق التجربة البشرية ،فالبلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف فهى فى قياس الأفق الواحد ويجب أن يحمل بعضها على بعض (48).

وإذا كنا نميل إلى ترجيح التعويل على حقائق العلم التى أصبحت من بدائه العقول ،والتى لا تتعارض مع الأثر من كل والوجوه ،فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم <<لاتصومواحتى تروا الهلال >>يمكن حمله على أن المعنى حتى تتأكدوا من ظهوره فى الأفق ،وقول ابن عباس إنما هو فهمه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نطاق المعارف التى كانت متاحة فى ذلك الوقت ،حيث إن وحدة المطالع ،واتساع دائرة الأفق أمور قد ارتبطت بظهور المراصد الفلكية ،ورصدها – بطرق علمية تجريبية دقيقة – ظهور كل من الشمس والقمر فى أفق ما أو غروبهما ،إلى جانب أن اعتبار ثبوت الرؤية يجعل المسلمين معتدين بسنن الله الكونية ،آخذين بها ،كما يحقق لهم ذلك توحيد بدء الصيام والإفطار ،وهذا يؤدى إلى تقوية الروابط بينهم عن طريق التوحد فى أداء شعائر الإسلام ،أقول : إذا كنا نميل إلى هذا كله فيجب علينا اعتبار الرأى الآخر الذى يقول :

إن لكل قطر رؤيته ،حيث إن أصحابه لهم دليلهم حسب فهمهم ،والمفهوم أرزاق ،والله تبارك وتعالى يحاسب الناس بمقدار ما عقلوا (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (49)و (قل كل يعلمون على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ) (50). وعامة الناس فى هذه المسألة يلزمون بما يأخذ به مفتيهم .   

***

وأوسع مجالات الاجتهاد فى تحقيق المناط عندما تتردد الواقعة بين طرفين ،وضح كل منهما قصد الشارع فى الاثبات فى أحد الطرفين والنفى فى الطرف الآخر ،وليس فى الإمكان القطع الجازم بأن المسألة تلحق بجانب دون الآخر <<ولعلك لا تجد خلافاً واقعاً بين العقلاء ،معتداً به فى العقليات أو فى النقليات ،لا مبيناً على الظن ولا على القطع إلا دائرا بين طرفين لا يختلف فيهما أصحاب الاختلاف >> (51).

والأمثلة هنا كثيرة ولكننا سوف نكتفى بثلاثة :

1- زكاة الحلى .

2- كيفية نية الصيام لشهر رمضان .

3- قطع من سرق عيناً محرزة من غاصب أو سارق .

وفيما يلى نتناول كل مثال من هذه الأمثلة ببيان موقف الفقهاء ،وكذلك بيان السبب فى الاختلاف .

أولاً : زكاة الحلى :

لقد انفرد الحنفية بالقول بوجوب الزكاة فى الحلى مطلقاً ،وقالوا بوجوب الزكاة فى الذهب والفضة :

 << مضروباً كان أو لم يكن ،مصوغاً كان أو غير مصوغ ،حلياً كان للرجال أو النساء ،تبراً كان

 أو سبيكة >> (52).

أما المالكية فقالوا <<بوجوب الزكاة فى الذهب والفضة إذا كانت نقداً ،أما إذا كانت مصاغة للزينة أو كانت حلياً فلا زكاة عليه ،سواء كانت الصياغة محرمة كمبخرة وقمقم إناء أو جائزة كحلى النساء >> (53).

واتفق الشافعية والحنابلة فى الراجح عند كل منهما مع المالكية فى القول بعدم وجوب الزكاة فى الحلى المباحة وخالفوهم فى المحرم أو المكروه وقالوا بوجوب الزكاة فيه ،وزعم الشافعية إجماع المسلمين على ذلك ،وهو منتقض بما قاله المالكية .

جاء فى المجموع <<قاغل الشافعى والأصحاب : فكل متخذ من الذهب والفضة من حلى وغيره ،إذا حكم بتحريم استعماله أو كراهته وجبت فيه الزكاة بلا خلاف ، ونقلوا فيه إجماع المسلمين ،وإن كان استعماله مباحاً كحلى النساء وخاتم الفضة للرجل والمنطقة وغير ذلك … ففى وجوب الزكاة فيه قولان مشهوران أصحهما عند الأصحاب : لا >> (54).

ويقول الحنابلة : <<وليس ف حلى المرأة إذا كانت مما تلبسه أو تعيره ،وهذا ظاهر المذهب … قال أحمد :

خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ليس فى الحلى زكاة ،ويقولون زكاته عاريته ، ووجهه … ما روى عافية بن أيوب عن الليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : <<ليس فى الحل زكاه >> (55)ولأنه مرصد لاستعمال مباح لم تجب فيه الزكاة كالعوامل وثياب

 القنية >>(56).

وسبب اختلاف الفقهاء فى هذه المسألة – إلى جانب الاختلاف فى النصوص ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة – اختلاف الأقسية ،فالحلى تتردد بين طرفين وضح فى كل منهما قصد الشارع ،فلقد أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة فى النقدين ؛لأنهما معدان للتعامل والثمينة بخلقتهما ،كما أجمعوا على عدم وجوب الزكاة فى العروض المرصودة للاستعمال المباح كأثاث البيت ،والعوامل من الحيوانات ،والثياب وغير ذلك ؛لأن هذه العروض فقدت المعنيين اللذين تحب بسهما الزكاة ،وهما الثمينة والتعامل (التجارة ) .

أما الحلى فقد أخذ وصفاً واحداً من النقدين وهو الثمينة ،ولكنه باستعماله للزينة فقد الوصف الآخر وهو التعامل (التجارة ) ،كما أنه شارك العروض التى لا تجب فيها الزكاة فى وصف القنية وخالفها فى أنه ثمن بأصل خلقته .

فمن غلب الثمينة قال بوجوب الزكاة فى الحلى ،ومن غلب جانب الاستعمال والقنية قال بعدم وجوب الزكاة .

ثانياً : كيفية نية الصيام لشهر رمضان :

لقد اتفق جمهور الفقهاء على أن نية الصيام شرط لصحة صيام شهر رمضان ،عدا << زفر >>حيث لم يشترط النية فى حق المقيم (57)،ولكنهم اختلفوا فى كيفية هذه النية : هل تكفى فيها نية الصوم مطلقاً ؟

أم يلزم تعيين عين الصوم المراد ؟

فذهب الأحناف إلى جواز صوم رمضان بنية الصوم مطلقاً ،واشترط المالكية والشافعية التعيين ،وعن أحمد روايتان ،ونفصل أقوالهم فيما يلى :

يقول الأحناف <<إن كان الصوم عيناً ،وهو صوم رمضان ،وصوم النفل خارج رمضان ،والمنذور به فى وقت بعينه يجوز مطلقة عندنا ،وحجج الأحناف :

1- أن الله تعالى يقول : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وهذا قد شهد الشهر وصامه فيخرج عن العهدة .

2- أن النية لو شرطت إنما تشترط ليصبر الإمساك لله تعالى ،أو للتميز بين نوع ونوع ،ولا وجه للأول ؛لأن مطلق النية كان ليصيروة الإمساك لله تعالى ؛لأنه يكفى لقطع التردد ،ولقول النبى صلى الله وعليه وسلم :

<<ولكل أمرئ ما نوى >> (58)وقد نوى أن يكون إمساكه لله تعالى ،وقد نوى أن يكون إمساكه لله تعالى لا يكون له ما نوى ،وهذا بخلاف النص ،ولا وجه للثانى ؛لأن مشروع الوقت الواحد لا يتنوع ،فلا حاجة إلى المييز بتعيين النية ،بخلاف صوم القضاء والنذر والكفارة ؛لأن مشروع الوقت – وهو خارج رمضان – متنوع ؛فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية فهو الفرق >> (59).

ويقول المالكية <<يشترط فى صحة نية الصوم الفعل ،لانية القربة ،ذلك بأن يقصد صوم غد جازماً بذلك على أنه نفل أو قضاء ،أو عن النذر ،فإن جزم بالصوم ولم يدر بعد ذلك هلى نوى التطوع أو النذر أو القضاء انعقد تطوعاً ،وإن دار شكله بين الأخيرين لم يجز عن واحد منهما ،ووجب إتمامه لانعقاده نفلاً فيما يظهر >> (60).

ويظهر من هذا النص أن المالكية لا يجيزون الصوم بنية مطلقة إلا إذا كان نفلاً ،أما الصوم الواجب فلابد فيه من تعيين شخص الصوم .

يقول الشافعية : <<ولا يصح صوم رمضان إلا بتعيين النية ،وهو أن ينوى أنه صائم من رمضان لأنه فريضة وهو قربة مضافة إلى وقتها ،فوجب تعيين الوقت فى نيتها كصلاة الظهر والعصر >> (61).

أى أن الشافعية لا يجيزون صوم رمضان إلا بنية صيام رمضان ؛وذلك لسببين أولهما : أنه فريضة ، والفرائض تحتاج تعيين نيتها ليفرق بينهما وبين النوافل التى تجوز بنية مطلقة ،الثانى :

أنها قربة قد تعين لها وقت ،شأنها فى ذلك شأن الصلاة المفروضة ،التى لابد من تعيين شخصها ليصح أداؤها

وقال الحنابلة : <<يجب تعيين النية  فى كل صوم واجب ،وهو أن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان أو من قضائه ،أو من كفارته أو نذره ،نص عليه أحمد فى رواية الأثرم (أحمد بن محمد ت 261هجرى ) … وهن أحمد رواية أرى أنه لا يجب تعيين النية لرمضان >> (62).

ونرى أن سبب اختلاف الفقهاء فى هذه القضية أنها قد ترددت بين أمرين وضح فى كل منهما قصد الشارع ، فالوضوء عبادة ،وشرط لصحة عبادات كثيرة مثل الطواف والصلاة فرضاً أو نفلاً ،ولا يشترط لصحة أى من هذه العبادات تعيين نيتها عند الضوء ،وصلاة الفريضة عبادة يشترط لصحتها تعيين عينها عند الأداء ، وترددت نية صيام رمضان بين هذين الأمرين ،فمن نظر إلى صحة العبادات التى يشترط الوضوء لصحتها دون تعيين هذه العبادة عند الوضوء قال بصحة صيام رمضان بنية مطلقة ،ومن نظر إلى صلاة الفريضة ، وأنه يشترط لصحتها نية صيام رمضان لصحة صيام رمضان .

ثالثاً : قطع من سرق عيناً محرزة من غاصب أو سارق :

لقد ذهب الحنابلة إى عدم قطع من سرق عيناً محرزة ،تبلغ نصاباً ،من سارق أو غاصب ،وقال المالكية عليه القطع ،وللشافعية قولان كالمذهبين ،وقال الحنفية بقطع من سرق من غاصب ،وعدم قطع من سرق من سارق بعد قطع السارق الأول ،أو مطلقاً .

ونفصل ذلك فيما يلى :

الأصل عند الحنفية أن النصاب المسروق من حرز لابد أن تكون يد محرزه يداً صحيحة ،معتبرة شرعاً ، وبناء على ذلك فهى تملك الخصومة ،فقالوا : <<وطلب المسروق منه شرط القطع ولو مودعاً أو غاصباً …، ويقطع بطلب المالك لو سرق منه ،لا بطلب المالك أو الساترق لو سرق من سارق بعد القطع >> (63).

والسبب فى تقييد عدم قطع السارق الثانى بأن تكون سرقته بعد قطع السارق الأول ،هو أن مذهبهم أن العين المسروقة إن كانت تالفة أو تلفت بعد القطع ،فإن السارق الذى قطعت يده لا يضمنها ولا يطالب بردها ،فهى بذلك غير متقومة عليه ،بخلاف ما لو سرق الثانى قبل أن يقطع الأول ،أو بعد ما درئ القطع بشبهة ؛وذلك لأن العين التى سرقها ستكون متقومة عليه ،كما هى متقومة على الغاصب <<وأطلق الكرخى ( عبيد الله بن الحسن ت 340هجرى ) والطحاوى (أبو جعفر الطحاوى ت 321هجرى ) عدم قطع السارق من السارق ؛لأن يده ليست يد أمانة ولا ملك ،فكان ضائعاً ،ولا قطع فى أخذ مال ضائع >> (64).

أما المالكية فإنهم يوجبون القطع على من سرق نصاباً من حرز سواء <<من سرق من سارق أو من أمين أو نحو ذلك >>.

وعند الشافعية <<وإن غضب رجل مالاً أو سرقه وأحرزه ،فجاء سارق فسرقه ،ففيه وجهان ،أحدهما : أنه لا يقطع ؛لأنه حرز لم يرضه مالكه ،والثانى : أنه يقطع ،لأنه سرق ما لا شبهة له فيه من حرز مثله >> (65).

وعند الحنابلة <<وإن غضب عيناً وأحرزها ،أو سرقها وأحرزها فسرقها سارق فلا قطع عليه … (والعلة ) أنه لم يسرق المال من مالكه ،ولا ثمن ممن يقوم مقامه ،فأشبه ما لو وجده ضائعاً فأخذه ،وفارق السارق من المالك أو نائبه ،فإنه أزال يده وسرق من حرز >> (66).

وبذلك يتضح أن سبب الاختلاف هو أن المسألة يتنازعها طرفان ،وضح فى كل منهما قصد الشارع ؛وذلك أن الفقهاء جميعاً يوجبون القطع على من سرق مالاً محرزاً ،من مالكه أو نائبه ولا يوجبون القطع على من أخذ مالاً غير مملوك ،وغير محرز ،فالملك والحرز معاً شرطان معتبران فى وجوب القطع ،والمسألة التى معنا المال فيها محرز ،ولكن يد السارق أو الغاصب غير معتبرة شرعاً ،وإن نازع الحنفية فى يد الغاصب ،كما نازع بعضهم فى يد السارقبل القطع .

ونخلص إلى أن من من اعتبر انتهاك الحرز الجانب الأهم فى وجوب القطع ،قال بقطع من سرق من السارق أو الغاصب ،ومن نظر إلى أن يد المالك المعتبرة هى الجانب الأهم قال بعدم قطع من سرق من السارق أو الغاصب .

ب – تحقيق المناط الخاص :

والمقصود به النظر الخاص الذى يلزم الفقيه حين يوقع المناط العام على الواقعة المعينة أو الشخص المعين ، فيلزمه أن يدقق ،هل تحققت الشروط وانتفت الموانع ؟ وهل يتحقق مقصود الشارع من وراء حكمه أو لا ؟

فقد يكون العمل فى الأصل مشروعاً ،ولكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة ،أو يكون ممنوعاً ،ولكن يترك النهى عنه لما فى ذلك من المصلحة .

يقول الشاطبى : <<والنظر فى مآلاتعنها  الأفعال معتبر ،مقصود شرعاً ،كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلف بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل ،فقد يكون مشروعاً لمصلحة تستجلب أو لمفسدة تدرأ ،ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه ، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه ،أو مصلحة تندفع به ،ولكن له مآل على خلاف ذلك ،فإذا أطلق القول فى الأول بالمشروعية ،فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوى المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون ها مانعاً من إطلاق القول فى الثانةى بعد المشروعية ،ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مصلحة تساوى أو تزيد ،فلا يصح القول بعدم المشروعية ،وهو مجال صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب ،جار على مقاصد الشرعية >> (67).  

والاجتهاد فى تحقيق المناط الخاص أصعب بكثير من الاجتهاد فى تحقيق المناط العام ،وهو الفقه الحقيقى فى دين الله ،وهو ناشئ – بعد اكتساب وسائل الفقيه – عن تقوى الله عز وجل ،وهو نور يهدى الله به من شاء من خلقه ،وهو الحكمة التى قال الله فى شأنها :

(يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً )(68).

والوقائع الشرعية الدالة على ذلك كثيرة ،نورد فيما يلى عدداً منها .

المثال الأول :

<<ترك سب آلهة المشركين مخافة أن يسبوا الإله الحق >>:

قال الله تبارك وتعالى :

(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون )(69).

فسب آلهة المشركين – عن الجملة – جائز ،ولكنه حين يكون وسيلة إلى سب الإله الحق فلا يمكن أن يكون مشروعاً ،بل يكون محرماً .

يقول ابن العربى : <<اتفق العلماء على أن معنى الآية : لا تسبوا آلهة الكفار فيسبوا إلهكم ،وكذلك هو ، فإن السب فى غير الحجة فعل الأدنياء … فمنع الله تعالى فى كتابه أن يفعل جائزاً يؤدى إلى محظور ،ولأجل هذا تعلق علماؤنا (يقصد المالكية ) بهذه الآية فى سد الذرائع ،وهو كل عقد جائز فى الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصل به إلى محظور >> (70).

وهذا فيه نظر طويل ينتهى إلى أن اعتبار المآل عند صاحب العلم والتقوى ،والموزانة بين المصالح والمفاسد الشرعية أمر يعولفى الحكم الشرعى .

ويعلق ابن كثير على الآية السابقة فيقول : <<ومن هذا القبيل ،ترك المصلحة لمفسدة أرجح ،ما جاء فى الصحيح لمفسدة أرجح ،ما جاء فى الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : <<ملعون من سب والديه ،قالوا : يارسول الله : كيف يسب الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب

أمه فيسب أمه >> (71).

قال ابن بطال ( على بن خلف 449 هجرى ) : <<هذا الحديث أصل فى سد الذرائع ،ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل ،وإن لم يقصد إلى ما يحرم ،والأصل فى هذا الحديث قول الله تعالى : (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ) الآية .

واستنبط الماوردى (أبو الحسن علي ابن محمد450هجرى ) <<منع بيع الثوب الحرير ممن يتحقق أنه يلبسه ، والغلام الأمرد ممن يتحقق أنه يفعل به الفاحشة ،والعصير ممن يتحقق أنه يتخذه خمرآ >>(72).

_   المثال الثانى :

<<لم يهدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ليجعلها على قواعد إبرهيم عليه السلم >>:

– عن الأسود قال : قال لي ابن الزبير : كانت عائشة سر إليك كثيرآ ,فما حدثتك في الكعبة ؟ قلت : قالت لي : قال النبي صلى الله عليه وسلم : <<يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم – قال ابن الزبير : بكفر – لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين ,باب يدخل الناس , وباب يخرجون >>ففعله ابن الزبير (73).

– عن هشام عن أبيه (عروة) عن عائشة رضى الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم :

<< لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ,ثم لبنيته على أساس إبرهيم عليه السلام , فإن قريشاً اقتصرت فى بنائه ،وجعلت له خلفاً >> (74). 

وذلك أن قريشاً حين أرادت تجديد بناء الكعبة قصرت بها النفقة ،فلم تتم بناء البيت على قواعد إبراهيم عليه السلام ،وجعلت للكعبة باباً رفعته عن الأرض ،لتدخل من تشاء وتمنع من تشاء .

فلما فتحت مكة للإسلام ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لولا أن أهل مكة حديث عهدهم بكفر لهدم الكعبة ،وأعاد بناءها على قواعد إبراهيم عليه السلام ،وجعل لها باباً من خلف يقابل الباب الذى من أمام ، وجعل البابين ملصقين بالأرض ،ليدخل ويخرج من يشاء .

ولم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لأن قريشاً – منذ الجاهلية – تعظم أمر الكعبة جداً ،فخشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يظنوا – لحداثة عهدهم بالإسلام ،وقرب عهدهم بالكفر – أنه صلى الله عليه وسلم غير بناءها ليفرد بالفخر عليهم .

ولقد هدم ابن الزبير الكعبة ،وأعاد بناءها عليه السلام ،وهدم الحجاج بناء ابن الزبير ،وأعادها كما بنتها قريش ،وأراد أحد خلفاء بنى العباس أن يهدم ما بناه الحجاج ليجعل الكعبة كما بناها ابن الزبير ،ولكن الإمام مالكاً – رحمه الله – رأى ببصيرته أن البيت سوف يصير ملعبة للملوك ،فناشد الخليفة ألا يفعل .

<<حكى ابن عبد البر ،وتبعه عياض (عياض بن موسى – القاضى 544 هجرى ) وغيره عن الرشيد أو المهدى أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير ،فناشده مالك فى ذلك وقال :

أخشى أن تصبر ملعبة للملوك ،فتركها ،قلت (أى ابن عبد البر ) وهذا بعينه خشية جدهم الأعلى ،عبد الله بن عباس – رضى الله عنهما – فأشار على ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة ويجدد بناءها ،بأن يرم ما وهى منها ،ولا يتعرض لها بزيادة أو نقص ،وقال له : <<لا آمن يجئ من بعدك أمير فيغير الذى صنعت >> (75).

ففتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم راعت – فيما راعته – فتنة الناس بسبب قصور فهمهم مما يسبب اضطرابهم على أميرهم ،وراعت فتوى ابن عباس – رضى الله عنهما – ومالك – رحمه الله – صيانة البيت من أن يكون ملعبة للملوك والأمراء .

<<وفى حديث بناء الكعبة من القواعد – غير ما تقدم – ما ترجم عليه (البخارى ) فى العلم ،وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس ،والمراد بالاختيار فى عبارته المستحب ،وفيه اجتناب ولى الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره ،وما يخشى منه تولد الضرر عليهم فى دين أو دنيا ،وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب ،وفيه تقديم الأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة ،وإنما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة وأن المفسدة إذن أمن وقوعها عاد استجاب عمل المصلحة >> (76).

المثال الثالث :

<<جواز أن يتلفظ المسلم بكلمة الكفر – عند الإكراه – وقلبه مطمئن بالإيمان >>:

قال الله تبارك وتعالى : (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم إنما يفترى الكذب الذين لايؤمنون بآيات الله وألئك هم الكاذبون من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) (77).

 ومعلوم أن الكافر المرتد هو الذى جرى بالكفر لسانه مخبراً عما انشرح به من الكفر صدره ،فعليه من الله الغضب ،وله العذاب الأليم ،ولكن الحق تبارك وتعالى أخبر أن المؤمن الذى يتعرض للإكراه من الكافرين ، فيتكلم بالكفر لسانه ،ولكن قلبه منعقد ومطمئن بالإيمان ،أخبر الله أن مثل هذه المكره معذور فى الدنيا معغفور له فى الآخرة .

وحقيقة هذه المسألة ترجع إلى دين الإنسان ؛لأن الباطن لا يطلع عليه أحد ،كما أنه لا سلطان لأحد عليه ، ولكن نقبل من المؤمن ما يخبر به بلسانه ،وما يظهر من حاله ،وأحكام الشريعة كلها تجرى على هذا الظاهر ، والباطن موكول إلى علام الغيوب تبارك وتعالى .

ولكنا نقول : إن التلفظ بكلمة الكفر – وإن كان جائزاً – فى حالة الإكراه ،إلا أن الذى يصبر على البلاء ولا يفتن فى دينه حتى يجعل الله له مخرجاً ،بالخلاص من الإكراه أو الاستشهاد فى سبيل الله ،فإنه أفضل بلا خلاف – نعلمه – بين الفقهاء ،وعلى ذلك تتضافر أدلة الشريعة ،وإنما وقع الإذن فى حالة الإكراه رخصة من الله عز وجل ،رفقاً بضعف الخلق ،وإبقاء عليهم ،ولما تتميز به الشريعة من السماحة ورفع الحرج ووضع الإصر .

يقول ابن كثير : <<وقد روى العوفى عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت فى عمار ن ياسر ،حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ،فوافقهم على ذلك مكرهاً ،وجاء معتذراً إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية … ولهذا تفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالى إبقاء لمهجته ويجوز له أن يأبى كما كان بلال رضى الله عنه يأبى عليهم ذلك ،وهم يفعلون به الأفاعيل …

وكذلك حبيب بن زيد الأنصارى لما قاله له مسيلمة الكذاب : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ فيقول نعم . فيقول :

أتشهد أنى رسول الله ؟ فيقول : لا أسمع . فلم يزل يقطع إرباً إرباً ،وهو ثابت على ذلك >> (78).

وإذا كان الله تبارك وتعالى قد رفع الإثم عن المؤمن حين يتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه ،مع أن الكفر يهدم الإيمان الذى هو أصل الشريعة ،فإن الفقهاء قد رتبوا على ذلك كل فروع الشريعة .

يقول ابن العربى فى المسألة السادسة : <<لما سمح الله تعالى فى الكفر به – وهو أصل الشريعة – عند الإكراه ،ولم يؤاخذه به ،ولا يترتب حكم عليه ،وعليه جاء الأثرعند الفقهاء <<رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما ستكرهوا عليه >> (79)،والخبر وإن لم يصح سنداً فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء >> (80).

ومع أن الفقهاء جميعاً اتفقوا على أن الإكراه يرفع الإثم عن المكره فى الآخرة إلا أنهم اختلفوا فى بعض أحكام الدنيا :

مثال ذلك من أكره على الطلاق ،هل يقع طلاقه أو لا ؟

ولقد انفرد الحنفية بقولهم : إن طلاق المكره يقع مطلقاً ،أى من غير تفصيل لحالات الإكراه ،قوة أو ضعفاً ، واستدلوا بما يلى :

1- إن الله عز وجل يقول :

(فطلقوهن لعدتهن )(81)  من غير تفصيل بين حالة إكراه أو غير إكراه ،وهو تصرف وقع من مكلف فى محل يحمله فينفذ .

2- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول <<كل طلاق جائز إلا طلاق الصبى والمعتوه >>ولم يستثن غير ذلك .

3- إن الذى فات بالإكراه إنما هو الرضا طبعاً ،أى الرضا بالقلب ،والرضا طبعاً ليس بشرط لصحة الطلاق ، والدليل على ذلك أن الهازل يقع طلاقه (82)مع أنه لم يعقد قلبه على ذلك . ثم إن الإنسان قد يطلق زوجته التى يتعلق بها قلبه غاية التعلق ،ومع ذلك يقع طلاقه .

والدليل على أن الرضا القلبى ليس شرطاً لصحة الطلاق ووقوعه أن محمداً (صاحب أبى حنيفة ) ذكر بإسناده <<أن أمرأة اعتقلت زوجها وجلست على صدره ومعها شفره ،فوضعتها على حلقه وقالت : لتطلقنى ثلاثاً أو لأنفذها ،فناشدها الله إلا تفعل ،فأبت فطلقها ثلاثاً ،فذكر الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : <<لا قيلوله فى الطلاق >> (83).

4- إن الحديث الذى يرفع المؤاخذه عن المكره ،المراد منه الإكراه على الكفر ؛ وذلك أن الناس فى ذلك الوقت كانوا حديثى عهد بالإسلام ،ودولة الكفر ما تزال قوية ،وكان الإكراه على الكفر ظاهراً .

5- نحن نقول بموجب الحديث الذى يرفع المؤاخذه عن المستكره ،ولكن الأكراه المرفوع المؤاخذ عليه لا يعمل على الأقوال ،وإنما يعمل على الاعتقادات ؛لأن الاعتقادات هى التى لا يتصور فيها الإكراه ،ولذلك لا يؤاخذ بها ؛لأن أحداً لا يستطيع تغيير ما فى قلب إنسان واعتقاده إذا أجبر على القول بلسانه ،أما المتكلم فهو مختار فيما يتكلم فيه ،فلا يتناوله الحديث .

يقول الكاسانى فى بيان أسباب وقوع طلاق المكره : <<وأما الطلاق فلقوله سبحانه وتعالى : (فطلقوهن لعدتهن ) وقوله صلى الله عليه وسلم : <<كل طلاق جائز إلا طلاق الصبى والمعتوه >>؛لأن الفائت بالإكراه ليس إلا الرضا طبعاً ،وإنه ليس بشرط لوقوع الطلاق ،فإن طلاق الهازل واقع ولي براضٍ به طبعاً ،وكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسناً وجمالاً ،الرائعة تغنجاً ودلالاً ،لخل فى دينها ،وإن كان لا يرضى به طبعاً ويقع الطلاق عليها . وأما الحديث فقد قيل : إن المراد منه الإكراه على الكفر ؛لأن القوم كانوا حديثى العهد بالإسلام ،وكان الإكراه على الكفر ظاهراً يؤمئذ ،وكان يجرى على ألسنتهم كلمات الكفر خطأ وسهواً ، فعفا الله جل جلاله عن ذلك عن هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

مع أنا نقول بموجب الحديث ،إن كل مستكره (عليه ) معفو عن هذه الأمة ،لكنا لا نسلم أن الطلاق والعتاق وكل تصرف قولى مستكره عليه ؛ وهذا أن افكراه لا يعمل على الأقوال كما يعمل على الاعتقادات ؛لأن أحداً لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبراً ،فكان كل متكلم مختاراً فيما يتكلم به فلا يكون مستكرهاً عليه حقيقة ،فلا يتناوله الحديث >> (84).

وإذا كان الحنفية قد انفردوا بالقول بأن الطلاق فى حالة الإكراه يقع مطلقاً فقد انفرد المالكية بقولهم : إن طلاق المكره لا يقع مطلقاً ،مادام لم يقصد بقلبه حل العصمة ،فإن قصد بقلبه حل العصمة وقع الطلاق .

يقول الدردير : وإن <<أكره على إيقاعه (أى الطلاق ) فلا يلزمه شئ فى فتوى ولا قضاء لخبر مسلم <<لا طلاق فى إغلاق >> (84)أى إكراه ،بل لو أكره على واحد فأوقع أكثر فلا شئ عليه ؛لأن المكره لا يملك نفسه كالمجنون ،أى ولم يكن قاصداً بطلاقه حل العصمة باطنا ،وإلا لوقع عليه (85).

وفى رواية أبى هريرة : فقال لهم النبى صلى الله عليه وسلم : <<دعوة وهريقوا على بوله سجلاً من ماء – أو ذنوباً من ماء – فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين >> (86).

لا شك أن المسجد مكان أمر المسلمون بوجوب المحافظة على طهارته ،وحفظه من الإنجاس والأدناس ،وهذا رجل يقعد فى ناحية من المسجد يبول ،فنهيه وزجره ،بل وإنزال عقوبة به ،أمر مطلوب شرعاً .

ولكنه – فى هذه الواقعة – أعرابى ،لم يألف حياة التحضر ،وبالأمس كان ممن يبولون على أعقابهم ،أو على كثبانهم وهم جلوس فى مجالسهم ،ثم إن نهيه وزجره – وقد بدأ يبول – يجعل النجاسة تنتشر فى المكان ،وقد كانت محصورة ،كما أنه يعرض الرجل لأذى فى جسمه . من أجل ذلك رجحت كفة مصلحة الكف عنه .

يقول ابن حجر : <<أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالكف عن للمصلحة الراجحة ،وهى دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما ،وتحصيل أعظم المصلحتين ،بترك أيسرهما .. وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عناداً ،ولا سيما إن كان مما يحتاج إلى استئلافه ،وفيه رأفة النبى صلى الله عليه وسلم ،وحسن خلقه >> (87).

القسم الثالث

<<الضوابط >>

ويشتمل هذا القسم على :

أ – ضوابط عامة .

ب – ضوابط تتعلق بالمجتهد .

أ – الضوابط العامة :

وقبل أن نتحدث عن الضوابط العامة نذكر أن بحثنا خاص بالاجتهاد ،أما حكاية الآراء فى المذاهب أو التقليد من غير دليل فهو أمر لا يخص بحثنا ،بل هو أمر مذموم ،وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع ،فقال أبو داود : سمعته يقول :

<<الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ،ثم بعد فى التابعين مخير ، وقال أيضاً : لا تقلدنى ،ولا تقلد مالكاً ،ولا الثورى (سفيان بن سعيد – 161 هجرى ) ولا الأوزعى (عبد الرحمن بن عمرو – 157 هجرى ) ،وخذ من حيث أخذوا ،وقال : من قلة فقه أن يقلد دينه الرجال >> (88).

ولقد اشتهر ذلك عن جميع الفقهاء ،وأنهم كانوا ينوهون عن تقليدهم أو قول مقالتهم من غير معرفة الدليل ؛ لأن من يأخذ مقالتهم بغير حجة مثله كمثل حاطل ليل ،يحمل حزمة حطب وقد يكون فيها أفعى تلدغه ،وهو لا يدرى .

أما الضوابط العامة للاجتهاد فى

تحقيق المناط فهى كما يلى :

1- إذا كان فى الواقعة نص ثابت فلا مجال للاجتهاد :

وسبق أن ذكرنا أن مسائل الاجتهاد فى الشريعة الإسلامية هى المسائل التى ليس فيها نص قطعى الثبوت قطعى الدلالة ،وليس فيها إجماع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة ،وعلى هذا مضى السلف الصالح الأخيار .

أما القرآن فقوله تعالى : (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاَ مبيناً ) (89).

وأما السنة فما روى البخارى بسنده عن ابن عباس : <<أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى صلى الله عليه وسلم بشريك بن سمحاء ،فقال النبى صلى الله عليه وسلم : البينة أو حد فى ظهرك . فقال يا رسول الله : إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلاً ينطلق يتلمس البينة ؟ فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يقول :

البينة وإلا حد فى ظهرك . فقال هلال :

والذى بعثك بالحق إنى لصادق ،فلينزلن الله ما يبرئ ظهرى من الحد .

فنزل جبريل وأنزل عليه (والذين يرمون أزواجه ) فقرأ حتى بلغ (إن كان من الصادقين ) فانصرف النبى صلى الله عليه وسلم فأرسل إليها ،فجاء هلال فشهد ،والنبى صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ،فهل منكما تائب ؟

ثم قامت فشهدت ،فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة .

قال ابن عباس : فلتكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ،ثم قالت : لا أفضح قومى سائر اليوم ،فمضت ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أبصروها ،فإن جاءت به أكحل العينين ،سابغ الأليتين ،خدلج الساقين فهو لشريك بن سمحاء ،فجاءت به كذلك ،فقال النبى صلى الله عليه وسلم :

<<لولا ما مضى من كتاب الله لكان لى ولها شأن >> (90) . ويريد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما مضى من كتاب الله قوله الله تعالى :

(ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين )(91).

ويقول ابن القيم : <<ويريد بالشأن – والله أعلم – أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذى رميت به ،ولكن كتاب الله فصل الحكومة وأسقط كل قول وراءه ،ولم يبق للاجتهاد بعده موقع >> (92).

وأما السلف الصالح الأخيار ،فلقد << قال الشافعى ،وأخبرنى من لا أتهم عن ابن أبى ذئب (محمد بن عبد الرحمن – 158 هجرى ) قال : أخبرنى محمد بن مخلد ابن خفاف (231هجرى ) قال :

اتبعت غلاماً فاستغللته ،ثم ظهرت منه على عيب ،فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز (101هجرى ) ، فقضى لى برده ،وقضى على بلغته ،فأتيت عروة فأخبرته فقال : أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم <<قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان >> (93),فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرنى به عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .فقال عمر : فما أيسر هذا علي من قضاء قضيته , اللهم إنك تعلم أنى لم أرد فية إلا الحق , فبلغتني فيه سنة عن رسول الله صلي عليه وسلم , فأرد قضاءعمر ،وأنفذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ,فراح إلية عروة , فقضى لي أن آخذ الخراج من الذى قضى به علي له >> (94).

2- يجب ردٌ ما اختلف فيه من الحق إلى الله ورسوله :

يقول الله تعالى : (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسو إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاوتلا) (95).

في هذه الآية يأمر الله عز وجل المؤمنين أمر ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كي يرتفع الننراع بينهم ,ويجعل الله الرد من موجبات الإيمان ولوازمه ؛بحيث إذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ،ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه ،والرد إلى الله سبحانه يكون بالرد إلى كتابه ،والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بالرد إلييه نفسه فى حياته وإلى سنته بعد وفاته .

فلقد اختلفت صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمر صلاة العصر قبل الوصول إلى بنى قريظة أو الانتظار حتى يصلوا إليها .

عن ابن عمر – رضى الله عنهما – لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة ،فأدرك بعضهم العصر فى الطريق ،فقال بعضهم : لا نصلى حتى نأتيهم ،وقال بعضهم : بل نصلى ،لم يرد منا ذلك ،فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه فلم يعنف واحداً منهم >> (96).

فهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون فى فهم الحديث فيرى بعضهم أن ظاهر الحديث غير مراد ،وإنما المقصود المسارعة فى الذهاب إلى بنى قريظة ،وأعانهم على هذا الفهم أن الله عز وجل يقول: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباموقوتا )(97)،أى كتبها الله لتؤدى فى وقتها المحدد ،ومن غير المعقول أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر يخالف القرآن الكريم ،وبناء على ذلك أدوا الصلاة قبل وصولهم إلى بنى قريظة .

ورأى البعض الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرع بو حى الله له ،وأن هذه حالة خاصة مستثناة ، وأن الحديث مخصص لعوم الآية ،وبناء على ذلك فلم يصلوا العصر إلا فى بنى قريظة عملاً بظاهر الحديث . ولما ردوا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف أحداً .

<<قال السهيلى (عبد الرحمن بن عبد الله – 581 هجرى ) وغيره : فى هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية ،ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه ،وفيه أن كل مختلفين فى الفروع من المجتهدين مصيب >>،قال السهيلى : <<ولا يستحيل أن يكون الشئ صواباً فى حق إنسان وخطأ فى حق غيره ،وإنما المحال أن يحكم فى النازلة بحكمين متضادين فى حق شخص واحد . قال : والأصل فى ذلك أن الخطر والإباحة صفات أحكام لا أعيان . قال : فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل فهو

 مصيب >> (98).  

ومعلوم أن هذه الاجتهادات ليست فى القطعيات ،وما لا قطع فيه فنرجح أن كل مجتهد فيه مصيب باجتهاده ، وإن لم يصب ما فى نفس الأمر ،أى أن الإصابة إضافية ،فمن اجتهد وأصاب مقصود الشارع – الذى يعلمه الله عز وجل – فهو المصيب حقيقة ،وهو الذى  له أجران ،أما من اجتهد فأخطأ فهو مصيب بالنسبة لاجتهاده الذى طلبه الشرع منه ،وهو من أجل هذا الاجتهاد مأجور بأجر واحد ،فليس الأجر على الخطأ وإنما الأجر على الاجتهاد .

وأمر الله عز وجل المؤمنين بأن يردوا كل ما تنازعوا فيه – صغر أو كبر ،ظهر أو خفى – إلى الله ورسوله دليل على أن كل الأحكام فى الكتاب والسنة ،نصاً أو استنباطاً ؛لأن الله لا يمكن أن يأمر بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع ،وما دام المجتهدون قد ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله فقد التزاموا الجادة ،وتنازعهم بعد ذلك فى بعض مسائل الأحكام من الظنيات لا يخرجهم عن حقيقة الإيمان ،ولقد اختلف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده فى بعض أحكام الدين ،مما أذن لهم بالاجتهاد فى تحقيق مناطه ،ولكنهم لم يصيروا شيعاً وأحزاباً .

مثال ذلك اختلاف الصحابة فى ميراث الجد مع الإخوة الأشقاء أو الأب عند عم الأب أو لا ؟

فمن قال إنه أب وحجب به الإخوة أبو بكر الصديق رضى الله عنه ،ولم يخالفه أحد من الصحابة فى ذلك أيام حياته ،واختلفوا فى ذلك بعد وفاته . فممن قال إنه أب ،ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة ،كلهم يجعلون الجد عند عدم الأب كالأب سواء ،يحجبون به الإخوة كلهم ولا يرثون معه شيئاً ،والحجة لهم قول الله تعالى: (ملة أبيكم أبراهيم ) (99)،وقوله تعالى :(يابنى ءادم) (100)،وقوله عليه الصلاة والسلام : <<يا بنى إسماعيل ارموا فإن أباكم كان رايًما ) (101). فكل هذه النصوص تنسبنا إلى آبائنا الأعلين :

إسماعيل وإبراهيم وآدم ،ونسميهم آباء لنا .

كما يستدلون بحديث ابن عباس ،أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : <<ألحقوا الفارائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر >> (102)،وهم يرون أن الجد أولى من الأخ معنى وحكماً ،أما المعنى فإن له قرابة ولاد وبعضية كالأب ،وأما الحكم فإن الفروض إذا ازحمت سقط الأخ دون الجد ،ويجمع له بين الفرض والتعصيب والأخوة ينفردون بواحد منها .

وذهب على بن أبى طالب وزيد وابن مسعود إلى أن الجد لا يقوم مقام الأب مسعود إلى أن الجد لا يقوم مقام الأب عند عدمه ،ولا يحجب الإخوة الأشقاء أو الأب ،بل يرثون معه (103).

وحجة القائلين بتوريث الإخوة الأشقاء أو الأب مع الجد هى أن ميراث الإخوة ثبت بالكتاب فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع ؛لأن الإخوة والجد تساووا فى سبب الاستحقاق فيتساوون فى الاستحقاق نفسه ،فإن الأخ والجد يدليان بالأب ،الجد أبوة والأخ ابنه ،وقرابة النبوة لا تنقص عن قرابة الأبوة ،إن لم تكن أقوى منها فإن الابن يسقط تعصيب الأب (104).

ونذكر أن اختلاف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه المسألة وغيرها ،لم يذهب المودة والتناصر فيما بينهم ؛بل كانت أخوة الإسلام بينهم قائمة ،ولم يحدث التفرق إلا بعد مصيبة المسلمين بمقتل عثمان رضى الله عنه ،فتحزبت الفرق والطوائف ،وصار المسلمون شيعاً ؛وذلك لاتباعهم أهواءهم ،ولخوضهم فى المسائل المحدثة التى ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه ،والتى ليست من الشريعة فى شئ .

ولقد أورد الشاطبى مقياساً يعرف به المسلم إن كانت المسألة المثارة من الإسلام أو لافقال : <<كل مسألة حدثت فى الإسلام فاختلف الناس فيها ،ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة ،علمنا أنها من مسائل الإسلام ،وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والقطيعة ،علمنا أنها ليست من أمر الدين فى شئ ،وأنها التى عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية ،وهى قوله تعالى : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم فى شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) (105).

وإن اختلاف المجتهدين حين يرد كل مجتهد اجتهاده إلى مصدره من الكتاب والسنة يكون اختلافهم فى حقيقته تحرياً لقصد الشارع المستبهم بينهم ،واتباعاً للدليل المرشد إلى تعرف قصده ،وقد توافق المختلفون فى هذا التحرى والاتباع بحث لو ظهر لكل واحد من المختلفين خلاف ما رآه لرجع إليه ولوافق صاحبه <<إلا أنه لا يمكن رجوع المجتهد عما أداه إليه اجتهاده بغير بيان اتفاقاً ، وسواء علينا أقلنا بالتخطئة أم قلنا بالتصويب ؛إذا لا يصح للمجتهد أن يعمل على قول غيره وإن كان مصيباً أيضاً ،كما لا يجوز له ذلك إن كان عنده مخطئاً ، فالإصابة على قول المصوبى إضافية ،فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار . فإذا كان كذلك فهم فى الحقيقة متفقون لا مختلفون >> (106).

3- ليس كل ما يعرف مما هو حق يذاع :

إن السائل قد يسأل عن مسألة لا يحتمل عقله الإجابة عنه فيكون الجواب له فتنه ،وخير للمفتى فى هذه المسألة أن يوجه السائل – بلطف – إلى ما ينفعه ،مهتدياً فى ذلك إجابة القرآن الكريم لمن سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحول الهلال ،وكيف يكون هلالاً فتربيعاً فبدراً ثم ينقص مرة ثانية إلى أن يصير محاقاً ، فلم يجبهم القرآن بذكر السبب الكونى ،فما كانت عقولهم لتحتمله يومئذ ،بل أجابهم بما يصلح حالهم ،ووجههم إلى السؤال عن الأنفع .

قال تعالى : (يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج ) (107) ،قال القرطبى : <<هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبى صلى الله عليه وسلم ،فقال معاذ : يا رسول الله ،إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة ،فما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يزيد حتى يستوى ويستدير ،ثم ينقص حتى يعود كما كان ، فأنزل الله هذه الآية ،وقيل : إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبى صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما بب محاقة وكماله ومخالفته لحال الشمس >> (108).

كما أن الزمان قد يكون زمان فتنة ،ويستعمل ما يعرفه فى الشر ،فهذا على ابن أبى طالب يتحسر لأنه لم يجد للعلم الذى فى صدره حملة ينتفعون بح حق الانتفاع ،فروى عنه أنه قال : <<إن هذه القلوب أوعية ،فخيرها أوعاها للخير ،والناس ثلاثة : فعالم ربانى ،ومتعلم على سبيل نجاة ،وهمج رعاع أتباع كل ناعق ،يميلون مع كل صالح لم يستضيئوا بنور العلم ،ولم يلجأوا إلى ركن وثيق . آه .. إن ههنا علماً – وأشار بيده إلى صدره – لو أصبحت له حملة ؛بل قد أصبت لقنا غير مأمون ،يستعمل آلة الدين لدنيا ،ويستظهر بحجج الله على كتابه ، وبنعمه على معاصيه ،أو حامل حق لا بصيرة له فى إحيائه ،وينقدح الشك فى قلبه بأول عارض شبهة ،لا يدرى أين الحق ،إن قال أخطأ ،وإن أخطأ لم يدر ،مشغول بما لا يدرى حقيقته فهو فتنة لمن فتن به >> (109).

والحالة التى يصورها قول على بن طالب هى حالة الفتنة التى يعم فيها الهرج والمرج ،وتلبس الأمور غير لبوسها . فعلى كل من يتصدى للحكم  الشرعى أن يكون بصيراً بزمنه ،وبمآل حكمه ،فما دامت المسألة ليست من الأصول وما دامت من المسائل التى ليس فيها نص قطعى الثبوت قطعى الدلالة ،وليس فيها أجماع ،ففى هذه الحالة إن غلب على ظن المجتهد أن حكمه سوف يترتب عليه شر أكبر من الإمساك عنه أمسك عنه ترجيحاً لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما ،فلقد أمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هدم الكعبة وإهادتها على قواعد إبراهيم عليه السلام ،وذلك لقرب عهد قريش بالكفر ،وحدثان عهدهم بالإسلام ،وأن هدم الكعبة ربما نفرهم من الإسلام بعد الدخول فيه .

<<ومن تأمل ما جرى على الإسلام فى الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل ،وعدم الصبر على منكر ،فطلب إزالته فتولد عنه ما هو أكبر منه >> (110).

وقد تكون المسألة مقبولة شرعاً ،ويستدعيها الزمان ،ولكن على الخصوص ،أى بين أهل الفن خاصة ،ولا تطرح على العموم .

ولقد أورد الشاطبى ضابطاً يمكن الاحتكام إليه فى كون المسألة يجوز إفشاؤها أو لا وإن أفشيت فعلى العموم أو الخصوص ؟ فقال : <<وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة ،فإن صحت فى ميزانها ،فانظر فى مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله ،فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها فى ذهنك على العقول فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم ،وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم ،وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجارى على وفق المصلحة الشرعية والعقلية >> (111).

ب – ضوابط المجتهد :

لقد تكلم العلماء كثيراً عن ضوابط المجتهد أو شروط الاجتهاد ،وكلها تدور حول محورين : الأول يتعلق بالوسائل التى لابد من تحصيلها ،والثانى يتعلق بالملكات النفسية والمواهب الإنسانية ،أو تعبير آخر : المحور الأول يتعلق بالأثر ،والثانى يتعلق بالرأى والبصر .

يقول الشافعى : <<لا يحل أحد أن يفتى فى دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله ،بناسخه ومنسوخه ،ومحكمه ومتشابهه ،وتأويله وتنزيله ،ومكيه ومدنيه ،وما أريد به ،ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول صلى الله عليه وسلم ،وبالناسخ والمنسوخ ،ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ،ويستعمل هذا مع الإنصاف ، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف الأمصار ،وتكون له قريحة بعد هذا ،فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتى فى الحلال والحرام ،وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتى >> (112).

فالشافعى رحمه الله ذكر شروطاً ستة ،ثلاثة منها متعلقة بالأثر ،وثلاثة متعلقة  بالرأى والبصر .

أما المتعلقة بالأثر فكما يلى :

1- المعرفة بكتاب الله عز وجل ،بأسباب النزول ،والناسخ والمنسوخ ،والمحكم والمتشابه ،والتأويل والتنزيل والمكى والمدنى ،ومعرفة ما أريد من الخطاب ،العام الذى اريد به العموم ،والعام الذى أريد به الخصوص ، والخاص الذى أريد به الخصوص ،والخاص الذى أريد به العموم .

2- المعرفة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ويعرف منه ما عرف من القرآن ،يضاف إلى ذلك معرفة الرواة وأحوالهم ،وطرق الحديث وعلله .

3 – المعرفة بلغة العرب التى نزل بها القرآن الكريم ،ودونت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعرفة بالشعر العربى الذى هو ديوان العرب ،ومعرفة أساليب التراكيب فى اللغة العربية ،وطرق الدلالة التى ألفتها العرب ،وكل ذلك محتاج إليه فى معرفة القرآن والسنة .

أما المتعلقة بالرأى والصبر فهى :

 1 – أن يستعمل الوسائل السابقة مع الإنصاف ،فلا يتعسف ولا يترخص ،ولا يستحى أن يقول لما لا يعرف لا أعرف ،ولا يستحى أن يسأل من يعرف ،وأن يكون محسناً فى الموازنات والترجيحات والاختيارات .

2- معرفة اختلاف أهل الأمصار ،اختلاف العوائد والأحوال وأقوال الفقهاء ومداخل الآراء ،ومناط الأحكام ، <<قال يحيى بن سلام (200هجرى ) : لا ينبغى لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتى ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحب إلى >> (113).

3- أن تكون له قريحة (114)،تمكنه من فهم الواقع ،واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات التى تحيط بالواقعة ،كما استنبط شاهد واقعة يوسف مع امرأة العزيز الحق بقرينة شق قميص يوسف من أمام أو من خلف ،وتمكنه هذه القريحة من فهم الواجب فى الواقع ،أى فهم حكم الله فى كتابه أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ،كما تمكنه من الموازنة بين المصالح الشرعية والمفاسد ،وتمكنه من اعتبار المقاصد الشرعية بمراتبها المختلفة ،وهى التى تجعله يشعر من قلبه بالافتقار الحالى إلى الله عز وجل هادى القلوب وملهم الصواب ،قبل شعوره بالافتقار العلمى ،وهذه القريحة تجعله لا يقول إن ما وصل إليه هو حكم الله ورسوله ،وإنما هو اجتهاده ،فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمن نفسه .

ولكن هذا يشترط أن يكون صاحب الحكم الشرعى مجتهداً فى كل الوسائل التى يحتاج إليها فى اجتهاده ؟

إن ما نراه هو أن المجتهدين درجات ،فأعلاهم درجة من كان عالماً بوسائله ،محيطاً بها ،تكونت له فيها ملكة الاجتهاد ،يلى هذه الدرجة أن يكون المرء عالماً بوسائله مداوماً على مذاكرتها ولكن لم تتكون له فيها ملكة الاجتهاد . أما الدرجة الأخيرة فهى أن يكون غير عالم بالوسائل ولكنه يعرف احتياجه لها لكى يتم اجتهاده فى استنباط الحكم الشرعى ،ويعرف أهل تلك الوسائل ؛وكيف يتصل بهم ليعرف تلك المعارف اللازمة والمتعلقة بمسألته . ومثال هذه الحالة الأخيرة رجل من علماء الفقه الإسلامى يجتهد ليصدر حكماً يتعلق بالحلال والحرام فى أية مسألة من مسائل الطب الحديث ،أو مسائل المعاملات الحديثة ،فهو يعرف مقاصد الشريعة العامة ولكن المعارف المتعلقة بمسألته ،واللازمة لاجتهاده ،هو غير عالم بها ولكنه يعرف أهلها ويعرف كيف يحصل هذه المعارف ،ويعرف كذلك أنه لا يحكم إلا بعد مشورتهم .

ويوضح الشاطبى هذه الدرجات قائلاً : <<لكن هذه المعارف تارة يكون الإنسان عالماً بهذا مجتهداً فيها ،وتارة يكون حافظاً لها متمكناً من الاطلاع على مقاصدها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها ،وتارة يكون غير حافظ ولا عارف إلا أنه عالم بغايتها وأن له افتقاراً إليها فى مسألته التى يجتهد فيها ،فهو بحيث إذا عنت له مسألة ينظر فيها زوال أهل المعرفة بتلك المعارف التعلقة بمسألته ،فلا يقضى فيها إلا بمشورتهم ،وليس بعد هذه المراتب الثلاثة مرتبة يعتد بها فى نيل المعارف المذكورة >> (115).

وأخيراً فإن تقوى الله عز وجل ،وإخلاص القصد لله وحده ،أهم ما يحتاجه المجتهد فى أحكام الشريعة ،قبل الشروط السابقة وبعدها ،وبهذه التقوى يقذف الله النور فى قلبه ويلهمه الحكمة ينطق بها ،ويهديه لما اختلف فيه من الحق ،ويفهمه كما فهم سليمان عليه السلام .

انظر قضاء كل من داود وسليمان عليهما السلام فى أمر الحرث الذى نفشت فيه غنم القوم ،والذى يقول الله فيه : (وداود وسليمان إذا يحكمان فى الحرث إذا نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا ءاتينا حكما وعلماً ) (116).

<<قال الكلبى (إبراهيم بن خالد 240هجرى ) : قوم داود الغنم والكرم الذى أفسدته الغن ،فكانت القيمتان سواء فدفع الغنمإلى صاحب الكرم ،وهكذا قال النحاس (أحمد بن محمد 338 هجرى ) ،قال : إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث لأن ثمنها كان قريباً منه ،وأما فى حكم سليمان فقد قيل :

كانت قيمة ما نال من الغنم (ألبانها وسمونها وأصوافها )وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضاً >> (117).

ومما فضل به حكم سليمان حكم داود عليهما السلام أن حكم سليمان حقق العدل والرحمة ،أما حكم داود فقد حقق العدل وافتقد الرحمة ،ففى كلا الحكمين وصل لأصحاب الحرث ما يعوض خسارتهم ،ولكن أصحاب الغنم فقدوها نهائياً فى حكم داود ،مع جنايتهم – غالباً – غير مقصودة ،ولكنها حدثت من التفريط ،أما فى حكم سليمان فلم يفقد أصحاب الغنم إلا منافع الغنم ،ولفترة محدودة ،وطلب منهم بذل الجهد فى عمارة الأرض .

ونلاحظ أن الله تبارك وتعالى فى هذه الآية أثنى على سليمان بصوابه ،وعذر داود باجتهاده ،فالمجتهد له أجر؛ لأنه بذل غاية وسعة ولكنه لم يصب وجه الحق ،فأجره على اجتهاده ،لا على خطئه ،أما المصيب فله أجر اجتهاده وأجر إصابته .

– عن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : <<إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ،وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر>> (118).

وأما من لم يكن أهلاً للاجتهاد ،ويتكلف فإنه لا يعذر بالخطأ فى الحكم ،بل يخاف عليه أعظم الوزر .

– عن أبى بريدة عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : <<القضاة ثلاثة ،واحد فى الجنة ،واثنان فى النار ،فأما الذى فى الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ،ورجل عرف الحق فجار فى الحكم فهو فى النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار >> (119).

●●●

الهوامش

(*)كلية الدراسات العربية الإسلامية جامهة القاهرة – فرع الفيوم .

(1) الموافقات – لأبى إسحاق الشاطبى ،ت 790هجرى ،ج4 ، ص189 ،دار المعرفة – بيروت – لبنان .

(2) الفقيه يبحث الواقعة ويقرر رأيه بين تلاميذه أو فى كتابه ،والمفتى يفتى فى الواقعة التى طلب منه الإفتاء فيها ،عامة كانت الواقعة أو خاصة ،وكل من الفقيه والمفتى لا يلزمان أحداً بالحكم الشرعى ،أما القاضى فإنه يصدر حكمه الشرعى فى الواقعة ويلزم به المتقاضين .

ولقد اختلفت الأنظار فى أيهم أشد خطورة فقال البعض : المفتى (ومثله الفقيه ) أقرب إلى السلامة من القاضى  لأنه لا يلزم أحداً بفتواه ،وإنما يخبر بها من استفتاه ،فأن شاء قبل قوله ،وإن شاء تركه ،أما القاضى فإنه يلزم بقوله ،فهو من هذا الوجه أشد ،ورأى البعض أن خطر المفتى (ومثله الفقيه ) أعظم من جهة أخرى ،فإن فتواه الشرعية عامة تتعلق بالمستفتى وغيره ،وأما الحاكم فحكمه جزئى 

=انظر أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ج1 ،ص 42 ،43 ،44 .

دار الحديث – القاهرة – الطبعة الأولى 1414 هجرى – 1993 م .

(3) <<إن علماء ورثة الأنبياء ،وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً أو ديناراً ،وإنما ورثوا العلم ،فمن أخذه أخذ بحظ وافر >>.

رواه بن ماجة من حديث أبى الدرداء ،ج1 المقدمة ص 81 فضل العلم والعلماء والحث على طلب العلم .

(4) النساء : 59 – وأورد ابن كثير عن ابن عباس أن أولى الأمر هم أهل الفقه والدين – تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 326 – دار الأندلس – بيروت – لبنان – الطبعة السابعة 1405هجرى – 1985 م .

(5) الموافقات فى أصول الشريعة ،للشاطبى ج 4 ،ص 245 .

(6) سنن الترمذى ج 3 ص 541 – كتاب البيوع – باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل ،كراهية التفاضل ،وقال أبو عيسى :حديث عبادة حديث حسن صحيح .

(7) بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع – الكاسانى الحنفى ت 587 هجرى ،ج5 ،ص 183 ،184 دار الكتب العلمية – بيروت – بدون تاريخ .

(8) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ج 3 ص 47 ،48 ،طبعة عيسى البابى الحلبى وشركاه .

انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ج 2 ص 148 إلى 152 ،مكتبة الكليات الأزهرية 1402هجرى – 1983 م .

(9) المجموع شرح المهذب ، ج9 ،ص 439 إلى 505 .

مكتبة الأرشاد – جدة – المملكة العربية السعودية – بدون تاريخ .

(10) المغنى لابن قدامة ت 620 هجرى ،ج4 ص 133 إلى 138 ،والنص من ص 138 ،مطبوع مع الشرح الكبير لابن قدامة المقدسى ،ت 682 هجرى ،دار الفكر – بيروت – لبنان – 1414 هجرى ،1994 م .

وانظر أثر الاختلاف فى القواعد الأصولية فى اختلاف الفقهاء ،د . مصطفى سعيد الخن ،ص 495 إلى 501 (11) تنقيح الشعر تهذييه ،يقال خير الشعر الحولى (المنقح ) .

– مختار الصحاح ص 675 – مادة (نقح ) دار البيان العربى – بيروت – لبنان .

(12) البخارى بشرح فتح البارى ج 4 ص 163 – كتاب الصوم – باب إذا جامع فى رمضان ولم يكن له شئ فتصدق عليه فليفكر .

(13) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج 1 ص 399 – 400 .

(14) المقصود بالمدركات الشرعية : النص والإجماع والقياس .

(15) أعلام الموقعين ،ج3 ص 232 .

(16) مسلم بشرح النووى ، ج8 ص 126 ،127 – كتاب الحج – باب ما يفعل بالمحرم إذا مات .

(17) مجموع فتاوى ابن تيمية ،ج 21ص 200 – 201 .

(18) هناك مسائل عديدة اختلف فيها ،ولكنا قد تيقنا صحة أحد القولين : مثل كون الحامل تعتد بوضح الحمل وأن إصابة الزوج الثانى شرط فى حل الزوجة المطلقة ثلاثاً لزوجه الأول ،وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل …إلخ .

انظر أعلام الموقعين ج 3 ص 232 .

(19) المائدة : 3 .

(20) الموافقات ،ج4 ،ص93 .

(21) مسلم بشرح النووى ج 16 ص 115 – كتاب البر والصلة – صلة الرحم وتحريم قطعها .

والملل : بفتح الميم وتشديد اللام : الرماد الحار ،ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار ،وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الآلم .

(22) مسلم بشرح النووى ج 12 ص 4 – كتاب الأقضية – بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن .

(23) أعلام الموقعين ج 3 ص 6 ،7 .

(24) تبصرة الحكم فى الأصول الفقهية ومناهج الأحكام لابن فرحون ج 1 ص 98 ،99 . دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان الطبعة الأولى 1301هجرى ،وبهامش الطبعة كتاب العقد المنظم للحكام فيما يجرى بين أيديهم والأحكام للشيخ ابن سلمون الكنانى .

(25) شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندى ،من أشهر القضاة الفقهاء فى صدر الإسلام ،ولى قضاء الكوفة فى زمن عمر وعثمان وعلى معاوية ،واستعفى فى أيام الحجاج فأعفاه . ت 78هجرى – 697 الأعلام – خير الدين الزركلى ج3 ص 161 دار العلم للملايين – بيروت لبنان .

(26) – تبصرة الحكام ج 1 ص 101 .

(27) النساء: 6 .

(28) زرع الأعضاء بين الحظر وافباحة – د / أحمد محمود سعد ،ص 51- دار النهضة العربية – الطبعة الأولى 1406 هجرى – 1986 .

(29) سورة البقرة آية : 173 – وغير باغ : أى غير طالب للمحرم ذاته ،ولاعاد : أى غير متجاوز قدر الضرورة .

(30) زرع الأعضاء بين الحظر والإباحة – د / أحمد محمود سعد ، ص 35 .

(31) نظرية الضرورة الشرعية – د / وهبة الزحيلى ،ص71 – مؤسسة الرسالة – الطبعة الرابعة 1405 هجرى – 1985 م .

(32) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ج 5 ص 58 .

(33) هذا الكلام عند الحنفية مقيد بما لم يحدث فيه صنعة متقومة ،فإن كان فيه صنعة متقومة ،أو جرت العادة بإحرازه والضن به ففيه القطع .

(34) سنن الترمذى ج4 ص42 ،43 – كتاب الحدود – ما جاء لا قطع فى ثمر ولا كثر .

(35) الجمار : بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة ،شحم النخل ،وجمر النخلة تجميراً : قطع جمارها ،مختار الصحاح مادة (ج – م- ر ) ص 109 – دار التنوير العربى – بيروت لبنان .

(36) قال صاحب نصب الراية : قال صلى الله عليه وسلم : <<لاقطع فى طعام >>قلت : غريب بهذا اللفظ ، وأخرج أبو داود فى المراسيل عن جرير بن حازم عن الحسن البصرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :

<<إنى لا أقطع فى الطعام >>انتهى .

وذكره عبد الحق فى <<أحكامه >>من جهة أبى داود ولم يعله بغير الإرسال ،وأقره ابن القطان علىذلك ،وروى ابن أبى شبيه فى مصنفه حدثنا حفص عن أشعث بن عبد الملك وعمرو عن الحسن أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى برجل سرق طعاماً فلم يقطعه ،انتهى . وحدثنا عن جرير بن حازم ،والسرى بن يحيى عن الحسن نحوه ،فذكره ،وزاد : قال سفيان : هو الطعام الذى يفسد من نهاره كالثريد واللحم .

(37) البحر الرائق ،ج5 ص 58 .

(38) رد المختار على الدر المختار لابن عابدين ج 44 ص 100 ،101 . دار إحياء التراث العربى – بدون تاريخ – طبعة فى خمسة أجزاء .

(39) قال الثورى : ما يفسد فى يومه كالثريد واللحم لا قطع فيه . انظر المغنى مع الشرح الكبير ج10 ص 243 .

(40) انظر فى الفقه المالكى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ج 2 ص484 . انظر فى الفقه الشافعى المجموع المهذب ج 22 ص 158 . وانظر فى الفقه الحنبلى المغنى مع الشرح الكبير ج 10 ص 243 ،244 245 .

(41) المائدة : 38 .

(42) سنن أبى داود ج 4 ص 137 – كتاب الحدود – باب ما لا قطع فيه .

(43) المغنى لابن قدامة ،ج1 ص244 . والأترجة ثمرة طعمها وريحها طيب .

 (44) يؤخذ من تعريف المال عند المالكية والشافعية والحنابلة : أنهم لا يشترطون الادخار لوقت الحاجة ، وإنما يكتفون بما له قيمة ،وتباح منفعته ،ويستند به المالك .

– انظر الموافقات فى أصول الشريعة للشاطبى المالكى ج2 ص 17 .

– وانظر الأشباه والنظائر فى قواعد وفروع فقه الشافعى – لجلال الدين السيوطى المتوفى 911هجرى – ص 327 – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى 1413هجرى – 1983 م .

– وانظر الأشباه والنظائر فى قواعد وفروع  فقه الشافعى – لجلال الدين السيوطى  المتوفى 911هجرى – 327 – دار المكتبة العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى 1413هجرى – 1983 م .

– وانظر فى الفقه الحنبلى شرح منتهى الإدرات لمنصور بن يونس إدريس البهوتى ،ج2 ص17 – دار الفكر – بيروت ،بدون تاريخ – طبعة فى ثلاثة أجزاء .

(45) مسلم بشرح النووى – ج2ص 189 – وجوب صيام رمضان برؤية الهلال ،و <<أغمى عليكم >>: أى حال بينكم وبينه غيم ،ومثل أغمى : غم ،وغمى .

(46) مسلم بشرح النووى – ج7 ص 197 ،وبيان أن لكل بلد رؤيتهم الهلال .

(47) انظر بداية المجتهد لابن رشد ج1 ص 380 .

(48) البقرة : 286 .

(49) الإسراء آية : 84 .

(50) الموافقات ج 4 ص160 .

(51) – الفتاوى الهندية فى مذه الإمام أبى حنيفة النعمان لنظام الملك وجماعة من علماء الهند – ج1 ص178- دار الفكر – لبنان ،1411هجرى – 1991 م مصورة عن الطبعة الثانية بالمطبعة الأميرية الكبرى ببولاق سنة 1310هجرى – وانظر البحر الرائق ج2 ص 243 .

(52) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ج1 ص 460 .

(53) – المجموع شرب المهذب ج5 ص 518 ،519 .

(54) – جاء فى نصب الراية ج2 ص 374 <<روى الجوزى فى <<التحقيق >>بسنده عن عافية بن أيوب عن ليث بن سعد عن أبى عن أبى الزبير عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : <<ليس فى الحلى زكاة >>قال البيهقى فى <<المعرفة >>وما يروى عن عافية بن أيوب عن الليث عن أبى الزبير عن جابر مرفوعاً <<ليس فى الحلى زكاة >>فباطل لا أصل له ،إنما يروى عن جابر من قوله ،وعافية بن أيوب مجهول فمن أحتج به مرفوعاً كان مغرراً بذمته ،داخلاً فيما نعيذ به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين >>.  

(55) – المغنى والشرح الكبير ج2 ص 603 ،604 .

(56) – قال <<زفر>>- وهو من تلاميذ أبى حنيفة – :<<صوم رمضان فى حق المقيم جائز بدون النية ، واحتج بقوله تعالى :(فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) (البقرة – 185 ) أمر بصوم الشهر مطلقاً عن شرط النية ،والصوم هو الإمساك ،وقد أتى به فيخرج عن العهدة ؛ولأن النية إنما تشترط للتعيين ،والحاجة إلى التعيين عند المزاحمة ،ولا مزاحمة لأن الوقت لا يحتمل إلى صوماً واحداً فى حق المقيم ،وهو صوم رمضان فلا حاجة إلى التعيين بالنية >>انظر بدائع الصنائع للكاسانى ج 2 ص 83 .

(57) – صحيح البخارى بشرح فتح البارى ،ج1 ص9 . كتاب بدء الوحى .

(58) – بدائع الصنائع ،ج2 ص 84 .

(59) حاشية الدسوقى ،ج1 ص520 .

(60) المجموع ،ج6 ص 380- والنص من المهذب للشيرازى .

(61) المغنى عن الشرح الكبير ،ج3 ص26 .

(62) البحر الرائق ،ج5 ص 68 ،69 ،والنص من كنز الدقائق .

(63) البحر الرائق ،ج5 ص69 .

(64) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ،ج4 ص 336 – والنص من الشرح الكبير .

(65) المجموع شرح المهذب ،ج22 ص 203 – والنص من المهذب .

(66) المغنى مع الشرح الكبير ،ج10 ص 554 .

(67) – الموافقات ج4 ص 194 – 195 .

(68) البقرة : 269 .

(69) الأنعام : 108 .

(70) أحكام القرآن ج2 ص 265 .

(71) تفسير ابن كثير ج3 ص 79 ،والحديث فى صحيح البخارى بشرح فتح البارى ج 10 ص 403 – كتاب الأدب – باب لا يسب الرجل والديه – عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : <<إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ،قيل : يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ،ويسب أمه فيسب أمه >>.

(72) فتح البارى ،ج10 ص 403 .

(73) البخارى بشرح فتح البارى ،ج1 ص 224 – كتاب العلم – باب من ترك بعض الاختيارات مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا فى أشد منه .

(74) البخارى بشرح فتح البارى ،ج3 ص 439 – كتاب الحج – باب فضل مكة وبنيانها ،وخلفاً يعنى باباً .

(75) فتح البارى ،ج3 ص 448 .

(76) فتح البارى ،ج3 ص 448 .

(77) النحل : 104 – 106 .

(78) تفسير ابن كثير ج4 ص 228 .

(79) أخرج ابن ماجة : ثنا الولديد بن مسلم ثنا الأوزاعى عن عطاء عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : <<إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه >>.

وقال فى الزوائد : إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع ،والظاهر أنه منقطع بدليل زيادة عبيد بن نمير فى الطريق الثانى ،وليس ببعيد أن يكون السقط من جهة الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس . سنن ابن ماجة ج 1ص 659 – كتاب الطلاق – باب طلاق المكره والناسى .

(80) أحكام القرآن لابن العربى ج3 ص 163 .

(81) الطلاق : 1 .

(82) أخرج الترمذى عن أبى هريرة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : <<كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله >>. قال أبو عيسى : هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من عطاء بن عجلان ، وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث . والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهم ،أن طلاق المعتوه على عقله لا يجوز ،إلا أن يكون معتوهاً ،يفيق الأحيان ،فيطلق فى حالة إفاقته . سنن الترمذى ج3 ص 496 – كتاب الطلاق – باب ما جاء فى طلاق المعتوه .

(83) جاء فى سنن ابن ماجة ج 1 ص 658 – عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 <<ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة >>.

(84) الحديث <<لا قيلولة فى الطلاق >>قال عنه الزيلعى :<<رواه العقيلى فى كتابه ،أخبرنا مسعدة بن سعد ثنا إسماعيل بن عياش ثنا غازى بن جبلة الجيلانى عن صفوان عن غزوان الطائى أن رجلا كان نائماً فقامت امرأته … الحديث . وقال : قال البخارى : لصفوان الأصم عن بعض أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى << طلاق المكره >>حديث لا يتابع عليه . نصب الراية ج3 ص 222- كتاب الطلاق .

(85) بدائع الصنائع ج 7 ص 112 كتاب الإكراه .

(86) عن عائشة رضى الله عنها : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : <<لا طلاق ولا عتاق فى غلاق >>.

سنن أبى داود ج 2 ص 259 – كتاب الطلاق – باب فى الطلاق فى غلط ،وقال أبو داود : الغلاق أظنه فى الغضب . وأخرجه ابن ماجة فى سننه ج1 ص 66 – كتاب الطلاق – باب طلاق المكره والناسى بلفظ <<لا طلاق ولا عتاق فى إغلاق >>.

(87) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ج2 ص 367 والنص من الشرح الكبير .

(88) انظر المجموع ج18 ص 207 ،208 .

(89) انظر المغنى ج8 ص 260 .

(90) سبق تخريج الحديث .

(91) المجموع ج18 ص 207 ،208 ،والنص من المهذب .

(92) صحيح البخارى بشرح فتح البارى ج1 ص 324 كتاب الوضوء . باب : يهريق الماء على البول .

(93) ج1 ص 323 – باب صب الماء على البول فى الجسد .

(94) فتح البارى ج1 ص 324 .

(95) أعلام الموقعين ج2 ص 173 .

(96) الأحزاب : 36 .

(97) البخارى بشرح فتح البارى ج 8 ص 449 – كتاب التفسير سورة النور – باب (والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ) .

وجاء فى لسان العرب . مادة خدلج – <<الخدلجة ـ بتشديد اللام : الربا الممتلئة الذراعين والساقين .. وفى حديث اللعان : خدلج الساقين : عظيمها >>. لسان العرب- طبعة دار المعارف .

(98) النور : 8،9 .

(99) أعلام الموقعين ج2 ص 236 .

(101) أخرج الترمذى عن عروة عن عائشة <<أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان وقال أبو عيسى : وهذا حديث حسن صحيح ،وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه ،والعمل على هذا عند أهل العلم .

سنن الترمذى ج3 ص582 ،كتاب البيوع – باب ما جاء فيمن يشترى العبد ويستغله ثم يجد به عيباً .

(102) أعلام الموقعين ،ج2 ،ص238 .

(103) سورة النساء : 59 .

(104) البخارى بشرح فتح البارى ،ج7 ،ص 407 – 408 ،كتاب المغازى ،باب مرجح النبى صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بنى قريظة ومحاصرته إياهم .

(105) سورة النساء : 103 .

(106) فتح البارى ،ج7 ،ص 407 – 408 .

(107) سورة الحج : 78 .

(108) سورة الأعراف : 26 ،27 ،31 ،35 .

(109) ورد فى البخارى بشرح فتح االبارى ،ج6 ص 91 – كتاب الجهاد – باب التحريض على الرمى .

عن يزيد بن أبى عبيد قال : سمعت سلمة بن الأكوع رضى الله عنه قال : <<مر النبى صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتصلون ،فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ارموا بنى اسماعيل فإن أباكم كان رامياً ، ارموا وأنا مع بنى فلان . قال : فأمسك أحد الفريقين بأيديهم ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لكم لا ترمون ؟ قالوا : كيف نرمى وأنت معهم ؟ فقال النبى : ارموا فأنا معكم كلكم >>.

(110) البخارى بشرح فتح البارى ،ج12 ص 27 – كتاب الفرائض – باب ابنى عم أحدهما أخ لأم والآخر زوج .

(111) ولقد اختلف القائلون بتوريث الإخوة الأشقاء أو لأب مع الجد فى كيفية التوريث ،فمذهب زيد بن ثابت أن الجد يأخذ الفضل له ،فإن كانت المقاسة خيراً قاسم وإلا أخذ الثلث وحده وتقاسم الإخوة فى الباقى ،هذا إذا لم يكن فى المسألة أصحاب فروض ،فإن كان فيها أصحاب فروض أخذ الجد الأحسن له بعد أصحاب الفروض من ثلث الباقى أو القاسمة مع الأخوة ،سواء كان معهم أصحاب فروض أم لا ،ولم ينقصه أيضاً عند السدس .

انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد ،ج2 ،ص 380 وما بعدها .

(112) انظر جميع التفصيلات فى المسألة فى تفسير القرطبى ،المجلد الثانى ،ص 1734 – 1735 .

(113) نص الشاطبى من الموافقات ،ج4 ،ص 185 – 186 . والآية من سورة الأنعام : 159 .

(114) الموافقات ،ج4 ،ص221 .

(115) سورة البقرة : 189 .

(116) تفسير القرطبى ،المجلد الأول ،ص 852 .

(117) أعلام الموقعين ،ج2 ،ص168 ،وهو من حديث على لكميل بن زياد النخعى . ويقول ابن القيم :

 <<وهو مشهور عند أهل العلم ،يستغنى عن الإشهاد لشهرته عندهم >>.

(118) أعلام الموقعين ،ج2 ،ص 168 .

(118) الموافقات ،ج4 ،ص 191 .

(119) أعلام الموقعين ،ج1 ،ص 51 .

(120) الموافقات ،ج4 ،ص 161 .

(121) القريحة أول ما يستنبط من البئر ،ومنه قولهم : لفلان قريحة جيدة ،يراد به استنباط العلم بجودة الطبع مختار الصحاح ،مادة قرح ،ص582 .

(122) الموافقات ،ج4 ،ص107 – 108 .

(123) سورة الأنبياء : 78 – 79 .

(124) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ،المجلد السادس ، ص4487 .

(125) سنن أبى داود ،ج3 ،ص299 ،كتاب الأقضية ،باب فى القاضى يخطئ ،وقال أبو داود : فحدثت به أبا بكر بن حزم فقال :

هكذا حدثنى أبو سلمة عن أبى هريرة .

(126) سنن أبى داود ،ج3 ،ص299 ،كتاب الأقضية ،باب فى القاضى يخطئ . وقال أبو داود : هذا أصح شئ فيه .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر