أبحاث

تأويل الخطاب القرآني بين النضباط النصي والانفلات الدلالي

Qur’anic Interpretation between Methodological Rigor and Semantic Drift.

مقدمة:

لا مناص لنا من الإقرار بأن الـمُنعم للنظر، والمستقصي للتأمل في المقاربات النقدية المعاصرة للنص القرآني يلفي أنها سلكت مسلكين في المعالجة: مسلك الإسراف والتسيّب في الاستنباط الدلالي؛ أو ما يمكن تسميته بالقراءات المعاصرة للقرآن الكريم؛ وفي هذا المضمار نجد قراءات محمد شحرور وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وغيرها؛ وهي قراءات يُحتاج في تقويمها إلى لطف نظر، وفضل رَوية؛  ذلك أنها خرجت بالممارسة التأويلية عن إطارها الطبيعي؛ أي بعيداً عن سياق التأصيل المنهجي والفلسفي الذي يفضي إلى طرح معضلة التأويل طرحًا علميًّا واعيًا بأبعادها المختلفة: العقدية والفلسفية والكلامية والأسلوبية. أما المسلك الثاني؛ فهو مسلك التقيد بظاهر النص وحرفيته وصيغته الكتابية؛ ولعل التيار السلفي بفروعه المختلفة يجسد هذا المنحى التأويلي.

ولا نعدو الصواب حين نقول: إن الذي حرّك دواعي هذه الدراسة القلق المعرفي والحيرة العلمية من كثرة انتشار المناهج الخاطئة في قراءة القرآن الكريم؛ والتي تجاوزت حدود الحزم والاحتياط؛ بيد أن الواجب المحتوم في الممارسة العلمية قوة الحجة وسلطان الدليل. ومن هنا تجيء ضرورة مناقشة قضية تأويل النص القرآني في بعض التأني والتفصيل الضروريين.

ولا جرم أن القراءة المتأنية الهادئة للتراث التفسيري للقرآن الكريم، ومعاينة مسؤولة واعية لبعض الممارسات التأويلية المعاصرة يقودنا إلى الوقوف على الأسباب العامة التي أفضت إلى الانفتاح والانفلات الدلالى في القراءات المعاصرة للخطاب القرآني.

ولعل تجريب تقنيات المنهجية المعاصرة، في مجال العلوم الإنسانية وتطبيقها على النص القرآني دون تكييفها لمنطق النص وهديه، ومراعاة أساليب العربية عمّق من الإشكالية؛ بل لم يساعد بأية حال الباحثين في هذا الاختصاص على تقصي السعي إلى نمو قراءة معتدلة راشدة. وقد تحدث العلماء عن معضلة التأويل قديمًا وحديثًا؛ فشققوا القول في أنواعها ومعاقدها وأطرافها؛ ولكنهم لم يخرجوا بذلك التنويع عن فلك التشبث بظاهر النص، والاعتصام بأسواره وحدوده؛ أو الانفلات من أسر النص وسياجه إلى فضاءات دلالية لا نهائية متناسلة لا تقف عند حد؛ بل تنكر الحدود والثوابت.

هذه حقيقة لا يمكن إنكارها؛ بل تثير بعض التساؤلات المحورية الآتية: هل التشبث بالمعني التاريخي للتفسير بالمأثور هو غلق لباب الاجتهاد، أو تعطيل لإعمال النظر وإلطاف التأمل؟ ولماذا لا يفهم هذا التمسك بظاهر النص من باب الحيطة والاحتراز من فتح مجال التأمل والتأويل على مصراعيه للطوائف الدينية والمذهبية لتتخذ من النص القرآني معيناً لعقائد الطائفة المنصورة أو الفرقة السلفية الناجية أو الفرق العلمانية الأخرى؟. وهل التوظيف الإيديولوجي للتأويل هو الذي أخرجه عن إطار الاستثمار المعرفي الأصيل؟ وهل التقيد بالمعني الأزلي للنص القرآني هو تعطيل لطاقته الأسلوبية؟ وما حدود سلطة المضمون الإيديولوجي في قراءة القدماء والمحدثين؟ وهل الاعتصام بسياج النص القرآني والتمسك بحدوده يتعارض مع الإمكانات التعبيرية للنص؟ ألا يُعد الاكتفاء بالملامسة الخارجية للنص القرآني عند الحَرفيين أو الظاهريين هو إهدار لمكنوناته الدلالية وضمور لمستوياته الأسلوبية والجمالية؟ وهل هناك حرية فكرية مطلقة في مقاربة النص القرآني؟. وهل اختراق المجال اللفظي ضروري لكشف النقاب عن مستويات الدلالة؟ وهل القراءة الحرة المنسلخة عن الصيغة الحرفية للنص القرآني تعني الانسلاخ عن سياقه الحضاري والمعرفي والحيوي؟ وما المانع من اعتماد المؤول على آلية الانفتاح الدلالى مادام مراعيًا لمقاصد النص ومسؤولياته؟ وهل الخضوع لأحادية المعنى يصطدم مع التوسع الدلالي للنص القرآني؟ أَلا يُعد الانفتاح اللانهائي للدلالة مظهراً من مظاهر عبثية المعنى؟ وهل عدم ثبات الدلالة هو مصدر هذا الانفتاح المطلق؟ وهل القراءة المتجددة الواعية البعيدة عن الأهواء والنـزوات كفيلة بتوليد دلالات جديدة وكشف مناطق من النص بعيدة؟ وما هي الضوابط التي تحقق الجمع بين حماية القرآن من الانفتاح على أي قراءة من جهة؛ وتعمل في الوقت ذاته على توسيع معاني القرآن لكي لا تبقى محصورة عند تاريخ نزولها من جهة أخرى؟. وهل الممارسة التأويلية ممارسة منتجة للمعنى أم هي ممارسة مجانية؟

ولا غرو من أن محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات كانت المفتاح الذي حرَّك دواعي البحث والتنقير في تخوم هذه الإشكاليات لإدراك متزايد للتناقضات الجوهرية في فكر كثير من المنهجيات النقدية المعاصرة والقراءات المنفلتة.

ولا جدال في أن قابلية النص القرآني للتجدد والاختلاف، وتوسيع مجال نظره الدلالي والفلسفي هو الذي يسوغ مشروعية التوسل بمصادر جديدة في التفكير التأويلي تدلل على خلود القرآن الكريم واستمراره في التدفق الدلالي، والإفراز البياني، وانفتاحه لقراءات متعددة واعية بالمعنى التاريخي؛ تتيح ضروباً من الفهم والاستنباط توافق مرامي النص القرآني ومقاصده السَنية. ولا ريب أن طبيعة النص القرآني المتحركة تأبى الثبات والاستقرار؛ وهذا ما عبّر عنه القدماء في كذا موضع، كقول الإمام الزمخشري –رحمه الله-: (وتدبر الآيات: التّفكر فيها والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يُدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتْلوّ، لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نثور لا يستولدها)(1).

ومقتضى كلام الزمخشري أن الاكتفاء بظاهر النص هو تضييق لمسالك التأمل في ثراء النص القرآني وغنى دلالاته؛ فالوقوف عند عتبة المتْلوّ – على حد تعبير الزمخشري – هو قصور في الفهم وعجز عن إدراك طاقات النص القرآني التعبيرية؛ ولعل الصورة التشبيهية التي توسل بها الإمام للتعبير عن حاجة المؤول لاختراق المعهود والجاهز تكفي للتدليل على مشروعية منهج التفكر السليم الذي يفضي إلى تفجير العبارة القرآنية.

 

أولاً: مسلك الانضباط النصيّ في التأويل التراثيّ:

لا ريب أن الموسوعة التفسيرية الضخمة في علوم القرآن تشهد برحابة الفضاء المعرفي الذي احتضن مختلف المذاهب والطوائف الدينية؛ وهو فضاء يعكس جواً من المعارضة والمناقشة العلمية والمساجلة المعرفية؛ وهي مساجلات لم تخلُ من التوظيف الإيديولوجي والتوجيه الطائفي للنصوص القرآنية؛ ولعل من تجليات هذا الصراع المذهبي انقسام مذاهب المفسرين إلى قسمين: قسم التفسير بالمأثور مع اختلاف درجات تعلق المفسرين بمصادر الاستشهاد بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقراءات القرآنية؛ وقسم التفسير بالرأي بنوعيه الممدوح والمذموم؛ وهو ما عقب عليه ابن تيمية بقوله:(والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوي هذا فإما مزيف مردود، وإما موقوف لا يُعلم أنه بهرج ولا منقود)(2)؛ وأغلب الظن أن القسمة الثنائية هي التي ولَّدت جدلاً مستعصياً في إمكانية إيجاد صيغة من التفسير تغرف من معين السلف الصالح؛ وفي الوقت ذاته تنفتح على النصوص مسترشدة بمعطياتها اللغوية وسياقها الحضاري والروحي؛ وهذا ما أشار إليه أحد الباحثين المعاصرين بقوله:(فانقسام مثقفي الأمة ومفكريها بين الاتجاهين الإسلامي والعلماني يعود من حيث دواعيه النظرية إلى الكفاية المتمثلة في تشديد الفئة السابقة على مصدرية الوحي المعرفية ومرجعيته القيمية وإصرار الفئة اللاحقة على كفاية العقل في توليد التصورات وإنشاء القيم) (3).

وحسبنا دليلاً على معضلة تباين القدماء والمحدثين في قضية التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي الإحساس الذي صاحبَ كثيراً من مفسري القرآن من القدماء والمحدثين في الإقرار بصعوبة مسلك التفرقة ولطف مأخذها؛ وهذا ما عبّر عنه السيوطي – رحمه الله– في معرض حديثه عن بُعد ملتمس التمييز بين التفسير والتأويل بقوله: (قد نبغ في زماننا مفسرون لو سُئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه)(4).

وظاهر كلام السيوطي – رحمه الله– أن التفرقة بين التفسير والتأويل تحتاج إلى مُكنة معرفية وعُدة تفسيرية تتجاوز حدود الجاهز في التفسير؛ وتتخطي عتبة القراءة السطحية للنص القرآني التي تكتفي بالإبلاغ والإخبار إلى معايشة علمية، ومخالطة فكرية وروحية؛ وهذا ما أشار إليه محمد حسين الذهبي – رحمه الله– قائلاً: (وكأن التفرقة بين التفسير والتأويل أمر معضل استُعصِي حله على كثير من الناس إلا من سعى بين يديه شعاع من نور الهداية والتوفيق)(5).

ولا نزاع في أن القراءة الهادئة المتأنية لحرص القدماء على الحسم في معضلة التفرقة بين القراءة الموضوعية والقراءة الذاتية للنص القرآني؛ تعكس حقيقة جوهرية مفادها أن: الانحراف المعرفي الذي وقع عند بعض الطوائف المذهبية والدينية كالمعتزلة والروافض والخوارج والمشبهة وغلاة الشيعة والمتصوفة في استنطاقها للنصوص القرآنية – وتسبب في انفراط عقد الأمة-؛ مرده إلى بعض التأويلات النافرة والتمحلات البعيدة المستكرهة التي لم تلتزم بجوهر التفرقة بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي؛ ووضعهما في الإطار المعرفي الصحيح الذي يراعي مقتضيات المنهجية العلمية في المقاربة، وينأي بنفسه عن التوظيف الفكري للنصوص؛ بغية خدمة السلطان على حساب البرهان والبيان(6).

وبعبارة أكثر بياناً وإشراقاً فإن مكمن إشكالية التأويل في التراث العربي الإسلامي يُعزي أساساً إلى القراءة الموجهة المغرضة التي تتوسل بأدوات غير منهجية؛ تطمح إلى افتعال هذا التعارض المتوهم بين النقل والعقل. ومن الغريب الواقع أن تتكلف بعض الطوائف المذهبية في تعميق الهوة بين التفسير والتأويل؛ بيد أن النظرة التكاملية لمعضلة النقل والعقل هي التي تفضي إلى القراءة التأويلية الواعية والمنضبطة؛ وهذا ما أومأ إليه أبو حامد الغزالى قائلاً: (بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر، والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق)(7).

لقد أدرك أبو حامد الغزالى – رحمه الله– بدرجة عالية من الوعي المعرفي أن الفريقين من المتمسكين بالمأثور والمتشبثين بالتأويل تنكبوا جادة الصواب في إدراك حقيقة مضامين النص القرآني وآليات اشتغاله؛ مما أفضي إلي: (التطرف في تناول الدلالة، سواء أكان تعمقاً أم أخذاً ظاهريًّا فإنه يؤدي في النهاية إلى نتائج بعيدة عن مفهوم النص القرآني، وعن مهمة التأويل الصحيح من الناحية اللغوية والعقلية)(8).

ومن المقرر عند أصحاب التفسير بالمأثور أن مسلك التقيد بظاهر النص وحرفيته هو الموصل إلى حقائقه التعبيرية والجمالية؛ وحجة النّصيين أن النقل هو الأصل والعقل تابع له؛ لصفة القصور الذاتي فيه خاصة ما ارتبط بالتأويل الاعتقادي والكلامي؛ وهو ما ذهب إليه ابن تيمية؛ وفي هذا المضمار يقول: (إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع؛ لأن العقل مصدق الشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل)(9).

وقد يكون لهذا التعليل الذي قدمه ابن تيمية – رحمه الله– وهو من أكثر المنكرين للتأويل – نصيب من الصحة؛ ذلك أن الإقرار بمركزية العقل في الممارسة التأويلية للنص القرآني دون الاستعانة بالنقل تجاوز غير مشروع، وهذا ما أدركه بعض القدماء كالسيوطي الذي ذهب إلى أنه: (لا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر بل لابد منه أولاً. إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادّعي فهم أسرار القرآن ولم يُحكم التفسير الظاهر كمن ادّعي البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب)(10).

فإحكام البنية السطحية للنص القرآني مدخل محوري لاستكناه حقائقه ومكنوناته؛ وهي مرحلة أولية في كل ممارسة تأويلية وأسلوبية؛ بيد أن الوقوف عند الإطار الظاهري للنص دون الولوج في تخومه ومضايقه قد يفضي إلى القراءة الحرفية الجاهزة التي تخنق مسالكه وتحيله إلى جثة هامدة فاقدة لنبض الحياة. وأعتقد أن ثراء النص القرآني وكثافة مادته الدلالية واتساع مجاله اللفظي، لا تسمح بمثل هذا الضرب من القراءة التي يسميها بعض المحدثين باللاقراءة؛ ومن خصائصها الجوهرية أن النص (تنصيص على المراد، والمعني صريح، والقول محكم، والقصد جلي)(11).

ومن هذا الطريق ثبت أن القراءة الحرفية للنص القرآني هي قراءة لا تستجيب للانعتاق والتمرد على الظاهر الذي يكفل استقامة النص، وإصابة جادته. وأغلب الظن أن حرص القدماء على التحوط من العدول عن الظاهر إلى الباطن دون الاستئناس بالبنية السطحية له ما يسوغه؛ ذلك أن (هذا الموقف أمام النصوص الدينية يوحي بانطباع عن هذه الفترة يتمثل في شدة التحرج الديني عند السلف احتراماً وتقديساً للنص القرآني مما جعلهم لا يقولون بالرأي، فربما يعرض الرأي إلى القول بالهوى، فقد كان النص الديني في تلك الفترة محوطاً بسياج يقفون دونه تورعاً وحيطة)(12).

وجامع القول: إنّ مسلك الانضباط النصي في التفسير التراثيّ عند الظاهريين كان يعكس حرص القدماء على الولوج في لجج التأويلات التي تستند إلى تكلفات باردة وتعسفات جامدة؛ وذلك مع التحوط والاحتراز. إلا أن بعض المفسرين قد استثمروا أيضاً الترجيح المعتمد على الاستدلال؛ فالقول بأن أصحاب التفسير بالمأثور كانوا على درجة واحدة من التمسك بظاهر العبارة القرآنية قول فيه تبسيط شديد يأباه الإنصاف، ويجحده العقل؛ ذلك أن العلماء قد اختلفوا في المقدار الذي بيّنه النبي محمد – عليه السلام- لأصحابه من المعاني اللغوية ومُشكل القرآن وغريبه؛ فلقد تفاوت الصحابة – رضي الله عنهم – في القوة الاستيعابية للنص القرآني؛ نتيجة لاختلاف المدارك والمفهوم؛ وهذا ما أشار إليه أحد المعاصرين بقوله: (منهم من كانت عبقريته في الرواية، ومنهم من كانت عبقريته في الدراية، ومنهم من كانت عبقريته في الأمرين معاً)(13).

غير أن محمد أركون أحد أقطاب القراءة الحداثية للقرآن الكريم يرى أن الفرق بين المفسر القديم والمؤرخ الفيلولوجي المعاصر أن الأول يحرص على توضيح المعاني حسب نظرية خاصة في العلاقات بين اللغة والفكر، تلك النظرية التي تقول إن ألفاظ اللغة لها مدلول خاص، معروف ومتداول لدي الناطقين بهذه اللغة ويدركه كل من يستعمل هذه اللغة إدراكًا عفويًا، بينما النظرية الحديثة للعلاقات بين اللغة والفكر تقول بأن اللغة منظومة من العلامات الصوتية وكل علامة تشير إلى صورة ذهنية قبل أن تشير إلى الشيء(14).

ولعل المستقرئ لجهود فقهاء العربية، كابن جني وابن فارس والثعالبي والجرجاني والجواليقي وغيرهم يدلل على تهافت هذا الرأي؛ ذلك أن بعض مباحث فقه اللغة التي اكتشفها ابن جني مثلاً لا تبعد كثيراً عن مبادئ دي سوسير التي أقرها محمد أركون؛ وفي هذا السياق يشير أحد المعاصرين قائلاً: (الجرجاني درس علاقات النَّظم دراسة ما زلت مقتنعاً بأنني لم أجد ما يضطرنّي إلى تعديلها – حتي جزئياً – في الدراسات الغربية)(15).

فالقول بأن المترجم المعاصر مقيد بقواعد علم الفيلولوجيا، والمفسر القديم يعتمد على ما يمكن تسميته (منطق الإيمان) قصد التوفيق والتعديل لإبراز إعجاز القرآن؛ وأنه لا يعتني بتاريخ المعجم العربي للبحث عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي يعتمد عليه الخطاب القرآني(16)؛ قول ظاهر الفساد، واضح البطلان، ويشهد على فساده وتهافته هذه الموسوعة اللغوية والتفسيرية التي أنجزها القدماء؛ ويكفي دليلاً على ذلك أصالة مباحث أسباب النزول وعلم المناسبة وغيرهما.

 

ثانياً: مسلك الانفلات الدلالى في قراءة النص القرآني:

لا مرية في أن النظر الحصيف في تاريخ الصراع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي يهدي إلى القول بإيجاد ما يشفع……

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر