المدرسة الفكرية المعاصرة في تفسير القرآن الكريم – محمد أبو القاسم حاج نموذجاً
The Contemporary School in Qur’anic Hermeneutics: Abu al-Qasim Haj Hamad as a Case Study
المقدمة:
لقد أجمع علماء التفسير منذ القديم – فيما نقله الزركشي- على شروط كثيرة لابد من مراعاتها عند تفسير القرآن أجملوها في أربعة شروط هي:
1- الأخذ بما صح عن النبي r، من أحاديث في التفسير.
2- الأخذ بقول الصحابي، وخاصة فيما لا مجال للاجتهاد فيه، كالأمور الغيبية والناسخ والمنسوخ.
3- الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى غير معناها الحقيقي، أو إلى غير مرادها.
4- الأخذ بما يقتضيه الكلام ويدل عليه قانون الشرع([1]).
واستمر العمل بهذا المنهج كحد يُعرف به الرأي الممدوح من الرأي المذموم إلى أواخر القرن الماضي، حيث سادت العالم مناهج جديدة. ومع مرور الزمن وتغلغل هذه المناهج وتمكنها من عقول بعض المفكرين داخل العالم الإسلامي، ظهرت مدرسة فكرية حديثة([2]) تدعو إلى تجديد فهم القرآن فهمًا عصريًّا، متُبنية في ذلك ما توصل إليه العقل البشري من مناهج وعلوم – وخاصة الغربية- على رأسها علم الألسنية الحديثة وغيره. وكان من أهم آراء المدرسة الفكرية الحديثة الدعوة صراحة إلى تجاوز كل الأدوات المنهجية التراثية؛ لأنها – حسب رأيها- تمثل فترة زمنية معينة، ثم تبنيها الأدوات المنهجية المعاصرة، مثل المنهج التاريخي والمنهج البنيوي والمنهج الجدلي وغيرها. وكان من أهم مقولاتها أن «القرآن معادل موضوعي للوجود الكوني وحركته»([3]) وأنه ذو بنية أسطورية متعالية([4])، وأن المصحف الذي بين أيدينا، أو ما أسماه محمد أركون «بالصحيفة المغلقة» هو نتاج ظروف سياسية وتاريخية معينة، وأنه لا يمثل القرآن الحقيقي، ودعوتها صراحة إلى إعادة النظر في تاريخ المصحف وفق المنهج التاريخي([5])، وغير هذا من الآراء التى تستوقف الباحث وتدعوه إلى التأمل والبحث وإعطاء الرأي المناسب فيها وفق ما تقتضيه شروط البحث العلمي.
لذا أخذت على نفسي البحث في هذا الموضوع المثير، واخترت لذلك نموذجًا من أبرز نماذج هذا الاتجاه وهو أبو القاسم حاج حمد الذي صدرت له عدة كتابات في منهجية القرآن من أهمها: كتاب العالمية الإسلامية الثانية، وكتاب منهجية القرآن المعرفية.
ولقد تعرض الكاتب في هذين الكتابين إلى قضايا منهجية عديدة في فهم القرآن، وذلك من خلال ما دعا إليه من:
1- تجاوز التفسير التراثي للقرآن من مناهج وأدوات تحليلية بحجة أنها تمثل فترة زمنية معينة أطلق عليها اسم العالمية الإسلامية الأولى.
2- الأخذ بمحددات منهجية جديدة تلائم الفترة الزمنية الحالية، العالمية الإسلامية الثانية.
إشكالية البحث:
إلى أي حد يمكن لنا أن نعتبر محاولة أبي القاسم حاج حمد محاولة تجديدية أصيلة – بمعنى أنها محاولة تجديدية من الداخل وليست من الخارج – وإلى أي مدى قد أسعفه منهجه المقترح في تجاوز القراءات الأخرى التى يعتبرها الكاتب دلالة واضحة وتعبيرًا عن روح ومصداقية العالمية الإسلامية الثانية؟
أهمية البحث:
تكمن أهمية البحث في النقاط الآتية:
1- رغم أن الأفكار التي طرحها الكاتب تعد غريبة إذا ما قارناها بما تعارفت عليه الأمة فقد لقيت هذه الأفكار بعض الرواج داخل الساحة الفكرية الإسلامية، ولا أدل على ذلك من قيام المعهد العالمي للفكر الإسلامي بطبع كتاب منهجية القرآن المعرفية، وعقد ندوة له في القاهرة سنة 1992م بمشاركة عدد كبير من المفكرين.
2- أن هناك أزمة منهجية حقيقية في الفكر الإسلامي، وأن المناهج القديمة بما هي عليه الآن غير قادرة على إنشاء الحلول المناسبة لما يواجه الأمة من مشكلات، فما زال فكرنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره يعاني نقصًا شديدًا بل غيابًا كليًّا في كثير من المجالات.
3- أنه رغم غرابة الأفكار – كما سبق ذكره- وتبرم بعض المحافظين وتحفظهم منها إلا أنني ممن يؤمن إيمانًا عميقًا بأن طريقة التحفظ والتشكيك في كل جديد مخالف هي طريقة غير سليمة وغير موافقة لروح شرعنا الحنيف. فكم من آية كريمة تعرض آراء المخالفين وحججهم بأسلوب قد يعجز عنه أصحابها أنفسهم، ثم تعالجها معالجة علمية، فتُبقي على ما هو حق وصواب، وتسقط ما هو باطل وخطأ. لذا كان البحث والنظر في مثل هذه الكتابات ذا أهمية بالغة في تلاقح الفكر الإسلامي قديمه وحديثه وتحصينه الحصانة العلمية الهادفة وتهيئته لحمل الأمانة والاستجابة الكاملة للتحديات المفروضة عليه داخليًّا وخارجيًّا.
ولعل من أهم المسائل التى طرحها الكاتب مسألة ……………….
([1]) الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله الرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (بيروت: دارالمعرفة للطباعة والنشر، ط2)، م2، ص156 -161.
([2]) أعني بالمدرسة الفكرية الحديثة تلك المدرسة التي تبنى رجالاتها مقولات منهجية حديثة وحاولت تطبيقها في فهم القرآن الكريم متجاوزة الأدوات التفسيرية المعهودة، ومن أبرز رجالاتها محمد أبو القاسم حاج حمد، ومحمد شحرور، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد.
([3]) الحاج حمد، محمد أبو القاسم، العالمية الإسلامية الثانية (بيروت: دار حزم للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1996)، م1، ص31.
([4]) أركون، محمد، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ترجمة: هاشم صالح (بيروت: مركز الإنماء القومي، والمغرب: المركز الثقافي العربي، ط2، 1996) ص130.
([5]) أركون محمد، العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب، ترجمة: هاشم صالح (لندن: دار الساقي، ط1، 1990)، ص46 -47 و80- 82، وانظر: أركون، المرجع السابق، ص174.



