أبحاث

الهجرة السياسية في الإسلام

العدد 96

ظاهرة الهجرة :

الهجرة ظاهرة شهدتها البشرية منذ القدم ، ولم يزل الناس أفرادًا وجماعات في حركة مستمرة يتنقلون من مكان إلى آخر. فالبعض يترك وطنه لجفاف يحدث أو قحط ينزل أو زلزال يقع أو فيضان يجري أو أمراض فتّاكة تحل ، أو نحو ذلك من الظروف والكوارث الطبيعية.

بينما يترك آخرون مواطنهم بحثًا عن مراكز الرزق أو لتحسين مستوى المعيشة. وتعد ظروف العمل التجاري ومقتضاياته من أسباب الهجرة أيضًا.

أما الأطماع ونزعات السطو والتسلط فهي من دوافع الهجرة والغزو عند آخرين.

وثمة فئة تشد الرحال إلى بلاد أخرى لأسباب علمية ، كأن يتغرب طالبوا العلم سنوات بعيدًا عن الأهل والأوطان، أو يهاجر العلماء أو حملة الشهادات أو أصحاب المهارات إلى حيث تجد خبراتهم مكانًا أفضل للتوظيف ، وهو ما يطلق عليه اليوم بـ «هجرة الأدمغة».

ولكن هناك أسباب أخرى للهجرة تتميز بارتباطها بالمعتقد أو الرأي ، حيث يترك عدد غير قليل من الناس أوطانهم لأسباب دينية أو فكرية أو سياسية.

والمهاجر بهذا الشكل يختلف عن المغترب لأسباب اقتصادية أو علمية أو تجارية أو نحو ذلك من الأسباب غير العقيدية أو السياسية.

إن هجرة المعتقد والرأي تأخذ منحنيين هما :

أ – المنحنى التبشيري :

– يتجلي هذا المنحنى حين يؤمن الإنسان بعقيدة أو رسالة ويسعى إلى التبشير بها ، ومثالها هجرة عدد من الأنبياء كإبراهيم الخليل حين غادر أرض العراق إلى الشام ومنها إلى فلسطين ومعه «لوط» {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} العنكبوت26 ، وهجرة موسي حين غادر مصر إلى فلسطين ، ومعظم حركة الأنبياء اقترنت بهجرة من هذا النوع.

كما أن هذا النوع من الهجرة يدخل في مفهوم «الدعوة» حين يجوب بعض الأفراد أو الجماعات مواطن قد تكون بعيدة عن مواطنهم الأصلية ، وقد يستقرون بها بشكل مؤقت أو دائم نشرًا لعقيدة أو مبدأ أو رسالة، أو بهدف توسيع النطاق السياسي للكيان الذي إليه ينتمون.

وتدخل في هذا الإطار هجرة الجند والفاتحين والدعاة والمبشرين الذين يسبقون الجيوش المتحركة أو يتبعونها أو يصحبونها. وهذا اللون عرفته الحضارة الغربية المسيحية حين كان الكثير من الرحالة والمكتشفين والرهبان والمستشرقين يمهدون لجيوش بلدانهم الزاحفة أو يصحبونها وهم يحملون إلى مهاجرهم مشاريع دينية أو ثقافية أو سياسية. كما عرفت الحضارة الإسلامية إبّان امتدادها وخلال حركة فتوحاتها هذا اللون من الهجرة ، حيث شارك الكثير من الأفراد والجماعات عمليات الفتح وأسهموا خلالها إسهامات مختلفة ، وكان لحملة المبادئ والعلوم الإسلامية دورًا فعالاً في هذا الاتجاه.

ب – المنحنى السياسي :

المهاجر لأسباب سياسية هو الذي يغادر وطنه نتيجة لقهر أو ضغط تمارسه السلطة الحاكمة بصفته يحمل عقيدة أو تصورًا سياسيًّا مخالفًا لعقيدة أو تصور السلطة. والتوجه بهذه الصفة نحو موطن آخر بحثًا عن الأمان والحرية هو ما يطلق عليه بـ «اللجوء السياسي».

ولهذا المنحى من الهجرة حالتان : الأولى طابع سلبي تتمثل في الوضع الذي يجد فيه الشخص المخالف نفسه في وضع المطارد أو المحاصر على النحو الذي يصبح عنده الهروب إلى مكان آمن غير موطنه أمر لابد منه. والثانية ذات طابع إيجابي تتمثل في وضع الشخص الذي يرى أن بلدًا ما في العالم يتجسد فيه النموذج العقيدي أو السياسي أو الحضاري الذي يؤمن به فيهاجر إلى ذلك البلد معبرًا بذلك عن انتمائه العقيدي والسياسي ، ومعلنًا عن ارتباطه العضوي بذلك النموذج.

والهجرة بمنحاها السياسي وبحالتها السلبية والإيجابية هي التى تعنينا في هذه الدراسة.

الهجرة السياسية في الإسلام : النظرية والمضمون :

الهجرة في مدلولها السياسي الإسلامي تعني مغادرة المسلم للأرض التي يستوطنها والمجتمع الذي يعيش فيه إلى أرض ومجتمع آخرين ، وذلك تعبيرًا عن رفض الإندماج بالنظام السياسي القائم ومعارضة الحالة السياسية القائمة التى تمارس في ظلها المظالم والمفاسد ، وتنتهك عبرها الحقوق والحريات.

كما تتجلى هذه الهجرة على مستوى آخر في الحالة التى يُعبَّر من خلالها عن تحديد مركز الانتماء السياسي، وذلك بالإسهام الفعلي والالتحام العضوي في بناء المشروع الحضاري الإسلامي في المكان الذي تتوفر فيه شروط «دار الإسلام».

وعلى هذا الأساس يمكننا القول بأن الهجرة السياسية الإسلامية تنطوي على النوعين السلبي والإيجابي الذي يمكن وصفهما بـ «هجرة الاستضعاف» و«الهجرة إلى دار الإسلام».

أ – هجرة الاستضعاف :

في ظل النظم التى يجد فيها المسلم الملتزم صعوبات في ممارسة الفروض والواجبات الشرعية ، أو يلقي في إطارها التعسف والاضطهاد أو المطاردة والحصار ، يصير البحث عن مكان آخر أمر لا مفر منه ، طالما لم يكن في المقدور مواجهة ذلك الواقع أو تغييره ، وتلك هي هجرة الاستضعاف.

إن هجرة الاستضعاف قد تتم باتجاه موطن غير إسلامي ، كما يمكن أن تتم باتجاه موطن تتوفر فيه شروط دار الإسلام ، وكلتا الحالتين عرفتها الخبرة السياسية الإسلامية.

فالحالة الأولى قد شهدها العهد النبوي حين آمن بعض المكيّون بالدعوة الإسلامية ولاقوا بسببها اضطهادًا وعنتًا وحصارًا اضطرهم للبحث عن مكان آخر حفاظًا على أنفسهم وصيانة لمعتقداتهم وجماعاتهم ، وكانت الحبشة التى يملكها «النجاشي» الذي لا يظلم في أرضه أحد هي الموطن الذي هاجروا إليه ، وفي ذلك نزل قوله تعالي : {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} »النحل :110»، وقوله {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً } «النساء : 100».

فحالة الإستضعاف التي عاشتها الجماعة المسلمة آنذاك حتمت عليها الهجرة إلى ذلك المأوى الآمن على الرغم من كونه لا يمثل دار الإسلام. كما يمكن أن نعتبر صحابة الرسول رضوان الله عليهم من مكة إلى المدينة بعد أن اشتد عليهم أذي قريش هجرة من هذا الصنف ، بل حتى هجرته نفسه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة – بعد أن اجتمع كيد الكفار في «دار الندوة» على قتله – هجرة استضعاف أيضًا.

ومن الجدير بالتأكيد هنا أن خيار الهجرة في ظل الاستضعاف لا يطرح لمجرد تعرض المؤمنين لبعض الأذى أو المضايقات أو المعاناة ، بل لابد أن يبلغ الحال حدودًا تصادر من خلالها الحريات وتشتد فيها المضايقات حتى ينسد أفق الدعوة ويُهدد المؤمنون في حياتهم وبالتالي تنعدم أمامهم كل الخيارات إلا خيار الهجرة(1).

لهذا فإن الهجرة من مكة لم تكن في بدايتها واجبة على كل المسلمين ، حيث بقي كثير منهم مقيمًا فيها ، ولكن حين أصبح البقاء يشكل فتنة أوجب الله تعالى الهجرة على من أطاقها ممن فُتن عن دينه.

وفي عصرنا هذا حين يجد المسلم نفسه في ظل واقع أو كيان يفرض أنماط من التفكير والسلوك لا تتفق مع المبادئ أو الأحكام الإسلامية ، أو يصبح الالتزام بالواجبات والشعائر الإسلامية في إطاره مدعاة للاتهام والملاحقة والاعتقال ، فلابد من اللجوء إلى بلد آخر طالما أن ذلك أفضل للصون والحرية وأهون من البقاء  في ظل سلطة جائرة لا ترحم ، ناهيك عن الخضوع لسلطات لا إسلامية تمارس القهر العقيدي ، ومثاله قديمًا ما حدث لمسلمي الأندلس بعد سقوط غرناطة حيث هاجر المسلمون بأعداد كبيرة نحو المغرب ، وما حدث في أعقاب الحروب الروسية العثمانية حيث هاجرت شعوب إسلامية في آسيا وأوربا كالبخارين والتركمان والشركس والشيشان وغيرهم إلى الأقاليم الداخلية للدولة العثمانية(2).

أما الصورة الثانية الممكنة للهجرة فتقع في حالة الاستضعاف مع وجود دار الإسلام في مكان آخر ، فإذا ما وقع الاستضعاف والقهر على المسلم في بلده وكان ثمة دار إسلام في أرض أخرى ، فلا يبرر له البقاء في بلده طالما لم يكن قادرًا على الحفاظ على دينه والتزاماته ، ذلك أن الرضوخ للأمر الواقع مع الاضطرار لإظهار الكفر أو ممالئة الظالم وتنفيذ أوامره اللاشرعية بحجة «التقية» أمرًا غير مقبول ، لأن الخضوع للفتنة أو الإلتجاء إلى «التقية» مرفوض مادام في الوسع الهجرة(3).

وقد وبخ القرآن الكريم المتقاعسين عن الهجرة في مثل هذه الحالة بقوله تعالى: {الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْض قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(97)إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً(98)فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} «النساء : 97 – 99».

لقد كان هذا النص يواجه واقعة في الجزيرة العربية – مكة وغيرها – بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيام الدولة المسلمة. وكان ثمة مسلمون لم يهاجروا حبستهم أموالهم ومصالحهم حيث لم يكن المشركون يدعون مهاجرًا يحمل معه شيئًا من ماله، أو حبسهم إشفاقهم وخوفهم من مشاق الهجرة ، حيث لم يكن المشركون يدعون مسلمًا يهاجر حتى يمنعوه ويرصدوا له في الطريق.. وجماعة حبسهم عجزهم الحقيقي من الشيوخ والنساء والولدان، ويمضي هذا الحكم متجـاوزًا تلك الحالة ويصبح حكمًا عامًا(4) يلحق كل مسلم تناله الفتنة في دينه في أية أرض(5).

إن الهجرة في ظل الأوضاع السياسية ضمن الحالتين المشار إليهما تبدو ملزمة، وقد مرّ بنا كيف أن القرآن ندد بالذين يرضخون للأمر الواقع ولم يهاجروا بحجة أنهم مستضعفون ، بل اعتبر الهجرة في حالة الفتنة واجب عيني لا يُعفى منها إلا المستضعفين الذين لا حيلة لهم ولا يهتدون سبيلاً إلى الخروج، وهو واجب قائم كلما تكررت حالة الاستضعاف على نحو ما ذكرناه. وهذا ماأخذ به وقرره معظم علماء الأمة.

حكم الهجرة في الفقه الإسلامي(6):

يرى الشافعية والحنابلة والإمامية أن المسلم في دار الكفر أحد ثلاثة :

الأول : قادر على الهجرة منها ولا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته ، فالهجرة هنا واجبة ، ويعصى بإقامته ولو كان أنثى لم تجد محرمًا مع أمنها علي نفسها ، أو كان خوف الطريق أقل من خوف الإقامة ، ولأن القيام بواجب الدين واجب على من قدر عليه ، فالهجرة من ضرورة الواجب وتتمته.

الثاني : قادر علي الهجرة ولكن يستطيع أن يُظهر دينه ويؤدى واجباته ، فالهجرة منه مستحبة لتكثير سواد المسلمين وإعانتهم على الجهاد ، وليرتاح من رؤية المنكر ، ولأن السبب الموجب للهجرة هو إخفاء الدين ، وإذا لم يكن ذلك لم تجب ، ولبقاء العباس رضي الله عنه مقيمًا بمكة – وهي دار كفر – مع إسلامه.

أما من كان يرجو ظهور الإسلام بمقامه فالأفضل أن يبقى.

الثالث : غير قادر على الهجرة لعجز من مرض أو أسر أو غيره ، فتجوز له الإقامة لقوله تعالى: { إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلا} فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج أجر.

وإذا كانت الدار الذي يقرر معظم الفقهاء وجوب الهجرة عنها هي الموصوفة عندهم بدار الكفر ، فما حكم الهجرة من دار مسلمة سلطانها ظالم وغير شرعي ويمارس عبر نظامه القهر والاستبداد وتُرتكب في ظل حكومته المظالم والمعاصي؟.

ذهب المالكية إلى وجوب الهجرة عن دار الظلم ، فقد ذكر أبو بكر بن العربي من أنواع الهجرة الواجبة الخروج من أرض غلب عليها الحرام أو خيف فيها الأذية في البدن أو المال ، مما يعنى أن الهجرة تجب مع وجود الحاكم الظالم ولو كان مسلمًا.

كما قرر الحنفية وجوب الهجرة إذا خُيف من الفتنة.

وهذا ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة والإمامية. وقد وافق الشافعية المالكية بوجوب الهجرة من البلد التى يعمل فيها المعاصي مع عدم القدرة علي تغيير ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين} «الأنعام : 68».

وهذا هو رأى الزيدية حين ذهبوا إلى حرمة مساكنة الكافرين والعصاة والفاسقين حتى لو تمكن المسلم من إقامة شعائره الدينية بينهم واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « فلا يقفن موقف التهم».

وللمفسرين نقرأ مثلاً ما يقوله الإمام الألوسي في تفسيره من وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه ، بينما يرى الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار بأنه «لا يجوز لمسلم أن يقيم في بلد فيها ذليلاً مضطهدًا في حريته الدينية والشخصية».

فكل مسلم يكون في مكان يُفتن فيه عن دينه يجب عليه أن يهاجر منه ، وإلا كانت إقامته معصية يترتب عليها ما لا يحصى من المعاصي.

وإذا كانت الهجرة واجبة على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام ، فإن وجوبها واقع أيضًا على من يُحمل على اعتناق مبادئ غير إسلامية ، ويقسر معها على الإنضمام لحزب السلطة اللاشرعية أو يُحمل على الإشتراك في ممارسات النظام الظالمة أو المنحرفة.

وإجمالاً يمكن القول بأن وجوب الهجرة يتحقق عندما يكون البقاء في الوطن مع وجود إمكانية الهجرة – مانعًا من أداء الواجبات والشعائر الإسلامية، أو أنه يؤدي إلى الانخراط في أجهزة السلطة والاندماج أو المشاركة أو الإسهام في ممارستها الظالمة وغير الشرعية على النحو الذي يستحيل أو يصعب معه التخلص من دوائرها التى قد تمتد إلى مختلف حلقات الحياة العسكرية أو السياسية أو الاجتماعية أو الإعلامية أو الاقتصادية أو غيرها.

ومن المنطقي أن نقول بأن الهجرة اليوم ليست واجبة على المسلم المقيم في بلدان عربية أو مسلمة يملك في ظلها حرية الممارسة العبادية والثقافية ، حتى ولو لم ينطبق على هذه البلدان مفهوم دار الإسلام إذ أنها تبقى «دار مسلمين» – كما نرى – ولايصح أن يُطبق عليها – مثلما يفعل البعض – أحكام دار الكفر، وأن البقاء فيها ضروري ، فهي الساحة الطبيعية لأنشطة التغيير الاجتماعي الإسلامي.

حالات استثنائية :

في حالات قد لا تكون الهجرة مستحسنة حتى مع الاستضعاف إذا كانت تلك الهجرة تمنح الأعداء فرصة التمكن فوق الأرض على النحو الذي يهدد الوجود الإسلامي عقيدة أو جماعة، لهذا يمكن القول بأن المكوث مع المصابرة والتقية والالتفاف أولى من إفراغ الوطن بالهجرة ، بخاصة إذا ما توالت هجرة الإسلاميين واستدعى الطغاة في موازاة ذلك زبانيتهم أو من يستقطبونهم من المرتزقة كبدائل للوطن والمواطن. فالتمسك بالأرض والثبات واتخاذ قرار المواجهة في مثل هذه الحالة يبدو مطلوبًا مهما عزت التضحيات.

ولعل هذا ينطبق على هجرة الفلسطنيين اليوم أمام موجات اليهود حيث رأينا كيف ظهرت أهمية وقيمة الدور الذي لعبه من مكث منهم مرابطًا رغم سعى اليهود إلى تهجيرهم من ديارهم بكل الوسائل(7).

إن بقاء المؤمن في وطنه رغم الاستضعاف ، مع شئ من التخفي أو التقية ، ربما أفيد وأفضل للإسلام والجماعة من الهجرة ، غير أن قرار المكوث أو الهجرة أمران نسبيان ، أي أنهما يختلفان من حالة إلى أخرى ، ومن شخص إلى آخر. ويبقي تقدير الأنسب في هذه الحالة راجعًا إلى أهل الرأى والدراية من المؤمنين ، أو أن يترك للشخص المعني نفسه إذا كان يُحسن التقدير، بخاصة إذا كان هذا الشخص له من المواصفات أو المؤهلات أو الوضع ما يجعل بقاءه من غير فتنة – أصلح من مغادرته الوطن.

من جهة أخرى يمكن القول بأن الابتلاء أو الاستضعاف أو الفتنة في الدين قد لا تشمل بالضرورة – في ظل إقليم معين – جميع المؤمنين ، بل قد تنصب على فرد منهم ، أو على نفر أو قوم دون الآخرين ، الأمر الذي لا ترقي معه الهجرة إلى مرتبة الضرورة الشرعية إلا على من أنصب عليهم مثل ذلك الابتلاء وهم لايقوون على احتوائه أو الصبر عليه.

* المعطيات التربوية والحركية للهجرة السياسية في حالة الاستضعاف:

أولاً : المعطى التربوي الصياني : للهجرة قيمة تربوية صيانة نتبينها إذا ما عرفنا أن استمرار خضوع المسلم لحكم الطاغوت وممارسة الحياة ضمن نظمه وقوانينه ومقاييسه وأجوائه وصيغه المضادة سيضعه في خبرات وتفاعلات حياتية لا إسلامية تلقى بمضامينها وظلالها على فكره وسلوكه شاء أم أبى. واستمرار بقاء المسلم وسط مناخ كهذا من شأنه أن يُعرّضَهُ إلى حالات من التأقلم أو التدجين قد تستأصل في داخله الرفض ، وتصرفه عن إنكار المنكر ، وبالتالي تسلبه إرادة التغيير.

وهذا التداعي الممكن في سلوكية المقهورين قد شخصه – من وجهة عامة – التربوي البرازيلي «باولو فرايري» بقوله «إن المقهورين في مرحلة من مراحل حياتهم قد يحسون بشئ من التوافق مع قاهريهم فلا يكادوا أن يحسونهم خارج أنفسهم ، وقد لا يعني ذلك أنهم لا يعرفون واقعهم المقهور وواقع السلطة القاهرة ، إلا أن تصوراتهم أفعمت بحقيقة الاضطهاد واللاشرعية التى يعانون منها كل يوم بدرجة تجعلهم ربما لا يشعرون بضرورة النضال من أجل التغيير »(8) .

ويتفاقم التداعي إلى أقوى مستوياته حين ينخرط المستضعف أو المقهور في خط السلطة القاهرة ، وينتمي إلى جهازها أو حزبها المتحكم ، ويغدو أداة: «سوطًا أو «عينًا » أو «بوقًا» أو «ديكورًا» يستخدمه القاهر متى وكيفما شاء.

من هنا تبرز الأهمية التربوية للهجرة خشبة الخلاص والنقلة النوعية التى تضع المستضعف في إطار آخر قد يوفر له فرصًا أكبر للنجاة من تلكم التأثيرات الفاسدة أو المضللة التى يفرزها الإطار السياسي السابق ، باعتبار أن الابتعاد عن سلطان القهر ، والهجرة بعيدًا عن معاييره ومقاييسه وعاداته ونظمه وقواعده المفروضة، إنما يشكل عتقًا لذات المسلم وتحريرًا لضميره وسلوكياته ومواقفه من الاستعباد أو التكبيل المؤكد أو المحتمل ، المباشر أو غير المباشر، فضلاً عن إنقاذه من احتمالات الإنحراف السلوكي وإنزلاقاته الوبيلة ، ذلك أن الاستبداد كما يقول الكواكبي «يضطر الناس إلى استباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق والتذلل.. وينتج من ذلك أن الاستبداد المشؤوم هو يتولى بطبعه تربية الناس على هذه الخصال الملعونة »(9) .

لذا فبدون الخروج بعيدًا لا يكون بوسع المسلم – عمومًا – أن يحافظ على مبادئه أو يصون نفسه تمامًا من أي تأثير أو تنازل أو تقصير أو وقوع في الخطأ ، لأنه بالضرورة سيخضع في كثير من أمور حياته وعمله إلى الصيغ التى وضعها السلطان القاهر. ناهيك عن احتمالات الانخراط في بطانة القهر أو الانتماء إلى مؤسساته.لهذا اعتبر الكواكبي أن إعانة الظالم تبدأ بقبول العيش تحت ظله والإقامة في أرضه(10) .

إذن ففي الهجرة فرصة ثمينة لإنقاذ النفس مما قد يتركه القهر عليها من تشويه أو ما يؤدي إليه الحصار والتدجين من آثار مدمرة على الشخصية والسلوك.

الثاني : المعطى التربوي النمائي : نتبين مضمون الهجرة النمائي إذا عرفنا أن الإفلات أو الخروج من إقليم الظلم لا يشكل مجرد نجاة المرء بنفسه وإتاحة المجال له ليمارس عباداته وعاداته وشعائره ، بل أنه أيضًا ينتج فرصًا للتأمل والتفكير والاختيار دون خوف أو ضغط أو إرهاب ، كما سيساعده على الدقة في تناول الأمور والموضوعات بحيث يستطيع أن يميز بين الحق والباطل والحقيقه والزيف ، سواء في الوقائع أو الأحداث أو الأشخاص. وفي كل هذا حماية لنمو الذات وتوفيرًا لإمكانيات ترقيتها سواء على مستوى الفكر أو السلوك.

إن إمتلاك الإنسان حريته بعيدًا عن سلطان القهر ونظامه من شأنه أن يفجر فيه الكثير من الطاقات المكبوتة ، ويتيح له فرص الترقية النفسية والثقافية ، كما يسمح له بخيارات الفعل واقتحام حقول العمل وممارسة الإبداع دون قيد أو خوف أو نفاق ، الأمر الذي يمكنه من تقديم خدمة رفيعة لشخصه تتمثل بإمكانات تحصين الذات وحمايتها وتنميتها علىمختلف المستويات الروحية والفكرية والوجدانية.

الثالث : المعطى الحركي التغييري : إن الهجرة كما هي تحصين للذات وحماية لها تشكل في الوقت نفسه دفعًا لها باتجاه النهوض والاضطلاع بمهام العمل من أجل التغيير على الصعيد الاجتماعي. ولعله غير خاف بأن الطغاة والمتسلطين كثيرًا ما يخشون مغادرة المعارضين الوطن ، على اعتبار أن ذلك يحرر هؤلاء من القبضة السلطوية ، ويتيح لهم التفكير بشكل حر ويشجعهم على التحرك المضاد دون خوف ، كما سيدفع بهم نحو تجميع قوى الساعين إلى إحداث التغيير وبالتالي توفير الشروط المناسبة للزحف والعودة لإطلاق حرية الوطن المأسور مثلما فعل النبي وأصحابه من المهاجرين والأنصار أثناء فتحهم مكة إنطلاقًا من قاعدة التأسيس : المدينة المنورة.

من هنا تبدو القيمة الحركية للهجرة بصفتها مشروعًا جهاديًّا وحركة في التحضير لإزالة أسباب الهجرة وتوفير المناخ السياسي لقيام الشرعية في الوطن المهجور ، وبالتالي فهي ليست حركة انسحابية ، ولا يصح أن تفهم كما هي عند قلة من الإسلاميين – بمعنى المقاطعة واعتزال المجتمع «المسلم» بعيدًا في مناطق نائية ، فهذا فهم خاطئ ليس له أساس في شرع أو تجربة شرعية ،ولا هو بمعبر عن موقف حركي إيجابي ، وبالتالي ليس له أي مردود على طريق التغيير.

ب – الهجرة إلى دار الإسلام :

إذا واجه المسلم حالة قيام نظام إسلامي شرعي في إقليم ما فما حكم الهجرة إلى مثل هذا الإقليم؟

في تاريخ الإسلام حين أنهى الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة من دعوته في مكة ، كانت بوادر الانتقال إلى مرحلة الدولة تتضــــح عبر أخذه البيعة (الأولى ثم الثانية) من أهل المدينة إبان مواسم الحج حتى تهيأت يثرب بعد ذلك لاستقباله نبيًّا وقائدًا وسياسيًّا. في هذه اللحظة أضحت الهجرة إلى المدينة ضرورة حيوية ملزمة على المؤمنين من أهل مكة وما حولها ، باعتبار أن تجميع القوى في إطار ذلك الإقليم أضحى أمرًا أساسيًّا باتجاه حسم الصراع.

لهذا ندد القرآن بمن تخلف عن الهجرة في ظل ذلك المنعطف.قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} «التوبة :24».

إن استقرار النبي في المدينة يشيّد الكيان الاجتماعي والسياسي للإسلام في إقليمها ومعه أصحابه من المهاجرين والأنصار قد جعل من الدعم والإلتفاف حوله أمرًا بالغ الأهمية. فاستدعاء بقية المؤمنين من خارج المدينة للمشاركة السياسية ينطوى على أبعاد ذات أهمية كبيرة ، لهذا اكتسب موضوع الهجرة في تلك اللحظة التأسيسية قيمة عليا ، حتى ارتقى إلى حكم الواجب ، ووبخ الله المتقاعسين عن أدائه ، ورفض أي عذر لهم.

لقد كان مقياس الإيمان الحقيقي في تلك اللحظة التاريخية – والشرك لما يزال سائدًا في مكة – هو الخضوع لمقتضيات دولة الإيمان في المدينة والمبادرة إلى الانفكاك عن قيود المكان وأسر الطغيان وإغراء المال وحب الأهل والزوج والسكن والتراب والذكريات الشخصية إلى ما هو أعلى وأسمي ، إلى الأخذ بخيار العقيدة والمقتضيات الرسالية العظمى ولو على حساب العواطف والمصالح والاعتبارات الذاتية، الأمر الذي يتحمل معه المتخلفون مسؤولية تخلفهم ، بخاصة إذا ما اضطرهم ذلك إلى الانصياع والتعاون مع من حارب تلك الدولة الوليدة. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْض قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} «النساء : 97 – 98».

ويمكن سحب حكم الهجرة بشكله المذكور على زماننا المعاصر حين يعيش المرء مستضعفًا تحت ظل سلطات تفتنه عن دينه وتحول بينه وبين أداء واجباته وشعائره الدينية(11) وكان ثمة دار للإسلام في مكان آخر.

كما تصبح الهجرة إلى هذه الدار ضرورية على مستوى دعمها بغض النظر عن وجود حالة استضعاف أو عدم وجودها.

ولا يستثنى من الهجرة إلا من كان بقاؤه في الوطن – مع افتراض الاحتفاظ بسلامة الدين – أجدى وأنفع للإسلام والمسلمين.

* المعطيات التربوية والحركية للهجرة إلى «دار الإسلام» :

إن ترك وطن الطفولة والصبا وبلد الآباء والأجداد إلى وطن آخر توافرت فيه شروط «دار الإسلام» إنما يعبر عن سلوك جهادي وممارسة كفاحية لا يلجأ إليه إلا الناس المبدئيون الذين لا يبالون بما يلحق بهم من خسائر مادية أو ما يلاقونه من مشاق ومتاعب.

وتُعد هذه الهجرة – رغم ذلك – مدرسة لترسيخ الهوية وتعميق الانتماء فضلاً عن كونها إطارًا عمليًّا لتنمية الشعور العالي بالمسؤولية وتأكيد روحية النضال والتضحية.

فالمهاجر في كل ما يتركه وراءه من أهل وأرض ومصالح إنما يمارس فعلاً قويًّا على صعيد نمو الذات وترقية المسلك الإسلامي الذي يجسده الانحياز الحاسم للمشروع الحضـــاري ومرتكزه الكياني (دار الإسلام) ، كما أن فكرة الأرض ذات المحتوى العاطفي أو الوطنى تتضاءل في الفكر والوجدان لصالح فكرة الأرض ذات المحتوى العقيدي الرسالي. وقد كان سلوك القدوة الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو يهجر مكة – وهي موطنه وأحب البلاد إليه – إلى حيث يثرب موطن العقيدة وقاعدة التأسيس ، إنما يبلور مفهومًا جديدًا للوطن أضحت بموجبه الأرض التي تحمى العقيدة ومشروعها الاجتماعي هي الأرض التى تستحق الانتماء والولاء أكثر من أية أرض أخرى.

ومن المعطيات التربوية الأخرى لهذا النوع من الهجرة تأكيد مبدأ التآخي الذي ينطوى على الموالاة والنصرة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.

تلك المعاني تشكل في مضمونها مبادئ ومقومات المدرسة الاجتماعية الإسلامية التى تستهدف خدمة المشروع الحضاري الإسلامي وتعمل على إنجاحه.

ومن هنا تتجلى المعطيات الحركية للهجرة من خلال التفاعل بين المواهب والقدرات المهاجرة ودارالإسلام علىالنحو الذي يُعطي لمشروع هذه الدار دفعة قوية ويعكس في الوقت نفسه وجهها الأممي.

إن الإسهام المشترك في إطار فعاليات دار الإسلام من قبل مختلف العناصر والطاقات المؤمنة – المقيمة والمهاجرة – سيعكس دون شك حالة حضارية لا تتجلي إيجابياتها على عملية التغيير والتطور في إطار تلك الدار فحسب بل على المهاجرين أنفسهم بما سيكتسبونه من تجارب وممارسات قد تؤهلهم للعمل التغييري وتساعدهم على توفير أسباب قيام الشرعية في أوطانهم فيما بعد.

إلا أن ثمة مسألة أساسية. لابد من تأكيدها هي أن تدفق هذه المعطيات التربوية أو الحركية يتوقف إلى حد كبير على مدى تحمل «المجتمع القاعدة» «دار الإسلام» لمسؤولياته اتجاه المهاجرين. ولعل ذلك يظهر ابتداء من لحظة الإيواء والاحتضان ، وعند اختبار مدى تطبيق مبادئ الأخوة والمساواة بين المهاجرين والمقيمين فضلاً عن مدى منح المهاجرين الحقوق والحريات وشمولهم بالرعاية والاهتمام. فبقدر مايتحقق ذلك بالشكل الإيجابي الذي تقرره التعاليم الإسلامية ، ستكون دار الهجرة دون شك خير وسيط يوفر مثالية الإلتزام والتطبيق ويمنح فرص التفاعل المشترك ويساعد بالتالي على نمو السلوك المستقيم على مختلف الأصعدة الاجتماعية والسياسية.

المهاجر الإسلامي المعاصر : الواقع والأسئلة :

إذا كانت الهجرة ظاهرةً وحكمًا شرعيًّا، قد ارتبطت بحالة تاريخية هي هجرة المسلمين من مكة إلى الحبشة في مرحلة الاستضعاف ، وفي هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة أثناء قيام الدولة الإسلامية فإن تكرار هذين الظرفين المذكورين في العصر الحديث ليس بمستبعد ، بل هو حقيقة عاشها بعض المسلمين في عصور مختلفة كما يعيشها البعض منهم في أكثر من مكان هذا اليوم.

فحين يضحى الالتزام بالتدين والخط الإسلامي تهمة تستحق المطاردة والإضطهاد ، ثم تتاح فرصة الهجرة بعيدًا عن دوائر المنع والقمع والتخويف والإفساد ، فإن ما توفره هذه الفرصة من معطيات تنطوي على العديد من الاختبارات والتجارب لابد أن تضع المسلم المهاجر أمام أسئلة يتعين الإجابة عليها سواء كانت الهجرة إلى بلد غير مسلم أو كانت الهجرة إلى بلد تتمثل فيه شروط دار الإسلام ، وذلك بحدود ما يملكه ذلك المهاجر من حرية وإمكانات.

والمُهّجر ، والمنفى ، وغير العائد ، لأسباب أو ظروف إسلامية ، يُعد مهاجرًا بالمعنى المذكور ، ويخضع للأسئلة نفسها.

ومن الأسئلة التى تبرز في هذا الخصوص :

* إلى أي حد استطاع المسلم المهاجر أن يستثمر معطيات الهجرة؟ وكيف؟

* وإلى أي مدى تمكن من تحقيق شروط الصون والنماء في ظلها؟

* هل استطاع تجاوز إبتلاءات الهجرة إن كانت لدار الإسلام أو كانت لغير هذه الدار ؟

* هل ظهر في هجرته في المستوى الذي يجعله قدوة للآخرين؟

* ثم كم من المهاجرين تمثل معادلة «إن لم أكن شهيدًا ، فلابد أن أكون منقذًا ، أو في الأدنى معافى… وإلا فإني من الخاسرين؟

إن الهجرة لون من ألوان الابتلاء التى يختبر فيها الخالق سبحانه وتعالى عباده {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَة} «الأنبياء 35» ، فالدخول في التجربة يضع المرء ولاشك أمام مختلف الخبرات السارة وغير السارة.

ففي أكثر الأحوال تجابه المهاجر حالات من العوز أو التشرد أو الغربة أو الحيرة ، أو افتقاد الأمن أو استشعار الحصار أو ضنك العيش أو غير ذلك من الأوضاع أو الحالات الصعبة الاستثنائية. كما قد يجد نفسه وقد انفتحت أمامه الكثير من الأبواب سواء على صعيد الرزق المادي أو فرص الحيازة العلمية أو الترقي الاجتماعي أو الصعود السياسي.

وإنه لمن الفطنة وصدق التُقى أن يكون المهاجر منتبها لنفسه وكابحًا لنوازعه وأهوائه وأنشطته في أي حال يجد نفسه فيه، بحيث لا يغفل لحظة عن حقيقة أنه – أولاً وأخيرًا – مهاجر في سبيل الله.

ولكن لو ألقينا نظرة على سوح الهجرة ، وتأملنا حالات المهاجرين الذين غادروا الأوطان باتجاه المنافى الإجبارية أو الاختيارية لأسباب أو ظروف إسلامية ، فعلى كم من الألوان سنراهم؟ ، وعلى أي التصنيفات يمكن أن نصنفهم ؟

لاشك أن قسمًا من هؤلاء لم ينس حقيقة أنه ترك الوطن في سبيل الله ، وأن هجرته لم تكن إلا إليه ، وعلى هذا الأساس لم يتخلف عن استثمار المعطيات «الصيانية» و«النمائية» و«الحركية» للهجرة ، ولم يتوان عن تجسيد نموذجية عالية في التفكير والفعل والإبداع.

إلا أن ثمة نماذج سلبية تفرزها التجربة ، ولا يمكن للأسف أن نتغاضى عنها ، ومن تلك النماذج نذكر :

1- المهاجر التاجر :

هو المهاجر الذي يعيش خارج وطنه لأسباب إسلامية ، ثم تتاح له فرص العمل والاكتساب فتستغرقه الأعمال الخاصة حتى يتحول عنده البحث عن الثراء محورًا وهدفًا يتفرغ إليه كليًّا، ناسيًا واجباته العامة وما تقتضيه الهجرة وأسبابها من هموم واهتمامات.

إن من هذا الصنف من كان في بلده «مجاهدًا» أو «عالمًا» أو «فقيرًا متواضعًا» لكن ظروف الهجرة حولته إلى مستثمر تتملكه رغبة الاكتناز وتشغله فكرة الربح وفعاليات التجارة وربما بناء البيوت الفخمة واقتناء السيارات الحديثة، بل أن بعضًا من هؤلاء يذهله التكاثر عن أداء «الحقوق المالية والشرعية» ناهيك عن مد يد العون إلى المحتاجين من إخوانه.

والأخطر من ذلك حين يدخل المهاجر التجارة من باب الواجهات السياسية أو الدينية التى قد تستغل على نحو تظهر من خلاله الكثير من المفارقات.

2- المهاجر المشغول بالزعامة:

من المهاجرين من يمتلك بعض المواهب أو الخلفيات أو القدرات السياسية والثقافية ، وحين يجد فرص العمل السياسي أمامه واسعة ينخرط في أنشطتها – وهو أمر طبيعي ومطلوب – إلا أن توظيفه لمفردات ذلك العمل قد يأخذ منحى غير صحى حين يتمحور حول مطلب الزعامة وحب الظهور ربما تنفيسًا عن مكبوتات سياسية أو اجتماعية ، حتى أن بعضًا من هؤلاء من يلجأ إلى تأسيس منظمة أو واجهة سياسية أو إعلامية يربطها بشخصه أو فئته التى يتحيز لها وتتحيز له ،  كما قد تستثمر في إطار ذلك الروابط العشائرية أو المناطقية وربما الزي الديني لتحقيق تلكم الأهواء والمآرب.

وهكذا يتحول المهاجر من مهاجر في سبيل الدين والمجتمع إلى مهاجر في سبيل الشهرة والزعامة والتحزب الضيق.

والأسوأ من ذلك حين تؤدي توجهات من هذا النوع إلى ما يقّوي عوامل الفرقة ويغرى بالنزاع ، ويمنح بالتالي قوى الطغيان الجاثمة على صدر  المواطن والوطن عمرًا أطول!

3- المهاجر النفعي :

إذا كان من المفترض بالمهاجر السياسي أن يجعل الرفض ومشروع التغيير محورًا لحركته ونشاطه باعتبار أن ذلك هو السبب الرئيسي لهجرته ، فإنه من الممكن أن تُقّوم شخصيته كمهاجر بمدى نهوضه بمقتضيات الهجرة. والمنطق الذي يحكم إختيار بلد الهجرة هو الذي يؤشر على مدى قيامه بذلك النهوض.

فإذا كان المهاجر في سبيل الله لايسعه التفريط في مكان تتاح له من خلاله فرص العمل الرسالي وإمكانيات توظيف المواهب والقدرات بما يتناسب ومصلحة القضية التى هاجر من أجلها ، فإنه سيلفت نظرنا حين لا يخجل بعض المهاجرين من تبرير اختياراتهم أو تحولاتهم المكانية غير الموفقه (بمنظور أهداف الهجرة الإسلامية ومقتضياتها) بالإرتكان إلى مبررات مناخية أو تعليمية أو اجتماعية ، كما في حالة تحجج البعض بأن لغة هذا البلد الذي يفضله – عادة ما يكون أوربيًا – تناسبه وتناسب أولاده ، أو أن لغة ذلك البلد الذي يستبعده – عادة ما يكون مسلمًا – غير مناسبة له ولأولاده – فُيفّرط مثل هؤلاء بفرص العمل والفعالية وأداء الواجب ، بحثًا عن منافع ذاتية أو مصالح ثانوية. قال صلى الله عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، وإن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

والحقيقة أن من يهاجر لنفسه ولدنياه، وتحلو له الإقامة في المهجر ، سيمكث – في الغالب – في موطن هجرته حتى لو انتفت أسباب الهجرة أو اقتضت منه مصلحة الدين والوطن الرجوع. فمن المتوقع أن المنطق النفعي – لا الدواعي العليا – هي التى ستتحكم في قرارات المكوث أو العودة.

لقد تجلت بعض هذه السلبيات في هجرة بعض الجماعات المسلمة التى عانت من قهر أو سجن أو تشريد في مواطنها ، ثم وجدت في بلدان الخليج والجزيرة العربية مآوى آمنة ومنابع للرزق الوفير ومرتعًا للعيش المرفه ، حتى نست أو كادت أن تنسى مشاريعها الأولى وساحات عملها الأصلية وآثرت البقاء الدائم هناك.

4- المهاجر المفتون :

للإفتتانه مداخل تبدأ عند من يهاجر إلى بلد غير إسلامي بالشعور بالامتنان إزاء البلد – الغربي عادة – وهو يمنحه بعض المزايا المادية والصحية ، وقد يتطور ذلك الشعور إلى اعجاب فميل نحو الأنماط الحياتية لذلك البلد ، حتى يبلغ به الأمر حالة من التمثل أو التبني للقيم والمعايير والعادات السائدة هناك ، وبالتالي يذهله ذلك الوضع الاستلابي عن رؤية حقيقية أن الغرب مناهض للإسلام ، علاوة على كونه داعمًا أساسيًا للنظم الطاغوتية التى ربما بسببها ترك المهاجر المسلم وطنه(12).

وإنه لمن الطبيعي أن تمتد حالة الإستلاب لتشمل جوانب مختلفة من حياة المهاجر ، وليس الجانب اللساني إلا الوجه البارز لذلك ، حتى لنرى أن بعضًا من هؤلاء لا يحلو له التكلم إلا باللغة الأجنبية حتى مع أولاده ! بل أن العديد من هؤلاء من يوّطن نفسه على البقاء في بلد المهجر ولم يعد التفكير في العودة واردًا بعد ذلك التكيف والاندماج بالآخر.

5- المهاجر السائح :

ثمة صنف آخر من المهاجرين يتمثل بذلك النفر الذي يستهويه السفر ويغريه التنقل والتمتع بألوان الحياة وأنماطها المختلفة حتى لتستغرقه هذه الهواية وتتحكم بأولوياته. وإذا كان حق التنقل جزءًا من حرية الإنسان  في الإسلام ، إلاّ أنه ينبغي أن لايتحول هذا الحق إلى ملهاة تشغل المهاجر عن قضيته الأساسية وما تقتضيه من إسهامات أو ضرورات ، كضرورة الاستقرار أو العمل في إقليم أو منطقة بالذات أو عدم مغادرة إقليم أو منطقة بعينها.

إن الهجرة أو اللجوء السياسي عند هذا الصنف يشكل فرصة للأنس والتمتع بمباهج البلدان والحياة العصرية والابتعاد عن الظروف الحرجة ومنغصات العيش التى يشهدها الوطن ويتجرعها المواطن.

6- المهاجر المنعزل :

من المهاجرين من تثقله التجربة بمعاناتها الأمنية والمعيشية ويضايقه كثيرًا ما يتلقاه عبر مسيرته من صعوبات أو عنت ، حتى تنشأ بداخله مشاعر من الحذر والتوجس تدفعه أحيانًا إلى الابتعاد عن كل شئ من شأنه أن يجلب معه الأذية أو إحتمالاتها ، ولهذا يميل أمثال هؤلاء إلى العزلة بعيدًا عن رفاق الهجرة وأجوائهم ، بل أنه كلما طال بهم الأمد أو تزايدت مفارقات الساحة كلما إزداد لديهم الشعور بالاحباط وبالتالى أمسى إيثار السلامة دافعًا لإعطائهم الظهر لكل نشاط أو مشاركة حتى ولو كان فيها خدمة للإسلام أو الجماعة ، وبهذا يتحول المهاجر الذي يفتقد إلى الصبر وسعة الصدر وفطانة المفتنين إلى رقم معطل لا أستفاد من هجرته ولا أفاد.

7- المهاجر المنّان :

من المهاجرين من تضطره الظروف والتعقيدات السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية أو الدينية إلى الالتحاق بقوافل المهاجرين على أمل أن يهئ له من سبق من المهاجرين أسباب العيش وأنماطه التى افتقدها في الوطن. فإذا ما اصطدم هذا الصنف بإشكالات الواقع الجديد ولسعته بعض ملابساته – بخاصة إذا كانت هجرته لدار الإسلام – فإنه سرعان ما يعلن عن تذمره ويبدى سخطه ولايكف عن توجيه اللوم وإظهار النقمة بل والندم علىالهجرة ، وكأنه يريد أجرًا فوريًا مقابل هجرته !

والمدهش حقًا أن يُظهر نفرًا من هؤلاء حنينًا شاذًا نحو القاهر ، حتى لتراوده النفس بالعودة إلى نظام القاهر وأحضانه!… وفي بعض تجارب الهجرة الإسلامية المعاصرة وجدنا بالفعل من يعود أدراجه – برغم المخاطرة وانتظار المجهول – إلى الوطن الذي هجره على أمل أن يستعيد بعض ما افتقده من أسباب العيش وحميمية الحياة الاجتماعية  دون أن يميز بين حياة يمتلك في إطارها الحرية والقدرة على صيانة النفس وأداء الواجبات ، وحياة لا تمكنه من امتلاك مثل تلك الحرية ولا القدرة على صيانة النفس وأداء الواجبات !

وفي الأصل إن هجرة أمثال هؤلاء تنشأ في الغالب على نحو اضطراري أو تجئ صدفة ، أو نتيجة لفوران عاطفي آني ، ولايمكن أن تكون صادره عن اختيار إيماني حر أو منطوية على وعي شرعي بوجوب مفاصلة الكافر أو الظالم ورفض العيش في ظله. وهذا ما يفسر لنا التراجع المتهالك عند بعض هؤلاء وعودتهم الغبية إلى أحضان القاهر ونظامه.

8- المهاجر بالصدفة :

في ظل الحالة التى يُرفض فيها النظام اللاشرعي وتقوى خلالها حركة المعارضة الإسلامية فقد تتسع حركة البطش السلطوي وتمتد أنشطته العمياء إلى فئات من المسلمين ربما لم تكن في الأساس تقف في صف المعارضة أو لم يسبق أن عرفت برأى إسلامي مناهض مُشهر ، الأمر الذي قد يدفع بعضها إلى الهجرة خوفًا من شمولها بنتائج نزعة التوجس التى تحكم نفسية السلطة الباطشة التى لا تتردد عن أخذ الناس بالشبهات.

من ناحية أخرى نجد أن ثمة أفراد يهاجرون أو يُهّجرون دون إرادتهم ونتيجة ارتباطهم بصلة قرابة أو صداقة ببعض المعارضين ، أو لوجود بعضهم في مواقع جغرافية وردها المهاجرون واتاح لهم ذلك نشوء نوع من العلاقات معهم جعلهم في قائمة المطلوبين.

إن مثل هؤلاء أو أولئك حين يكونون غير مهيئين في الأصل لفكرة الهجرة  فضلاً عن تحمل تبعاتها لايعدو إلا أن يكونوا مهاجرين بالاضطرار أو بالصدفة ولا يمكن اعتبارهم مهاجرين حقيقيين ما لم يحدث لديهم إيمان أو تحول فكري أو سياسي يضعهم في مصاف من حاز تلك المرتبة. وإلاّ  فإن ثمة نتائج سلبية يمكن أن تفرزها تجربة هؤلاء سواء على أنفسهم أو على الآخرين.

إن التحول الحقيقي الذي يؤهل لحمل صفة المهاجر في سبيل الله أمر ممكن لكنه بحاجة إلى إثبات على أرض الواقع والممارسة ولا يعد الظهور في المناسبات مع المهاجرين الحقيقيين – حين ينطوى الظهور على منفعة أو يشكل فرصة لاغتنام بعض المكاسب أو المصالح الذاتية – تحولاً حقيقيًّا.

9 – المهاجر المتسول :

لاخلاف أن الابتعاد عن الأهل والسكن ومواطن الرزق الأول ستُلقى بالكثير من المهاجرين في مأزق الحاجة وتدفعهم إلى ضرورات السؤال ، إلا أن بعضًا من هؤلاء من قليلي الحيلة وكثيري الانشغال بهّم العيش قد يستمرئ عطف الآخرين ويفضل مد اليد إليهم حتى ليتحول ذلك عنده إلى عادة تصرفه عن البحث عن مصادر الكسب الشريف.

والغريب أن هؤلاء من كان في وطنه مستور الحال ولم يكن يعرف هذه العاده من قبل ، لكن التجربة انعكست على سلوكه سلبًا فلم يكن في المستوى المطلوب من الهمة والإرادة والتعفف ، فصار إلى تلك الحالة المزرية التى تبعث على الرثاء والتى تحوله إلى شخص لا فاعلية له في أكثر الأحيان ولا أثر.

10- المهاجر في سبيل الله :

بعد استعراضنا لأبرز النتائج السلبية التى يمكن أن تفرزها تجارب الهجرة السياسية الإسلامية المعاصرة نتساءل الآن : من هو المهاجر المثالي ، أي : المهاجر في سبيل الله؟ ومن يستحق أن يوصف بهذا الوصف؟

ما ملامحه وما سجاياه؟

للإجابة نقول ابتداء أنه لايمنع أن يكون المهاجر مهاجرًا في سبيل الله وهو يتعاطي التجارة أو يمارس العمل السياسي أو يهتم بمهنته أو تخصصه ، أو يتمتع بأرض الله سائحًا ، أو يتقبل مساعدة إخوانه حين يكون عاطلاً أو معوزًا. لايمنع أن يكون هذا أو ذلك شرط أن يظل المشروع الإسلامي وهمّ التغيير شغله الشاغل ، فلا يستبدل التجاره بالجهاد ، ولا التسول بالعمل الشريف ، ولا السياحة المبطرة بالنشاط الجاد ، ولاضيق التحيز بسعة الانتماء ، ولا العمل السياسي المفرق بالعمل السياسي الوحدوي ، ولا اتباع الهوى والبحث عن الزعامة وحب الشهرة بالزهد والتجرد والتواضع.

لا يمنع أن يكون المهاجر مهاجرًا في سبيل الله وهو يعكف على توفير الشروط الذاتية الأحسن لنفسه ولأسرته شرط أن لاينسى الإهتمام بالآخرين وبالقضية العامة .

إن المهاجر الحقيقي هو المؤمن الذي يرفض التعايش مع الكفر أو الظلم ، ويأبي التكيف مع حالات القهر والفساد، ولايسكت عن إنتهاك الحرمات أو العدوان على الحقوق والحريات ، لأن البقاء في ظل واقع كهذا وحالات كتلك يتطلب منه أن يكون مقاومًا أو شهيدًا وإلاّ فالهجرة إلى حين.

من هنا يتميز المهاجر الحق بأنه ذلك الملتزم الهادف الذي يجعل من هجرته وسيلة للصون والنماء ، وفرصة لتوفير أفضل الشروط باتجاه الانقاذ ، وبالتالي يجعل من هجرته مهما طالت هجرة مؤقتة. فالمهاجر يجاهد في سبيل تحقيق إنسانية الإنسان ضمن إطار من الشرعية الإسلامية التى ينتظر من خلال حلقاتها السياسية والقانونية توفير الحرية وتحقيق العدالة ونشر القيم الرفيعة بعيدًا عن الاستبداد والظلم والتمايز والاستئثار والفساد.

في ضوء ذلك فالمهاجر المثالي لايمكن أن تصرفه المشاريع الذاتية عن الهم المركزي ولا الشواغل المعيشية عن المشاركات الرسالية ، ولا المشاكل الأسرية عن الأنشطة الحركية التى يقتضيها مشروع العودة والتغيير.

ومن المنطقي أن نقول بأن المهاجر على هذا النحو لابد أن يكون قد استوفى شروط صيانة النفس ونماء الرؤية، واستقامة السلوك على نحو أفضل مما لو كان خانعًا تحت ظل السلطان القاهر ، لأن ركوب سفينة الهجرة بالنسبة له يُعد ظرفًا مناسبًا لتحقيق الرقي المطلوب في الفكر والسلوك ، والعمل المثمر على مختلف المستويات. كما أن من الطبيعي أن يتصف المهاجر في سبيل الله بصفات وسجايا نموذجية في مقدمتها :

* الإيمان الثابت بالقضية التى هاجر بسببها والمشروع الذي كان يتطلع إليه.

* العمل والأمل وعدم الشعور باليأس أو التشاؤم أو الإحباط.

*  الإيمان بالوحدة ، وتجنب كل ما يفرق الصف ويغرى بالاختلاف.

* الابتعاد عن المصالح السلطوية ، ونبذ مغريات الزعامة الفارغة.

* العطاء المادي – عند المكنة – بما يتجاوز حدود أداء الحقوق المالية المترتبة شرعًا.

* الرعاية والإهتمام بشؤون الآخرين وتفقد أحوالهم.

* الزهد والإيثار والتضحية.

* القدوة الحسنة في القول والفعل والمنهج والسلوك.

* التماسك الذاتي والحفاظ على الهوية والتعالى على القيم المضادة وعدم الاستسلام والذوبان في ثقافات الآخرين وانماطهم الحياتية المغايرة.

* التحلي بالصبر في الحالات التى يغمط فيها حقه من قبل الإخوان أو التى يُنسى فيها شخصه – وإن حدث ذلك في دار الإسلام – إلتزامًا بقول الرسول الكريم «أدى الذي عليك وسل الله الذي لك».

هنا نتسائل : إلى أي حد تتوفر هذه الصفات والسجايا في شخصيات مهاجرى هذا الأيام ؟

إن التفكير في ذلك ومُدارسته يمثل بحثًا نقديًا ومقدمة ضرورية للحث على التحلي بتلك الصفات والسعى لاكتسابها. كما أن بلوغ المهاجر تلك الصفات وتحليه بتلك السجايا سيمنحه ثواب الصفة التى يستحقها والتى سيحمل – عن حق – شرف لقبها الكريم.

إشكاليات الهجرة

إشكاليات الاستيطان في موطن الهجرة الإسلامي :

حين يفارق المسلم وطن الكفر أو الظلم – كرهًا أو طوعًا – نحو إقليم يصدق عليه مفهوم دارالإسلام ، فإن مسؤوليات تتحملها هذه الدار تجاه ذلك المهاجر تتمثل بواجب الاستقبال وحسن الوفادة والإيواء والتقبل والاستيعاب والنهوض بالمسؤوليات الأخرى اللازمة علىنحو ما جسده مجتمع القدوة في المدينة المنورة حين احتضن الرسول والرسالة وآوى المهاجرين المكيين وغيرهم حتى تم عقد التآخي بين المُهاجرين والمهاجَر إليهم ، ذلك العقد الذي نهضت على أساسه الدولة الإسلامية الأولى ، وكان قوام العلاقات بين ذينك العنصرين هو التبادل في ذات الله والإيثار عن سماحة والمساواة دون حساسية عرقية أو قبلية مثلما كان الحب والاحترام وإشاعة الفضل وتقدير الحق وإسداء المعروف عن رغبة لا عن تكليف(13) ، هو الإطار السلوكي الذي عاش في كنفه الجميع. لقد وصف الله تعالى هذه الظاهرة بقوله {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} «الحشر :9».

هذه الآية الكريمة قد رسمت صورة واقعية لأداء الواجب النموذجي من قبل مجتمع دار الإسلام إزاء من هاجر إليهم من المؤمنين(14) المستضعفين المضطهدين أو غير المضطهدين ، الأمر الذي على أساسه نقول بأن أي مجتمع يعلن بأنه يمثل دار الإسلام ويعبر عن الشرعية الإسلامية يحاسب على مدى إلتزامه بمثل تلك القواعد والسلوكيات وترجمتها على الصعد القانونية والسياسية والاجتماعية.

وإذا كانت طبيعة العصر ومتغيراته قد تجعل من الهجرة ظاهرة تنطوى على بعض الإشكاليات التى تدفع أكثر الدول إلى الأخذ ببعض التحفظات والشروط إزاء السماح بها ، فإن شمول دار الإسلام بهذا الأمر لايلغي أصل المبدأ ومايترتب عليه من إستقبال وإيواء وإستيعاب وبذل وإخاء. وهذا يعنى أن الأخذ ببعض الاحتياطات من قبل دار الإسلام إزاء الهجرة ينبغي أن لايتحول إلى وضع يحول دون المنح أو اللجوء ، أو أن يدفع إلى التنصل عما يترتب عن قبول اللجوء من مسؤوليات وإلتزامات.

فمنح الأمان وإتاحة فرص العمل والتكسب واستيعاب القدرات المختلفة في إطار الدولة ومؤسساتها ، ومن ثم منح حقوق المواطنة بخاصة في النواحي المعيشية والصحية والتعليمية ، هي من الواجبات الدينية والسياسية والحضارية التى لا يمكن لدار الإسلام التنصل عنها بأي شكل من الأشكال ، وإلا فقدت تلك الدار مصداقيتها الإسلامية ، بخاصة ونحن اليوم نرى أن بعض الدول الغربية غير المسلمة تمنح مثل ذلك لمهاجرين من مختلف البلدان ، وعلى اختلاف لغاتهم وأديانهم(15) .

يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار «إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم. فقالوا : أموالنا بيننا قطائع. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «أو غير ذلك؟» قالوا : وماذاك يارسول الله؟ قال :«هم قوم يعرفون العمل فتكفوهم وتقاسموهم الثمار». كما حدث أن أنصاريًّا عرض على أخيه المهاجر أن يقاسمه ماله فيأخذ نصفه ليعيش منه ، فرفض المهاجر هذا العرض. وقال : لا أطلب منك سوى أن تعرفني الطريق إلى السوق لأباشر عملاً أقتات منه(16) .

يستفاد من ذلك أن من مسؤوليات دار الإسلام أن تهيئ للمسلم المهاجر ظروف المساعدة الممكنة سواء بإعانته بمال يبدأ به حياته ،  أو بمنحه فرص العمل ، أو بإرشاده إلى سبل الكسب ، ناهيك عن الحماية الاجتماعية والسياسية.

وإذا كانت مثل هذه المسؤوليات تفرض نفسها في المقام الأول على سلطة دار الإسلام، فإن الأفراد العاديين أو المؤسسات الأهلية غير معفيين من أعباء ذلك ، لأن المسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع في دار الإسلام على حد سواء.

إنه يجب الإنتباه إلى أن إقامة المسلم المستضعف أو المتطوع في دار الإسلام ، وبخاصة في هذا العصر ، قد تتعرض لبعض الإشكالات ،سواء ما كان يحمل منها الطابع القومي أو العرقي أو الثقافي أو المادي أو السياسي أو حتى المذهبي ، ولذلك لابد من أن يتوقع أصحاب القرار والتأثير في دار الإسلام إمكانية حدوث مثل ذلك ، وأن يهتموا به ويتابعونه ويعالجونه ميدانيًّا بكل وعي ومسؤولية(17) .

إشكاليات الاستيطان في موطن الهجرة غير الإٍسلامي :

حين لا يجد  المسلم المستضعف المقهور بدًّا من الهروب إلى موطن آخر غير إسلاميًّا ولكن تتوفر فيه الشروط العامة للأمن والحرية ، ثم يعيش هناك مدة طويلة من الزمن ، فإنه لابد أن يواجه ببعض الإشكاليات التى تثيرها طبيعة الحياة في هذا الملجأ الغريب.

لقد شهدت العقود الأخيرة هجرة الكثير من الإسلاميين باتجاه بلدان أجنبية غير مسلمة أتاحت إمكانيات اللجوء السياسي – التى تقررها المبادئ والمواثيق الدولية المعاصرة – فرص لجوئهم إليها بخاصة في قارتي أوروبا وأمريكا حيث استقر الآلاف منهم في مجتمعات تلك البلدان ومعهم عوائلهم أحيانًا حتى امتد ذلك الإستقرار لسنوات طويلة ، الأمر الذي يتطلب ولاشك قدرًا من التكيف أو الاندماج الذي يثير بدوره العديد من الاحراجات نتيجة للفوارق الثقافية والسلوكية بين المهاجر المسلم وأنماط الحياة في تلك المجتمعات.

وإذا كان بإمكان المهاجر التماسك المحافظة على نمط حياته الإسلامي في الأيام الأولى لهجرته ، فإن ثباته على ذلك مع مرور الأيام أمر لايمكن ضمان إستمراره ،لأن متطلبات التكيف والمسايرة قد تدفع البعض إلى تقديم بعض التنازلات التى من شأنها أن تنعكس سلبًا على  شخصياتهم ونمط حياتهم المتبع قبل الهجرة.

بل إننا نلاحظ أن الشعور بالأمن والحرية واكتساب بعض المزايا الصحية والمادية الذي من شأنه أن يثير الإحساس بالامتنان قد يتطور عند البعض إلى حالة من الرضا أو الاندماج الذي قد تتمخض عنه بعض الانحرافات الفكرية أو السلوكية.

لهذا يجب التوعية بأن لا يغيب عن ذهنية المهاجر لحظة بأن المنافع المعيشية التى يستحصلها ليست مدعاة للإعجاب أو الافتتان بالغرب أوبنموذجه الاجتماعي أو السياسي ، لأن التقويم الصحيح للحضارة الغربية لا يُؤخذ إلاّ بالمنظار الكلي الذي تحكمه المعطيات التاريخية والراهنة ، فضلاً عن المعيار العقيدي.

وبناء على ذلك يجب أن لا ينسى المهاجر الحقيقة الاستعمارية للغرب وما تعرض له المسلمون من استضعاف ونهب على مدى عشرات السنين من قبل الدول الاستعمارية ناهيك عن مواقفه الحالية إزاء الإسلام والمسلمين التىلا تقل سلبية واستضعافًا عن مواقفه التاريخية ، فضلا عن أن النظم الطاغوتية التى يعاني منها المسلمون اليوم في بلدانهم تجد الكثير من العون والمساندة من النظم الغربية التى ما فتئت تخوّف العالم من أية صحوة إسلامية.

إن إغفال هذه الحقائق من شأنه أن يوقع المسلم المهاجر في دوائر الاستلاب السياسي والحضاري(18) التى ستفقده الكثير من معالم شخصيته وخصوصيته ورؤيته العامة التى كانت الهجرة أحد عناصرها الحيوية.

إنه لمن دواعي الأسف أن يستمرئ بعض من المهاجرين اليوم الحياة هناك فتأسره مقاييس الآخر وتؤثر فيه قيمه وأخلاقه وتقاليده ، وكان من تجليات ذلك التأثر التطبع بالسلوك المادى حتى حين يقضى المهاجر حاجة لأخيه ، أو الاستغراق بالتبعية اللغوية حتى عند اختيار أسماء الأولاد أو عند التحدث معهم داخل المنزل دون مبالاة بما يترتب على ذلك من آثار تربوية سيئة، بل لا يتورع قسم آخر من التنازل عن بعض  الشروط الشرعية سواء فيما يتصل منها بالدراسة أو الاختلاط أو نحو ذلك.

بل إنه نتيجة لمحدودية ما يدُفع لللاجئين من مساعدات واضطرارهم للعمل خارج الإطار الرسمي نجد البعض لايتورع عن العمل في أعمال كان يستنكف من القيام بها في بلده أو في بلدان عربية أو إسلامية. وفي هذا يقول حسن شبر «وجدت شخصًا في بلاد الغرب يعمل ناقلاً لأكلة «البيتزا» إلى البيوت. سألته إن كان فيها لحم خنزير؟ فقال : نعم إنها كذلك ، وعندما قلت له : إنه حرام. قال : أنا ناقل   فقط ولســــت صانعًا ولا آكلاً»(19).

والذي يتبع أحوال المسلمين في المهاجر الغربية يجد فيها الكثير من حالات التمزق والضياع التى بدأت تصيب الجيل الجديد من أبناء المسلمين هناك ، فضلا عن المضايقات التى تفرضها محاولاتهم الالتزام بقواعد السلوك الإسلامي، وفي معركة الحجاب في المدراس الفرنسية وغيرها أمثلة واضحة للصعوبات والاخطار التى بدأت تتجلى في حياة المسلم هناك.

من جهة أخرى أن ثمة حالات غريبة يثيرها التقليد الفقهي الضيق ، أو الفهم الخاطئ وغير الحضاري للأحكام ، مثالها حين يتصور البعض أن هجرته إلى بلدان غير إسلامية تسمح له بالإتيان ببعض الممارسات التى ما أنزل الله بها من سلطان بحجة أنه في دار حرب أو كفر مع العلم بأن علماء المسلمين من أحناف وشوافع وحنابلة وإمامية وأكثر الزيدية قد ذهبوا إلى أن المسلم إذا دخل دار الحرب مستأمنًا لا يحل له أن يتعرض لشئ من أموالهم ودمائهم ونسائهم ، لأنه بالاستئمان ضمن لهم أن لا يتعرض لهم بسوء ، فإن فعل فهو غدر ، والغدر ظلم ونقض للعهد، والله عز وجل أمرنا أن نفى بالعقود {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(20).

ولا ننسي أن نشير إلى أن اللاجئ المسلم في بلدان المهجر الغربي لم يكن خارج دائرة المراقبة ، كما قد يتصور الكثير ، فكثيرًا ما تنشط أجهزة المخابرات في أوساط المهاجرين على اختلافهم وتسعى إلى تجنيدهم ، حتى أن من ضعف وعيه السياسي أو انصهر في بوتقة الهجرة ومعايير أوطانها الغربية وابتعد عن جماعته وهموم وطنه ما عاد يرى حرجًا في الاتصال بتلك الأجهزة!

أما في حالات إكتساب الجنسية التى قد يترتب عليها الانخراط في الجيش الأجنبي أو الإسهام في خدمة النظم اللا إسلامية في مواقع معينة ، فأمر يثير بعض الإشكاليات الشرعية التى لا تخفى.

يتضح مما تقدم بأن الهجرة إلى بلدان الغرب لاتخلو من سلبيات ، بل أن سلبياتها – كما رأينا – قد تبلغ حدودًا خطيرة تمس أمن المشروع السياسي والحضاري الإسلامي ، فضلا عن مساسها في التكوين الشخصي والالتزامات الشرعية.

لهذا فإن إدامة الصلة بين المهاجر وبقية إخوانه سواء ممن معه أو ممن هم خارج موطن الهجرة تغدو مسألة ضرورية باعتبار أن التواصل الشخصي والثقافي والحركي يمثل إطارًا تربويًّا وسياجًا يقي المهاجر من حالات التسمم الفكري والسياسي ويحيطه بالشروط الصحية التى تساعده على التحصن والوعي والنمو الذاتي ، وبالتالي الحفاظ على حركة المعارضة المهاجرة وجعلها أكثر استقامة وفعالية وتأثيرًا.

وأخيرًا وبناء على ما تقدم يمكن القول بأن المهاجر الذي لا يمكنه تجاوز فتنة الاغتراب ولا يقوى على الالتزام التام بدينه وسلوكياته في البلدان غير المسلمة، فإن الأولى به أن لا يهاجر إلى تلك البلدان ابتداء(21) ، وعليه أن يختار بلدانًا أخرى ليس فيها مثل تلك الابتلاءات الخطيرة ، بخاصة إذا كان يعيل أولادًا – ذكورًا أو إناثًا – ولا يضمن مع تلك الابتلاءات استمرار تتنشئتهم على خط التدين والاستقامة.

وعلى أية حال ، فإن من وجد نفسه في مأزق كهذا ، لابد أن يُحزم أمتعته ويهجر ذلك الموطن إلى حيث المكان الذي يأمن فيه على دينه ودنياه ، والله المستعان.

(1) كلمة الأمة في الهجرة والدعوة ، محاولة لقراءة جديدة ، مجلة الأمة العدد 61 ، قطر ،  1406 هجرية / 1985م ص 4- 5.

(2) حسام محمد سعيد سياط : اللجوء ، السياسي في الإسلام ، دار البيارق ودار عمار ، ط1 ، عمان، 1418ه – 1997 ، ص 10.

(3) راجع سيد قطب : في ظلال القرآن ، جـ5 ، ط1 ، دار الشروق ، القاهرة (1410هـ 1988م) ، ص 743.

(4) أما الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود عن ابن عباس  (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا ما استنفرتم فانفروا» إنما يعنى أن الهجرة بالمعنى السياسي قد انتفت مبرراتها بإقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية في المدينة ومكة بعد سقوط جبهة الكفر في الجزيرة العربية ، وبالتالي فإن أية حركة أخرى للانتشار إنما تأخذ معنى الجهاد، = = إلا أنه إذا ما انحسر الكيان السياسي الإسلامي في عصر لاحق وأخذ المسلمون يتراجعون إلى نقطة الصفر السياسي – كماهو الحادث فعلا – ثم ظهرت معالم الاستضعاف ومبررات الهجرة لابد أن نعود مرة أخرى إلى أحكامها قبل الفتح كما هو المستفاد من أقوال الكثير من العلماء.

(5) سيد قطب ،مرجع سابق ، ص 743 – 745.

(6) اعتمدنا في إيراد الآراء المشار إليها في هذا المبحث علي : حسام محمد سعيد سباط ، اللجوء السياسي في الإسلام ، مرجع سابق ص ( 170 – 176).

 

(7) كلمة الأمة : في الهجرة والدعوة ، مجلة الأمة ، مرجع سابق ، ص4 – 5.

(8) باولو فرايري : تعليم المقهورين ، ترجمة وتقديم د. يوسف نمر نور عوض ، دار القلم، بيروت ، لبنان ، بدون تاريخ، ص29.

(9) عبد الرحمن الكواكبي : الأعمال الكاملة ، دراسة وتحقيق ، د. محمد عمارة ،المؤسسة العربية للنشر ، ط1 ، بيروت ، لبنان ، 1975م ، ص 131 – 139.

(10) المرجع نفسه، ص139.

 

(11) إن من لم يهاجر إلى المدينة من أهل مكة محتفظًا بإيمانه دون أي إسهام في فعاليات الشرك، إنما يحتل الدرجة الثانية من الفضل بعد المهاجرين والأنصار ، طالما كان يترقب في الوقت نفسه جلاء الموقف على أمل اللحاق بالنبي وأصحابه.

– راجع : د. موسى بناي العليلي : الهجرة والنصرة في القرآن الكريم ، الدار العربية للموسوعات ، ط1 ،1989م ، ص 20.

(12) د. أحمد القديري : الإسلام وصراع الحضارات، كتاب الأمة ، العدد 144 ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، ط1 ، الدوحة، 1995 / 1415 هـ ، ص 36.

(13) كلمة الأمة : مرجع سابق ، ص 4 – 5.

(14) بل أن أكثر المذاهب الإسلامية أوجبت على إمام المسلمين أو من ينيبه منح حق اللجوء السياسي لمن يطلبه من سكان الدول غير الإسلامية من غير المسلمين سواء كانت تلك الدول تأخذ صفة دار حرب أو دار عهد ، بما يترتب على ذلك من توفير الحماية وتأمين أسباب الحياة الحرة ومنح حق إقامة الشعائر الدينية والتنقل بحرية والتعلم والعمل والاستفادة من مرافق الدولة واستقدام الأسرة وإدخال الأموال ونحو ذلك من الحقوق التى عالجها فقهاء الأمة في إطار مفهوم «الأمان» الذي يؤصل بقوله تعالى : {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} «التوبة :6». وقد رجح أكثر مفسرى هذه الآية أن المستجير يُجار ويؤمن مهما كان غرضه من الاستجارة.

راجع حسام محمد سعيد  سباط ، اللجوء السياسي في الإسلام ، مرجع سابق ،  التقديم ، و ص 21 – 22 والهوامش المشار إليها في ص 22.

(15) لقد نصت الاتفاقيات المتعلقة باللاجئين علىحقوق اللاجئ السياسي الذي يغادر أو يرغم على مغادرة إقليم وطنه إلى إقليم موطن آخر لسبب سياسي أو ديني أو عنصرى ناشدًا الأمن ، كما أوصت الأمم المتحدة في تشريعاتها بوجوب استقبال اللاجئ السياسي وتأمين المأوى له وتوفير أسباب العيش الكريم ، وعدم رده إلى وطنه إلا بعد زوال الأسباب التى دعته إلى مفارقة ذلك الوطن.

– انظر : المرجع السابق ، ص 12 – 14.

(16) أودره : د. محمد شامة : الإسلام كما ينبغي أن نعرفه ، مكتبة وهبة ، ط1 ، القاهرة ، 1403هـ / 1983م ، ص 122.

(17) في بعض شكاوي عدد من المهاجرين العراقيين المقيمين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ما يبعث على التساؤل ويستدعي النظر والنقد الذاتي من قبل الطرفين ، بخاصة مع مغادرة بعضهم إيران نحو المهاجر الغربية !.

(18) راجع د. أحمد القديري : الإسلام وصراع الحضارات ، كتاب الأمة ، العدد (44) الدوجة ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، ط1 ،1995م / 1415هـ ، ص 36.

(19) حسن شبر : الهجرة واللجوء ، دراسة في الأبعاد الحضارية والسياسية، ط1 ، دار المنتدى ، بيروت ،بدون تاريخ ،ص 110 – 112.

(20) حسام محمد سعد سياط ، اللجوء السياسي في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 189 ، 192.

(21) يرى الشافعية والحنابلة والإمامية أن المسلم إن كان  ضعيفًا في دار الكفر لايقدر على إظهار دينه حرمت عليه الإقامة هناك وتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام ، إلا إذا كان يرجو ظهور الإسلام بمقامه في دار الكفر فالأفضل أن يقيم.

المرجع السابق ، ص 181.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر