كلمة التحرير

الاجتهاد والتجديد بين التيار التقليدي والتيار الحداثي

كلمة التحرير

تُعدّ إشكالية التجديد في المجال المعرفي الديني من الإشكاليات الحاكمة التي تتطلب قدرًا عاليًا من التأمل والاجتهاد، بما يتيح تقييم الأطروحات المتداولة في هذا الحقل، والتمييز بين ما يمثل إضافة معرفية حقيقية، وبين ما لا يتجاوز كونه إعادة إنتاجٍ لأفكار سابقة من جهة، أو محاولات تجديدٍ منقطعة عن سياقها المعرفي والتاريخي، بما يجعلها غير ذات اعتبار في مسار التراكم المعرفي الديني من جهة أخرى.

هذا ومن الضروري، في هذا السياق، التأكيد على مسلّمة أساسية مفادها أن غياب التجديد يفضي بالفكر والمعرفة إلى مسار من الجمود والتراجع في المجال العلمي والحضاري. فلا خلاف على أن التجديد يُعدّ ضرورة معرفية لازمة لنشوء الحضارات واستمرارها، بوصفه قانونًا ناظمًا وسنّةً مستمرة في تطور المعارف الإنسانية.

غير أنّ موضع الخلاف الحقيقي لا يتمثل في مبدأ التجديد ذاته، بقدر ما يتمحور حول مناهج التجديد ومقوماتها المقبولة ضمن النسق المعرفي الإسلامي. وفي هذا السياق، يمكن القول إن ثمة ثلاثة مناهج سائدة في الخطاب التجديدي المعاصر، تعكس في مجملها مأزقًا معرفيًا يحول دون إحداث نقلة نوعية ذات أثر إيجابي في مسار المعرفة الإسلامية.

يتمثل المنهج الأول في النظر إلى التجديد بوصفه استلهامًا كاملًا للنموذج المعرفي الغربي، بما يتضمنه من مناهج ومقاربات، ولا سيما تلك المرتبطة بالهرمنيوطيقا الحديثة (نظرية التأويل). غير أن هذا المسلك يفضي، في كثير من الأحيان، إلى شكل من أشكال التبعية الفكرية للغرب تحت شعار «التجديد والمعاصرة»، حيث يجري استيراد المناهج، الصالح منها وغير الصالح، دون جهد حقيقي لتأسيس مناهج نابعة من السياق المعرفي الإسلامي ذاته أو لتطوير أدوات تحليلية مستقلة.

أما المنهج الثاني، فيتمثل في اختزال التجديد في إعادة إحياء المنتج المعرفي التراثي، عبر نفض الغبار عنه ومحاولة إعادته إلى صورته الأولى، من خلال تقوية ما ضعف منه وترميم ما اندثر. ووفق هذا التصور، لا يتجاوز التجديد كونه إعادة إنتاجٍ للماضي في قالبٍ لغوي أو خطابي جديد، وذلك باسم «التجديد والأصالة»، دون مساءلة نقدية حقيقية للشروط التاريخية والمعرفية التي أنتج فيها ذلك التراث.

في حين يقوم المنهج الثالث على محاولة الجمع بين عناصر مختارة من التراث وأخرى من الحداثة، دون إخضاع أيٍّ منهما لتحليل تاريخي أو نقد معرفي جاد، بما ينتهي إلى نوع من التلفيق المعرفي، الذي لا يرقى في حقيقته إلى مستوى التجديد، ولا يسهم في بناء مشروع معرفي متماسك.

ويجدر هنا تقرير حقيقة أساسية، مفادها أن التجديد في أي حقل معرفي يرتكز، بصورة واعية أو غير واعية، على نظام فكري ونسق ثقافي، يتشكل من شبكة مترابطة من الأفكار والقيم والتصورات والرموز، التي تؤدي دور المرجعية المؤسسة، وتوفر المفاتيح المعرفية اللازمة لأي فعل تجديدي. ومن ثم، لا يمكن تصور تجديد معرفي حقيقي بمعزل عن مرجعية فكرية محددة تشكّل أفق الباحث التأويلي وإطاره المنهجي.

ومن هذا المنطلق يمكن تقييم الأنماط الثلاثة السابقة من الإنتاج التجديدي. فالنمط الأول، الذي يرفع شعار «التجديد والمعاصرة»، يستبطن – شعوريًا أو لاشعوريًا – النسق المعرفي الغربي بوصفه إطارًا مرجعيًا للاجتهاد. ولذلك يدعو إلى تغيير «آلة الاجتهاد»، واستبدالها بمناهج منبثقة من الرؤية الكلية الغربية، انطلاقًا من قناعة مفادها أنه لا يمكن تحقيق تجديد أو ابتكار منهجي حقيقي ما لم تُخضع المفاهيم الدينية المؤسسة نفسها للمراجعة. ووفق هذا التصور، ينبغي أن يتحرر الاجتهاد والتجديد تحررًا كاملًا من المسلّمات العقدية، حتى يتمكنا من إنتاج فكرٍ متطور ومجدَّد، قادر على التفاعل مع المرحلة الزمنية التي يعبّر عنها. ويعبّر محمد شحرور عن هذا التوجه بقوله: «ضرورة إحداث خروقات حقيقية في بنية هذا العقل… والمقصود هنا الاشتغال على تلك المفاهيم المؤسسة لوعي العقل الإسلامي ببنيته الذاتية» (القصص القرآني، ص 27).

أما التيار الثاني، المتبنّي لفكرة إعادة إنتاج الموروث المعرفي ونفض الغبار عنه تحت شعار «التجديد والأصالة»، فإنه يستبطن نسقًا فكريًا محافظًا، يختزل التجديد في جهد تجميعي يهدف إلى استيعاب الرصيد المعرفي الموروث، دون إخضاعه لعمل تقويمي أو نقدي حقيقي. فهو ينظر إلى التراث بوصفه مكتملًا ومكتفيًا بذاته، باعتباره يوفر للفرد والمجتمع مجمل الأدوات اللازمة للحياة. ونتيجة لذلك، يتمسّك أنصار هذا الاتجاه بمفاهيم ومناهج وأساليب معرفية ثابتة ومتوارثة، فتأتي إسهاماتهم منغلقة على ذاتها، تتسم بالتكرار وإعادة إنتاج القديم، أكثر من سعيها إلى الإضافة أو الابتكار. وينطلق هذا الموقف في الغالب من ذهنية دفاعية ترى في هوية المسلم كيانًا مهددًا بالضياع أو التشتت في مواجهة التحولات المعاصرة. وعلى الرغم من انطلاق هذا التيار من النسق المعرفي الإسلامي، فإنه لا يمكن وصفه بالتيار التجديدي، لغياب الإضافة سواء على مستوى تطوير مناهج البحث، أو على مستوى قراءة الواقع وتحليل تحوّلاته، الأمر الذي ينعكس في محدودية قدرته على إنتاج معرفة معاصرة متجددة.

أما التيار الثالث، القائم على التوفيق والمواءمة بين الموروث والحديث، فيفتقر إلى منهج نقدي تجاه كلا النسقين، كما يفتقر إلى مشروع تجديدي حقيقي. إذ ينطلق هذا التيار أساسًا من النسق المعرفي التراثي، غير أنه يفعل ذلك بطريقة تفتقر إلى العمق المنهجي، في محاولة للحاق بخطاب التجديد عبر الاستعانة بشذرات منتقاة من المناهج الغربية، تُوظَّف غالبًا على نحو شكلي لإضفاء مسحة حداثية، دون أن يفضي ذلك إلى تحول حقيقي في البنية المنهجية أو في آليات إنتاج المعرفة.

أما المنهج التجديدي كما نتصوره، فيقوم على الانطلاق من مبادئ ومسلمات النموذج المعرفي الإسلامي، مع الاستفادة في الوقت ذاته من منظومة المناهج المعاصرة، على نحو يستوعب العقل التقليدي، ويفضي إلى إنتاج معرفي معاصر ومبدع، يحترم مسلماته العقدية الأساسية ورؤيته الكلية للعالم والإنسان والمعرفة. ولا ينظر هذا التصور إلى الالتزام بهذه المسلمات أو إلى الحفاظ على الرؤية الكلية بوصفهما عائقًا أمام التجديد، بل يعدّهما شرطًا إبستمولوجيًا لازمًا لأي إبداع معرفي أصيل غير منبتّ عن سياقه الحضاري.

ويستند هذا الفهم للتجديد إلى فكرة منهجية محورية أسس لها منذ عقود المفكر والفيلسوف الدكتور عبد الوهاب المسيري – رحمه الله – ضمن ما عُرف بـ «إشكالية التحيّز»، التي تؤكد أن كل إنتاج معرفي ينطلق بالضرورة من مرجعية حضارية ورؤية كلية كامنة، وأن الوعي بهذه التحيزات وتحليلها نقديًا شرط أساسي لبناء معرفة واعية بذاتها وقادرة على الإبداع، لا مجرد استنساخ نماذج معرفية وافدة([1]).

هذا وتتضمن «إشكالية التحيّز» وجود منظومة من القيم والأفكار الكامنة، غير المصرّح بها في الغالب، داخل النماذج المعرفية والوسائل والمناهج البحثية التي توجّه فعل الباحث وتؤطر رؤيته. هذه القيم المضمَرة ليست حكرًا على نموذج معرفي بعينه، بل هي حاضرة في مختلف النماذج والمناهج، سواء كانت غربية أو شرقية، إسلامية أو علمانية. وقد انطلق الدكتور عبد الوهاب المسيري في مشروعه الفكري من محاولة الكشف عن بعض التحيزات الغربية المتغلغلة في مصطلحاتنا، ومناهجنا، وأدواتنا البحثية، وقيمنا المعرفية، انطلاقًا من إدراكه أن النموذج المعرفي الغربي يشكّل الإطار المهيمن على معظم معارفنا وعلومنا المعاصرة، بوصفه النموذج المسيطر حضاريًا.

ويتبدّى هذا الحضور المهيمن للنموذج الغربي في مصطلحات العلوم الحديثة، ومسلماتها، ومنطلقاتها النظرية، ومناهجها، بل وفي تفاصيلها الإجرائية الدقيقة. ومن ثمّ فقد اقترح المسيري ضرورة تفكيك هذه التحيزات المعرفية الغربية، والعمل على استبدالها بمصطلحات ومناهج وأدوات وقيم معرفية منبثقة من النموذج المعرفي الإسلامي، وأكثر التصاقًا برؤيته الكلية للإنسان والعالم والمعرفة.

ويذهب المسيري إلى أن بساطة النموذج المعرفي العقلاني الغربي، إلى جانب جاذبيته العملية، قد أسهمتا في جعل «اللحاق بالغرب» جوهرًا مشتركًا لمجمل المشروعات المعرفية ومشروعات النهضة في العالمين العربي والإسلامي. بل إن بعض التيارات الفكرية التي تسعى – ظاهريًا- إلى استلهام النموذج الإسلامي أو العربي (مثل بعض اتجاهات القومية العربية) في نقد النموذج الغربي ومراجعة مسلّماته، لا تخرج – في نظره- عن كونها محاولات لإعادة صياغة الهوية من الداخل على أسس غربية، مع الإبقاء على قشرة خارجية عربية أو إسلامية. وفي جميع هذه الحالات، يظل الهدف الضمني هو «اللحاق بالغرب في تقدّمه»، وفق التعريف الغربي ذاته لمفهوم التقدم ومعاييره.

هذا الطرح صاغه المسيري ضمن ما سماه إشكالية التحيز، عرض له الأستاذ محمود شاكر في سياق حديثه عن عقبات “ما قبل المنهج”، إذ نفى على نحوٍ قاطع إمكانَ وجود منهجٍ محايد، ونبه إلى الأبعاد المتصلة بالذات الإنسانية، وباللغة، وبالمعتقد، وبالرؤية الكليّة للكون والحياة الإنسانية، فضلًا عن الثقافة. وتمثّل هذه الأبعاد مجتمعةً الإطارَ الذي تتشكّل داخله رؤيةُ الباحث في سعيه إلى التجديد المعرفي، وتحدّد زاويتَه في النظر والتحليل والتفكير. وانطلاقًا من ذلك، يرى شاكر أنّ التجديد حركةٌ دائبة في داخل ثقافةٍ متكاملة، ترتبط باللغة والمعتقد والرؤية الكلية للكون والحياة الإنسانية. وهذه الأبعاد تشكل رؤية الباحث في سعيه للتجديد المعرفي وتحدد زاويته في النظر والتحليل والتفكير([2]).

إن التجديد في المجال الديني لا يتصور أن يتحقق من دون رؤيةٍ كليّة تنسب هذا الجهدَ التجديدي إلى الأصل المعرفي الخاص به، بما يسمح بتطويره ودفعه إلى الأمام من داخل سياقه. ومن ثمّ لا ينبغي في المجدّد ضمن النسق المعرفي الإسلامي أن يستشعر حرجًا في الإعلان عن انطلاقه من ثوابت النموذج المعرفي الإسلامي ورؤيته الكلّية، وهي ثوابت مستمدّة من النصّ المؤسِّس، القرآن الكريم، بما له من قدسيّة وتفرّد. فكلّ تجديد معرفي في هذا المجال لا بدّ أن يستحضر على الدوام هذا المركز الذي ينطلق منه، بوصفه المعين الخصب، الذي لابد وأن يجد فيه المجدّد – أيًّا كان تخصّصه- ضالّتَه المعرفية.

وانطلاقًا من هذه المركزيّة للنصّ المقدّس، يغدو من الممكن إعادةُ النظر، في كلّ زمانٍ ومكان، في المنهجيّات المستخدمة في التجديد المعرفي، بل وإبداعُ مناهج بحث جديدة تستجيب لطبيعة إشكالات كلّ عصر. ويستتبع ذلك بالضرورة مراجعةَ كثيرٍ من التصوّرات والأفكار التي اكتسبت، مع امتداد الزمن، مسحةً من القداسة لا تستحقّها. وهو ما يعني فكَّ الحجر المعرفي عن انطلاق العقل البشري في مسيرة التجديد، مع التأكيد في الوقت نفسه على الالتزام المنهجي بإطار الرؤية الكليّة الإسلامية.

وعليه، فإنّ التجديد المطلوب في المجال المعرفي الإسلامي لا يصح ان يوصف بأنه «اجتهاد في ظلّ الموروث يفرغه في حقيقته من مضمونه التجديدي»([3])، كما يذهب بعض مفكّري التيار الحداثي، بل هو اجتهادٌ يتأسّس على رؤيةٍ كليّة متميّزة عن سواها من الرؤى الكليّة، ولا يستقيم الاجتهاد الإبداعي إلا في إطارها، بوصفه اجتهادًا منضبطًا داخل النموذج المعرفي الإسلامي، لا داخل النموذج الغربي أو العلماني. ويُعدّ هذا التأسيس أمرًا مطلوبا ومألوفًا في تجارب الفكر التجديدي عموما وتجارب التجديد في الفكر الغربي ذاته، والتي انطلقت – في مختلف أطوارها- من مسلّماتها الخاصة وأطرها المنهجية المميّزة.

علم التفسير بين التيار التقليدي والتيار الحداثي:

القرآن الكريم نصّ ثابت في دلالته من حيث تعبيره عن المراد الإلهي، أما المنتج المعرفي البشري المتولّد عن محاولات فهمه وتأويله فهو منتج متغير. ذلك أنّ المجتهدين في قراءة هذا النص انطلقوا ومازالوا ينطلقون من مفاهيم وخبرات متفاوتة، ويتأثّر وعيهم بسياقات المكان والزمان، وبالفضاءات الفكرية والثقافية التي تُشكّل أفق إدراكهم. وكلّما اتّسعت مداركهم، وتراكمت معارفهم، ونجحوا في تجاوز حدود خبراتهم الظرفية، ازداد اقترابهم من المعاني الكلّية والحقائق المعجزة المبثوثة في هذا النص الإلهي. وعلى هذا الأساس، يظلّ القرآن الكريم نصًّا مفتوحًا على تطوّر الوعي لدى الأجيال المتعاقبة، وعلى تحوّل دوائر الاهتمام وتصاعدها من جيلٍ إلى آخر؛ فيغترف كلّ جيلٍ منه ما يتيسّر له من مستويات الفهم والكشف، ويترك للأجيال اللاحقة وجوهًا أخرى للمعنى وإضاءاتٍ متجدّدة. وهذه القابلية المتجددة هي أحد أسباب كون القرآن الكريم معجزة خالدة إلى يوم الدين.

هذا ولم تنقطع العناية بتفسير القرآن الكريم ودراسته منذ نزوله على الرسول الكريم r، بل ظلّ المنتج التفسيري للنصّ القرآني متدفقًا عبر العصور، محافظًا على كثافته، وإن تنوّعت مناهجه وتعدّدت مدارسه واتجاهاته. كما اختلفت أنماط هذا التناول من حيث بنيته المنهجية؛ فمنه ما اتّخذ صورة التفسير الأفقي، الذي يعالج الآيات الكريمة وفق ترتيب السور والآيات، ومنه ما اتّجه إلى الدراسة التحليلية الموضوعية، عبر تجميع الآيات المتعلّقة بقضايا بعينها وبحثها في سياق واحد.

ويكشف الإنتاج المعرفي الغزير، الذي يتّخذ من النصّ القرآني مركزًا له، عن امتداده عبر مختلف التيارات الفكرية، بما فيها غير العربية، بما يؤكّد محوريّة القرآن الكريم في المنظومة الفكرية والثقافية العربية الإسلامية، وذلك على الرغم من التحوّلات العميقة التي عرفتها المجتمعات الحديثة في علاقتها بالمقدّس. وتستتبع هذه الأهميّة المحوريّة ضرورةَ أن يسعى العلماء المهتمون بهذا العلم المفتاحي، علم التفسير، إلى تطوير مناهجهم وتجديد أدواتهم، والتنظير لمداخل معرفيّة جديدة في تناول النصّ المقدّس، بما يتيح استكشاف إمكاناته الدلاليّة، واستخراج كنوزه المعرفيّة، واستثمار عطاءاته المتجدّدة.

ولا يعني هذا، بحالٍ من الأحوال، الاستغناء عن التراكم المعرفي في مجال علم التفسير؛ أو الانفصالَ عن التفاسير التراثية التي لا غنى عنها لفهم الدقائق الدلالية للألفاظ، والخصائص البلاغية، والبنى النحوية التي يقوم عليها هذا النصّ المقدّس. فهذا الإرث العلمي المتراكم عبر قرونٍ طويلة ينطوي على جهودٍ معرفية كبرى، يستحيل تجاوزها أو إزاحتها، كما لا يعقل الشروع في تجارب تفسيرية جديدة من نقطة الصفر، ومن غير الإفادة الواعية مما أنجزه السابقون.

وقد أدرك بعض العلماء القدامى، مثل السيوطي، هذا الاحتياج الملح إلى التفسير التقليدي، فرأى أنّه: “لا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر، بل لابد منه أولًا، إذ لا يُؤمل الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر. ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يُحكِم التفسير الظاهر، كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب”([4]).

ورغم المحورية التي تحظى بها هذه التفاسير، يرى بعض الباحثين والنقاد أنّها تعاني من عدة إشكالات:

أولاً: من حيث المضمون، يشير هؤلاء إلى أنّ الكثير منها يزخر بالإسرائيليات، فضلاً عن احتواء العديد منها على مفاهيم تجاوزها التطور العلمي الحديث.

ثانيًا: من حيث اللغة، يلاحظ النقاد أنّها بعيدة عن لغة العصر، إذ تحمل آثار المراحل التاريخية التي ألفت فيها، مما يصعّب التفاعل معها على القارئ والباحث المعاصر ويحدّ من قدرته على الانسجام معها والانفعال بها.

ثالثًا: من حيث المنهج، يؤكد هؤلاء أنّ التركيز على اللفظ ومعانيه المباشرة يحدّ من قدرة التفاسير التقليدية على الكشف عن المراد الأعمق للآيات، واستيعاب كثافة العلاقات بين المعاني وديناميكيتها. ومن هنا، يرى بعض النقاد أنّ هذه المناهج التقليدية لا تُشبِع نهم العقلية المعاصرة المطلعة على النتاج المعرفي العالمي، ولا توفر ناتجًا معرفيًا يواكب متطلبات العصر.

ومن ثمّ، قد يكون على المفسّرين المعاصرين استئناف النظر في النص المقدس، بصياغة رؤى ومناهج ومداخل جديدة تستأنف على ما أنتجه التراث التفسيري الضخم، مع الأخذ بعين الاعتبار استخدام لغة معاصرة يسهل على المسلم اليوم أن يألفها ويتفاعل معها. فالتجديد هنا ليس رفضًا للموروث، بل استكمال له بما يحقق فهمًا أعمق وأدق للنصّ في ضوء متطلبات العصر.

غير أنّ نقطة الانطلاق عند السعي لاستئناف الكشوف الدلالية للآيات القرآنية يجب أن تتمثل في الإقرار والتسليم بقدسية القرآن الكريم كنص إلهي، وما يترتب على ذلك من احترام المرتكزات المعرفية الحاكمة في التعامل معه. إذ إن أي محاولة لنزع القدسية عن النص الإلهي، أو معاملته كنص بشري عادي ـ بحجة تحرير الباحث من القيود لإطلاق طاقات الإبداع ـ تنطوي على خطر منهجي يؤدي بالعملية التأويلية إلى الانحراف عن مقاصدها الأصلية. وبدل أن تسفر عن تراكم معرفي معتبر في مجال تفسير القرآن، قد تتحول إلى محاولات عبثية تفتقر إلى الانضباط المنهجي وتفقد قيمتها العلمية والمعرفية. ويمكن، في هذا المقام، الإشارة إلى بعض المرتكزات المعرفية الجوهرية التي يقوم عليها تفسير القرآن الكريم:

أولاً: شمولية النص القرآني وصلاحيته لكل زمان ومكان.

تعكس هذه الخاصية قدرة القرآن على الاستمرار في التدفق الدلالي عبر الأجيال، وعلى استيعاب القراءات المتجددة (المنضبطة)، بما يتيح للمفسّر المعاصر تفسيرًا واعيًا ومتجددًا دون إخلال بالمعنى الأصلي للنص.

ثانيًا: التفوّق اللغوي والأدبي للقرآن الكريم. فالقرآن بلغ في لغته أرقى درجات الكمال التعبيري، وبتركيبته الفريدة وبلاغته الخاصة، ما يفتح المجال أمام الباحثين لتطوير مناهج متطورة ومبدعة، تسعى لفك شفرة النص والتعامل مع أبعاده الدلالية العميقة.

ثالثًا: قصص القرآن الكريم روايات تاريخية ذات حمولة تربوية وتعليمية. فهذه القصص لا تقتصر على تقديم العبرة والعظة، بل تتضمن أبعادًا تاريخية دقيقة، حول الشخصيات والتفاصيل والوقائع، مع مراعاة البعد الفني والجمالي في العرض، مما يتيح فهمًا متكاملًا للرسائل المتضمنة فيها.

رابعًا: ثبات آيات الأحكام وحجيتها. فهذه الآيات تشكل نواة المرجعية الشرعية، ولا يجوز المساس بثباتها أو حجيتها، إذ تمثل أساسًا لا محيد عنه في استنباط الأحكام والمعايير العملية، وتحدد إطار التعامل الاجتهادي في مجال الفقه والتفسير.

منهجية الاقتراب التأويلي لقرآن الكريم:

بالاستقراء والتأمل، يتجلّى تطابق واضح بين مناهج الاجتهاد في فهم القرآن الكريم وتفسيره، وبين مناهج استكشاف حقائق وقوانين الكون وتفسيرها. فكلا المنهجين يقوم على فرضية مركزية: فالقرآن الكريم، بوصفه “كتاب الله المسطور”، والكون، بوصفه “كتاب الله المنظور”، يشكلان العنصر الثابت والمستقل في البحث، في حين يمثل الاجتهاد في فهمهما، وما ينتج عن ذلك من معرفة نظرية أو تكنولوجية، العنصر التابع المتغير.

ومن ثم، فإن القراءة في هذين المجالين تشترك في منهج ومقصد واحدين. فالقراءة في الكون المنظور تهدف إلى الوصول إلى النظريات العلمية الحاكمة فيه، واستجلاء مكامن الإعجاز والإبداع في خلق الله تعالى، وفك أسرار هذا الكون وأسرار الإنسان المستخلف فيه. ويجري ذلك من خلال ابتكار الأجهزة والآلات، واستنباط النظريات العلمية، والوصول إلى مناهج قادرة على تفسير ظواهر هذا الكون المخلوق والمسخر للإنسان. وقد ظلّ البشر منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة في سعي مستمر لاكتشاف أسرار الكون وخلقه، بعيدًا عن العبث بقوانين وجوده وتنظيمه الإلهي.

وبالمثل، تهدف القراءة في “كتاب الله الموحى به” إلى إدراك إعجازه وهديه، واستكشاف الكنوز والأسرار الكامنة في معانيه ودلالاته ولغته وبلاغته وعلومه وغيرها. فالقرآن الكريم، بما يحتويه من أسرار وإعجاز متجدد، يجعل مهمة الوصول إلى هذه المعاني تحديًا معرفيًا كبيرًا، يتطلب ابتكار مناهج جديدة ووسائل مبدعة. ويتوازى هذا الجهد مع استكشاف أسرار خلق الكون والإنسان، فكلاهما يحتاج إلى اجتهاد علمي منهجي وإبداع معرفي.

إنّ الاجتهاد في فهم القرآن الكريم، يتطلب منهجية دقيقة توازن بين الانطلاق الفكري والالتزام بالمرتكزات المعرفية للنصّ المقدس. فالقرآن، بما هو نص إلهي ثابت ومرجعية مركزية للمعرفة والقيم، يفرض احترام بنيته اللغوية والدلالية واعتبار إعجازه وهديه وأبعاده المعرفية في كل قراءة أو تفسير. ومن هذا المنطلق، تصبح الحاجة ماسة إلى دراسة القراءات الحداثية للقرآن الكريم بعين ناقدة، مع الإقرار بما تضيفه من آفاق وتجديد، مع التحذير من جنوح بعض هذه القراءات إلى التعامل مع النصّ وفق منظورات تبتعد عن المرتكزات المعرفية الأساسية، بما قد يؤدي إلى تحويل عملية التجديد إلى نشاط معرفي قاصر يفتقر إلى العمق والرؤية المتكاملة للنص.

* * *

([1]) عبد الوهاب المسيري (تحرير)، إشكالية التحيز. رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1998.

([2]) محمود محمد شاكر (1987). رسالة في الطريق إلى ثقافتنا. القاهرة: مطبعة المدني. ص. 158.

([3]) محمد شحرور (2010). القصص القرآني: قراءة معاصرة. ج. 1. بيروت: دار الساقي. ص ص. 19- 20.

([4]) السيوطي (2008) الإتقان في علوم القرآن. ج. 2 ص. 523.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر