أبحاث

الحجاب والقرار

The Hijab and “Staying-at-home”

تموضعت المرأة تاريخيًا ولقرون طويلة في أغلب مناطق العالم داخل المجال الخاص ممثلاً في المنزل، بينما مثَّل خروجها – الجماعي- للمجال العام خاصة العمل والتعليم والنشاط السياسي… إلخ، وما ارتبط بذلك من حقوق أهمها حقوق المواطنة والأهلية السياسية والقانونية الكاملة مكتسبًا من نتاج الثورات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية التي هبت رياحها العاتية على العالم المعاصر منذ نحو ثلاثة قرون ولا تزال تعصف به.

يشير المجال العام كظاهرة قديمة/ حديثة، وكصك مفاهيمي مستحدث ببساطة إلى اجتماع أناس لا يعرف بعضهم بعضًا (ولا تربطهم صلات دم أو معرفة مسبقة) حول قضية أو موضوع اهتمام واحد([1])، وهذا الاجتماع قد يكون ماديًا أو اتصاليًا، لذلك يعرفه البعض بدرجة أكثر تبسيطًا بأنه الفضاء المجرد الذي يناقش فيه المواطنون ويتحاورون حول القضايا الملحة([2])، يميل اتجاه آخر في التعريف إلى التقليل من أهمية الغاية الواحدة والتركيز على قضية الوجود الجماعي ذاتها، فيُعرِفون المجال العام بأنه تلك الفضاءات المادية (الواقعية) والافتراضية التي يمكن للجميع الوصول إليها، مثل الشوارع ومواقع العمل أو أية مناطق مفتوحة يمكن للمرء فيها أن يُسمع ويُرى بواسطة آخرين لا يعرفهم([3])، وللمجال العام بهذا المعنى عدة تجليات منها ما هو تجمع مادي أو جسدي مثل الشارع، ومنها ما هو تمثيلي من خلال الاسم أو الصوت أو الصورة أو الكلمات مثل الجرائد والسجلات الحكومية والفضاءات الافتراضية والإلكترونية المعاصرة.

يقول هابرماس الذي يعد أول من أسهم في بلورة هذا المفهوم أنه يتكون من ثلاثة عناصر ضرورية؛ أولها شرط المدنية civicness، والثاني هو ارتباط المفهوم بفكرة المواطنة، والثالث هو المشاركة القائمة على فكرة المساواة([4])، ويعترض البعض على المؤشرات السابقة للمجال العام مؤكدين أن المجال العام قد عُرف كذلك في ظل النظم النخبوية والقائمة على التمييز مثل الرأسمالية والعنصرية والبطريركية، ولكن في صيغة نماذج حصرية/ استبعادية exclusionary للمجال العام تضم البعض وتستبعد فئات أخرى.

إن مفهوم المجال العام له شروط أساسية أو مفاهيم محورية لا وجود له بدونها من أهمها: العلانية publicity التي تميزه عن المجال الخاص، وهناك الإتاحة أو حق الوصول لجميع الناس accessibility، وأخيرًا ذلك المفهوم المركزي المتعلق بقضية الظهور أو الحضور visibility للمواطنين، بمعنى حقهم في أن يُروا ويُسمعوا وأن تُتاح لهم فرصة التعبير عن أشخاصهم وأنفسهم وآرائهم.

يتقاطع مفهوم المجال العام مع قضية المرأة في عدة مجالات هامة، بل إن مسألة الوصول للمجال العام – مثلت بما يرتبط بها من اشتراطات المواطنة والمشاركة والمساواة – جوهر المطالب النسوية. ولكن ما يعنينا هنا ويمس المرأة المسلمة هو التركيز على قضية حق الظهور أو الحضور العام والتعبير عن الذات في المجال العام visibility باعتبارها تمثل – إلى جانب موضوع المساواة- القضايا الأساس في مسألة حقوق المرأة في المنظومة الإسلامية. وغالباً ما يناقش حضور المرأة في المجال العام وحقها في التعبير العلني عن نفسها تحت مصطلح بعينه هو مفهوم الحجاب.

يشير المعنيون بالمجال العام إلى الصلة العضوية بين قضية الظهور والحضور العام وبين قضية السلطة وحركات نضال الفئات المهمشة من أجل التحرر أو الوصول لحقوقها. فحق الظهور أو الحضور في المجال العام يمثل أحد المطالب الأساسية للجماعات المهمشة من أجل المطالبة بحقوقها، وفي ذات الوقت، تسعى القوى المهيمنة لتحقيق سيطرتها على المجتمع من خلال التحكم في ظهور وبروز الجماعات الأخرى وحقها في الوصول للمجال العام([5]). وهذا ما ينقلنا إلى جوهر موضوع الدراسة.

تركز هذه الدراسة على آلية مهمة من آليات استضعاف النساء ومحاولة السيطرة عليهن من خلال تقييد حركتهن في حدود المجال الخاص فقط وعزلهن عن المجال العام، وتتمثل هذه الآلية في خطابات أيديولوجية تتبنى قضية التحكم في النساء والسيطرة عليهن بدعوى الحفاظ على سلامة قيم المجتمع. وإذا كانت كل المجتمعات التي تبنت نفس السياسة قد صاغت خطابات أيديولوجية لاستضعاف المرأة، فإن أخطر ما عرفته الخبرة الإسلامية هو بناء هذا الخطاب باستخدام مفاهيم إسلامية يتم توظيفها من خلال آليات التأويل وبناء الأحكام القانونية لتكريس سياسة استضعاف النساء والسيطرة عليهن بدعوى الحفاظ على سلامة المجتمع ووقايته من الفتن.

في هذا الإطار احتل مفهوم “الحجاب” الإسلامي موقعًا مركزيًا في بناء هذا الخطاب. وتتعدد المعاني الاصطلاحية للمفهوم، فهو تاريخياً استُخدِم بمعنى الرداء الذي يستر المرأة تمامًا عن نظر الرجال الأجانب، وتارة يشير إلى بقاء المرأة وكمونها في المنزل وعدم الخروج منه إلا للضرورة وهو ما عبر عنه قرآنيًا أيضًا بـ”القرار”، فضلاً عن استخدامات اصطلاحية أخرى معاصرة([6])، ويثير هذان الاستخدامان الشائعان – اللذان يركز عليهما كل من الخطاب الفقهي التراثي والخطاب الأيديولوجي المعاصر المناهضان للمرأة- قضية أكبر هي حق المرأة في الوجود في المجال العام بكافة مواقعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في السطور التالية تناقش الدراسة هذا الموضوع عبر عدة نقاط: أولها الإطار الفكري والمنهاجي للبحث، ثانيًا التحليل النقدي لخطابين من خطابات استضعاف المرأة باسم الدين وهما الخطاب الفقهي التراثي والخطاب الأيديولوجي المعاصر من حيث السياق وبنية الخطاب، وأخيرًا محاولة لتقديم رؤية نسوية إسلامية لقضية دور المرأة في المجال العام بالتركيز على آيات الحجاب.

1- الإطار الفكري والمنهاجي للبحث:

تعد قضية خروج المرأة للمجال العام وحصولها على حقوق متساوية فيه من المكتسبات الحديثة في العالم المعاصر والتي حُسِمت في الغرب لكنها لا تزال مجال صراع وجدل شديد في الشرق الإسلامي. إن الفارق في وضعية المرأة في الشرق والغرب ومدى استقرار حقوقها ووضعها في المجال العام يرجع إلى الفلسفة العامة للحياة والتطور والنظرة إلى العالم ذاتها في هذين الفسطاطين (إن جاز التعبير)، ففي الغرب الأوروبي ومداره حُسمت قضية المرجعية باعتبار الإنسان نفسه -منذ الخروج على الكنيسة- هو مصدر المرجعية والقيم التي تحددها إرادته وخياراته ومزاجه العام، ومن ثم فإن ما يحسمه الإنسان ويقبله من ممارسات على أرض الواقع يصبح هو ذاته المرجعية للسياسات والقوانين وعملية التنشئة. بينما يطرح العالم الإسلامي نموذجاً آخر للتطور (مقابل النموذج الغربي) هو التطور والتغيير في إطار مرجعية عليا ومستقلة عن الإنسان هي المرجعية الدينية، فمنها يتحدد الإطار العام للحركة، وتُكتسب قوى الدفع الهائلة أو عناصر الكبح.

إن هذا الإطار المعرفي لمعركة المرأة وحقوقها سواء في المجال العام أو في غيره يزيد من تركيب قضايا المرأة، لأنه يعني ببساطة أن منظومة حقوق المرأة وتطورها إنما ترتبط بحسم بمعارك أخرى أكثر شمولية، وهي معارك معرفية تتعلق بفلسفة التطور ولا تزال في طور الاحتدام وفي خضم أتون التشكل.

يخطئ من يتصور أن المعركة المصيرية الكبرى للتغيير والتطور في العالم الإسلامي هي معركة الصراع بين التيار العلماني المحاكي للتجربة الغربية التي تؤله الإنسان وتجعل منه المرجعية وبين المرجعية الإسلامية.. فهو طرح زائف إنما يشوه ويغطي على المعركة الحقيقية للتطور. إن الصراع الحقيقي للتطور في العالم الإسلامي إنما هو معركة تدور داخل المرجعية الإسلامية نفسها بين تيارين أولهما: تيار محافظ يدافع عن مجموعة من المصالح التقليدية المستقرة والموروثة التي تمأسست في أشكال اجتماعية وسياسية تحاول الدفاع عن بقائها من خلال تفسير خاص للمرجعية الإسلامية يخدم مصالحها. يعبر هذا التيار الفكري اجتماعياً وثقافياً عن تحالف لمصالح القوى القبلية العشائرية ذات الطرح العنصري/ العربي/ والذكوري، والتي تتبنى المفهوم الاستبدادي للسلطة. لقد عبَّر هذا التيار العتيق عن نفسه في نظام اجتماعي قديم اضمحل تحت معاول التحولات التاريخية الواقعية على الأرض وظهور قوى جديدة نتيجة التعليم والتصنيع وحركة التمدين وانهيار أنماط الولاء القديمة. كما عبَّر عن نفسه معرفيًا في تفسيرات تاريخية موروثة للمرجعية الإسلامية يطرحها هذا التيار لا باعتبارها رؤية وتفسير بشري نسبي بل بوصفها التفسير الحقيقي والأوحد للوحي والمقدس وأنها مقدسة كمرجعيتها، ويدعي أنها الترجمة الصادقة والوحيدة للحقيقة وللإرادة الإلهية.

التيار الثاني في الصراع المصيري لا يتمثل في التيار العلماني الذي أثبتت الأحداث أنه أهون شأنًا وأنه لا يقل تبعية ونقلية وجمودًا من التيار السابق لكنه ينتمي لمغاير مكاني لا زماني. إن الطرف الأصلي المقابل في صراع الوجود إنما يكمن في التيار الاجتهادي. يعبر هذا التيار عن القوى التي أفرزها التطور التاريخي الحديث.. إنها جماعات ضخمة من الطبقة الوسطى والنساء المتعلمات تعليمًا حديثًا. ورغم محاولات التيار التقليدي غزو هذه القوى بشعاره التقليدي أنه التعبير الحقيقي والمطلق والأوحد عن الدين، إلا أن الجدل العنيف أبرز تيارًا فكريًا مهمًا يناضل نضالاً شرسًا حتى الآن لاكتساب شرعية التعبير عن تلك القوى، هو التيار الاجتهادي. يكتسب هذا التيار إلى جانب التزامه بالمرجعية الإسلامية طابع عصره من حيث إعلاء شأن العقل، والتحلي بفضيلة النسبية والاعتراف بمحدودية النظرة الإنسانية وتاريخيتها وتأثرها بالواقع الاجتماعي. في إطار هذا الطرح الواقعي للأفكار وللعلم يرى هذا التيار أن أغلب ما ورثه من تفسيرات وتراث علمي وفقهي إنما هو تعبير نسبي – تاريخي عن رؤى للمرجعية الإسلامية قرآنًا وسنة وليست دينًا.. كما يرى أن من حق أهل الوقت (سواء أبناء هذا الزمان أو أبناء كل زمان) أن يكون لهم قراءتهم واجتهاداتهم للمتغيرات دون الثوابت من الدين فيما يعرف بفقه الوقت الذي يعكس تحولات حياتية واجتماعية مختلفة نوعيًا عن واقع أسلافهم. ويعترف هذا التيار أيضًا بأن أفكاره هي بدورها مجرد قراءة نسبية وتاريخية أخرى للحقيقة تكتسب شرعية وقتية إلى أن تشهد البشرية والشعوب تطورات نوعية مغايرة. وبناء على ما سبق فإن هذا التيار بموقفه الملتزم بالمرجعية الدينية وبتواضعه الفكري سواء في شرعيته في التعبير عن الدين أو في قناعته بنسبية الفكر الإنساني يكتسب مواقف مغايرة لكل من الموروث من جانب والمنتج الغربي والتغريبي من جانب آخر.

إن الصراع السالف بين التيارين يعكس منظورين إبستومولوجيين مختلفين تمامًا؛ الأول منظور جامد تعسفي يحتكر الحديث باسم الله لما هو بشري وقاصر بطبعه، ويدَّعي لرؤى بشرية القداسة والخلود ويكره التغيير الذي هو سنة الله في خلقه، كما يسعى لتجميد وإعادة إنتاج أوضاع اجتماعية ومصالح قوى من خلال الأفكار المعبرة عنها. أما التيار المقابل فيعبر عن منظور معرفي يرى أنه -بعيداً عن ثوابت العقيدة والمحكم من الآيات- فإن من لوازم التطور وسنن التغير اجتهاد لا يتوقف للتفاعل بين المقدس والبشري من خلال القراءات والتفسيرات المتتابعة تاريخيًا للمرجعية الإسلامية الثابتة، ثم من خلال التدافع والتفاعل بين تلك القراءات والاجتهادات النسبية مع التحولات التاريخية المتتابعة.

لقد أثبتت التطورات السياسية الخطيرة في السنوات الماضية أنه بين مجمل القوى الجديدة التي تطرح براديم “اجتهاد الوقت” وترفض ادعاء القداسة والخلود للفكر البشري، تحتل النساء دورًا مهمًا جدًا وطليعيًا مقارنة بقوى أخرى مثل الطبقة الوسطى وقوى المتعلمين تعليمًا حديثًا. ربما يمكن تفسير ذلك بتموضع النساء خارج دائرة القوى والمصالح القديمة التي أنتجت فكرها التقليدي. بل إن النساء كن كذلك بمثابة (الآخر) الذي ناصبه الفكر الموروث التقليدي العداء واستخدمه لبلورة وتشكيل فكرة الأنا العليا المعبرة عن العشائرية الذكورية التقليدية في المنطقة، في الوقت ذاته لا تزال دعاوى الذكورية بكل عناصرها -وعلى رأسها أفضلية الذكر على الأنثى وإقصاء النساء وحبسهن بدعوى تحقيق الفضيلة- لا تزال تمثل أهم الأفكار التي يتم بها غزو جماعات الشباب والطبقات الوسطى المتعلمة تعليمًا حديثًا وتزييف وعيهم.

في هذا الإطار الجدلي- الإبستمولوجي السابق تأتي هذه الدراسة. فهي تتبنى بشكل حاسم باراديم الاجتهاد، وهي تقوم مسبقًا على القول بتاريخية ونسبية أي قراءات بشرية للنصوص والمراجع المقدسة.. ومن ثم فإن القراءات التراثية هي محل تحليل ونقد ومراجعة لا يخل بمبدأ تقديرها كاجتهادات بشرية مقدرة. على الجانب الآخر فإنه بحكم التخصص فإن هذا البحث لا يقع في سياق الاجتهاد الفقهي بل هو اجتهاد فكري ينهج آليات ومنهجية لإنتاج الأفكار تختلف عن آليات الاجتهاد الفقهي الذي ترى الباحثة أنه أصبح ضرورة حتمية ملحة للتيار الاجتهادي ولمصلحة الأمة ككل بعد أن اتسعت الفجوة بشكل هائل بين ضمير وواقع الأمة الإسلامية وبين الموروث الذي أنتجه علماء السلف لزمانهم.

منهجية البحث: نحو منهجية جديدة في بناء وتحليل المفاهيم

إن أول مقومات التجديد هو تطوير مناهج المعرفة وتبني منهاجيات أخرى تترجم النظرية المعرفية الجديدة وتضع في الاعتبار كافة المتغيرات والعناصر التي تلفت اليها. أما العمل “بروح” أو “نيات” اجتهادية دون تطوير منهاجية مناسبة فلن يؤدي إلا إلى الفشل الذريع والإنتاج العشوائي للأفكار، كما أن الانطلاق من نفس المنهجيات التقليدية كما هي دون تطوير أو إضافة فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الأفكار.

يتمركز هذا البحث حول مفهومين هما: القرار والحجاب.. وينقلنا هذا من حيث المنهاجية للبحث في قضية بناء المفاهيم.

تقوم المدرسة التقليدية في بناء المفاهيم -خاصة في تاريخ العلوم الإسلامية- على افتراض التعريف المجرد للمفهوم، وادعاء موضوعية تشكل المفهوم سواء باستخدام المعاجم والتفسير اللغوي أو بادعاء موضوعية عملية التفسير ذاتها، ونفي أي تحيز بها أو وجود علائق تربطها بمصالح وانحيازات اجتماعية ثقافية معينة. والواقع أن هذه الافتراضات – في ضوء النظرية المعرفية التي يتبناها البحث تُعد غير صحيحة، كما أن إنكار عملية الانحياز داخل بناء المفهوم لا يعني انعدام التحيز بل إخفاؤه والتغطية عليه. إن ادعاء ذلك الاقتراب “التجرد” في بناء المفهوم إنما يرتب عدة نتائج أهمها أنه لا يوجد سوى “حل” وحيد لـ”مسألة” المفهوم باعتبار أن بنائه عملية موضوعية مجردة، كما يعني أن ناتج هذه العملية “الموضوعية المجردة” لن يكون سوى تفسيرات ودلالات خالدة غير قابلة للتغيير، ولعل هذا ما نلمسه في التراث الإسلامي من خلال ظاهرة التكرار والإعادة في إنتاج دلالات المفاهيم رغم اختلاف الكُتاب والعصور.

في مقابل هذه المدرسة يتبنى هذا البحث منظورًا مغايرًا في بناء المفهوم يقوم على الأسس التالية:

– إن المفاهيم هي مجرد لبنات في نسيج أو سياق أشمل هو “الخطاب”.

– أن الخطاب يتشكل في إطار مفهوم اجتماع المعرفة، فهو يعبر عن قوى سياسية واجتماعية، وهو خطاب قصدي، هادف يحمل رسائل ومضامين أيديولوجية([7]).

– لا تكتسب المفاهيم معانيها ودلالاتها بشكل مجرد وإنما من خلال علاقتها بهذا الخطاب، ومن ثم فهي تعبر عن القوى الكامنة وراءه.

– إن العلاقة بين هذه اللبنات المفاهيمية والخطاب هي علاقة بنائية وظيفية، حيث يشكل نظام ترتيب تلك المفاهيم كنه الخطاب، كما تكتسب تلك المفاهيم قيمتها من محافظتها على وجود الخطاب ودعمه.

في الإطار السابق فإن هذا البحث – كبحث فكري لا فقهي- يقوم على تحليل مفاهيم القرار والحجاب كمفاهيم محورية في الخطاب الإسلامي الخاص بعلاقات النوع، والتي تُعنى على وجه التحديد بقضية وضع المرأة بين المجالين الخاص والعام انطلاقًا من الأطر النظرية العامة التي قامت عليها منهاجية بعينها هي التحليل النقدي للخطاب. ويقدم التحليل النقدي للخطاب CDA نوعًا من البحث التحليلي للخطاب يدرس بالأساس الوسائل والأساليب التي من خلالها يتم تكريس وإعادة إنتاج الفجوة القائمة لصالح بعض القوى الاجتماعية أو حتى تحدي تلك الهيمنة والسيادة من قبل قوى اجتماعية أخرى وذلك من خلال استخدام النصوص المكتوبة أو الكلام الشفاهي في سياق اجتماعي معين([8]).

يرى الباحثون في هذا المنهج أنه لا يحمل فحسب أهدافًا نظرية، فالنظرية النقدية هي بدورها نظرية اجتماعية تسعى من خلال النقد لإحداث التغيير في المجتمع ككل، ومن ثم فإن أهداف هذه النظرية لا تقف عند حد الوصول إلى فهم أفضل للواقع الإنساني فحسب، وإنما إلى خلق ظروف أكثر إيجابية للازدهار الإنساني من النظريات السائدة حاليًا. وبناء على ما سبق فنظرية تحليل الخطاب النقدي تتجاوز من وجهة نظر أصحابها الأهداف “التشخيصية” إلى تبني أهداف “علاجية” للواقع الاجتماعي في نفس الآن([9])، إن الغاية من توصيل المعرفة النقدية هي تمكين الناس من تقوية أنفسهم وتحريرها من أنماط الهيمنة والتسيد من خلال الكشف عن بنى وأيديولوجيات القوة عبر دراسة خطاباتها.. وأعتقد ان هذا الدور الاجتماعي للنظرية النقدية هو أحد المقومات الأساسية للبحث النسوي الإسلامي سواء في الواقع الاجتماعي أو في النظريات السائدة.

انطلاقًا مما سبق فإن هذه الدراسة لن تعنى بدراسة نصوص معينة والتحليل اللغوي لها، بل هي معنية بتحديد أطوار أو اتجاهات كبرى لخطاب العلماء والباحثين والمفكرين الإسلاميين وبيان خصائصها وملامحها فيما يخص دور المرأة في المجال العام من خلال مفاهيم محورية مثل الحجاب والقرار.

ويمكن القول أن مفهومي الحجاب والقرار باعتبارهما المفهومين المحوريين في تحديد موقع المرأة بين المجالين الخاص والعام قد تم تعريفهما في إطار خطابين مهمين:

– الخطاب المذهبي الذي ينتمي إلى التراث التفسيري والفقهي.

– الخطاب الأيديولوجي الذي تنتمي اليه بعض الكتابات المعاصرة في موضوع المرأة.

وفيما يلي محاولة لرصد ملامح وخصائص هذين الخطابين بشأن قضية المرأة والمجال العام التي بحثت عبر مفهومي الحجاب والقرار.

2- قراءة نقدية للخطاب المذهبي (الفقهي) في موضوع المرأة والمجال العام من خلال مفهومي الحجاب والقرار:

المفهوم هو كائن حي ينشأ في رحم الخطاب ويتربى في كنفه حاملاً خصائصه وصفاته بشكل حتمي. كما أن الخطاب بدوره كائن اجتماعي هو ابن بيئته وسياقه الاجتماعي -السياسي- التاريخي. وسواء اتخذ الخطاب موقف التماهي مع هذا السياق أو رفضه وتحديه فإن السياق هو الذي يحدد إطار حركة الخطاب وموضوعاته ومواقفه، ومن ثم فإن فهم الخطاب وتحليله لا يمكن ان يتم بمعزل عن سياقه، فالسياق يُعد حاكم في تشكيل الخطاب وتحديد ملامحه. في السطور التالية ستتم مناقشة نقطتين: الأولى هي الخصائص والأبعاد السياقية للخطاب الفقهي المذهبي خاصة فيما يمس موقفه من قضية المرأة. والثاني موقف هذا الخطاب من قضية المرأة والمجال العام ومنهجيته في إثبات رأيه.

أولا: الخصائص والأبعاد السياقية للخطاب الفقهي المذهبي خاصة فيما يتعلق بقضية المرأة

نشأ الخطاب الفقهي المذهبي في سياق شديد الزخم كثيف التفاعلات، نشير فيما يلي إلى بعض تلك المؤثرات التي حددت موقفه من المرأة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر:

أ- حدة الصراع السياسي والفكري وصيرورته نحو التمذهب والمأسسة:

تشكل الخطاب الفقهي المذهبي في بيئة صراعية حادة بدأت منذ العقد الثاني بعد وفاة الرسول r فيما عرف بالفتنة الكبرى وما تلاها من صراعات مسلحة وصراعات فكرية. ومن أبرز نتائج تلك الصراعات انسلاخ الفكر الديني عن وحدة المرجعية ممثلة في الوحي والسنة، وتحوله إلى تيارات فكرية عدة تبلورت في مذاهب يدعي كل منها صحة وأحقية وشرعية تفسيره للدين دون غيره. وقع بعض هذا التمذهب على أساس عقيدي (المعتزلة – الأشاعرة) والبعض الآخر على أساس ديني- سياسي (الشيعة – الخوارج – أهل السنة والجماعة)، كما امتدت عدوى التمذهب إلى عملية استنباط الأحكام فنشأت المذاهب القانونية وأشهرها المدارس الفقهية الستة.

انتقلت ظاهرة التمذهب من حالة “التبلور” إلى حالة “التحوصل” نتيجة ما تم من مأسسة لتلك التيارات عبر تشكل أبعاد ورموز وأدوار ومنهجيات خاصة لكل تيار، وظهور واستقرار أئمته وأتباعه ومدارسه ومحاكمه ومناطقه التي يسودها وآلياته المميزة في الإنتاج الفكري.

وقد أدت هذه المأسسة إلى تقنين الصراع وتأجيجه للفوارق والخلافات بوضوح.

ب- انتصار الثورة المضادة مع صعود نظام الملك العضود وهيمنة نظريته السياسية- الاجتماعية:

جاء الإسلام كغيره من الأديان بمثابة ثورة حملت في رحمها الكثير من القيم الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية، يلتقط منها كل عصر ما يستطيع استيعابه، ويعجز عن استيعاب ما يفوق حدود إدراكه التي تحددها مزيج من المعارف والمصالح والعادات. لقد جاء الإسلام كما ثبت في الوحي والممارسة النبوية بقيم الحق والعدل والمساواة بين الناس لايفرقهم إلا معايير التقوى والعمل الصالح، كما جاء بقيم العقل والتدبر وحرية الإرادة والاختيار واستقلال الإنسان بعمله وقراره الذي على أساسه يتقرر جزاؤه. وكانت هذه المبادئ ولا تزال هي سر قوة الإسلام وسبب انتشاره وليس نظامه القانوني.

وقد بدأت إشكالية الجدل بين المدارك والمصالح والعادات من جانب، وبين القيم الإسلامية -التي كانت بمثابة ثورة على الواقع العربي العشائري المحافظ ذو التوجه العنصري الذكوري- بدأت بعد وفاة الرسول r مباشرة في وقائع عدة. انحاز بعض الخلفاء الراشدين للقيم الجديدة أو بعضها مثل أبو بكر وعمر، وخضع بعضهم لضغوط القيم الموروثة القديمة كعثمان، وتغلبت تلك القيم على بعضهم الآخر رغم حملهم قيم الإسلام الثورية ودفاعهم عنها كما حدث لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعًا.

وجاء انتصار معاوية بن أبي سفيان -أحد رعاة ودعاة القيم القبلية- بمثابة انتصار للثورة المضادة التي جسدتها الدولة الأموية بامتياز. جسد الحكم الأموي انتصاراً لفكرة المُلك العضود على حساب الخلافة بالاختيار والبيعة، وصعودًا لفكرة النخبوية على حساب فاعلية عامة المسلمين في حركة الدولة من خلال الشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أبطل ملوك بنو أمية فكرة المراجعة والنصيحة والإنكار من عامة المسلمين على قادتهم، وقننوا مبدأ التمييز على حساب المساواة من خلال تقنين وإعلاء التمييز العنصري للعرب على العجم وللقرشيين على غيرهم… إلخ.

في هذا الإطار الفكري والسياسي الذي ورثته الدول والملكيات المتعاقبة تشكل الخطاب الفقهي متأثرًا بهذا المناخ الغالب والمتغلب الذي مثل فيما بعد قواعد وأطر للفكر والحياة، ومن وجهة نظر الباحثة فإن الخطاب الفقهي المتعلق بالمرأة قد تأثر بثلاثة عناصر مهمة في نظرية المُلك العضود:

  • تَرَصُد الملوك للفقهاء باعتبارهم مصدر الخطر الأكبر عليهم بحكم صلتهم بإنتاج واستنباط قواعد الحلال والحرام من خلال الاستنباط الفقهي، وما يرتبط بذلك من سلطة هائلة للفقه على الرعية، وقد ثبت عبر تاريخ الفقه ممارسات التقييد والملاحقة والقمع السياسي التي تعرض لها الفقهاء بسبب آرائهم الفقهية منها محن الأئمة الأربعة، وفيها تعذيب الإمام مالك بشأن رأيه في إبطال طلاق المكره مما استلمح منه الحكام نوعًا من التعريض والإسقاط على بطلان مبايعة أولياء العهد بالإكراه. ومنها إهلاك زبانية هارون الرشيد مخطوطات صنفها الفقيه الحنفي الأشهر محمد الشيباني صاحب السير الكبير حول موضوع الإكراه وحبسه بسببها([10]).

وتفيد هذه الوقائع أن عملية الإنتاج الفقهي لم تكن حرة تمامًا وإنما تمت في إطار قيود وملاحقات سياسية حددت إطار الإنتاج الفقهي. كما يفسر هذا الوضع السياسي الأولويات التي سادت الفقه من حيث التركيز على الفقه الاجتماعي المتعلق بالأحوال الشخصية والذي احتل مساحة هائلة من الإنتاج الفقهي في حين انسحبت وغابت أبواب شديدة الخطورة والأهمية تتعلق بالنظام السياسي، وليس أدل على ذلك من افتقاد الفقه بحث مفاهيم وأحكام خطيرة ملحة كالعدل والظلم والإكراه في الحكم مقابل إفراد عشرات الصفحات لبحوث النكاح والحيض والنفاس وغيرها.

  • نظرية السلطة القائمة على الجبر والطاعة: قامت السلطة في ظل الملك العضود على قضيتين: الأولى نظرية الجبر التي ناقشها المتكلمون من المعتزلة وأهل السنة، وتقوم هذه النظرية سياسياً على دعامتين خطيرتين: أولهما أن ظهور الخليفة (ومن ثم صاحب أي سلطة) هو قضاء من الله على الإنسان أن يقبله كجزء من إيمانه. وأن تَحَمُل مخالفات الحكام وظلمهم هو نوع من الابتلاء وقبول القضاء([11])، القضية الثانية هي تثمين وإعلاء قيمة الدخول في الجماعة ولو كانت وراء إمام ظالم، والتي شجعها ملوك بني أمية أيضاً وخاضوا تحت شعارها المعارك ضد من ناطحوهم الشرعية.

لقد خيمت هذه الأفكار التي أشاعها ملوك بني أمية الأوائل ومن تلاهم لتغطي على واقع أليم هو تولي عدد كبير من الخلفاء والأمراء ممن يفتقدون المعايير الشرعية للولاية من التقوى والعدالة والكفاءة واتسام كثير منهم بالفسق وبعضم بالبدعة والتأول فضلاً عن استخدامهم القمع وإهراق الدماء بغير موجب شرعي واستيلائهم على بيت مال المسلمين، والتهاون في تطبيق الحدود. وقد أدت ضغوط الملوك وخروج الواقع عن مقتضى الممارسة الشرعية إلى استجابة الفقهاء باسم درء الفتن القاصمة من خلال إنتاج فقه يحافظ على الأمر الواقع بتأكيده على لزوم الطاعة والجماعة والصبر والإرجاء إزاء أئمة الجور، والنهي عن الخروج على طاعة أئمة المسلمين حتى الفساق منهم درءاً للفتن([12]).

مثل هذه الأفكار التي حكمت قضية السلطة العليا في المجتمع كانت كفيلة بالتسرب لتتخلل كل مراحل وأشكال وعلاقات السلطة والقوة في المجتمع وتصبح أساسًا لها، ومنها علاقة السلطة الأبوية والزوجية. بل يمكن القول إن قضية سلطة الرجل على المرأة أضحت هي المتنفس الوحيد لواقع القهر السياسي.

وفي مثل هذه السياقات تُعَد ممارسات عدة لنساء عهد النبوة نوعًا من النشوز غير المقبول، كشكوى تلك المرأة زوجها أنه يضربها للرسول وقوله لها فاضربيه إلى أن نزل من القرآن شيء في ذلك، أو إنكار أخرى على أبيها تزويجها بغير رضاها وتخويل الرسول الأمر لها، فتقول قولتها النسائية المشهورة “لكي يعلم الآباء أن ليس لهم من الأمر شيء”([13]).

  • شيوع ثقافة التمييز وهي أحد العناصر الخطيرة في الثورة المضادة على قيم الإسلام الإنسانية – التحريرية. وقد بدأ الأمر في عهد الأمويين واستمر بعدهم، حيث تم تقنين منظومة اجتماعية مركبة للتمييز، منها ما هو تمييز عنصري بين العرب والموالي (العجم)، ومنها ما هو طبقي داخل قبائل العرب بين عرب الفتوح الأولى الذين تحولوا إلى أرستقراطية الأمصار وسُموا بالسوابق، وبين ما يعرف باللواحق والروادف، ومنها ما هو تمييز مناطقي عشائري بين القبائل اليمنية “الكلبية” وبين القيسية، ثم بين عرب الشام وعرب العراق([14])، وقد استمرت هذه الثقافة وتغيرت أطرافها في الدول والملكيات اللاحقة.

إن ثقافة التمييز تعكس نفسها بشكل مباشر وحتمي على قضية النوع ومكانة المرأة بحكم كونها أول ضحايا التمييز كمرض متوطن في الثقافة البشرية منذ قرون، كما أن تبني هذه الثقافة بشكل رسمي وقانوني في مجتمع بعينه يؤدي إلى تعزيز واقع التمييز ضد النساء.

ثانياً- ملامح الخطاب المذهبي بشأن المرأة والمجال العام: نموذج فقه ابن تيمية

تبدأ كل الطروحات الإسلامية بشأن موقع المرأة بين المجالين العام والخاص من آيات خمس هي 30-31 من سورة النور و32 – 33 و59 من سورة الأحزاب. فعلى أساس تفسير تلك الآيات الخمس تتحدد أبعاد تلك القضية وقواعدها. وفيما يلي نصوص تلك الآيات:

(قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوۤاْ إلى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (الآيات 30-31 من سورة النور).

(يا يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً) (سورة الأحزاب آية 32 و33).

(يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (آية 59 من سورة الأحزاب).

تبنى الخطاب الفقهي المذهبي استراتيجية من ثلاثة مراحل في طرح منظوره عن موقع المرأة بين المجالين العام والخاص تتدرج صعودًا وتركيبًا وهي أولاً: بناء التعريفات للمفاهيم المفتاحية في الآيات مثل، النظر، الزينة… إلخ، ثانياً: استنباط الأحكام المباشرة للقضايا الفرعية الخاصة بالموضوع. ثالثاً: استخلاص القواعد العامة للقضية الأساس، وهي موقع المرأة بين المجالين العام وإلخاص. ويلاحظ أن درجة التسامح والتدرج بين السعة والضيق في الرؤية وبين التعدد أو أحادية الرأي والقطع به تتصاعد مع الانتقال بين كل مستوى والمستوى الذي يليه، لتبلغ فكرة الأحادية ذروتها في استخلاص القواعد والأحكام النهائية التي تتخذ طابعًا مذهبيًا محضًا يستبعد ويقصي كل من هو خلافه.

وفيما يلي طرح لنموذج من أهم تلك النماذج هو فقه الإمام ابن تيمية الفقيه الحنبلي الأشهر. وتبرز أهمية ابن تيمية في قضية المرأة لمسألتين؛ الأولى كونه صنَّف كتابًا خاصًا حول شئون المرأة هو كتاب “فتاوى النساء” هو عمدة في التراث الفقهي المتعلق بالمرأة. الأمر الثاني أن ابن تيمية وفقهه لا يزالان يمارسان سلطة هائلة على الخطاب الإسلامي المعاصر الخاص بالمرأة، خاصة في أوساط الخطاب السلفي الذي يعيش منذ ما يزيد على ربع قرن أوج قوته بعد أن تمكن من السيطرة على حركة الإحياء الإسلامي، وبعد أن طور أيديولوجية سياسية دينية ذات أهداف عالمية وإقليمية ومحلية، وابتنى حركات سياسية وعسكرية تعمل على تحقيق تلك الرؤية.

أ– التعريف بالمفاهيم الأساسية (مثل الزينة، التبرج، النظر.. إلخ). تقدم هذه التعريفات تحت اسم التفسير للآيات المذكورة أعلاه. ويبدو الأمر وكأن التفسير عملية محايدة ترتكز على أداة موضوعية مستقلة هي اللغة. وهنا يتعين مناقشة هذا الافتراض لأن علاقة اللغة العربية بالقرآن الكريم ليست علاقة محايدة؛ فرغم ظهور اللغة العربية قبل نزول الوحي بقرون إلا أن تأسيس وتوثيق وتقعيد هذه اللغة جاء في ظل هيمنة الثقافة والمعاني والبيان القرآني التي تحكمت إلى حد كبير في تحديد دلالاتها، كما يتضح من استعراض المعاجم اللغوية التي يحيل كثير منها إلى آي الذكر الحكيم في بيان وتخريج دلالات ألفاظ العربية. ومن ثم فإن الاستعانة باللغة العربية على فهم دلالات القرآن الكريم تبدو في كثير من الأحيان نوعًا من الالتفاف غير المجدي لأن اللغة العربية هي التي اكتسبت كثير من دلالاتها من القرآن ذاته.

وبعيدًا عن هذه الملاحظة المنهاجية فإن كثيرًا من الفقهاء والمفسرين -ومنهم ابن تيمية- لا يعتمدون التفسير الحرفي اللغوي للقرآن قدر ما يعمدون إلى العودة للصحابة والتابعين وتفسيراتهم التي تبدو منهجيًا نوعًا من التعريف الإجرائي للمفهوم يحمل رأي الصحابي أو التابعي وانحيازاته، وإلا ما كانت المفردات قد حملت تلك المعاني المتناقضة بين هذا الصحابي وذاك. ورغم تأفف العديد من المذاهب الفقهية وعلى رأسها الحنابلة والمالكية من فكرة التفسير بالرأي إلا أنهم لا يجدون غضاضة في ذلك إذا اقترنت برأي السلف من الصحابة العدول، إذ تصبح في هذا الحال نوعًا من الأثر والاتباع للسلف حسب منهجهم. يبدو من التفسير كما سنرى أن الموقف المذهبي الأيديولوجي من المرأة يتعمق حتى يصل إلى المقدمات أو التعريفات الأولية للمفاهيم البسيطة مثل الزينة والجلباب.. إلخ حتى تقود في النهاية إلى النتيجة الشرعية المرغوبة والمعتمدة مذهبيًا.

في تفسيره لآيتي 30- 31 من سورة النور يبدأ ابن تيمية بتعريف مفهوم “الزينة” كمفهوم محوري أباحت الآية الظاهر منه فقط. وعليه يميز ابن تيمية بين الزينة الظاهرة والزينة الباطنة. أما الزينة الظاهرة التي يباح بروزها في المجال العام “لغير الزوج وذوي المحارم” فيطرح ابن تيمية رأيين متباينين في تفسير المفهوم لكل من الصحابيين ابن مسعود وابن عباس. ويتخذ الأول في تعريفه الإجرائي موقفًا متشددًا من ظهور المرأة يرى فيه أن الزينة الظاهرة التي يباح للمرأة إظهارها للعامة في الشارع وغيره هي ظاهر الثياب المسدلة فقط دون أي عضو أو مساحة من جسدها. بينما يرى ابن عباس ومن وافقه أن الزينة الظاهرة المباح ظهورها من المرأة هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم([15])، وهو رأي مبني على الحديث الشريف الذي يجيز من المرأة ظهور وجهها وكفيها([16]).

ينطبق نفس المنهج على تعريف “الجلباب” الذي دعت الآية 59 من سورة الأحزاب النساء إلى إدنائه أي إسباله. وإذا كان ابن تيمية يعرض في الزينة ما يوافقه ولا يوافقه من رأي السلف فإنه في هذه الآية يتبنى تعريفًا واحدًا موافقًا له هو تعريف لعبيدة يقول أن الجلباب “هو الملاءة”، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره “الرداء”، وتسميه العامة “الإزار” وهو “الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها. وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه فوق رأسها فلا تظهر إلا عينيها ومن جنسه النقاب”([17]).

ب- الأحكام الفرعية والقواعد العامة لظهور المرأة في المجال العام:

إذا كان ابن تيمية -كأحد كبار المنتسبين والمنظرين والمطورين للمذهب الحنبلي قد سمح في المستوى الأول من أطروحته الشرعية بسرد آراء مخالفة لمذهبه – أهمها رأي ابن عباس- فإنه عندما يصعد نقاشه إلى مستوى استنباط الأحكام الفرعية والعامة للمذهب لا يفتح المجال أمام الآراء المذهبية المخالفة، بل يقتصر على طرح قواعد مذهبه وحدها وحججه المختلفة لدعم هذه الأحكام، وتبدو الآراء والأصوات الأخرى في الخلفية غير الظاهرة كعدو مهزوم بلا حجة أمام سيل من الإثباتات والحجج.

يرى ابن تيمية وأغلب أصحاب المذهب الحنبلي أنه لا مجال لحضور المرأة وبروزها في المجال العام إلا بشكل استثنائي للضرورة (للخاطب أو الطبيب أو القاضي). وهذا الرأي هو ما عبر عنه ابن حنبل باختصار بقوله: “إن المرأة كلها عورة حتى ظفرها”([18])، وأعاد ابن تيمية التأكيد عليه بقوله قولاً فاصلاً: “فيجب من جهتها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب في حق الرجل لأن ظهور النساء سبب الفتنة”([19]).

وينتهي ابن تيمية -ومن ورائه أصحاب مذهبه- إلى حكم منطوقة “وأما وجهها ويداها وقدماها فهي قد نهيت عن إبداء ذلك للأجانب ولم تنه عن إبدائه للنساء وذوي المحارم”([20])، ويعتبر ابن تيمية أن الآية العمدة في فرض الحجاب الكامل على المرأة وعدم ظهورها هي الآية 59 من سورة الأحزاب التي يطلق عليها وأصحابه آية الحجاب (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ…)،

إن التفسير الذي يقدمه ابن تيمية لهذه الآية يحل له ولأصحاب مذهبه الكثير من المعضلات:

  • فوفق هذا التفسير تأتي الآية لتنسخ مرحلة وأحكاماً أثبتت ظهور المرأة في المجال العام وحضورها بشخصيتها من خلال إباحة ظهور وجهها وكفيها وإباحة النظر اليهما بلا شهوة. فيرى ابن تيمية أنه بنزول “آية الحجاب” حجب النساء عن الرجال”([21])، بل يرى أن نسخ حكم ظهور المرأة في المجال العام هو المقصود بعينه من نزول آية الحجاب “وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن” ص 26.
  • إن هذا التفسير للآية يحل مشكلة أخرى، وهي تضارب وجهة نظر الحنابلة المتشددة بشأن التحفظ على ظهور المرأة وعدم جواز النظر لها بغير شهوة مع سنن نبوية قولية وفعلية وتقريرية. ومن ثم فإن هذا النص يعيد تفسير النص المعضل من وجهة نظر الحنابلة وغيرهم والذي يجيز للمرأة ظهورها بزينتها الظاهرة. يقول تعالى: (قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ..)، أما تفسير ذلك فيقول: “فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان حينئذ الوجه واليدين من الزينة التي أُمرت ألا تظهرها للأجانب.. فماذا بقي يحل للأجانب النظر اليه إلا الثياب الظاهرة”([22])، ويقول: “فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة فهذا لا جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر”([23]).
  • ويعتبر ابن تيمية أن هذه الآية كذلك تنصر وجهة نظر الحنابلة على خصومهم من المذاهب الأخرى الذين يرون جواز النظر بغير شهوة إلى وجه الأجنبية، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد.

مناقشة للقاعدة العامة في تحريم ظهور المرأة في المجال العام ومنهج استنباطها:

أ- إن قضية ظهور وجه المرأة أو اختفائه تحت خباء الجلباب أو النقاب ليس بالقضية الهامشية التي تتعلق بأسلوب الملبس أو الحياة. فظهور المرأة بوجهها يعني حضورها وبروز شخصيتها الخاصة في التفاعل والمجال العام. ومن ثم فهي قضية خطيرة وحاكمة فيما يخص وجود أو عدم وجود المرأة في المجال العام وما يرتبط به من حقوق عامة تتعلق بالتعبير عن الرأي وممارسة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة به، كما كان يستفاد من الحضور الواضح والجلي للنساء في عهد الرسول r.

ب- إن هذا الحكم الخطير الذي انتهى اليه ابن تيمية وغيره من أصحابه بفرض الحجاب الكامل على النساء وإقصائهن تماماً عن المجال العام إلى المجال الخاص هو محض اجتهاد مذهبي لهم لم يتفق معهم فيه -وإن بشكل جزئي- مجتهدون آخرون في زمانهم عاشوا في نفس السياق التاريخي، مثل رأى الحنفية والرأي الثاني للشافعية والمفتى به عند المالكية، أن بدن المرأة الحرة عورة إلا الوجه والكفين، فيباح للمرأة كشف وجهها وكفيها في الطرقات وأمام الرجال الأجانب بشرط أمن الفتنة([24]).

ج- يرتكز هذا الاجتهاد بشكل محوري على مجموعة من التعريفات الإجرائية للمفاهيم تتحكم في مجمل التأويل، والتي رتبت من ثم عواقب خطيرة مجملها الحكم بحبس ملايين النساء. من تلك التعريفات تعريف “الجلباب” بأنه الرداء الذي يتم إسداله من الرأس إلى سائر الجسد وليس كسوة الجسد، وتفسير كلمة “يُعرفن” بأنه “يتم التعرف إلى شخصيتهن” وليس تفسير معالم جسدهن، فيكون الحجاب بمقتضى هذا المعنى إخفاء الشخصية تمامًا وليس الاحتشام وستر معالم الجسد.

د- بالنظر إلى اتساع مجال التأويل وعدم إحكام الأسس النصية التي ارتكز عليها في حكمه القاطع في إخفاء هوية المرأة بإخفاء الوجه واليدين، فقد استعان الفقيه الحنبلي الجليل بوسائل إضافية لتعضيد وجهة نظره وإثبات صحة رأي مذهبه. من أهم هذه الوسائل سحب النصوص والعزائم التي وردت في شأن النبي r ونسائه على سائر النساء برغم خصوصية تلك الأحكام([25])، إلا أن أخطر هذه الأدوات هو باب سد الذرائع؛ تلك الأداة المنهاجية التي تم توظيفها فقهيًا بشكل جسيم في قمع النساء، فيقول ابن تيمية: “وهو المستفاد من قوله تعالى لنساء النبي في الحجاب: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) فنهى عن هذا (إظهار الوجه واليدين) سدًا للذريعة لا أنه عورة مطلقة لا في الصلاة ولا في غيرها([26])، ويمضي في موضع آخر في مواجهة القائلين بجواز النظر إلى الأجنبية بغير شهوة فيقول: “إن الراجح في مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية، لكن لأنه يخاف ثورانها، ولهذا حرم الخلوة بالأجنبية لأنها مظنة الفتنة. والأصل أن ما كان سببًا للفتنة فإنه لا يجوز فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة”([27]).

هـ- إن المنزع الذكوري للفقهاء وعمليات إنتاج الأحكام الفقهية التي مثلت النظام القانوني آنذاك قد لعبت دورًا هائلاً في تكريس وتعميق الثقافة الذكورية المناهضة للمرأة ومنظور الأعلى بالأدني كأساس للعلاقة بين الجنسين، وذلك بحكم السلطة النافذة للفقه لدى الناس. ولا يتوقف ذلك فحسب على الرجال بل يمتد بدوره إلى إدراك النساء لذواتهن، حيث يشير باحثون اجتماعيون إلى أنه في ظل سطوة النظام القانوني يقوم الناس تلقائيًا بعملية استبطان لقيمه، فيصبحوا هم أنفسهم – من خلال عملية التنشئة- أداة لإعادة إنتاج هذا النظام الذي قد يكون ضد مصلحتهم بل ضد إدراكهم لذواتهم. فالمفاهيم الخاصة بالهوية تتشكل في حقول اجتماعية من ضمنها حقل القوة([28])، وقد كان الفقه أحد الميكانيزمات الهائلة لتكريس نمط السلطة القائم على سيادة الرجل ودونية المرأة.

و- الثابت تاريخيًا -وبتفعيل ما يسميه البعض بفقه المآلات- أن إقصاء النساء عن المجال العام لم يحقق مقاصده في قطع دابر الفتن وإرساء الفضائل. والثابت تاريخيًا أيضًا أن هناك هوة شاسعة بين المشهد المثالي للفضيلة وآليات تحقيقها (من منظور ذكوري) -والذي يقدمه الخطاب الفقهي- وبين التاريخ الاجتماعي كما تقدمه العديد من الكتابات التاريخية غير الرسمية وأدب الرحلات والبلاغات، بل والإنتاج الشعري والنثري الذي يترجم لواقع الحياة كما كانت -لا كما يجب أن تكون-، وذلك لفترات طويلة من تاريخ الدولة الإسلامي. لقد أثبت تاريخ الدولة والمجتمع الإسلامي أن إقصاء النساء عن الساحة العامة لم يدفع الفتن، وأن النساء لم يكن هن أصل الفتن؛ إنما كان أصلها في انعدام حصانة مجتمع ظن أن نساءه الأحرار هن أصل الفتن فقمعهن وحبسهن، وفي ظل تلك الأوهام انعدمت حصانة المجتمع ووقع فريسة للأسباب الحقيقية للفتن من أمراض اجتماعية مثل ظاهرة العبودية (الجواري والغلمان)([29])، والانغماس في حياة الترف والدعة وانسياق الملوك والنخب إلى حياة الرفاهية والإسراف والتبذل. يضاف لما سبق فقر الرعية بعد تخلي الدولة بانتهاء عصر الراشدين عن وظيفتها الاجتماعية إلى جانب الانفتاح غير المحسوب على ثقافات الدول والحضارات الأخرى دون رابط أو ضابط. وتفيد مصادر التاريخ الاجتماعي في نفس مرحلة تشكل وسيادة فقه الأئمة الأربعة أنه رغم سيادة أحكام الحجاب والفقه المحافظ الذي كبل النساء، فقد أُطلق العنان لحياة الجواري والغلمان والسراري الذين لم تكن لتسري عليهم -وفق قواعد الفقه- قيود الحركة في المجال العام، فكان أن احتلوه تمامًا دون عقبات أو محاذير فقهية. وبينما وجدت أواسط النساء من يكره خروجهن للمساجد خشية الاختلاط، كان الاختلاط بين أزواجهن وأبنائهن يجري في أشد أشكاله انفلاتاً في منازل المقينين وأنديتهم. وانساق المجتمع إلى درجات هائلة من التبذل والتفسخ مع انتشار ظاهرة وثقافة الجواري والغلمان والقيان والمجون وانسحاب الأخلاق والحياء ما لا نجد مثيله في حياتنا الحاضرة التي توصم بكل النقائص من بعض الفرق المحافظة([30]). وإذا كان لهذا التاريخ من دلالة فإنه يثبت فساد تلك العلاقة الميكانيكية الارتباطية التي أقامها بعض الفقهاء في التراث الإسلامي بين قضية الفضيلة وإقصاء وحبس النساء عن الحياة العامة، وإنما تصبح القضية هي أية حياة عامة، وأية نساء وأي رجال؟؟

3- الخطاب الأيديولوجي للمحافظين الجدد:([31])

من المثير للتأمل أن تكون أول معركة فكرية كبرى في التاريخ المصري الحديث هي تلك المعركة التي بدأت في مصر وامتدت أصداؤها إلى سائر العالم الإسلامي حول الحجاب وشرعية خروج المرأة للمجال العام، وذلك بمناسبة صدور كتاب “تحرير المرأة” لقاسم أمين. لقد سبقت هذه المعركة -التي اندلعت في مطلع القرن العشرين واتسمت بالحدة والشراسة- سبقت السجال الذي تفجر لاحقًا حول طبيعة الدولة بمناسبة صدور كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ على عبد الرازق، كما سبقت كذلك سلسلة السجالات التي دارت حول هوية مصر. ويبقى أن ما يجمع القضايا الثلاثة كونها جميعًا قضايا مصيرية لم تحسم بعد.

لقد أسس الخطاب الذي ابتناه المحافظون المعاصرون في النصف الأول من القرن العشرين لمجمل الخطاب الأيديولوجي- الذكوري الممتد حتى الآن والداعي إلى عزل المرأة عن المجال العام. كان الإنجاز الحقيقي لهؤلاء هو شحن الخطاب الذكوري بحجج هائلة عن الأساس الطبيعي والتاريخي لدونية المرأة ووجوب عزلها. بيد أنهم جعلوا من التأويل الديني ذروة الخطاب وسنامه الذي يوفر له غطاءً شرعيًا لا تنافسه حجة. واستند هؤلاء على التأويلات الموروثة من الخطاب الفقهي المذهبي فلم يضيفوا اليها جديداً، لكنهم دعموا تلك التأويلات بترسانة هائلة من الحجج العصرية مثل الأساس الطبيعي والتاريخي لعزل المرأة.

في السطور القادمة سنقوم بتحليل ذلك الخطاب عبر مدخلين الأول هو تحليل سياق الخطاب وهو ضرورة لفهم خصائصه، والثاني هو تحليل الخطاب ذاته واستراتيجيته في تحقيق غاياته.

 

أولاً – السياق التاريخي للخطاب الأيديولوجي المحافظ المعاصر:

إن السياق التاريخي للخطاب الأيديولوجي الذي صاغه المحافظون المعاصرون لمواصلة إقصاء وعزل المرأة عن المجال العام هو سياق مختلف جذرياً عن السياق الذي حكم حركة وفكر أسلافهم المذهبيين مما انعكس في ملامح واستراتيجيات الخطاب. ومن أبرز معالم هذا السياق:

أ- تحولات جذرية فاصلة في الاقتصاد وبنيته التحتية أفرزت تداعياتها على كافة البنى الفوقية والأفكار. فالعالم كله وفي جملته العالم الإسلامي يعيش منذ قرون معدودة تحولات مادية هائلة أفرزت تداعياتها الفكرية والقيمية والمؤسسية التي كان لها أبلغ الأثر على واقع المرأة وعلاقات النوع. وقد أحدثت تلك التحولات النوعية التي بدأت في مجال الاقتصاد وتكنولوجيا الإنتاج قطيعة تاريخية عما قبلها مما أصبح يعرف بالنظام القديم. يتمثل هذا التحول النوعي في ابتكار الآلة وما أعقبها من تحولات في وسائل وأنماط الإنتاج التي تقوم عليها معيشة الإنسان وحياته، وذلك من الاعتماد على القوة العضلية إلى الاعتماد على العقل من خلال التعامل مع الآلة، ثم إلى الرقمنة فيما يعرف بعصر الثورات: الثورة الصناعية، ثم الثورة في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات.

أدى كل ذلك إلى تحول هائل في تاريخ الإنسان قوامه ولأول مرة تضاؤل القيمة النسبية للقوة العضلية التي يتمتع بها الرجال سواء في عملية الإنتاج أو في الحروب وإدارة الصراع لصالح الآلة التي تدار بالطاقة، وتحول الإنسان إلى مجرد مساعد للآلة. وترتب على تلك التحولات دخول كثيف للنساء في العملية الإنتاجية التي أضحت تلائم قدرات المرأة وما تبع ذلك من تزايد كبير في قيمة المرأة الاقتصادية ودورها في عملية الإنتاج وإنماء الثروة المجتمعية ليقترب نصيبها من المناصفة.

في نفس الوقت حدث تحول موازي على الصعيد المعنوي والإدراكي تمثل في تعليم النساء عبر وسائل وأدوات التعليم العامة مثل المدارس: حيث اكتشفت المرأة واكتشف المجتمع كله أن المرأة تُحَصِل كما يُحَصِل الرجل، وتفهم وتستوعب التراث العلمي والفلسفي والروحي الإنساني بنفس قدرات الرجل، وأنها قادرة على إعادة توظيف واستخدام تطورها العقلي من خلال الكتابة والإنتاج الفكري والطموح الوظيفي. وباختصار فقد ترتب على ما سبق أن أعادت المرأة اكتشاف نفسها.. وكذا كان على المجتمع أن يعيد اكتشافها وتعريفها في صورة جديدة غير مسبوقة منذ فجر التاريخ، رغم ما اعترى تلك العملية من مقاومة وصراع بين الصورة القديمة والجديدة. ولقد كان من أبرز نتائج تلك التطورات أن اكتشفت المرأة أنها ليست أقل في قدراتها العقلية عن الرجال وأنها تشعر بإنسانيتها المتساوية وكرامتها.

والخلاصة أن التحول في وسائل الإنتاج قد حرك سلسلة من التداعيات جعلت وجود المرأة في المجال العام (عملاً وتعليمًا) حقيقة واقعة. ومن ثم أدت الثورة الاقتصادية والتقنية إلى ثورة اجتماعية وفكرية تشكك بقوة في كثير من الأفكار السائدة خاصة ما يتعلق بالمرأة ومنظومة استضعافها.

ب– تحول مفهوم الدولة وقاعدة تشكيلها من دولة راعية غايتها حماية القاطنين فيها سواء من الخارج أو في الداخل من خلال آليات الضبط مما أكسبها طابعاً سلطوياً أبوياً، إلى دولة ذات قاعدة ومفهوم اقتصادي هي أقرب ما تكون إلى الشركة غايتها هي الإدارة الاقتصادية الناجحة للموارد. وقد أدى ذلك إلى تغير كبير في مفهوم المواطنة والحقوق المدنية من نموذج تراتبي هرمي إلى نموذج أقرب إلى المساواة ومفهوم الشراكة بحكم النظر إلى مختلف المواطنين -بغض النظر عن الجنس أو النوع أو الدين- كشركاء أو حملة أسهم. وعليه فإن طبيعة الدولة المعاصرة وقاعدتها الاقتصادية تلفظ المنظور التمييزي- العنصري وتتبنى مفهوماً أقرب للمساواة يستوعب النساء لأول مرة كفاعلين وشركاء سياسيين.

ج- العلاقة الحضارية غير المتكافئة مع الغرب عبر الكولونيالية والكولونيالية الجديدة والعولمة. وقد أدت هذه العلاقة غير المتكافئة أن شهدت المنطقة العربية-الإسلامية ضمن العالم الثالث عمومًا نوعًا من التدفق أحادي الاتجاه لعناصر ومؤثرات القوة من الغرب الذي يملك مفتاح القوة الحضارية الراهنة.. اتسع هذا التدفق ليشمل القوة العسكرية والنفوذ السياسي والغزو الفكري والقيمي والثقافي من الغرب إلى العالم ومن جملته العالم الإسلامي.

لقد حددت هذه العلاقة غير المتكافئة معالم كثيرة لعالمنا الإسلامي سواء في حركته السياسية (حركة التحرر من الاستعمار ومقاومة التبعية والاستعمار الجديد) أو في أفكاره وخطاباته التي انقسمت بين حدي التماهي مع الغرب القوي من جانب وبين المقاومة والبحث عن الهوية الخاصة. ولكن أيًا ما كان رد الفعل للهيمنة الحضارية الغربية (متحديًا أم متماهيًا)، ففي كلا المعسكرين شكلت هذه العلاقة غير المتكافئة مع الغرب وتشابكاتها وتعقيداتها الملامح الأساسية للأفكار والأهداف. بل لقد أدى هذا الواقع غير المواتي إلى تبلور طابع أيديولوجي للصراع الفكري خاصة بين القوى العلمانية المتغربة وبين القوى الإسلامية والقومية العروبية على الجانب الآخر؛ لأن الخلاف لم يقتصر على مجرد أفكار بل أضيفت إليها قيم وغايات ثم مخططات ووسائل ومقترحات لتحقيق تصورات مستقبلية متباينة؛ وهو معنى الأيديولوجية. في ظل هذا الصراع الأيديولوجي تفجر الحوار حول قضية المرأة باعتبارها من أهم نقاط الخلاف بين النموذجين الغربي والإسلامي.

د- الوضعية الانتقالية التي يعيش فيها العالم العربي-الإسلامي منذ ما يقرب من قرنين. وبعبارة أخرى فإن العالم الإسلامي يقف منذ ما يزيد عن قرنين على “فترة” من البناء الحضاري، أو من نهضة حضارية عربية أو إسلامية بمقتضياتها ومؤسساتها من نظرية سياسية ودولة ونظام اجتماعي وقانوني ومنظومة مقاصد ونظام قيمي متماسك.. إلخ. وذلك بعد انهيار النظام القديم تحت وطأة الغزو الغربي وسياسات وبرامج التحديث المحلية.

إن مفهوم “الفترة” هو مفهوم إسلامي أصيل يشير إلى مرحلة بينية فاصلة بين نظامين شرعيين، أحدهما انهار والآخر لم يولد بعد! والمعروف أن المراحل الانتقالية هي مراحل تاريخية تعتريها الكثير من الفوضى واختلاط الملامح والتشتت الفكري وتفاقم الصراعات وغياب البوصلة والتردد بين نجاحات جزئية وإخفاقات كبرى، كما أنها مرحلة يغيب فيها الاتفاق العام حول القضايا والوسائل والمقاصد الكبرى ما يجعلها من أكثر الفترات إيلامًا في تاريخ الأمم. ومع ذلك فالتاريخ يثبت أن تلك “الفترات” الانتقالية في تاريخ الحضارة لاتعني أبدًا مدة زمنية ضائعة مهدرة بل هي مراحل تشكل وإعادة بناء شديدة الخطورة والحسم. وأحد أهم آليات التشكل هو تلك الحوارات الجدلية حول القضايا والصيغ الكبرى لبناء الأمة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا.. إلخ.

إن قضية دور المرأة ومكانتها وموقعها في المجتمع هو من أخطر تلك القضايا البنائية للأمة، ليس فقط لأنها ترتبط بجوهر النظام الاجتماعي ومنظومة القيم ونظام السلطة فيه، إنما أيضاً لكونها تمس نصف المجتمع وموارده البشرية، ومن ثم فهي تؤثر بقوة على طبيعة النظام الاقتصادي. وعليه فإنه ليس مستغربًا أن تشهد قضية المرأة خاصة ما يتعلق بحجبها داخل المنزل أو خروجها إلى المجال العام دورات متتابعة من الجدل تحمو وتخفت، نذكر منها الجدل المذكور في مطلع القرن العشرين، وجدل السبعينيات في ظل حركة الإحياء الإسلامي وصعود نجم الحركات السلفية.

ثانياً- ملامح الخطاب الأيديولوجي حول دور المرأة بين المجالين الخاص والعام: قضية حجاب المرأة:

احتلت قضية حجاب المرأة بمعنى لزومية بقاء المرأة في مجالها المنزلي الخاص، وتغطية الوجه أي عدم بروز المرأة بشخصيتها في المجال العام إلا للضرورة، احتلت مكانة المركز في نظرية المحافظين المعاصرين بشأن قضية النوع التي بدورها تعد قلب نظريتهم الاجتماعية والأخلاقية. ويمكن تمييز نوعين من الخطاب الأيديولوجي المعاصر في شأن المرأة وموقعها في المجتمع؛ الأول الخطاب الأيديولوجي للمحافظين من المؤسسات الدينية، والثاني هو الخطاب الأيديولوجي للمثقفين المتعلمين تعليمًا حديثًا، ويستند هذا الجزء على تحليل نماذج لكتابات مجموعة من أبرز من عنوا بقضية الحجاب والمرأة مثل محمد فريد وجدي وطلعت حرب وأبو الأعلى المودودي، ومن المؤسسة الدينية الشيخ عبد العزيز بن باز، وبين الطروح السابقة كان طرح المودوي أكثرها تماسكًا وتكاملاً في التعبير عن الخطاب الأيديولوجي المحافظ بكامل أبعاده، مما دعا إلى إعطائه ثقلاً أكبر في التحليل.

وقد اجتهد أصحاب الاتجاه الأيديولوجي المحافظ من المحدثين في ابتناء خطاب متكامل الأبعاد والزوايا لإثبات رأيهم في ضرورة الحفاظ على نمط السلطة وعلاقات القوة القائمة بين الرجال والنساء، وبقاء المرأة في حيز المجال الخاص رغم كل التحولات المادية والفكرية التي خلخلت هذا النموذج بشدة. وفي هذا الإطار ارتكز خطابهم على المقومات التالية:

أ: البناء على التراث السلفي المذهبي في تفسير أحكام الحجاب والقرار كأساس لشرعية خطابهم:

ويعد جهدهم التفسيري للآيات القرآنية المعنية بموقع النساء بين المجالين العام والخاص (وهي آيات 30 – 31 من سورة النور و32- 33-59 من سورة الأحزاب) يعد امتدادًا أو إعادة إنتاج لتفسيرات وأحكام الخطاب المذهبي، وبالتالي لم تأت بجديد. بيد أن متابعة نهج المحافظين المعاصرين في التعامل التفسيري والاستنباطي مع النص القرآني تثير مجموعة من الملاحظات: أولها اعتماد المحافظين المعاصرين منهجًا أقل تدقيقًا وأكثر تعميمًا من الفقهاء الأول في تفسير الآيات العمدة المذكورة. قام هذا النهج التعميمي على عدم التمييز بين الأحكام الموجهة لأمهات المؤمنين بالقرار والحجاب الكامل عن الأجانب وبين أحكام عموم النساء، بدعوى أن نساء آل البيت هن قدوة لعموم المسلمين وأن الأمر لهن – وهن أكثر الناس إيمانًا وطهارة – من باب أولى هو أمر لعموم النساء([32])، ومن أمثلة ذلك التعسف والتشدد في تعميم الحكم اعتبار الشيخ بن باز أن الآية الموجهة بالأمر الإلهي لأصحاب الرسول بالحرص على اتخاذ حجاب عند التعامل مع زوجات النبي (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) بوصفها آية محكمة “فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليه والحكم فيها عام في نساء النبي r وغيرهن من نساء المسلمين”([33]).

الملاحظة الثانية تتعلق بتوظيف ترسانة تفسيرات السابقين كمعين لا ينضب له قداسته وتقديره الذي لا يقل عن ظاهر النص بل يكاد يوازيه. فبالإضافة لابن مسعود استخدمت تفسيرات الجصاص والرازي وغيرهم. الملمح الثالث هو النهج الانتقائي في الاستناد للأحاديث التي تدعم أصحاب هذا الرأي في الحجاب، وتضعيف الأحاديث غير المواتية ومنها الحديث الأشهر لعائشة عن الرسول r بأنه لايحل أن يظهر من المرأة إلا وجهها وكفيها([34])، ويدخل في ذلك أيضًا القول بنسخ كل ما لا يوافق تلك الرؤية في مسألة الحجاب من آيات أو سنة تقريرية، وأخيرًا التعميم في النتائج ومنها ادعاء إجماع المسلمين بأنه يترتب على ظهور الوجه والكفين الفساد والفتنة([35]).

إن الرأي الذي ينتهي إليه أصحاب الخطاب الأيديولوجي في مسألة بحث دور المرأة بين المجالين العام والخاص يتلخص في القول بأن انسحاب المرأة من المجال العام وحبس المرأة في المجال الخاص فريضة شرعية وهو ما يعرف اصطلاحًا بـ”الحجاب”. وينطوي الحجاب كنظام حياتي واجتماعي وحكم شرعي على مدلولين متلازمين، فهو يعني:

  • التزام اللباس الشرعي وهم يرون أن هذا اللباس طبقًا لتفسيرهم آية (59) من الأحزاب فهو ستر الوجه وإخفائه وعدم كشفه إلا للضرورة وقضاء الحاجة([36]).
  • الحجاب أيضًا يعني التزام المنزل حيث “أن مقام المرأة ومستقرها هو البيت”، فخروج المرأة من منزلها ليس حق أو اختيار بل هو جواز مشروط بالحاجة، يقول المودودي: “إن كان لهن حاجة إلى الخروج فيجوز لهن أن يخرجن من البيت”([37])، “ولكن هذا الإذن ليس بمطلق غير محدود ولا هو غير مقيد بشروط فليس جائزًا للنساء أن يطفن خارج بيتهن كما شئن”([38]).

ويعني ما سبق أن إرادة المرأة الحرة لا مجال لها في مسألة البقاء في المنزل أو الخروج منه، وإنما هي إرادة مقيدة بشرط الحاجة. ولا يُترك للنساء تحديد هذه الحاجة، بل يعرفها المودودي بأحوال معينة لعامة النساء في الظروف العادية مثل: حضور المساجد وفق ضوابطه وشروطه، والحج، وشهود الجمعة والعيدين، ولبعض النساء الذين يضطررن إلى العمل خارج المنزل لظروف خاصة مثل ألا يكون لها “قيّم” من الرجال، أو أن تضطر المرأة في حالة الضرورة إلى العمل خارج المنزل لخصاصة قَيِّم الأسرة” أو ضآلة معاشه أو مرضه أو عجزه أو سبب آخر([39]).

وفي ذلك فإن خروج المرأة الاستثنائي “للحاجة” مرهون بالعديد من الشروط المتعلقة بالسلوكيات والآداب وقواعد الملبس بل والنوايا، ذكر المودودي منها: مراعاة العفة والحياء، لا يكون للبسهن بريق أو زخرفة تجذب الأنظار، لا يكون في نفوسهن حرص على إظهار زينتهن، لا يلبسن من الحلي ما يحلو وسواسه في المسامع، لا يرفعن أصواتهن، لا يتكلمن بعذوبة وتشويق.. يقول المودودي: “كل هذه الضوابط والحدود إن راعتها النساء جاز لهن أن يخرجن لحوائجهن”([40]).

ب- بلورة نظرية شاملة لعلاقات النوع تقوم على تقسيم الأدوار والسلطة الذكورية:

خلافاً للطرح المذهبي التراثي الذي قدم شذرات متنوعة في موضوع المرأة بمناسبة تفسيرهذه الآية أو تلك، فإن الخطاب الأيديولوجي قد طرح صراحة ودون مواربة أن تفسيراته لموضوع حجاب المرأة وإقصائها عن المجال العام إنما هو جزء من رؤية للعالم world view ونظرية شاملة لقضية المرأة وعلاقات النوع. ورغم أن تلك النظرية بعناصرها هي امتداد للنظرية الأبوية وإعادة إنتاج لمقولات الخطاب الذكوري المعروف في الغرب، إلا أن الجديد هو طرحها للمرة الأولى كمنتج يعبر عن المنظور الإسلامي من خلال محاولة هؤلاء المفكرين إعطائها مسحة وتطبيقات إسلامية. وقد طرح المودودي في كتابه “الحجاب” الأبعاد الأساسية لتلك النظرية على النحو التالي:

*إن التمدين والحضارة البشرية تنبني على التقسيم الوظيفي وتكامل الأدوار بين الرجل والمرأة، فيختص هو بالمجال العام وتختص المرأة بالمجال الخاص أو المنزل، الذي يسميه المودودي (دائرة عمل المرأة). “ويكلف كل منهما بخدمات تمدينية مختلفة وفقًا لطبيعته ومقدرته الجسدية والعقلية ثم تنظم عملهما تنظيمًا يجعلهما متعاونين متعاضدين في حدود الشرع”([41])، ويحذر أصحاب هذا الخطاب من مخاطر “كونية” لأي إخلال بهذه القسمة، ومنها أن تقدم المرأة على الأعمال العامة أو ما وصفه محمد فخري بـ “مقاسمة حقوق الرجل”، مثل هذا التغيير “يقضي بلا ريب على توازن نظام الكون ويلقي بالمجتمع الإنساني في بحر من الاضطراب”([42]).

* يقترن هذا التقسيم الوظيفي بنظام للسلطة الاجتماعية يعتليه الرجل ويقوم على قاعدتي؛ حق الأمر للرجل وواجب الطاعة على المرأة. يوضح ذلك المودودي بقوله: “إن الرجل قوَام على الأسرة أي هو حاكم الأسرة وراعيها ومراقب أخلاقها وشئونها، وواجب الإطاعة لجميع أفرادها إلا أن يأمر بمعصية الله ورسوله. ثم هو مكلف بعيالة الأسرة وتزويدها بحاجات حياتها”([43])، ويضيف “لما كان الرجل هو المسئول عن حفظ النظام الاجتماعي من الفوضى والاختلال وصيانة أخلاق الأسرة وشئونها من الفتن الداخلية والخارجية، فقد فُرض على المرأة حفظًا لهذا النظام أن تطيع الرجل الذي هو مسئول عنها سواء كان هذا الرجل بعلها أو أباها أو أخاها”([44]).

* بحكم مجال عمل كل من الطرفين ووضعهما في بنية السلطة فقد أوتي الرجل شخصية وأهلية قانونية كاملة، بينما تحظى المرأة بحكم موقعها ودورها بأهلية منقوصة تخضع فيها لولاية الرجل، “إن المرأة لم تتمتع بحرية الإرادة والاختيار مثل ما أعطي الرجل البالغ”([45])، يتجلى ذلك في عدة أمور منها أن “المرأة بكرًا كانت أم متزوجة أم أرملة يجب أن يصاحبها في السفر محرم.. والمرء له كل الحرية في أمر نكاحه… لكن المرأة لم يُجعل لها كل هذه الحرية والاختيار فلا يجوز لها أن تنكح رجلاً من غير المسلمين ولا يجوز لها التمتع بعبدها… والمرأة لها الحرية في انتخاب زوجها من أحرار المسلمين ولكن يجب عليها في هذا الأمر أيضًا أن تراعي رأي أبيها وجدها وأخيها وسائر أوليائها”([46]).

* إن الحديث عن حقوق المرأة يدور وينحصر في إطار النظرية السابقة بحدودها في السلطة والولاية ونظام تقسيم الأدوار الذي تتموضع فيه المرأة داخل المجال الخاص فقط. فالحقوق الاقتصادية للمرأة هي الحقوق المكتسبة داخل المجال الخاص وبسببه مثل المهر والميراث. وحقوقها الاجتماعية تتلخص في: حقها في انتخاب زوجها برضاها وإذنها، وحقها في طلب الخلع والتفرق من زوجها إن كان ظالمًا، وحقها في المعاملة الحسنة من قِبَل زوجها، وحقها إن كانت أرملة أو مطلقة في النكاح الثاني، وحق المساواة مع الرجل في القوانين المدنية والجنائية (حفظ الأموال والأنفس والأعراض)”([47]) حتى حقوق المرأة في التعليم فهي تنبع أو تنحدر من دورها في المجال الخاص “فالتعليم والتربية للمرأة من وجهة نظر الإسلام هو الذي يجعلها زوجة مثالية وأمًا رؤومًا وربة بيت مدبرة.. ويلزم لها بعد ذلك تلك العلوم التي تعلم المرء الإنسانية وتهذب من أخلاقه وتوسع من أفق نظره”([48]) (انتهى الاقتباس). ولا تمنح فرصة الحصول على غير ذلك من أنواع العلوم والفنون إلا النماذج الاستثنائية من النساء التي “أتاها الله بعد ذلك عقلاً خصبًا وفكرًا غير عادي”([49])، بل إن بعض هؤلاء المفكرين الذكوريين لم يتورع عن طرح دعوة لتحرير المرأة في إطار هذه المنظومة على أساس أنه “ليس الغرض من تحرير المرأة “أن تتعدى الدائرة التي خصتها بها الطبيعة والقانون ولا أن تطمح في طلب حقوق الانتخاب ومساواتها تمام المساواة بالرجل.. بل نريد بتحريرها أن نخرجها لنهضة يكون تقدمها فيها محسوبًا نحو إدارة شئون منزلها واجتلاب قلبه بلطفها ورقتها”([50]).

ج- التأكيد على الأسس “الطبيعية” لإقصاء المرأة من المجال العام وعزلها في المجال إلخاص:

حرص الفكر والتراث الذكوري على الربط بين المرأة والطبيعة باعتبار دورها في إعادة إنتاج النوع البشري وللتقليل من حظها في “الإنسانية العليا” من خلال قرنها بالبُعد الأقل تطورًا في الإنسان وهو المادة، بينما ألحق الرجل بالجانب الأرقى من الوجود الإنساني وهو العقل والمعرفة والثقافة والحضارة. وبرغم ما سبق فقد وظفت الطبيعة كذلك كسلاح من أمضى الأسلحة للإساءة للنساء وتقليل شأنهن وتبرير دونية وضعهن الإنساني والاجتماعي والقانوني والسياسي وعزلهن عن المجال العام. ولا يختلف في ذلك المفكرون المسلمون عن غيرهم، فمنذ عهد الرازي وغيره من المفسرين فُسِرت حظوظ النساء من الطبيعة وأدوارهن ضدهن، ولكن مع التطور المعاصر لعلوم الأحياء والتشريح وجد التيار الذكوري الأبوي في بعض النظريات والبحوث البيولوجية معينًا لا ينضب لتدعيم خطابهم القمعي التمييزي ضد المرأة، باعتبار ذلك هو إرادة الطبيعة الحتمية المصيرية التي لا فكاك منها، والتجأوا إلى منهج انتقائي في اختيار تلك البحوث والدراسات التي تؤكد أفكارهم المسبقة.

فالمودودي على سبيل المثال اعتمد في إثبات مقولة تفوق وأفضلية الذكر على الأنثى على تحليل أدوار عملية التزاوج الطبيعية (العملية الجنسية) واعتبارها أساسًا لترتيب علاقة وقيمة الذكر والأنثى حيث “أن الطبع الحيواني- كما أسلفنا- كالفرش والأساس في خلقة الإنسان وعليها رفعت قواعد إنسانيته”([51])، معتبرًا أن دور “الفعل” المقرون بالذكر له القوة والغلبة والسيادة بينما يقترن “الانفعال” المقرون بالأنثى بالضعف والمغلوبية والتأثر([52]).

ما يعنينا في هذه الأطروحة هي تلك الحجج (الطبيعية) التي ساقها أصحابها لإثبات عدم صلاحية المرأة لأدوار المجال العام وانحصار صلاحيتها وكفاءتها في المجال الخاص، وما اتبعه هؤلاء من نهج انتقائي لما وُصف بأنه أبحاث ونظريات علمية تثبت مقولاتهم. يقول المودودي إن فطرة المرأة لا تناسب أداء الأعمال العامة التي يؤديها الرجال؛ أما السبب في ذلك فيعود لعدة عوامل تتصل بطبيعتها الأنثوية من مثل الحمل والولادة والرضاعة ولكن أهمها على الإطلاق “الحيض”. وعبر ثلاث صفحات كاملة يخصصها المودودي لبحث الحيض وآثاره ينتهي إلى أن الحيض ينفي عن المرأة أهليتها للعمل العام لأنه يؤدي إلى نتائج وخيمة، منها على سبيل المثال لا الحصر: فقد المرأة سيطرتها على أعضائها وتعطل قوى حكمها واختيارها فتصدر عنها الأفعال بغير إرادة ولا يعود لها في أعمالها وتصرفاتها من حرية ولا تكون أهلاً للقيام بتبعة أو مهمة([53])، أما عداه من الحداثيين أصحاب الفكر الذكوري فلم يربطوا ضعف المرأة عن العمل العام بعوارض شهرية بل بثوابت نقص تكمن في بنيتها الخلقية ذاتها؛ يرى محمد فريد وجدي -على سبيل المثال- أن علم التشريح قد أثبت أن الرجل أقوى جسديًا وعضلياً، وهو أقوى في حواسه الخمس وتكوينه العصبي، وأرقى في مراكز إدراكه، كما أن حجم مخه أكبر، أما المرأة فهي أقرب للطفل في تركيبها الجسماني والحسي والعقلي والمزاجي ووجدانها..([54]) وينعكس ذلك على أهليتها للعمل العام حيث “لا ترى عندها الميل لتوازن الحقوق والواجبات. أما العدالة التي تسوي بين صنوف البشر فهي بالنسبة للمرأة عبء ثقيل لا تحتمله”([55]).

إن كنه ودلالة هذا الجزء من الخطاب الأيديولوجي الذكوري المعاصر إنما هو باختصار إثبات أن دونية المرأة وخضوعها للرجل واختصاصها بالعمل المنزلي والأسري وعدم أهليتها للعمل العام، هي قَدَر حتمي تفرضه الطبيعة ولا فكاك منه، أو كما قال المودودي أن “المرأة قد خلقت لأجل الولادة والتربية بدلالة علم الحياة” وأن “الذين يريدون أن يقلدوا المرأة عمل الرجال فكأني بهم لا يريدون إلا إحدى ثلاث؛ إما أن يبدلوا جميع النساء غير النساء فيقضوا على النوع قضاء، أو يلتقطوا جزءًا من طبقة النساء في كل جيل فيجردوهن من طبيعة الأنوثة، أو يحطوا من مستوى الجدارة والأهلية بجميع شئون التمدين عامة”([56]) فهذه قسمة عادلة قد شاءتها الفطرة بين صنفي الإنسان، ويدل على هذه القسمة ويؤيدها كل من علوم الأحياء والتشريح والنفس والعمران. وإن كون الولادة والتربية مقصورة على المرأة وحدها هو الحقيقة الفيصل التي تخصص لها دائرة العمل في التمدن”([57]).

د- هاجس الآخر الغربي… المساواة وتحرير المرأة يعني انحلال المجتمع:

الغرب هو الحاضر الغائب دائما في الذهن العربي- المسلم المعاصر؛ إنه العدو والخصم، وهو السيد الحاكم المسيطر.. وفي بعض الأحيان هو مضرب المثل ومصدر العلوم والحكمة والمثل الأعلى، ولكنه هو العبرة وجحيم الدنيا وجنونها وموطن شياطينها أحيانًا أخرى. وبرغم هذا التناقض الذي ينطق بوجود مرض نفسي جماعي يقترن بثنائية الأنا والآخر، وعقدة الأعلى والأدنى، يبقى حضور الغربي إيجابًا أو سلبًا جزءًا لا يتجزأ من كينونة المسلم المعاصر وعذاباته أيضًا.

كتابات طلعت حرب وفريد وجدي وناصر الألباني من المحافظين وغيرهم كثيرين تعكس هذا التناقض. فعند طلعت حرب -على سبيل المثال- تفصل صفحات قليلة بين تفسيره الدعوة إلى رفع الحجاب عن المرأة باعتبارها خطة أوروبية لهدم العالم الإسلامي بتواطؤ من بعض الحكام المسلمين للتقرب إلى الغرب وتحقيق مآربهم السياسية”([58])، وبين الاستعانة بآراء العديد من المفكرين والفلاسفة والعلماء الغربيين من أعمدة النهضة الأوروبية والعصر الفيكتوري الذين تبنوا موقفًا عدائيًا لتحرير المرأة وأنتجوا تراثًا ذكوريًا شديد الوطأة للحط من النساء([59])، واعتبر طلعت حرب وفريد وجدي أن استعانتهم بهذه الأقوال والأفكار المرموقة مصدر قوة وشرعية كبيرة لدعواهم بحصار المرأة، غير مكتفين بتفسيراتهم للنصوص([60])، أما المودودي فقد اجتمع لديه التناقض بين الاستعانة بعلوم الغربيين لإثبات الدونية الطبيعية للمرأة كأحد تقنيات الاستدلال القوية التي لا يداخلها تشكيك كونها علماً، وبين النظرة السلبية الشديدة للواقع الاجتماعي للغرب وضرب المثل به كمجتمع في حالة انهيار وتحلل. ويرجع المودودي – ويتفق معه في ذلك كل أصحاب الأيديولوجية الذكورية المحافظة- انتشار التحلل الخلقي وانتشار الفاحشة وانهيار الأسر ومعها النظام الاجتماعي وانتشار بعض الأمراض التناسلية الخطيرة إلى اعتماد الغرب سياسة المساواة بين المرأة والرجل وتحرير المرأة وفتح باب العمل أمام النساء في كل المجالات، وما رافقه من اختلاط مطلق بين الرجال والنساء([61]). أما الشيخ بن باز فكان أكثر وضوحًا ومباشرة وأدنى سقفاً، فأصل الشرور يكمن في مجرد سفور وجه المرأة فمعه -كما تظهر تجارب الآخرين- يأتي “التبرج والزينة والمنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة وظهور الفواحش وقلة الحياء وعموم الفساد”([62]).

هـ- نظرية لحركة التاريخ والحضارات أساسها موقع المرأة بين المجالين العام والخاص:

يستكمل المودودي أضلاع أطروحته حول الحجاب بفكرة لم يدانيه فيها أي من الكتاب القدماء والمحدثين الذين عنوا بقضية المرأة. وإذا كانت النسويات المعاصرات خاصة الاتجاهات المتطرفة منهن تجعلن من قضايا النوع قضية مركزية لفلسفة وحركة التاريخ، فإن المودودي يقدم النموذج الذكوري المقابل([63]).

يبتني المودودي نظريته على فكرة مؤداها أن أعظم مسائل التمدن البشري وأكثرها إعضالاً والتي يتوقف على حلها رقي الإنسان وسعادته مسألتان؛ الأولى: هي صلة الرجل والمرأة فهي “أساس التمدن وملاك أمره”، والثانية: هي العلاقة بين الفرد والجماعة([64])، ويركز بشكل الخاص على محورية خروج المرأة للمجال العام أو تموضعها في المجال الخاص، من هذا المنظور يرى المودودي أن التاريخ يتحرك حركة جدلية بين الإفراط في سجن المرأة في المجال الخاص المقرون بظلمها ونزع حقوقها وإنسانيتها وبين التفريط في فتح مجالات الحرية والخروج للمجال العام بلا ضابط ولا رابط، وأن مسار التمدين يقود المجتمعات في المرحلة الأولى إلى التخلي عن تطرفها ضد المرأة، فتنتقل إلى المرحلة الثانية من التسامح فيؤدي خروج المرأة فيها واختلاط الرجال والنساء بلا حدود إلى الانهيار الأخلاقي وصعود ثقافة الدعارة والرذيلة وانهيار نظام الأسرة الذي هو أساس التمدن مؤذناً بانهيار الحضارة. ويرى المودودي أن البشرية لم تنجح على مدى التاريخ في الوصول إلى نقطة التعادل التي تحل تلك المعضلة.

و- اكتمال الطرح الأيديولوجي: خطة للمواجهة وسياسة للمستقبل:

تكتمل الأيديولوجية بطرح مشروع أو خطة للخروج من المعضلة ووضع الفكرة الأيديولوجية موضع التنفيذ. ويقدم المحافظون المحدثون رؤيتهم الذكورية (الجديدة- القديمة) للعلاقة بين الرجال والنساء باعتبارها الحل الوسط التاريخي لمشكلة المجتمع والحضارة بأسرها، بل هم وكأغلب الطروحات والقراءات الذكورية يقدمونها باعتبارها هي رؤية الإسلام وليس مجرد رؤية إسلامية. ولا تخرج هذه الخطة عن مسألتين هما: إقرار تقسيم العمل بين الرجل والنساء على أساس قصر العمل في المجال العام للرجال والمجال الخاص للنساء. وإقرار السلطة الأسرية والمجتمعية للرجل لكبح جماح المرأة. ويحدد المودودي أربع ركائز لهذه الخطة من أجل تنظيم المجتمع وهي:([65])

  • إلى الرجل تكون عيالة الأسرة ورعايتها وحمايتها.
  • إلى المرأة تكون تربية الأولاد وواجبات البيت والعمل على جعل الحياة المنزلية بحبوحة أمن ودعة وراحة.
  • لاستبقاء نظام الأسرة ووقايته من الفوضى والشتات لا بد أن يُجعل لأحد من أفراد الأسرة الحكم والأمر على سائرهم.. وذلك الفرد الآمر لا يمكن أن يكون من غير صنف الرجال، “فيجب أن يكون الرجل صاحب السيطرة المطلقة.. ولكن ذلك كله لا يمنع من مطالبة الرجل بالاعتدال في تلك السيطرة”([66]).
  • يجب أن تُقر في نظام التمدن التحفظات اللازمة لإقامة هذه القسمة والتنظيم في وظائف أفراد الأسرة.

ويضيف الشيخ عبد العزيز بن باز قاعدتين مهمتين لهذه الخطة: أولهما أن فرض الحجاب على النساء يتعين أن يكون واجبًا وسياسة تربوية يعتنقها الآباء في أسرهم ويفرضونها وإن قسرًا “بالأخذ على أيدي نسائهم” وعدم “التساهل مع البنات الصغار”. والثانية أن فرض الحجاب وعدم التساهل بشأنه يتعين أن يكون سياسة للدولة يتبناها “ولاة الأمور من الأمراء والقضاة والعلماء ورؤساء الهيئات وأعضائها” بل أن يكون ذلك نهجًا اجتماعيًا يلتزمه جميع المسلمين ملتزمين فيه سياسة الشدة والغلظة على من تساهل فيه بوصفه إنكار للمنكر([67]).

ملاحظات نقدية حول الطرح الأيديولوجي للمحافظين الجدد:

إن الربط بين مقولات واستراتيجيات الخطاب الأيديولوجي الإقصائي الذي عرضناه أعلاه وبين سياقه التاريخي، والمقارنة بين هذا الخطاب وسلفه الخطاب الفقهي لَيثير العديد من الملاحظات المهمة:

أ- أن هذا الخطاب لم يكن خطابًا مهيمنًا يملك سلطة وشرعية فكرية شبه مطلقة كسابقه، بل كان طرفًا في جدال خصب وحاد لم يحسم حتى اليوم. بل إن هذا الخطاب لا ينفرد بادعاء تمثيل المنظور الإسلامي كالخطاب الفقهي المذهبي؛ فخصومه من التيار الإسلامي التجديدي بل وحتى الليبراليين قد لجأوا إلى المراجع الإسلامية العليا في عملية إعادة فهم وتفسير الآيات بعقلية معاصرة.

ب- أن هذا الخطاب وفي ظل التحديات الهائلة والجسيمة التي اعتمل بها سياقه الاجتماعي والتاريخي -على نحو ما بينا- كان مضطرًا لتبني استراتيجية دفاعية، وفي ظل جسامة التحديات والخصومات التي جعلت من أصحاب هذا الخطاب وكأنهم يخوضون صراع وجود دفاعًا عن الهوية، فقد أنتجوا لنا خطابًا شديد التركيب متعدد المستويات وظفت فيه إلى جانب النص أدوات جديدة معاصرة مثل الفلسفات والنظرية الاجتماعية والتاريخ والخبرات المقارنة ونتائج منتقاة للبحوث البيولوجية والطبية. ففي خضم الصراع الفكري الشديد استخدمت كل ترسانة الأسلحة الفكرية الممكنة لسد الثغرات على أعدائهم، وامتلاك ناصية الدعوة والأنصار لدى الجمهور.

ج- اتسم هذا الخطاب بدرجة هائلة من التحيز ضد المرأة لم يحرص على تجميلها أو سترها بل عبَّر عنها بشتى الأساليب. وانعكس هذا التحيز- الذي يصم كل الطروحات الأيديولوجية بصفة عامة – انعكس على منهجهم الفكري فتبنوا نهجًا انتقائيًا في إثبات الأفكار والمقولات. تجلى هذا النهج الانتقائي في صور جلية منها التعامل مع نتائج البحوث العلمية التي تثبت نقصاً هنا أو هناك في المرأة متجاهلين البحوث المقابلة. والأهم تجاهل أن البحوث والتجارب البيولوجية في حالة تطور دائم، بل هي أكثر أنشطة الحياة المعاصرة نموًا بحيث يفقد كثير منها صلاحيته بعد فترة قصيرة من الزمن نتيجة الاكتشافات الجديدة، كما تسقط الاستنتاجات المبنية عليها بإدخال متغيرات جديدة باستمرار. انعكست هذه الانتقائية أيضاً على منهجهم في البحث الاجتماعي والتاريخي المقارن الذي استخدموه، خاصةً ما يتعلق بالخبرة الغربية كنسق حضاري مقابل. وأدى التحيز والانتقائية إلى وقوعهم في فخ الاختزال والتسطيح؛ من ذلك على سبيل المثال نسبة التدهور الأخلاقي وتهاوي نظام الأسرة في الغرب إلى حركات المساواة وتحرير المرأة وخروجها للعمل، متجاهلين أن الجذور الأصلية لتلك الظواهر تكمن في البراديم السائد في الغرب المعاصر فيما يخص فلسفتهم العليا للإنسان والوجود، هذه النظرة التي تقوم على رفض الدين ومنتجه القيمي والأخلاقي واستبدال الإنسان وإرادته موضع الإرادة الإلهية، وما ترتب على ذلك من احترام خياراته وتقنينها دون مرجعية أعلى. ويمكن تصور الوصول إلى نتائج جد مختلفة لما انتهوا إليه في حالة الأخذ في الاعتبار ما تجاهلوه من متغيرات؛ أهمها أن تفعيل قضية إنصاف المرأة وتمكينها من حقوقها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في ظل تفعيل المرجعية والمنظومة الدينية سيؤتي نتائج جد متباينة. أما أشد هذه التحيزات فجاجة فيكمن في الفرضية الأساس التي ابتُني عليها فكرهم والتي تتعلق بتحميل النساء وحدهن -دون الرجال- عبء ومسئولية الفضيلة والعفاف كقيم إسلامية عليا، ومن ثم معاقبة هذا الجنس بدفع الثمن الباهظ كاملاً لفضيلة المجتمع.

4- نحو قراءة نسوية إسلامية لدور المرأة في المجال العام

ونطرح هذه القراءة عبر عدة زوايا تتناول: المنظور، والسياق والمنهج وأخيرًا النص.

أولاً: .. عن المنظور

يخطئ من يظن أن منظور النوع يقترن فحسب بالمعالجات النسوية.. والواقع أن تحليل الكثير من الكتابات والخطابات التي قُدمت تحت عنوان الفكر الإنساني إنما تثبت أن اقتراب النوع خاصة من المنظور الذكوري هو اقتراب قديم قِدَم الكتابة والثقافة الإنسانية ذاتها.. بيد أن المشكلة تكمن في أمرين؛ الأول هو تقديم تلك المعالجات كاقتراب “إنساني محايد” وعدم الاعتراف بالبعد النوعي للمعالجة. الإشكال الثاني يكمن في الخلط الهائل بين البعد الأيديولوجي الذكوري وفروع المعرفة المختلفة التي تصنف باعتبارها مستقلة عن الأيديولوجيا، مثل البحوث العلمية والقانونية والتاريخية والاجتماعية والفلسفة.

من هذا المنطلق فإن الفضيلة الكبرى التى تكتسبها الدراسات النسوية المعاصرة هي أنها مع اعترافها بتبني اقتراب النوع تبرأ من ذلك (الخلط) العمدي أو غير المقصود. من جانب آخر فإن التحليل النوعي (النقدي على وجه الخصوص) من منظور نسوي أصبح ضرورة أو خدمة جليلة في الفكر الإنساني لسببين؛ الأول: هو تحليل ومراجعة وضبط وكشف الانحيازات النوعية الخادعة التي قدمت تحت شعار الفكر الإنساني المحايد، أما الثاني: فهو ملء الفراغ الهائل نتيجة افتقاد الفكر الإنساني تمثيلاً مناسبًا للخبرة النسوية بسبب الغياب التاريخي الطويل لمشاركة النساء.

لا بد من الاعتراف أن إطلاق دراسات النوع من منظور نسوي تحمل بدورها مخاطر مقابلة، على رأسها استبدال انحياز ذكوري مأفون بانحياز نسوي بديل، أو استكمال تاريخ الظلم الذكوري بمستقبل الظلم الأنثوي.. ويبدو أن هذا الهاجس قد بدأ يتجلى في مجال العلوم والبحوث والدراسات الغربية التي قطعت فيها دراسات الجندر والدراسات النسوية أشواطًا طويلة واجتاز بعضها حدود الشطط… ولكننا في هذا المقام نزعم أن تطوير قراءات نسوية من منظور إسلامي تلتزم بالقيم العليا للمنظومة الإسلامية وعلى رأسها الحق والعدل والوسطية والإصلاح والتزكية والعمران، كفيل بجعل المنظور النسوي طرحًا إصلاحيًا في الفكر الإسلامي يسهم في تفعيل الاجتهاد والتجديد، وفي نقد وإصلاح المسار وتقويم أي انحياز عن جادة الاستقامة والقصد. بيد أن تحقيق ذلك يتوقف بالطبع على تمسك النسوية الإسلامية بنهج النقد والمراجعة الدائمة وعلى رأسها مراجعة الذات.

ثانيا: السياق… قراءة نسوية لتاريخ المرأة المسلمة مع المجال العام

يقدم الطرح الفقهي المذهبي وامتداده الأيديولوجي صورة استاتيكية عن المرأة المسلمة، أبرز ما يميزها هو الفجوة الهائلة بينها وبين الواقع التاريخي. وقد يرد قائل بأن هذه الفجوة هي أمر طبيعي لأن الخطاب الفقهي يقدم النمط المثالي الذي يبتغيه الشرع، بينما يشير أي انحراف واقعي عن هذا النمط إلى تشوه في الممارسة وليس في بنية الصيغة الفقهية ذاتها.. بيد أن الإشكال المعضل يكمن في أن (الخطاب) الفقهي (ومن بعده الأيديولوجي) لا يتباعد فحسب عن تاريخ المرأة المسلمة ما بعد النبي r (بعد أن ذهبت تيارات الحياة وأهواء الناس بالمسلمين كل مذهب) وإنما يبدو كذلك بعيد الشقة عن الخبرة النبوية المرجعية التي تُعَد مصدرًا مرجعيًا لبنائه ليس من خلال السنة القولية فقط بل وكذا في السنة الفعلية والتقريرية.

تثبت السيرة النبوية دون شك أن حضور المرأة كان قائمًا وقويًا في كافة نطاقات المجال العام؛ فالمرأة المسلمة حاضرة في الدعوة بمكة وفي محن العذاب والحصار وفي الهجرات الأولى والثانية، وفي المدينة كانت المرأة المسلمة حاضرة بالمسجد، والمرأة المسلمة شريك في كافة البيعات التي أسست أمة محمد وقواعدها، والمرأة حاضرة في الحرب تساعد الجرحى وتخدمهم وتقاتل عند اللزوم([68])، والمرأة المسلمة متفاعلة مع الوحي تختلف إلى الرسول r لسؤاله وطرح المسائل عليه فينزل الوحي في شأنها، أو تستحث النبي r بالمشكل من المسائل فيصدر بشأنها حكم الوحي أو قضائه وهي في ذلك تبدي قدرًا هائلاً من الالتزام بالمصلحة والقضايا العامة، فأسئلتها لا تبغي بها حل المشكلات الخاصة بل تقرير الأحكام العامة للنساء والرجال([69])، ما يعني أن النساء اكتسبن فضلاً عن الحضور المادي في المجال العام قدراً هائلاً من الإدراك والوعي والمسئولية العام عن الجماعة. كانت المرأة المسلمة حاضرة بشخصها وشخصيتها وصوتها دون خوف أو خجل، ولم ينكر النبي على النساء حضورهن القوي الفردي والجماعي، بل إنه r كان يتصدى للأفكار الجاهلية والقبلية والمحافظة التي تسعى لتحجيم وحصار هذا الحضور، وأنهى النبي r حياته بوصية بالنساء في حجة الوداع لم تحفظها أمته.

تبدو مرحلة الوحي والخبرة النبوية في تاريخ المرأة ربيعًا لم يطل عهده كثيرًا، وقد كانت تلك المرحلة بحق ثورة للإنصاف والتحرر والكرامة لم تلبث أن انتكست كما أثبت تاريخ وسنن الثورات الكبرى في الإنسانية حيث تستدير الثورة على أبنائها بعد حين لتضحي أول ما تضحي بالنساء([70])، لقد فقدت النساء بموت النبي r أكبر نصير لحقوقهن، ولم تسع اجتهادات الخلفاء الراشدين لاستيعاب ما يخالف أعرافهم التي نشأوا عليها ما لم يكن نصًا صريحًا محكمًا، ولا يقدح ذلك في قيمة الراشدين فهم بشر غير معصومين وهم أبناء زمانهم، وقد أحاطت بهم الخطوب والتحديات من كل جانب، فكانت نساؤهم آخر همهم. في ظل تلك الظروف انسحب حضور المرأة تدريجيًا من المجال العام ساحة بعد ساحة فتم تجاهلها في كل البيعات التي أعقبت وفاة الرسول بدءًا من سقيفة بني ساعدة. بيد أن النساء واصلن حضورهن في سائر المشاهد العامة ما استطعن؛ ألم تمنع امرأة عمر أن يصدر اجتهادًا بتحديد المهور حين واجهته بالنص الشرعي! وكُلفت إحداهن من قبل عمر بالحسبة في سوق المدينة، وكانت النساء جزءًا أساسيًا من ديوان العطاء أي من نظام المخصصات الاجتماعية في الدولة، كما شاركت نخبتهن أمثال عائشة وأم سلمة في الشورى ومراجعة الحاكم خاصة في الخطوب مثل الفتنة في عهد عثمان وبعده. لكن ذلك لم ينف أن انسحابًا تدريجيًا كان يحدث طوعًا أو تحت الظروف غير المشجعة لوجود المرأة في الساحة العامة، حتى أصبح ذلك سياسة صريحة للدولة بتولي معاوية ومَن بعده مؤذنًا بعودة نفوذ الثقافة القبلية المحافظة كأعتى ما تكون، وانكسار موجة التحرر التي جاء بها الإسلام([71])، ولعل هذا ما عزز لدى النساء نزعة الاحتجاج فلم يبقى سوى مشاركتهن القوية في حركات الثورة والخروج على الحكام بدءاً من مشاركة عائشة في الحض على الثورة على الخليفة الثالث، مروراً بخروجها على عليّ وانتهاء بمشاركة حفيدات النبي في ثورة الحسين ومشاركة عشرات الآلاف من النساء في حركات الخروج على معاوية والأمويين وسجن وقتل عشرات الآلاف منهن في سجون ولاة بني أمية([72])، ومع تمأسس الفقه بمواقفه المحافظة من المرأة وربطه بين خروجها من المجال العام وانحصارها في المجال الخاص وبين قيم الفضيلة والعفاف ودرء الفتنة وحسم الطرق المفضية إلى الزنا والفساد، تم التأسيس النظري لحصار المرأة وعزلها في المجال الخاص، ليس فقط كدين وشرع بل وكعادة وسياسة عامة للدولة وللأسر وقيم التنشئة. ورغم ذلك استمرت الفجوة تضيق وتتسع بين الخطاب المثالي للفقه وحركة الواقع الذي كانت النساء جزءًا لا يتجزأ منه رغم عدم الاعتراف الرسمي بوجودهن، حتى جاء العصر الحديث بقوانينه الجديدة في الإنتاج والنظامين الاقتصادي والسياسي والتي دفعت بملايين النساء إلى المجال العام عملاً وتعليمًا.

إذا كان لهذه الملاحظات من خلاصة فإن المقصود هو أنه مثلما كان الخطاب الفقهي لا يمثل ترجمة خالصة محايدة للنص وإنما هو نتاج علاقة جدلية ثلاثية بين قوى الواقع وثقافة ومدركات الفقيه ثم النص. كذلك كان الخطاب الأيديولوجي المعاصر. ويقود كل من عنصري الواقع المتغير والثقافة إلى اختلافات في قراءة النص وتفسيره.

ثالثاً: نظرة على المنهج

هناك ثلاث ملاحظات منهجية إشكالية يتعين إثارتها وتتعلق بكيفية تدخل ودمج كلاً من الواقع والثقافة أو إدراك صاحب الخطاب منهجيًا في التحليل:

أ– هل من شرعية للأخذ في الاعتبار بالواقع والتاريخ عند إنتاج نص إسلامي:

يعتبر أنصار المنظور الحضاري وهو أحد التيارات المعرفية الإسلامية المهمة في العصر الحديث، أن لسنن الواقع والتاريخ شرعية في بناء المنظور الإسلامي تلعب دورا تكميليًا مهمًا لشرعية الوحي، فالإرادة الإلهية تعبر عن نفسها من خلال آيات الوجود وسننه كما تعبر من خلال آيات الوحي، بل إن نصوصًا من الوحي تحض على تدبر واعتبار حركة الوجود واستنباط سننه سواء كان ممثلاً في سنن الطبيعة (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) (العنكبوت: 20)، أو سنن التاريخ وصيرورة الإنسان؛ (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ) (الروم: 42)، وعليه فالمؤمنون مأمورون باعتبار سنن التاريخ وحركات المجتمع الكبرى وتحولاته، ومن أهم سنن الوجود التغيير. لقد تبنى الفكر الذكوري مقولة أن الهيمنة والسلطة والأفضلية الذكورية وسيطرة الرجل على المجال العام واقتصار النساء على المجال الخاص هو أحد السنن الطبيعية الثابتة للخلق، وابتنوا خطابهم على هذا الأساس، لكن المنظور النسوي المقابل يرى أن تحولات تاريخية جذرية في العصر الحديث قد أثبتت أن هذا النظام رغم طول العهد به هو من المتغيرات، وأدت إلى معادلة جديدة في العلاقات بين الجنسين، تتمثل تلك التحولات في تحول أساليب الإنتاج من الاعتماد على القوة العضلية إلى الاعتماد على الآلة وما تبعها من تطورات حتى الحاسوب، وهي تطورات مواتية لقدرات النساء. لقد ميز المنطق القرآني بين كل من الأحوال (الظروف التاريخية) والأحكام.. وجعل الأحكام قابلة للتطبيق على اختلاف الأحوال أو سيرورة التاريخ البشري وغير موقوفة على حالة تاريخية معينة. ولعل من أهم نماذج ذلك التمييز تعامل الإسلام مع ظاهرة العبودية واسترقاق البشر كحالة بشرية تاريخية تعاملت معها النصوص لتنظيمها وتقليل أضرارها دون أن يعني ذلك تقنينها أو الحض عليها. وبناء على ما سبق فإن الأحكام الخاصة بالمرأة والرجل كأحكام أنزلها الخالق U (بخلاف الاجتهادات) ليست رهينة حالة أو ظرفية تاريخية معينة مثل النظام الاجتماعي السياسي الذي يهيمن الرجال على كل مصادر القوة فيه وتعاني فيه النساء من الاستضعاف الكامل، فهذا خلط بين صنفين متعارضين هما الأحوال المتغيرة والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان.

يرتبط بهذه القضية أيضًا التأكيد على الطابع الكسبي والتراكمي للخبرة البشرية ليس فقط على النطاق الفردي بل وكذلك على مستوى الجماعات البشرية. تثار هذه القضية بمناسبة الاحتجاج على النساء بأنهن لم يسهمن في الحضارة والمدنية ومنتجاتها من الثقافة والعلوم بمثل ما أسهم الرجال، مما يتخذ حجة إضافية للإساءة للمرأة وإثبات دونيتها([73])، وهذه الحجة مردود عليها بحداثة عهد المرأة بالخروج كجماعة بشرية إلى المجال العام. ورغم ذلك ومع مرور الوقت فقد أثبتت النساء قدرة وكفاءة على الاستيعاب الكمي والكيفي لخبرات المجال العام؛ ولا أدل على ذلك من ظهور خبرات نسائية ذات تأثير فاصل في مجالات كالسياسة وغيرها وفق المعايير العامة وقياسًا بنظرائهن من الذكور([74]).

ب– اعتبار الافتراضات الضمنية أو مدخل الثقافة إلى إنتاج الخطاب

الافتراضات الضمنية هي أحد المدخلات الأساسية في الإنتاج المعرفي سواء كان نصًا أم خطابًا، وفي كثير من الأحيان تكون تلك الافتراضات -التي تعمل كأساس يُبنى عليه- مسكوت عنها، إما لأنها تدخل في اللاوعي أو عن عمد. ونظرًا للتأثير الكبير الذي تمارسه تلك الافتراضات على نتائج العملية الفكرية فإن البحوث العلمية تحرص في مقدماتها على الإعلان عن فرضية البحث لضمان شفافية وصدقية البحث وموضوعيته؛ فنتائج البحث تكون صادقة في إطار تلك الفرضيات فحسب. أما الإنتاج الأيديولوجي فغالبًا ما يعمل على إخفاء تلك الافتراضات والتعمية عليها لتحقيق غايته في تطويع جمهوره وتسويق فكرته دون اعتراضات مسبقة.

يقوم الخطاب الذكوري على افتراضات ضمنية أهمها اعتبار أن الرجل هو الثابت وهو المركز والمرأة هي المتغير التابع أوالمحيط فيما يعبر عنه بثنائية الأنا والآخر، فالآخر تتحدد أبعاده ويتم إدراكه بالقياس للأنا المركزية. ويترجم هذا النموذج بالفعل الافتراض الضمني لعلاقة الذكر والأنثى التي تقوم عليها الكتابات الذكورية؛ فالمرأة ليس لها وجود أصلي وإنما ينبثق وجودها وقيمتها وأسلوب حياتها وخصائصها من حيث علاقتها بالرجل، فهي كائن “ضعيف” ليس بالمطلق بل قياسًا بالرجل.. وهي فتنة لا في ذاتها بل للرجل. وتتحدد مجالات حركتها حسب النطاق الذي يسمح به الرجل. ورغم أن الغالبية من الفقهاء قد عملوا انطلاقًا من هذا التصور إلا أن القليلين منهم هم من أفصحوا عنه كأساس لرؤيتهم، ومن هؤلاء الإمام الرازي الذي حفزته خلفيته الفلسفية على الإفصاح عن رؤيته بوضوح، يقول الرازي في تفسير قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)، يقول: “قوله خلق لكم دليل على أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع كما قال تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ) وهذا يقتضي أن لا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف، فنقول خلقُ النساء من النعم علينا وخلقهن لنا، وتكليفهن لإتمام النعمة علينا لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا.. وأما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة، فشابهت الصبي لكن الصبي لم يكلف، فكان يناسب ألا تكلف أن لا تؤهل المرأة للتكليف، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج..)([75])، إن بنية فكرية تعتمد هذا التصور للمرأة ولعلاقة النساء بالرجال لا يمكن أن تُقبل على علاتها أو تُؤخذ نتائجها دون نقد.

في المقابل فإن الرؤية النسوية الإسلامية، وعلى وجه التحديد الافتراضات التي يتبناها هذا البحث، تنبني على افتراضات مغايرة هي:

* إن الله – سبحانه وتعالى- خلق الذكر والأنثى على قاعدة المساواة. والمساواة في المنظور الإسلامي أساسها مساواة الجنسين أمام الخالق، والتسوية في معايير العمل والمحاسبة والثواب والعقاب([76]).

* أن الاختلاف بين الجنسين لا يعني التمايز أو الأفضلية الطبيعية لجنس على آخر، وبعبارة أخرى أن الإقرار بقاعدة الاختلاف لا ينبغي أن تختلط بالقيم التي تضع جنسًا فوق جنس، فالتفاضل عند الله كما توضح الآيات ليس بقوة الجسد أو بالإمارة وإنما بالتقوى في الإيمان والعمل.

* أن المساواة في الإنسانية والقيمة وفي أسس حساب الآخرة، تفترض المساواة في حق الحياة بشكل أصلي والاشتراك في الحياة التي هي دار الامتحان، فالناس شركاء في الحياة الدنيا بشمسها وسمائها وهوائها ونورها، إذ لم يهبها الله لجنس دون آخر، ولم يوزع إرثها بين بني البشر على أساس الجنس.

* إن القول بأن المرأة إنسان له حقوق أصلية في الحياة يعني ضرورة اعتبار المصالح الراجحة لهذا الجنس وعدم التوسع في استخدام قاعدة سد الذرائع بحجة الخوف من الفتن للقضاء على هذه الحقوق.

ج- أهمية الاقتراب البنائي الوظيفي لربط الفكر بالواقع:

يمثل المدخل الفقهي اقترابًا ضروريًا ليس فقط للفقهاء الذين يقومون بعملية استنباط الأحكام بل كذلك للمفكرين والمثقفين الإسلاميين الذين يسعون للتواصل مع النصوص القرآنية كمرجعيات والتفاعل الفكري معها في استنباط الأفكار والنظريات. وإذا كان الفقيه التقليدي بغايته المتعلقة باستنباط الأحكام الجزئية قد قنع بأدواته المنهاجية الممثلة في إنجاز أصول الفقه كأدوات لتنظيم عملياته الجزئية، فإن المفكر الإسلامي المعاصر يشعر بمشكلات عديدة في المنهج الفقهي الذي لم يوضع من أجله ولم يؤسس لاستنباط أفكار ونظريات عامة بل أحكام جزئية، تتمثل أهم هذه المشكلات في قضيتين؛ الأولى هي آفة التشظي الداخلي أو الطابع التجزيئي حيث تتكون منهجية أصول الفقه من عدد من المسائل المنهاجية المتناثرة والتي لا تنتظم كلها في نموذج متكامل يربط القيم العليا بآليات وقواعد الاستنباط، بمعنى آخر نموذج يضمن ترجمة القيم الإسلامية العليا مثل العدل والوسطية.. إلخ، في الإنتاج الفقهي واستخدامها في ضبطه. القضية الثانية هي عدم وجود آلية منهجية لربط البنية الفقهية بشكل منظم مع بيئتها أو سياقها، بمعنى الربط بين الأحكام وفقه الواقع والمآلات، ما يعني قياس صلاحية الحكم بما أنتجه في الواقع من تداعيات.

من هنا فإن تبني اقتراب بنائي وظيفي يعد ضرورة كبرى لتفعيل وإعادة الحياة إلى عملية الإنتاج الفقهي ومعالجة كذلك ما ظهر من فوضى نتيجة عدم الربط بينها وبين القيم العليا من جانب والواقع من جانب آخر. فمفهوم البنية يعني الترتيب الداخلي للفرادى والآحاد، أما المنحى الوظيفي فيجعل من معايير الحكم على تلك الجزئيات هو مدى تحقيقها لوظيفة الحفاظ على الكل أو البنية الأشمل ودعمها وتقييم تلك الجزئيات من خلال رصد الأثر الناتج عنها في البيئة عبر وظيفة التغذية الاسترجاعية feedback. بل يمكن القول أن هذا النموذج الشمولي للربط بين جزئيات الأحكام وأصول الأحكام وبين القيم العليا للمنظومة الإسلامية من جانب والتفاعل الواقعي للحكم مع الواقع الاجتماعي قد أضحى بدوره ضرورة للفقيه المعاصر من أجل استئناف عملية اجتهاده في بيئة فكرية واجتماعية شديدة التعقيد قياسًا بفقهاء السلف.

رابعًا: قراءة لموقع المرأة في المجال العام من منظور نسوي إسلامي:

انطلاقاً من المنظور والملاحظات المنهاجية والافتراضات السابقة نقدم فيما يلي مجموعة من المقترحات التي يتبناها هذا البحث لقراءة نسوية لموقف الإسلام من وجود المرأة في المجال العام:

أ- الدعوة إلى مراجعة عملية بناء المفاهيم التي تقوم عليها الأحكام الفقهية:

المفاهيم هي اللبنات التي تقوم عليها “القضايا”، والقضايا هي اللبنات التي يقوم عليها النسق. وإذا كانت الأحكام الفقهية التي تضع قواعد الحل والحرمة هي واحدة من أهم التجليات للقضايا في النسق الإسلامي، فإن هذا يجعل من مسألة تحديد المفاهيم التي تقوم عليها أهمية كبرى.

والشاهد أن هناك إشكالية تتعلق بالصدقية والتدقيق في تحديد معاني العديد من المفاهيم التي تُبنى عليها الأحكام الخاصة بموضوع البحث. يكمن مصدر المشكلة في هيمنة الأيديولوجية على تعريف المفاهيم، بمعنى آخر أن عملية بناء المنظومة الفكرية للذهن المسلم لاكتشاف دينه ومرجعياته بعد وفاة الرسول وانقطاع الوحي لم تعد تتخذ مسارها الطبيعي الذي يبدأ من البحث عن مراد الخالق من داخل القرآن عبر الجزئيات وصولاً لبناء القناعات والرؤى الكبرى والقضايا الجزئية على السواء، وإنما اتخذ مسارات عكسية تبدأ من المذاهب والاتجاهات السياسية والأيديولوجية نزولاً إلى التفسيرات والقضايا والمفاهيم، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان الحديث عن فهم مجرد لمراد الشارع بعيدًا عن الانحيازات المسبقة.

فيما يخص قضية المرأة والمجال العام فقد تجلى ذلك في العديد من المفاهيم المفتاحية لفك معاني النص القرآني مثل: الزينة، التبرج، النظر، الإبداء والظهور، إدناء الجلباب، الجيوب، القرار، المعرفة (أَنْ يُعْرَفْنَ) والمعروف من (وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا). ولنختبر تلك المشكلة مثلاً في مفهومين هما مفهوما الزينة والتبرج الذين اعتبرا محوريين في بناء الأحكام الخاصة بظهور المرأة أو عزلها؛ ففي قوله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا)؛ فالحكم بما يجوز ظهوره ومن ثم ما يجب إخفائه طبقًا لهذه الآية اختُلف عليه حسب تحديد مفهوم “الزينة”، إذ حددها ابن مسعود بأنها رداء المرأة الخارجي (فهذا ما يجوز ظهوره من زينة، أما ما يجب عدم ابدائه فهو كل جسدها بما في ذلك وجهها وكفيها) ما يعني إخفاء المرأة تمامًا تحت هذا الرداء، وحددها ابن عباس بـ”وجهها وكفيها والخاتم”.. وقال أبو إسحق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله (ابن أحمد بن حنبل)، الظاهر من الثياب.. وقال الأزهري: “الخاتم والخلخال”([77]).. يستمر نهج التعريفات الأيديولوجية أيضًا مع سائر المفاهيم مثل التبرج؛ فمع الأمر الصريح (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى)؛ يذكر ابن كثير في تفسيره: “قال مجاهد كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال فذلك تبرج الجاهلين”.. وقال مقاتل بن حيان، التبرج إنما تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها وذلك التبرج([78]).. وعند أبي حاتم من طريق شتان عن قتادة قال عن تفسير التبرج: “كانت لهن مشية وتكسر وتغنج إذا خرجن من البيوت فنهين عن ذلك”. فيما فسر البخاري التبرج بأنه “أن تخرج زينتها”([79]).

ويتضح أن التصورات المسبقة الخاصة بحدود حضور المرأة في المجال العام هي التي تحكمت في تفسير المفاهيم البسيطة للزينة والتبرج، ليصبح كل جسد المرأة لدى البعض زينة.. أو وجهها وكفيها، بينما تعني الزينة بمعناها البسيط المباشر تلك الإضافات التي تضاف على الجسد للتجمل ويمكن خلعها أو إزالتها وليس أصل الجسد وأعضاؤه الأساسية. وكذلك في التبرج فهو لدى البعض ظهور أجزاء من زينتها الموضوعة في الأذن أو العنق، ولدى آخرين مجرد المشي بين يدي الرجل، ولطائفة أخرى طريقة المشي ذاته التي تحمل نوعًا من الغواية أو الإغراء.

الثابت أيضًا أن هناك خلاف كبير في مدلول تلك المفاهيم، وأهم أسباب الخلاف هو دخول البعد الأيديولوجي في التفسير بمعنى الاتجاهات القيمية أو المذهبية للمفسر ما بين التشدد أو التيسير.

إن خلاصة ما سبق أن هناك حاجة ماسة وملحة إلى إعادة فتح باب الاجتهاد الفقهي واستئناف الاجتهاد الفقهي على أساس مراجعة ما سبق والانطلاق من المشكلات التاريخية لهذا العصر نحو فهم النصوص، ومحاولة بناء فقه مجرد تنزع منه عوامل الانحياز الأيديولوجي.

إن هذه الدراسة وغيرها مما يقع في إطار ما يسمى بالنسوية الإسلامية هو فرع من المعرفة يقع في نطاق الفكر لا الفقه، ويسعى لإحياء الاجتهاد الفكري تاركًا لأهل الاختصاص (الفقهاء) القيام بدورهم في الاجتهاد الفقهي الذي أضحى ضرورة للمجتمع كله وفي مقدمته وعلى رأسهم النساء. فالأيديولوجية القائمة على تعريف المرأة كمصدر للفتنة وأصل الشرور، وأن على النساء الاحتباس في الخدور لإمتاع الرجال وإنجاب أبنائهم.. مثل هذه الأيديولوجية قد أنتجت تفسيرات واجتهادات وفكرًا أقل ما يقال أن فيها ظلم للمرأة لم يحقق ما أراده لها الإسلام من نصفة.

قراءة فكرية لموقف القرآن الكريم من حضور المرأة في المجال العام:

* خص الشارع -جل وعلا- سورتي النور والأحزاب ببيان موقف الشريعة الإسلامية من مسألة علاقات النوع بين النساء والرجال عامة ومن جملتها قضية المجال العام وموقع النساء منه، وعلاقات النوع في المجال العام تنصرف إلى العلاقات العامة بين الرجال والنساء، وهي تتميز عن منظومة الأحوال الشخصية التي تخص ما ينشأ في المجال الخاص من علاقات وما يترتب على قضية الزواج من آثار قانونية واجتماعية.

وقد ميزت المعالجة القرآنية في المجال العام بين نوعين من النساء فيما يخص أحكامهما: عامة نساء المسلمين، وقد تركزت أغلب الأحكام القرآنية الخاصة بهن في سورة النور فضلاً عن الآية 59 من سورة الأحزاب. النوع الثاني استثنائي، يخص نخبة استثنائية وغير متكررة في عموم نساء المسلمين وهن زوجات النبي r، وقد تركز الخطاب الخاص بهن في سورة الأحزاب.

وفيما يلي محاولة لاستقراء أهم خصائص الخطاب القرآني بشأن وضع الفئة الأولى من عموم النساء في المجال العام انطلاقًا من قراءة الآيات السابقة:

* يتبنى المنظور القرآني لعلاقات النوع فكرة التمييز الواضح بين المجال الخاص والمجال العام في المعالجة والأحكام، كما يحرص على عدم خلط المجالين، ووضع حدود متمايزة لكل مجال من مجالات التفاعل بين الجنسين.

والمجال العام هنا يشير إلى نطاقات التفاعل بين النساء والرجال الأجانب خارج دائرة الأسرة سواء في الشارع وفي سائر مجالات التواصل. أما المجال الخاص فهو ما يتولد نتاج علاقات القربى أو الخدمة. وبدوره يميز القرآن في المجال الخاص بين العلاقة بين المحارم، والعلاقة الزوجية.

* يوضح القرآن جليًا من خلال خطابه العام لعموم المسلمين قبوله واحترامه الأشكال الاجتماعية الطبيعية للتفاعل بين الناس مثل التزاور والاجتماع في المناسبات والولائم وزيارات الأصدقاء وغيرها (الآيات 27-29-61 من سورة النور) وفق آداب معينة على رأسها احترام خصوصية وحرمات الآخرين (قاعدة الاستئذان للدخول على البيوت والحجرات).

* يمكن إجمال القاعدة العامة التي يضعها الشارع للتفاعل بين الرجال والنساء في المجال العام في عبارة واحدة هي: تحييد المتغير الجنسي تمامًا في هذه العلاقة بكل أشكاله وأسبابه ودرجاته، وذلك من خلال الحد من أو استبعاد معادلة الأنثوي- الذكوري من علاقات المجال العام لصالح التعامل الإنساني- الاجتماعي بين النوعين. في هذا الإطار يعتبر القرآن تداخل البعد الجنسي (الأنثوي – الذكوري) نوعًا من التعدي والاعتداء على قواعد المجال العام. ويُفصل القرآن أشكال التعدي على العلاقة الإنسانية العامة من خلال بيان الأنماط المختلفة من التفاعلات الجنسية وشبه الجنسية -التي يقصرها القرآن على العلاقة الزوجية فقط- حين تخترق حرمة المجال العام. ففي المنظور القرآني ليس المجال الخاص فقط هو الذي له حرمة لا يجوز للعام أن يخرقها، بل هناك حرمة كذلك للمجال العام لا يصح للخاص أن ينتهكها.

* يضع القرآن الكريم مستويين من الحدود لحفظ العلاقة في هذا الإطار غير الجنسي: الأول هو قواعد للسلوك الاجتماعي العام واليومي، من هذه الحدود والقواعد غض البصر، وحفظ الفروج. ويضاف بالنسبة للنساء لطبيعة عاداتهن في التزين والملبس الأمر بالاحتشام وتغطية مفاتنهن وعدم إبداء الزينة أو التبرج كرموز تهدف غالبًا إلى إيصال رموز جنسية أو أسباب للإثارة الجنسية عرفت في المعاملات العامة بالغواية أو الجاذبية الجنسية (آية 31 من سورة النور)، ويدخل في ذلك ما ورد في الآية 59 من سورة الأحزاب من أمر بإدناء الجلابيب يشمل نساء النبي وبناته وعموم نساء المؤمنين. وقد لخصت السيدة عائشة هذا المعنى البسيط والعام حين سألتها بعض نساء المسلمين: “ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق فقالت: يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة أحل الله لكن الزينة غير متبرجات أي لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا”([80]).

ومن المفيد هنا ذكر ملاحظتين:

  • أن وضع قواعد لآداب وحدود العلاقة بين الرجال والنساء على العموم (أي في المجال العام) يعني صراحة الإقرار بوجود هذا التفاعل أصلاً وليس انقطاعه وإلا ما جرى تنظيمه. كما أن تخصيص حيز لآداب وأحكام وجود النساء في الشارع والأماكن العامة يعني الاعتراف صراحة بوجود المرأة في المجال العام.
  • أن عدم وضع عقوبات على مخالفة هذا المستوى من السلوك الاجتماعي اليومي يعني ترك ذلك لمنطقة السعة والضمير والابتلاء والحساب الإلهي، وهو مجال حاولت الذهنية القانونية الفقهية دائمًا ضبطه وتضييقه من خلال تكثير القواعد المستنبطة تفريعًا وقياسًا، وعندما عجزت عن إحصاء صور التفاعل اليومي غير المتناهية في الحياة الواقعية بين الناس رجالهم ونسائهم لجأت إلى تبني منهج العزل الكامل لسد الذرائع كاملة.

المستوى الثاني من الحدود هو مستوى العقوبات عند ارتكاب خروقات أو اعتداءات جسيمة لقاعدة “لا جنسية علاقات النوع في المجال العام”. وقد التزم الشارع منهجًا في فرض تلك العقوبات لحماية المجال العام وحماية طرفيه، أساسه:

– الشدة في تقرير العقوبات لما يترتب على تداخل التفاعل الجنسي في المجال العام من إشاعة الفوضى في الحياة الاجتماعية وهز ثقة المؤمنين بمجتمعهم وببعضهم البعض. وتفاوتت الشدة بين الاشتراك في فعل الزنى (مائة جلدة وتحريم تزويج العفيفات للزناة)، (النور آية 2). وبين اتهام الآخرين بغير بينة بارتكاب هذا الفعل (حد القذف.. ثمانون جلدة وإسقاط أهليتهم خاصة في الشهادة) (النور آية5-10 و23-25).

– التسوية في العقوبة بين الرجال والنساء دون تمييز تأكيدًا لمسئوليتهما المشتركة والمنفردة عن خياراتهما.

هذه مجمل القواعد المستفادة بشأن المجال العام لعموم نساء المسلمين.

قواعد التعامل في المجال العام لزوجات النبي r:

وقد نصت عليها آيات عديدة في سورة الأحزاب (5 و28-34 و53-54 وآية 59). ويمكن إدراج الملاحظات التالية بشأن هذا المستوى:

* تناولت هذه الآيات قواعد تخص زوجات النبي r في المجالين الخاص والعام.

* برغم محاولة الفقهاء تعميم تلك الأحكام إلا أنها وبصريح نص القرآن وبصيغة محكمة هي آيات أحكام تخص زوجات النبي دون غيرهن رغم أن بعضها (مثل الأمر بالتقوى وغيره) وُجه في مواضع أخرى لعموم نساء المسلمين، وقد عبر اللفظ القرآني عن هذه الخصوصية بوضوح وجلاء بقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) (آية32 من سورة الأحزاب).

* اقتربت تلك الآيات من معالجة أمور نساء النبي بمنطق العزيمة بينما تعامل القرآن مع سائر نساء المسلمين بمنطق التيسير.

ونصت الآيات على أحكام تخص زوجات النبي r دون غيرهن مثال ذلك؛ أنه كتب عليهن الزهد وأن يكرسن أنفسهن لله ورسوله (وهو ما لم تلزم به عامة نساء المؤمنين) ومن لا ترغب في ذلك فقد أُمر الرسول r بطلاقها، (آيات 28-29). ومنه تحريم الزواج عليهن بعد الرسول r واعتبارهن بمثابة أمهات للمؤمنين يحرمن عليهم (آيات 53- 56)، ومنها أن من ترتكب منهن فاحشة يضاعف لها العذاب ومن تعمل صالحًا تُؤت أجرها مرتين.

* إن ما يخص المجال العام من أحكام زوجات النبي r لا يحرمهن من ولوج المجال العام ولكنه يقيد هذا التفاعل لفظيًا وحركيًا بحدود تتناسب مع مقامهن الخاص والاستثنائي؛ ومن ذلك أمره تعالى لهن بالحشمة والوقار، وعدم الخضوع في الحديث مع عموم المسلمين من الرجال، وهو ينطوي في ذات الوقت على رخصة الحديث (آية 32)، ومثل أمره بالقرار في منازلهن وعدم التبرج (آية 33)، والمعروف أن القرار في المنزل لم يعني كما ثبت في السيرة حبسهن في المنزل بل خروجهن بحساب وعند الحاجة؛ ففي الحديث أن الرسول r قال لأم المؤمنين سودة بعد نزول آيات الحجاب: «قد أذن الله لكن أن تخرجن لحاجتكن»([81])، وفي الأثر أن زوجات النبي r كن يخرجن للحج والعمرة، وفيه أيضًا خروج عائشة لحرب علي.. ومن تلك القيود أمره تعالى رجال المؤمنين أن يحدثوا زوجات النبي من وراء حجاب.. وفي المقابل كان أمره تعالى زوجات النبي بتعليم المسلمين الذكر والعلم الذي تلقينه عن النبي r (الأحزاب آية 34)، ولا يخفى ما يعنيه ذلك من تفاعل مع سائر عموم المؤمنين وحضور أكد بعض فقهاء السلف أنه كان حضورًا وظهورًا بأشخاصهن([82]).

خاتمة البحث:

ختامًا لهذا البحث فيما يلي مجموعة من الخلاصات المهمة التي ينبغي التأكيد عليها كمحصلة لكل من القراءة النقدية للخطابين الفقهي والأيديولوجي الحداثي، والمحاولة الأولية لإجراء قراءة نسوية من منظور إسلامي لمفهوم الحجاب وموقع المرأة في المجال العام:

  • تنظر العديد من الآراء النسوية خاصة ما بعد الحداثية بحفيظة إلى فكرة الفصل بين المجالين العام والخاص، وترى تلك الآراء أن الخصوصية هي المجال الذي أتاح حماية وتغطية القهر الذي تعرضت له النساء تاريخيًا، كما أن السلطة والسيادة التي تشكلت للرجل في المجال الخاص هي التي مهدت له لسيادة المجال العام، من هنا كانت دعوة بعض الاتجاهات النسوية إلى إنهاء الحدود الفاصلة بين المجالين العام والخاص من خلال دفع قضايا المجال الخاص مثل الإجهاض وتنظيم الأسرة وغيرها إلى قلب السياسات العامة تحت شعار: الشخصي هو ذاته السياسي personal is political([83]).

وبعيدًا عن الخطاب الأيديولوجي النسوي وحساسياته، فإن المراجعة التاريخية للتطور الاجتماعي تشير إلى أن هذا الانقسام يمثل أحد الأسس المهمة للتطور الحضاري الذي قام على قاعدة التخصص وتقسيم العمل.. لقد كان التمييز بين الخاص والعام هو أساس ظهور المجتمع المنظم من خلال فكرة المشترك الاجتماعي العام ومن خلال ظهور المؤسسات العامة التي اعتمدت قواعد الحياد والموضوعية والكفاءة والتنافسية خلافًا لقواعد المجال الخاص القائمة على العاطفة والانحياز الشخصي والقرابة والتماسك القرابي. لقد مثلت قيم المجال العام حماية وقوة دفع للحراك الاجتماعي لملايين البشر على مدى التاريخ، وتمثل في الوقت الراهن أحد المرتكزات المهمة لمطالبات النساء بالمشاركة والتسوية في المعايير احتكامًا إلى قيم الكفاءة والمهنية والتنافسية.

  • إن الطرح الإسلامي المستفاد من معالجة القرآن الكريم لدوائر حركة الإنسان يفيد بأن المنظور الإسلامي يقيم تمييزًا واضحًا بين المجالين العام والخاص كل منهما له منظومته السلوكية وقواعده. وأهم هذه القواعد هي تحييد البعد الجنسي تمامًا في سلوك النساء والرجال في المجال العام وكل ما يرتبط بها من قريب أو بعيد مثل أشكال الغواية الجنسية المختلفة. وفي آيات أخرى أُضيف للتفاعلات الجنسية العلاقات والمشاعر الشخصية والقرابية (مثل مشاعر الحب والكراهية الشخصية، والعصبية القرابية… إلخ) كعناصر يتعين تطهير المجال العام منها (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا…)، «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».. بمثل هذه السمات يصبح النساء والرجال صالحين ومؤهلين لخوض المجال العام وبغيره لا يعدون كذلك.
  • يرى المنظور الإسلامي أن تداخل المجالين العام والخاص وقواعدهما يؤدي إلى حدوث الكثير من الفوضى والاختلالات والفساد في المجتمع، ولذلك فهو يضع سياسات مشددة إزاء ممارسة مخالفات جسيمة لتلك القاعدة (عقوبة الزنا – وهو الاختلاط الجنسي خارج نطاق الزواج، والقذف الذي يشير إلى الادعاءات الجنسية على الآخرين في علاقاتهم العامة).
  • وفي هذا السياق يلاحظ أن الخطاب الإسلامي المرجعي بعيدًا عن تأويلاته يتبنى فكرة المسئولية المتساوية والمشتركة للنساء والرجال عن حماية كل من المجالين العام والخاص ما يتجلى في توحيد القواعد (غض البصر وحفظ الفروج) وتوحيد العقوبات كمبدأ لا ينقضه إضافة بعض الأحكام الخاصة للنساء نتيجة انفراد النساء ببعض الوسائل المفضية لتلك المقاصد (قواعد الزينة والتبرج والاحتشام).
  • إن جانبًا كبيرًا ونافذًا من الطروحات التراثية والمعاصرة في تفسير حضور المرأة بين المجالين العام والخاص والتي قامت على فكرة عزل المرأة في المجال الخاص وإقصائها عن المجال العام هي طروحات أيديولوجية تقترن بقضية علاقات السلطة والهيمنة الاجتماعية الذكورية على النساء. وفي هذا الإطار نلاحظ أن الخطاب الأيديولوجي لم يصل إلى تلك الأحكام مستندًا إلى نصوص محكمة الدلالة متفق عليها، وإنما انتهى إلى تلك النتائج عبر استراتيجيات ثانوية منها آليات معروفة في الخطابات الأيديولوجية مثل التعريفات الإجرائية للمفاهيم الأساسية بما يدمج فيها الفكرة الأيديولوجية المسبقة، واستخدام المنطق السقراطي في الاستدلال (مثل تعميم القواعد المشددة الخاصة بنساء النبي r والتي تتعلق بالاستتار في الملبس وعدم إبداء الوجه والقرار في المنزل على عموم المسلمات تأسيسًا على أنهن قدوة ومن ثم تكون تلك الأحكام أولى بالتعميم على عامة النساء) فضلاً عن الخلط بين الأحكام والأحوال والتوسع في استخدام آلية سد الذرائع.
  • إن قضية ظهور وجه المرأة المثارة بشكل محوري في مسألة الحجاب هي مسألة ليست بالهامشية، بل هي مسألة وجود بالنسبة للمرأة في المجال العام. إن ظهور الوجه هو أساس ظهور الشخصية في المجال العام وأساس التعبير عن الذات والرأي. يختلف ذلك عن قضية الاحتشام وستر الجسد الذي لا يعد كقضية الوجه مسألة وجودية حاسمة في المجال العام والتفاعل الاجتماعي بل نوعًا من أسلوب الحياة. ورغم سلطة ونفاذ الاتجاهات الأيديولوجية المحافظة التي حاولت تأكيد ضرورة احتجاب وعزل النساء كلية وعدم ظهورهن إلا أن العديد من أدلة السنة متمثلة في الحديث النبوي ووقائع التفاعل لعموم النساء في عهد النبي r قد أثبتت بروز النساء بأشخاصهن أي بوجوههن([84])، كما أن آراء فقهية أخرى مثل الحنفية والرأي الثاني من الشافعية والمفتى به عند المالكية ساقت من الإثباتات الشرعية ما انتهى بهم إلى القول بأن وجه المرأة وكفيها ليسا عورة وأنه مباح لها كشفهما في الطرقات وأمام الرجال الأجانب بشرط أمن الفتنة([85])، كما أن بعض الآراء المحافظة في الخطاب الأيديولوجي المعاصر انحازت لهذا الرأي مثل الكاتب المعروف ناصر الدين الألباني([86]).

* إن حسم القضية التي يتبناها الخطابين الفقهي والأيديولوجي حول الربط بين ظهور وحضور المرأة في المجال العام visibility وانتشار الفساد والرذائل في المجتمع ليس بالموضوع النظري بل هو مسألة يحسمها فقه الواقع، فالواقع هو مناط الاختبار الحقيقي للأفكار. وفي هذه النقطة التي تعد محورية ومركزية في فكر المحافظين الإسلاميين مذهبيين وأيديولوجيين فإن قراءة الواقع تشير إلى حقيقتين مهمتين:

– أولهما إن كمون المرأة في المجال الخاص خلال التاريخ الإسلامي لم يحسَن المستوى الأخلاقي أو يرتفع به عن سائر المجتمعات واقعيًا. فمن جانب أصبح المجال الخاص خاصة “مؤسسة الحريم” بوتقة لأعتى أشكال السرف والانهيار الأخلاقي. ومن جانب آخر فإن المجتمع القائم على الفصل الحاد بين النوعين افتقد حصانته فانفجرت فيه أمراض أشد خطورة داخل مجتمعات الجنس الواحد مثل مؤسسة الخصيان والمماليك وظاهرة الممارسات الجنسية أحادية الجنس الذي أفرز أيضاً مؤسساته وآدابه، وقد عرف المجتمع الإسلامي هذه الأمراض على مدى فترات زمنية طويلة مثل العصر العباسي الأول والثاني ومراحل الازدهار والانهيار في الأندلس.

– الأمر الثاني أن فقه الواقع يدل بشكل واضح على أنه إذا كان هناك من سبب يخص النساء وحدهن ويجعلهن سببًا للفتنة فهو الفقر، فالنساء هن أكثر الفئات فقرًا على مدى التاريخ نظرًا الانقطاع علاقتهن طويلاً بالعمل المأجور ومصادر الثروة وأدوات الإنتاج الرأسمالي، وقد عكس ذلك نفسه على النساء اجتماعيًا ونفسيًا وقانونيًا. ومن أخطر النتائج المترتبة على هذه الوضعية التاريخية: لجوء النساء في حالة العوز إلى المتاجرة بالسلعة التي تملكها والخدمة الوحيدة التي تم تدريبهن عليها وهي بيع الخدمة الجنسية. أما النتيجة الثانية فهي تعظيم الوظيفة الإعالية للزواج على حساب الأبعاد الأخرى الاجتماعية والنفسية لهذه المؤسسة. وقد أسهمت هذه الصيغة القائمة على ثنائية (المعيل /المحتاج) إلى تكريس اختلال السلطة ومعادلة الخضوع والطاعة في مؤسسة الزواج. وانعكس هذا الواقع الاجتماعي والثقافي على اقترابات الفقهاء من قضية النوع، ومن أكثر تجليات ذلك مباشرة اقتراب الفقهاء في تعريف الزواج باعتباره كراء بضع المرأة.

وبناء على ما سبق يمكن القول بأن إنهاء عوز النساء بالدخول إلى مجال العمل وفتح أبواب العمل الشريف لهن هو الذي يمثل حماية لهن وللمجتمع من أهم أسباب الفتن والفساد وليس من خلال عزلهن وإقصائهن، كما وأن فتح مجال العمل يستدعي الدخول إلى مجال عام آخر هو مجال التعليم، وهما معًا يرتبان تأهيل النساء إلى ولوج مجال العمل السياسي للتعبير عن مشاكلهن والمطالبة بحلها.

  • وتوفر كل نطاقات المجال العام تلك السياق والأرضية الخصبة لممارسة القواعد والآداب التي نص عليها القرآن في علاقات النوع، وقد أوضح الشارع -جل وعلا- أن اختبار التقوى وسائر القيم العليا لا يكون بمحاصرة وحبس الناس عن التفاعل فهو مفهوم قاصر غير مجد وإنما يكون عن طريق التفاعل والتعارف، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].

* * *

([1]) Ari Adut, “A Theory of the Public Sphere”, in Sociological Theory, Vol. 30, No,4 Issued by American Sociological Association, December 2012, p.p. 238-262 with reference to p. 254.

([2]) Ibid, p.239.

([3]) Ibid, p. 242.

([4]) Ibid, p. 239.

([5]) Ibid, p. 252.

([6]) في العديد من المجتمعات المسلمة المعاصرة يشير الحجاب إلى غطاء الرأس للنساء.

([7]) يعني التشكل الاجتماعي للخطاب أن الخطاب قد يسهم في إعادة إنتاج وتكريس الأمر الواقع بمؤسساته وقواه الاجتماعية وقد يسهم في تحوله. وفيما يخص قضايا السلطة والأيديولوجيات فإن الممارسات الخطابية قد تسهم في إنتاج او إعادة إنتاج علاقات القوة غير المتكافئة من خلال الأساليب التي تقدم بها الناس والأشياء أو تحدد مواقعهم في الخطاب وفي المقابل قد يساعد الخطاب في تحدي تلك العلاقات.

See: Marte Reenskaug Fjortoft, “The Critical Element of Critical Discourse analysis”, in SYNAPS 28 (2013), p 68

([8]) see: Junling Wang, “ A Critical Discourse Analysis of Barack Obama’s Speeches” in Journal of Language Teaching and Research” Vol. 1, No3, May 2010, pp254-261, with ref. to p.254.

([9]) Fjortof, Op Cit, p 70.

([10]) انظر: السرخسي، شمس الدين، كتاب المبسوط (بيروت: دار الكتب العلمية، 1414هـ- 1993م) ج 24، ص 40.

([11]) يقول القاضي عبد الجبار: “إن أول من قال بالجبر وأظهره معاوية، وأنه أظهر أن ما يأتيه بقضاء الله ومن خلقه ليجعله فيما يأتيه ويوهم بأنه مصيب فيه وأن الله جعله إمامًا وولاه الأمر وفشا ذلك في ملوك بني أمية”. انظر الجسن البصري وآخرون، رسائل العدل والتوحيد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة (القاهرة: دار الهلال، 1971) ص 46 وهامش المحقق ص 66. وعبر معاوية عن هذا المفهوم في شأن ابنه يزيد بقوله: “وإن يزيدا قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم”. ابن قتيبة، أبي محمد عبد الله بن مسلمن كتاب الإمامة والسياسة (مصر: مطبعة النيل، 1322هـ- 1904) ج1، ص 288.

([12]) انظر: أماني صالح، الشرعية بين فقه الخلافة وواقعها، الجزء الثاني (القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي) ص ص 765-767، و ص 775.

([13]) عن عائشة أن فتاة قالت – تعني للنبي r- إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وانا كارهة، فأرسل النبي r الى أبيها فجاء فجعل الأمر اليها فقالت: يا رسول الله إني أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيئا” أخرجه النسائي. انظر الحديث في: السيد محمد صديق حسن خان التنوجي البخاري، حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة، تحقيق: الدكتور مصطفى سعيد الجن ومحيي الدين ستو (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1416هـ- 1996م) ص 547.

([14]) أماني صالح، الشرعية، مرجع سابق، ص ص 561- 563.

([15]) ابن تيمية، شيخ الإسلام الإمام أحمد، فتاوى النساء، تحقيق: الدكتور أحمد السايح والدكتور السيد الجميلي (القاهرة: دار الريان للتراث، 1408هـ- 1987م) ص 59.، وأيضًا ص ص 60-62.

([16]) حديث عائشة المشهور حول دخول أسماء بنت أبي بكر على النبي r في ثياب رقاق وقول النبي r لها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يًرى منها إلا هذا وأشار الى وجهه وكفيه». انظر: ابن كثير، تفسير ابن كثير (القاهرة: دارالفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1407هـ- 1986م) الجزء الثامن عشر، سورة النور، ص 284.

([17]) ابن تيمية، مرجع سابق ص 61.

([18]) المرجع السابق، ص 60.

([19]) المرجع السابق، ص 72.

([20]) المرجع السابق، ص 67.

([21]) المرجع السابق ن ص 60.

([22]) المرجع السابق، ص 62.

([23]) المرجع السابق، ص 73.

([24]) عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، (القاهرة: دار الإرشاد للطباعة والنشر، دت) كتاب الحدود، الجزء 3، باب مضار الزنا، ص 52.

([25]) د. حسن الترابي، المرأة بين الأصول والتقاليد (الخرطوم: مركز دراسات المرأة، 200م) ص 21. ويضيف الترابي وقد أخذت الكثير من الحيل الفقهية لتكيف الشريعة بما يناسب الأعراف القديمة، منها ضرب النصوص ببعضها البعض لادعاء نسخ بعض النصوص التي تتسع على المرأة، ومنها إطلاق النصوص النقيدة والمخصوصة. نفس المرجع ص ص 20- 21.

([26]) ابن تيمية، مرجع سابق، ص 70

([27]) المرجع السابق، ص 80.

([28]) see Carol J. Greenhouse, “ Constructive Approach to Law and Identity” in Law & Society Review, Vol. 28, No. 5, , 1994, p.p. 1231-1242, with ref. to p 1238.

([29]) لقد بلغ الأمر حدًا من شيوع تلك الأمراض والاعتراف بها في المجتمع أن أصبحت فيه الأسئلة توجه الى الفقهاء والمفتين ومنهم ابن تيمية ذاته في جواز النظر المرد الغلمان وسبل اتقاء فتنتهم. انظر: ابن تيمية، المرجع السابق ص ص 76-80.

([30]) حول هذه الظواهر وكيف كانت على حساب المرأة العربية ونساء الأسر انظر: سليمان حريتاني، الجواري والقيان: وظاهرة انتشار أندية ومنازل المقينين في المجتمع العربي الإسلامي (دمشق: دار الحصاد للنشر والتوزيع، 1997).

([31]) من خصائص الخطاب الأيديولوجي مخاطبة الوجدان والانفعالات وتعطيل آلية العقل عند المخاطب، استخدام اللغة والبيان في تعبئة وتجنيد الأنصار، اعتماد ثنائية المقدس والمدنس، وتقديم ذاته باعتباره البديل الوحيد الأفضل والممكن. انظر:سليم دولة، الثقافة الجنسوية الثقافية: الذكر والأنثى ولعبة المهد (حلب: مركز الإنماء الحضاري، 1999) ص ص 69- 72.

([32]) انظر النهج التفسيري المتبع لدى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، “حكم السفور والحجاب” في ابن تيمية وآخرون، مجموعة رسائل في الحجاب والسفور (الرياض: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1419هـ) ص 50.

([33]) المرجع السابق، ص 58.

([34]) المرجع السابق، ص 57.

([35]) المرجع السابق، ص 58.

([36]) أبو الأعلى أبو الأعلى المودودي، الحجاب (القاهرة: دار التراث العربي للطباعة والنشر، د ت) ص ص 151-153.

([37]) المرجع السابق، ص 159.

([38]) المرجع السابق، ص 162.

([39]) المرجع السابق، ص ص 120-121.

([40]) المرجع السابق، ص 159.

([41]) المرجع السابق، ص 125.

([42]) محمد فخري، تحرير المرأة والسفور” في محمد كامل الخطيب، قضية المرأة: القسم الأول (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1999) سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية (25) ص 380.

([43]) تفسيرالمودودي لآية القوامة 34 من سورة النساء. انظر: المودودي، مرجع سابق، ص 119.

([44]) المرجع السابق، ص 122.

([45]) المرجع السابق، ص 121.

([46]) المرجع السابق، ص 122.

([47]) المرجع السابق، ص ص 123-124.

([48]) المرجع السابق، ص 125.

([49]) المرجع السابق، ص 125.

([50]) محمد فخري مرجع سابق، ص 379.

([51]) انظر المودودي، مرجع سابق، ص 114.

([52]) حول هذا التحليل وأبعاده انظر: المرجع السابق، ص ص 111- 116.

([53]) المرجع السابق، ص 96.

([54]) انظر محمد فريد وجدي، المرأة المسلمة: رد على كتاب المرأة الجديدة (القاهرة: مطبعة هندية، 1330هت- 1912 م) ص ص 37-52.

([55]) المرجع السابق، ص ص 33-34.

([56]) المودودي، مرجع سابق، ص ص 99-100.

([57]) المرحع السابق، ص 101.

([58]) محمد طلعت حرب، “تربية المرأة والحجاب” في محمد كامل الخطيب، قضية المرأة: القسم الأول، مرجع سابق، ص ص 340-341.

([59]) see Joan B. Lander, “ Women and the Public Sphere: A Modern Perspective in Social Analysis” in the international Journal of Social and Cultural practice, No. 15, Gender & Social Life (August 1984) pp 20-31 with reference to p 23.

([60]) محمد طلعت حرب، مرجع سابق، ص ص 357-366. وانظر أيضًا محمد فريد وجدي، مرجع سابق.

([61]) المودودي، مرجع سابق،ص 15، ص ص 27-34.

([62]) ابن باز، مرجع سابق، ص 47.

([63]) المودودي، مرجع سابق ص ص 6-20.

([64]) المرجع السابق، ص 6.

([65]) المرجع السابق، ص 101.

([66]) طلعت حرب، مرجع سابق، ص352.

([67]) انظر: بن باز، مرجع سابق، ص ص 61-62.

([68]) انظر: أسماء محمد أحمد زيادة، دور المرأة السياسي في عهد النبي r والخلفاء الراشدين (القاهرة: دار السلام، 1421هـ- 2001 م) ص ص 98 – 280.

([69]) يشار في ذلك مثلاً إلى حديث أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، قال مجاهد: وأنزل الله فيها (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..) (سورة النساء: 49). وعن عائشة أن فتاة قالت – تعني للنبي r- إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وانا كارهة، فأرسل النبي r الى أبيها فجاء فجعل الأمر اليها فقالت: يا رسول الله إني أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيئا” أخرجه النسائي. انظر الحديثين في: السيد محمد صديق حسن خان التنوجي البخاري (حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة، تحقيق: الدكتور مصطفى سعيد الجن ومحيي الدين ستو (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1416 هـ- 1996 م) ص 517- ص 547.

([70]) حول وقائع انقلاب القيادة والنخبة الثورية على النساء عقب الثورة الفرنسية وفرض قيود على حركتهن في المجال العام، انظر: Joan B. lander, Op Cit, pp 24- 27

([71]) انظر: أماني صالح، خريف المرأة السياسية: “الخارجات” على ملوك بني أمية” في المرأة والحضارة العدد الثاني، ربيع أول 1422هـ- 2001م، ص ص 36-53.

([72]) من أبرز أسماء الخارجيات الزرقاء بنت عدي وسودة بنت عمارة وغزالة الحرورية. ويذكر المسعودي أنه قد مات في سجون الحجاج بن يوسف الثقفي خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة من الخارجين على الدولة انظر: المسعودي، أبو الحسن على بن الحسين بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1377هـ- 1958م) ص 176.

([73]) انظر: طلعت حرب، مرجع سابق، ص ص 349- 352.

([74]) من أمثلة هؤلاء كل من السيدتين مارجريت ثاتشر وأنجيلا ميراكل ودورهما الهام في قيادة بلدهما الى تجاوز مراحل الخطر والأزمة وتحقيق الرفاهة الاقتصادية.

([75]) الفخر الرازي، تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب: 13/11. ويتبنى الأيديولوجيون افتراضات مشابهة انظر على سبيل المثال طلعت حرب، مرجع سابق، ص 357.

([76]) للتعرف على مدخل المساواة ومقوماته كأساس للقراءة النسوية الإسلامية انظر: أماني صالح، المساواة: نحو التجديد في بناء أصول العلاقة بين المرأة والرجل، سلسلة نون للحضارة (القاهرة: مركز نون لقضايا المرأة والأسرة، دت).

([77]) ابن كثير،مرجع سابق، الجزء الثامن عشر، سورة النور، ص 284.

([78]) ابن كثير المرجع السابق، ص ص 483-484.

([79]) ابن حجر العسقلاني، الإمام الحافظ أحمد بن على، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مراجعة قصي محب الخطيب (القاهرة: دار الريان للتراث، ض407 هـ- 1980 م) كتاب التفسير، باب قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدني وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً، حديث رقم 4785، ص 379.

([80]) ابن كثير، مرجع سابق، الجزء الثامن عشر سورة النور، ص 305

([81]) ابن حجر العسقلاني، مرجع سابق، كتاب التفسير، باب ولا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم، حديث رقم 4795، ص 388.

([82]) يثير ابن حجر العسقلاني هذه القضية بشأن حضور أمهات المؤمنين في المجال العام وما دار حولها من جدال بمناسبة حديث عائشة عقب نزول الأمر بحجاب وقرار أمهات المؤمنين عن خروج سودة واعتراض عمر لها وهو الحديث الذي انتهى بقول الرسول r لزوجاته: «قد أذن الله لكن الخروج لحاجتكن»، يقول ابن حجر: وفي الحديث من الفوائد مشروعية الحجاب لأمهات المؤمنين، قال عياض: فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين. فلا يجوز لهن كشف ذلك ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت اليه ضرورة من براز. ثم استدل بما في الموطأ أن حفصة لما توفي عمر سترها الناس عن أن يٌري شخصها” انتهى.. يعلق ابن حجر معارضًا هذا الرأي ومثيرًا وقائع أخرى تدل على خلافه بقوله: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي r يحجن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص.

انظر: ابن حر العسقلاني، مرجع سابق، كتاب التفسير، الحديث رقم 4795، ص 391.

([83]) see:Adut, Op.cit., p. 253. And Landers, Op cit, p31.

([84]) حديث عائشة المشهور حول دخول أسماء بنت أبي بكر على النبي r في ثياب رقاق وقول النبي r لها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يًرى منها إلا هذا وأشار الى وجهه وكفيه». تفسير ابن كثير، مرجع سابق، الجزء الثامن عشر، سورة النور، ص 284.

([85]) عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، كتاب الحدود، الجزء الثالث، باب مضار الزنا، ص 52.

([86]) ينتصر الألباني للرأي القائل بأن اللباس الشرعي للمرأة المسلمة لايجب ستر الوجه على الرغم من الضغوط العديدة التي أشار في مقدمة كتابه انها مورست عليه من قبل نفس التيار المحافظ للتخلي عن هذا الرأي. وفي تصديه لمحاولة البعض تفسير نصه تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ) بحيث تعني تغطية الوجه: “إن القرآن يفسر بعضه بعضًا وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره فوجب تقييد الإدناء هنا فيما عدا الوجه توفيقا بين الاثنين… الآخر أن السنة تبين القرآن فتخصص عمومه وتقيد مطلقه وقد دلت النصوص الكثيرة فيها على ان الوجه لا يجب ستره، فوجب تفسير هذه الآية= =على ضوئها وتقييدها بها” انظر: محمد ناصر الألباني، حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة (د.م: المكتب الإسلامي، د.ت) ص 41، وانظر ردوده على هذا الرأي في ص ص 47-53.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر