أبحاث

التكامل المعرفي بين علم التفسير والعلوم اللغوية

العدد 165

رأس فضائل العربية أن الله – تعالى- اختارها لتكون لغة الرسالة الخاتمة، واختار أن يكون خاتم الأنبياء والمرسلين (ص) عربيًّا؛ فكُرِّمت العربية بالقرآن وفي القرآن؛ قال عز وجل : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)(2)، وقال -جل وعلا: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(3)، وقال -جل وعلا-: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(4). وبذلك كانت جزءًا من الدِّين، كما نَصَّ جمهور علماء الأمة، يقول ابن تيمية – رحمه الله-: “إن نَفْس العربية من الدِّين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فَهْمَ الكتاب والسُّنَّة فرض… وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”(5).

ونظرًا لأنَّ علوم الشرع متفرعة على القرآن الكريم، عَمَدَ علماء المسلمين إلى دراسة اللغة العربية انطلاقًا من نصوصها القديمة من الشعر والنثر الجاهلي، ولغة الأعراب والبوادي التي كانت ما تزال غَضَّة طَرِيَّة لم تتأثر بمخالطة المدنية وتلتبس بالألسن الأجنبية… والاجتهاد في تأسيس علومها من نحوٍ وصرف وبلاغة… وهكذا تحقق لها مطلبان كبيران: حِفظ تراثها من الضياع، وتأسيس علومها تقعيدًا وتطبيقًا، ثم جاء دور استثمار تلك العلوم أدوات فعالة لتفتيق علوم الشريعة: الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه، والحديث ومصطلحه ومباحثه، والسيرة… كلها اتخذت من اللغة العربية عتبة أولى، وشرطا أساسا، وأصلا أصيلا للتعلُّم والتعليم، فضلا عن الاجتهاد والتجديد…

هذا المدخل التاريخي يجعل الحديث عن مصطلح “التكامل المعرفي” بين علوم الشريعة وعلوم اللغة العربية تحصيل حاصل، فقد تجاوَزَا ذلك إلى أن صار بعضهما جزءًا من بعض، ولم يقتصر الأمر على تبادل الأخذ أو التأثير، بل انبنى أحدهما على الآخَر، فارتقى إلى درجة الشرط والواجب، وإنما ساغ استعمال هذا المصطلح باعتباره أداة لمقاربة ورصد وتحليل إنتاجات علمائنا في كلا المجالين من هذه الناحية؛ قَصْدَ الوقوف على الإضافات النوعية التي خلَّفُوها – بوعي أو بغير وعي- وهم يعالجون موضوعهم الرئيس في العلم الذي آثروا التأليف فيه.

والحقيقة أن الموضوع مُغْر بمزيد من البحث والتتبع، ومُجْد في إبراز فوائد كثيرة تجعل الباحث يقف في ذهول أمام الموسوعية والعمق والدقة التي تحلى بها أولئك العلماء: كيف أتيح لهم…………

(أقرأ المزيد)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر