أبحاث

مقومات تيار التأويل الحدلثي بين أمين الخولي وتلامذته

The Foundations of Qur’anic Hermeneutics: Between Amin al-Khuli and His Disciples

الشيخ أمين الخولي صاحب دعوة تجديدية مهمة، طرح في ثناياها عددًا من الإسهامات المتعلقة بتجديد النحو والأدب والبلاغة العربية وعلم التفسير. وقد ظهرت دعوة الخولي التجديدية إلى النور في إطار موجة “نهضوية” عامة، انطلقت من افتراض أن الأمة العربية والإسلامية تمر بحالة من التراجع الحضاري، تستدعي تقديم منتج تجديدي، يحتذي التجربة النهضوية الأوربية بأدواتها ومناهجها، فـ “يقتل القديم فَهمًا”، ويتجاوز جموده الفكري، ويسعى للِّحاق بالحداثة والنهضة.

وقد تفاعل الخولي وتأثر بما ورد من الغرب من أفكار ونظريات؛ وكان في مقدمة هذه الأفكار والنظريات نظرية “التطور”، التي تبناها وجعل منها منطلقا لمشروعه التجديدي؛ حيث سعى الخولي لبيان أن هذه النظرية لا تتعارض مع الإسلام، وحاول نسبة مفهومه عن التجديد بالمعنى التطوري إلى الأقدمين من السلف.([1])

وقد انتقد الخولي التراث التفسيري الذي عاصره، واعتبر أنه بحاجة إلى التقويم، بل والتَّجاوُز إن لزم الأمر، وقد جاءت محاولته التجديدية مستوعبة تمامًا لهذا النقد؛ لذا نراه وقد صدّر أحد أشهر كتبه (مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب) بعبارة تلخص منهجه التجديدي المرن، والمتجاوب مع تغيرات الواقع بقوة، يقول فيها: “إن من النواميس الاجتماعية أن تُعَدّ الفكرة حينًا ما كافرة تُجرَّم، ثم تصبح مع الزمن مذهبًا، بل عقيدة تُعتنَق، وإصلاحًا تخطو به الحياة خطوة إلى الأمام”.([2])

وقد استخلص الخولي أن المقصد النهائي من التفسير ينبغي أن يتمثل في الكشف عن “أدبية النص القرآني”. فتحت شعار أن “القرآن الكريم هو كتاب العربية الأكبر وأثرها الأدبي الأعظم” أرسى الخولي قواعد مدرسة في التفسير جوهرها إبراز “الطابع الأدبي” للقرآن الكريم. والصفة الأدبية عند الخولي لا تنصرف فقط إلى منهج التناول، ولكنها تشير إلى طبيعة النص ذاته. فالقرآن عند الخولي هو نص أدبي، يفرض منهجًا وحيدًا في تناوله وتفسيره وهو المنهج الأدبي. وهكذا لم يكتف الخولي بإعلان تفضيله للأدب منهجًا، وإنما ذهب خطوة أبعد وأخطر بالتأكيد على أن القرآن نفسه هو “نص” ينتمي إلى آداب اللغة العربية.

والشيخ أمين الخولي بالمعنى السابق يعد من أوائل من دعوا إلى دراسة القرآن كنص، من دون النظر إلى أي اعتبار آخر، والمقصود طبعًا بدون النظر إلى أي اعتبار ديني. ووفقًا لهذا المفهوم أصل الخولي لـ”منهج” في التعامل مع القرآن الكريم، يتجاوز سؤال المصدر، ويفصل النص القرآني عن قدسيته (بكل ما تتضمنه هذه القدسية من مرتكزات وضوابط)، ويدعو إلى قراءة القرآن وفق منهج عقلي، وهذا هو نفس الخط الذي سارت عليه اتجاهات التأويل الحداثي اللاحقة، التي دعت إلى أنسنة النص، أي التعامل معه بوصفه نصا بشريًّا؛ يُقرأ وفق منظور تاريخي نسبي، بغض النظر عن مصدره، أو بالنظر إلى مصدره ضمن الحركة التاريخية لا خارجها!

ولقد كان من الوارد ألا تُثيرَ جهودُ “التفسير الأدبي للقرآن”، ومحاولة رد دراسة النص القرآني إلى حقل الدراسات الأدبية – الجدلَ، لولا ما ارتبط بها من افتراضات/مصادرات زعمت أن النص القرآني مجرد “قطعة أدبية”، وخلعت من ثم عنه صفة الإطلاق، وربطته بالسياق الثقافي والاجتماعي والتاريخي. أثارت مثل هذه المصادرات المنهاجية إشكالات صبغت …………


 

([1]) أمين الخولي، المجددون في الإسلام (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992)، ص 43.

([2]) أمين الخولي، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب (القاهرة: دار المعرفة، 1961)، ص 19.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر