رسائل جامعية

قضايا العقيدة عند صوفية القرنين الثالث والرابع

العدد 69/ 70

حظيت العقيدة الإسلامية وقضاياها بلون من اهتمام صوفية الإسلام، وسواء أكان ذلك قد نبع لديهم من الإدراك المباشر لضرورة الفهم الصحيح للعقيدة في ذاتها، أم من جراء تعدد دراستها في البيئة التي عاشوا فيها.. سواء أكان الباعث لدي الصوفية هذا السبب أو ذاك، فإنهم قد خلفوا في هذا الجانب تراثا ينم عن فكر عميق، بصورة تجعله جديرا بالمعالجة والتقويم .

ومن هذا المنطلق كانت هذه الدراسة ((قضايا العقيدة عند صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين) والتي اجتهدت في أن تتفق علي منهج صوفية تلك الحقيقة في بحث القضايا العقدية، كحلقة من حلقات الكشف عن الإسهام الشامل للصوفية في تلك القضايا.

ومما سوغ مجيء الدراسة علي هذا النحو أن صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين قد عاشوا في حقبة عرفت جدالا شديدا حول مسائل العقيدة الإسلامية، خاصة من جانب الفرق الكلامية التي كانت قد ملئت الأرض بآرائها حول تلك المسائل، وكان نزاعها حولها لا يقف عند حد معين، ومن هنا فإن الوقوف علي اتجاه صوفية هذين القرنين في بحث مسائل العقيدة يمثل وقوفا علي الإسهام البكر والأصيل للصوفية في هذا الجانب.

علي أن مما جعل موضوع الدراسة جديرا بالمعالجة أن الحديث عن الإسهام الصوفي في بحث مسائل العقيدة يمثل، في أحد جوانبه، حديثا عن شرعية العلاقة بين مباحث التصوف وبين التعاليم الإسلامية بوجه عام، وهي الإشكالية التي لا تزال مصدر تساؤل عند بعض الباحثين في الوقت الحاضر.

وقد تناولت الدراسة آراء صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين حول قضايا عقيدية أربع هي : الإيمان والتوحيد والنبوة والقضاء والقدر، وما ينطوي عليه كل من مسائل، حيث كانت تلك القضايا هي أبرز ما أخضع لنقاش وتفسيرات حول العقيدة في البيئة الإسلامية ولما كانت الدراسة تتعرض لآراء حول العقيدة في مرحلة تاريخية محددة من مراحل التصوف، فقد حددت أساسين رئيسين تقيس من خلالهما آراء الصوفية، وهذان هما :

أولاً: عرض الآراء العقدية للصوفية علي منهج الإسلامي فمثلا فيما جاء في الكتاب والسنة باعتبارهما الشاهد الذي ينبغي أن يعود إليه المرء في مسائل العقيدة.

ثانيا: دراسة تلك الآراء في ضوء ما أثير من منقاش حول العقيدة في البيئة الإسلامية، خاصة من جانب الفرق الكلامية التي أولت هذا الجانب عناية كبيرة.

ولا يخفي أن ذلك يكشف عن مكانة الآراء الصوفية في ضوء مجتمعهما الذي قيلت فيه، وتبين الدور الذي لعبه الصوفية في الكشف عن جوانب العقيدة الإسلامية في صورتها الجلية.

ومن خلال الأساسين السابقين اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي النقدي إطاراً تدور المعالجة فيه، حيث يسمح ذلك المنهج بتحليل الآراء الصوفية، والموازنة بينها وبين غيرها في صور وافية وقد جاءت الدراسة في تمهيد وقسمين احتوي الأول منها علي فصلين، وجاء القسم الثاني في أربعة فصول، ثم أعقب ذلك بخاتمة اشتملت علي ٍأبرز نتائج الدراسة .

أما التمهيد فقد انطوي علي استقراء لأبرز الدراسات الحديثة التي تناولت صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين، حتي يتسنى لهذه الأطروحة أن تدلل علي أن موضوعها غير مسبوق بالبحث في صورته التي تعرض بها له.

وقد كان القسم الأول، وهو بعنوان ((مدخل تاريخي)) كان بمثابة إطار تاريخي يكشف عن الظروف العامة التي عاش فيها صوفية هذين القرنين، ويوضح طبيعة نشأة التصوف وتصوره، أنذاك الأمر الذي يبين عن طبية الصلة بين الآراء العقدية للصوفية وبين مجتمعها الذي قيلت فيه ومدي علاقة ذلك بتصور الصوفية نفسه في تلك الحقبة .

وقد اشتمل هذا القسم علي فصلين:

أولهما: البيئة العامة  للصوفية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، حيث تناول أهم الظروف السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية التي أحاطت بصوفية تلك الحقبة.

ثانيهما: نشأة التصوف وتطوره في القرنين الثالث والرابع الهجريين وقد أوضح طبيعة نشأة التصوف من خلال ظاهرة الزهد التي عمت المجتمع الإسلامي في القرنين الأولين للهجرة، ثم تطور التصوف في القرنين الثالث والرابع.

أما القسم الثاني فقد كان بعنوان ((قضايا العقيدة عند صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين)) وقد صدرت الدراسة له بتقديم عرضت فيه لمفهوم العقيدة وأهم القضايا التي أثيرت حولها في البيئة الإسلامية.

وقد تتابعت فصول هذا القسم بعد ذلك وعددها أربعة فصول:

كان الفصل الأول منها عن الإيمان عند صوفية القرنين، وقد انطوى على معالجة لآراء الصوفية في أبرز المسائل الإيمانية إضافة إلي إبراز فهمهم الصوفي للإيمان.

وأما الفصل الثاني فقد كان التوحيد عند صوفية القرنين، وقد اشتمل علي اتجاه الصوفية في أهم الأفكار التي عرفتها البيئة الإسلامية في هذا المنحى، ومدي انعكاس ذلك علي محاولة التصوف إسباغ آراؤهم الصوفية علي مسائل التوحيد.

وجاء الفصل الثالث عن النبوة عند صوفية القرنين، وتناول فهم الصوفية للنبوة في ضوء من طبيعة الطريق الصوفي، والعلاقة التي تصورها بين النبوة وبين الولاية.

وأخيرا كان الفصل الرابع عن القضاء والقدر عند أولئك الصوفية وفيه تناولت الدراسة مدي العلاقة بين مفهوم القضاء والقدر وبين معني الحرية الإنسانية عند صوفية هذين الفرنين ومدي علاقة تصورهم في هذا الجانب بغيره بين التصورات الأخرى التي عرفتها البيئة الإسلامية حول حرية الإنسان.

ثم جاءت الخاتمة بعد ذلك لتنطوي علي أبرز النتائج التي توصلت الدراسة إليها، والتي تتمثل أبرزها فيما يلي :

أولا: أن صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين قد عاشوا في واقع فكري خصب شهد إثارة مسائل العقيد للبحث في المجتمع الإسلامي، وأنهم قد طرقوا باب البحث في تلك المسائل فيما يعني أنهم قد تفاعلوا مع ما حواه واقعهم من مشكلات تمس أصول الدين.

ثانيا: أنه قد كان لصوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين وجهة نظر متميزة في بحث مسائل العقيدة، وأن منهجهم فيها يقوم علي الآتي :

أ- أنه بالدرجة الأولي، منهج روحي يهدف إلي فهم معاني العقيدة الإسلامية في ضوء من مدارج الطريق الصوفي ومعانيه، فقد اتضح أن الإيمان لديهم يوصف بأنه نور يقذفه الله عز وجل في قلب العبد، وأن الإيمان كذلك، هو أساس للمقاومات الأخرى، كما برز ذلك في رؤيتهم بأن التوحيد يقضي إلي الفناء في الذات الإلهية، وغير ذلك، وهذا يعكس الواقع، من حرص أولئك الصوفية علي ربط جوانب طريقهم بالعقيدة الإسلامية، حيث يكتسب التصوف، من خلال أصالة إسلامية كبيرة.

ب- أن صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين قد واقفوا علي أبرز المسائل التي أثارها علماء الكلام حول العقيدة الإسلامية وأبدوا فيها آراءهم، بل وجادلوا الكلاميين فيها، أحيانا، وهو ما يشمل ملمحا جديدا من ملامح منهجهم حول العقيدة يتمثل في مشاركتهم في الدرس الفكري للقضايا العقيدية، وقد جاءت وجهة نظرهم في هذا الجانب تعضد من موقف أهل السنة والجماعة وتبرز الصواب إلي حد بعيد.

وبذلك فإن منهج صوفية القرنين يتميز بأنه منهج روحي يسبغ معاني العقيدة علي طبيعة التصوف وأنه كذلك منهج فكري يبين عن تنبه صوفية القرنين لما يمكن أن تمثله إثارة الأباطيل من خطورة علي صدق المعتقد.

ثالثا : أن الدوافع والغايات التي حدت بصوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين إلي بحث مسائل العقيدة تتمثل فيما يلي :

أ- ربط جوانب التصوف بالعقيدة الإسلامية من خلال تضمين المعاني العقدية علي مراحل السلوك الصوفي مما يكسب التصوف أصالة كبيرة كما مرت الإشارة.

ب- الدفاع ضد ما رأي أولئك الصوفية أنه هجوم علي الدين من جانب بعض الفرق الإسلامية.

ج- إحساس صوفية القرنين بأنهم في مجمع يفرض عليهم إبداء رأيهم تجاه القضايا الفكرية التي طُرحت كمجال نقاش في البيئة الإسلامية .

وأخيرا فإذا كانت معالم المذهب – أي مذهب- تتشكل في ضوء مشاركة أصحابه في الدرس الفكري للقضايا المطروحة، فإن التصوف الإسلامي كمذهب، يمكن أن تنطبق عليه تلك المقولة.

 

المراجع:

  • رسالة ماجستير تقدم بها الأستاذ: محمد سلامة عبد العزيز إلى قسم الفلسفة الإسلامية بكلية الدراسات العربية – جمعة المنيا.
  • * وكيل كلية الدراسات العربية – جامعة المنيا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر