أبحاث

قراءة في فكر محمد شحرور ومعالجته للقرآن

A Study of Muhammad Shahrur’s Thought and his Interpretation of the Qur’an

لا شك أن التجديد من أصول الإسلام ومبادئه ومقاصده، وهو من سنن الله تعالى في كونه وخلقه. والاجتهاد لإدراك الحق والحقيقة أمر واجب على كل إنسان؛ إعمالاً لنعمة العقل السوي والقلب السليم، واستجابًة لحث الله تعالى على ذلك (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة: 242)، وإنكاره على الذين لا يتفكرون ولا يتدبَّرون ولا يفقهون ولا يعقلون (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاّ يَعْقِلُونَ) (الأنفال: 22). ومن ثمَّ، بشَّر رسول الله r أمَّته بدوام تجديد دينها في دورات القرون، حيث قال: “إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لِهذِه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ مَن يُجدِّدُ لَها دينَها” (صحيح أبي داوود: 4291)، سواء كان المُجدِّد فردًا أو جماعة، منفرطين أو مؤسسة. وحثَّ النبي r على ممارسة الاجتهاد بلا وجلٍ ولا اضطراب؛ بحيث إن مَن اجتهد وبذل في ذلك غاية وسعه ثم أخطأ، لم يُعدَم أجر المحاولة وثواب والمجاهدة، فقال: “إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ” (صحيح البخاري: 7352)، فالمجتهد المُخطِئ معذور، بل مأجور.

ولا يخفى على عاقل أن المقصود من هذا هو الاجتهاد الحقيقي والتجديد الجاد الذي يعدُّ له المرء عدَّته، ويستوفي له لوازمه. فما من مقصودٍ إلا وله وسائله، وما من بابٍ إلا وله مفاتحه، فمَن حصَّل الوسائل بلغ المقصود، ومَن أتى بالمفاتيح فتح الموصود، وإلا لن يصل ولا يُفتَح له. وعبر تاريخ الإسلام، مارس العلماء كلا الأمرَيْن: التجديد الكلي لما أصابته الغشاوة العامة، والاجتهاد الجزئي إزاء ما يُستجَد من القضايا والمسائل. ووقع في ذلك خلافاتٌ ونقاشاتٌ ثرية في المضامين لمَن طالعها، لكنها مهما اختلف فيها الناسُ احتفظت بثوابت ومعالم أساسية تحفظ على هذا الدين ذاته وأصوله المستقرة، وتحُول دون تمييع العلوم والديانة في أذهان الناس أو إضعاف احترام الدين في قلوبهم. ومن هنا برزت شروط ولوازم لممارسة الاجتهاد في العلوم الشرعية، وأكثرها بدهي لا يختلف عليه أصحاب العقول السليمة. فكما أن التجديد في العلوم الطبية والهندسية لا يتسنَّى لغير المُتخصِّصين فيها، المُطَّلعين على قواعدها ومنهجيتها، كذلك الأمر – بل هو أعظم– في مجال العلوم الشرعية التي عليها مدارُ المعاش والمعاد، للفرد والجماعة والإنسانية جمعاء.

هذا، وقد ابتُلِيَت الأمة الإسلامية بردحٍ من الزمن، ضعُفت فيه روح التجديد، ووهنت فيه عزائم الاجتهاد، بما أسهم في حدوث تراجعٍ حضاريٍ كبير لا نزال نعاني من آثاره. وقد حاول كثيرٌ من المُجدِّدين والمُجتهدِين مقاومته وإنهاض الأمة، فنال بعضهم قسطًا من ذلك، بينما لم يُوفَّق آخرون. لكن الأمة تشهد منذ أكثر من قرنٍ مجاهداتٍ جادَّة لبثِّ روح التجديد والإنهاض في شتى شئونها الدينية والدنيوية، الأمر الذي تتصاعد وتيرته يومًا بعد يوم، وإنْ كان في خضمِّ عقباتٍ كؤود.

هذا، ومن المهم التنبّه إلى سُنَّة الله تعالى في أن يجعل لكل نبيٍ عدوًا من المجرمين، ولكل مُجدِّد أو طائفة مُجدِّدة مَن يناوئهم، سواء بالتجميد أو بالتبديد. ألا وإنّ من أخطر ما يعوق التجديد ودُعاته هم مُدَّعوه وزاعموه بغير حق، ومُنتحِلو اسمه بغير حقيقته، بل بضد حقيقته؛ فيسمع الناس منهم اسم التجديد، لكنهم لا يرون من ثمار حركتهم سوى اضطراب المنهج وغثاثة المُنتَج.

ولقد شهد تاريخ التعامل مع القرآن الكريم الأمَرَّيْن من جرَّاء هذه الفئة، قديمًا وحديثًا. فخرج مَن يدَّعي أن القرآن الحكيم يتسامح مع البغاء والإكراه عليه، من فهمه السقيم لقوله تعالى: (وَلاّ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النور: 33) ([1])، واستحلَّ قومٌ الخمر ومُحرَّمات الطعام بدعوى فهمهم لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المادة: 93)، وادَّعى آخرون أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (الانفطار: 6) فيه حضٌ على عدم الخوف من المعصية؛ لأن الله كريم، فقال أحدهم: “تكثَّر ما استطعت من الخطايا .. فإنك قاصدٌ ربًا غفورًا” (أبو نوَّاس)، وقال آخر: “عندما نقرأ قوله تعالى: (وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الأعراف: 33)، فنحن نفهم ضمنًا وبالضرورة أن هناك إثمًا وبغيًا بحق”([2])، حتى تجرَّأ المُتلاعِبون، فقال بعضهم إن القرآن يُثبِت ألوهية عيسى ابن مريم، “فعيسى في القرآن هو كلمة الله، وكلمة الله غير مخلوقة، ولذا فعيسى غير مخلوق”([3]). كما زعم بعضهم أن القرآن يقول بوهمية الجنة والنار والقيامة، وأنها ليست إلا أمثلة ترغيب وتخويف لفعل المأمور وتجنُّب المحظور؛ مُردِّدين قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) (الإسراء: 59)([4])، وهكذا دواليك.

لقد ظهرت مثل هذه التأويلات الفاسدة قديمًا باعتبارها ألاعيب جزئية. أمَّا حديثًا، فقد تعكَّر خط التجديد في التعامل مع الذكر الحكيم بمَن يدْعون إلى “التجديد الكلي”، بقلب مائدة المناهج المعهود كلها، وإبداع مناهج جديدة في فهم التنزيل وتفهيمه للناس، واستخلاص العقائد والتشريعات منه، وفق هذه الرؤى الجديدة التي لم ترقَ بعد لتكون مناهج مكتملة أو واضحة أو مُعتمَدَة. فبعد ما قام به الألوسي والقاسمي والشنقيطي ومحمد عبده ورشيد رضا وابن باديس والطاهر بن عاشور والمراغي ومحمد عبد الله دراز وغيرهم، وتزامنًا مع دعوات إبراز الوجود المتعددة للإعجاز القرآني، علميًا وبلاغيًا وبيانيًا وموضوعيًا واجتماعيًا وحضاريًا، بدأت تنجم دعوات للتعامل مع القرآن باعتباره مجرَّد “نصّ أدبي يُقرَأ ويُنقَد بمناهج النقد الأدبي الغربية” التي لم تستقر حتى بين أهلها، ولم يُعرَف بعد ظاهرها من باطنها([5])، أو باعتباره “نصًّا اجتماعيًا وإنسانيًا نسبيًا (تاريخانيًا) يٌقرَأ ويُفهَم من خلال العلوم الاجتماعية والإنسانية ونظرياتها الحديثة (الاجتماع والسياسة والاقتصاد والنفس وغيرها)”([6])، الأمر الذي استفحل في الثلث الأخير من القرن العشرين.

هذا، وتمثل كتابات المهندس السوري محمد شحرور، والطريقة التي يدعو إلى التعامل بها مع القرآن الكريم، ثم بقية أصول الإسلام تباعًا، نموذجًا صارخًا على حالة متصاعدة من التناول اللامنهجي أو غير العلمي مع الكتاب الكريم، بما في ذلك ما أناط به أعماله من توصيفاتٍ تبجيلية كثيرة، باعتباره “من أوائل المُجدِّدين بعد عهدٍ طويل من عهود الانحطاط والتقزُّم والجمود في العقل العربي… [حيث] قَلَبَ المفاهيم، وقدَّم للمرة الأولى في العصر الحديث مفاتيحَ فهم التنزيل الحكيم…([7]) حيث تمّ اختراق الكثير ممَّا يُسمَّى بالثوابت، وخاصةً ما يُسمَّى أصول الفقه التي تمّ وضعها من قِبَل الناس في القرون الهجرية الأولى، وهي برأينا لا تحمل أي قدسية، وبدون اختراق هذه الأصول نرى أنه لا يمكن تجديد أي فقه… فأي تجديد لا يُسمَّى تجديدًا إلا إذا اخترق الأصول”([8]). فمَن هو الدكتور محمد شحرور، وما هي معالجته للقرآن الكريم وعلومه، وما هي منطلقاته ومنهجيته وآراؤه التي خرج بها من ذلك؟

أولاً: محمد شحرور وموقفه من القرآن وعلومه:

يُعَد محمد ديب شحرور واحدًا من الكُتَّاب المعاصرين الذين شغلتهم قضية التجديد في الخطاب الديني المعاصِر للقرآن الكريم. ولذا راح يُقدِّم مجموعة من الآراء التي أثارت جدلاً واسعًا حول فهمه للنص القرآني، وكذا لكلٍ من السنة النبوية، والتراث التفسيري والفقهي واللغوي المنوط بهما. وقد بدأت علاقة شحرور ……………………….


 

([1]) دعوى أن الإسلام يبيح البغاء للإماء، ويحضهن عليه ما دمن غير مُكرَهات. موقع بيان الإسلام للرد على شبهات حول الإسلام.

http://www.bayanelislam.net/Suspicion.aspx?id=01-07-0018&value=&type=

([2]) محمد شحرور.  دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم (المنهج والمصطلحات). (بيروت: دار الساقي، الطبعة الأولى، 2016)، ص 26.

([3]) ادعاء أن القرآن الكريم يقرر ألوهية المسيح u. موقع بيان الإسلام للرد على شبهات حول الإسلام. http://www.bayanelislam.net/Suspicion.aspx?id=01-04-0087&value=&type=

([4]) الزعم أن الجنة والنار لا حقيقة لهما وأنهما مجرد وسيلة لخداع الناس. موقع بيان الإسلام للرد على شبهات حول الإسلام.

http://www.bayanelislam.net/Suspicion.aspx?id=01-03-0011&value=&type=

([5]) راجع في ذلك، مُؤلَّف طه حسين “في الشعر الجاهلي”، وامين الخولي “دراسات لغوية” و”مادة التفسير في موسوعة المعارف الإسلامية”، ومقدمته للفن القصصي في القرآن لمحمد أحمد خلف الله، وكذا كتابات بعض تلامذة امين الخولي من أمثال نصر حامد أبو زيد.

([6]) وإلى هذه المدرسة ينضم أبو القاسم حاج حمد، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد شحرور وحسن حنفي ومحمد أركون وغيرهم.

([7]) محمد شحرور. وثيقة تأسيس مؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة. انظر الرابط التالي: https://nadyalfikr.com/showthread.php?tid=4380

([8]) محمد شحرور.  دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم (المنهج والمصطلحات). مرجع سبق ذكره، ص 16 (بتصرف).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر