أبحاث

تقلبات القوة الشرائية للنقود وأثر ذلك على الائتمان الاقتصادي والاجتماعي : تحليل فقهي واقتصادي

العدد 41

تمهيد:

أباح الإسلام التعاقدات المالية ذات الالتزامات الآجلة. قال تعالى: ] يا أيها الذين آمنو إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه [(1) وقال تعالى: ] فإن أمن بعضكم فليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه [(2). وقد حبب الإسلام في الإقراض والإمهال في الدين لما في ذلك من المنافع والمصالح.

ومن جهة أخرى فقد أحاط هذه التعاقدات الإئتمانية بسياج قوي من الأمن والحماية، مقدما للمؤتمن (( الدائن )) أكبر قدر ممكن من الضمان والاطمئنان على رجوع ماله له كاملا غير منقوص. جزاء على ما قدم من معونة ] وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ وحثاً له وتحريضا على تقديمه المزيد والمزيد من الائتمان. قال r: (( من أخذ أموال الناس يريد سدادها سدد الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ))(3) وقال عليه الصلاة والسلام: (( ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ))(4)

ومعلوم أن الدين قد يكون نقودا، وهو الغالب عادة. ومعروف أن النقود من حيث ذاتها لا تشبع حاجة الإنسان، ولكنَّها وسيلة للحصول على مختلف السلع والخدامات، وإذن فهي تكتسب أهميتها وقيمتها وماليتها مما لديها من القوة الشرائية العامة التي تتميز بها، فمن يمتلك نقودا فإنه يحوز بذلك قوة تخول له الحصول على مختلف السلع والخدامات المتاحة. وكلما زادت تلك القوة الشرائية ارتفع سعر النقود أو قيمتها والعكس صحيح.

ومعروف أن عقود المعارضة حتى فيما بدأ منها في صورة تبرع مثل القرض، هذه العقود ترتكز في إبرامها على ركيزة أساسية هي معرفة طرفي العقد بالقوة الشرائية للنقود بما أنها الثمن أو العوض. فإذا كان من شأن تلك التعاقدات أن تنتج التزامات مالية آجلة، أو بعبارة أخرى إذا كانت تلك العقود عقودا ائتمانية فإن معرفة جيدة بالقوة الشرائية الحالية للنقود عادة مالا تكون كافية بل يستدعي الأمر معرفة بالقوة الشرائية المستقبلية للنقود خاصة عند حلول أجل الدين. ولا شك أن تحقق هذه يتطلب إما الثبات النسبي في قيمة النقود على مر الأيام، وهذا بالطبع أفضل ما يمكن أن يكون عليه الواقع، فإذا لم يكن ذلك قائما فينبغي أن يكون طرفا العقد على معرفة بمدى واتجاه التغيرات المستقبلية في القوة الشرائية للنقود، فإذا كانت تلك التغيرات من المعتذر التنبؤ بمداها واتجاهها كأن تكون غير ثابتة في حجمها واتجاهها فإن من شأن ذلك أن يؤثر سلبيا على عقود الائتمان، سواء في ذلك الائتمان الاقتصادي أو الائتمان الاجتماعي.(5)

وطالما أن الائتمان أمر لا غنى عنه لأي مجتمع فإن الثبات النسبي في القوة الشرائية للنقود يعد أمرا هاما وضروريا.

وفي هذا البحث نجيب على تساؤلين أساسيين؛ الأول: ما هو موقف الإسلام حيال ثبات قيمة النقود؟ والثاني: في ظل تغلب قيمة النقود ماذا قدم الإسلام من أحكام لتعقيم الآثار السلبية لهذه الظاهرة التي قد تسوء في بعض الحالات؟ ويتفرغ عن ذلك العديد من التساؤلات الفرعية والتي منها؛ ماذا يدفع المدين عند تغير قيمة الائتمان؟ وهل يعول على العدد أم القيمة؟ وهل هناك امكانية أمام طرفي الائتمان للاتفاق عند التعاقد على ما يسدد؟ وهل يمكن لنظام الفائدة الحالي أن يسهم في علاج آثارتلك الظاهرة؟ وقبل هذا وذاك، ماهي طبيعة النقود ووظائفها؟

في إطار العرض الكلي فإننا نقسم البحث إلى المطالب التالية:

المطلب الأول: طبيعة النقود ووظائفها.

المطلب الثاني: موقف الإسلام من ثبات قيمة النقود.

المطلب الثالث: ما يدفعه المدين عند تغير قيمة الدين.

والمطلب الرابع: موقف الإسلام من الاتفاق على تثبيت قيمة الدين.

المطلب الخامس: وسائل تثبيت قيمة الدين ومدى صلاحية سعر الفائدة لذلك.

المطلب الأول: طبيعة النقود ووظائفها مادة النقود:

اتفق علماء الإسلام على أن الخاصية الجوهرية في النقود أنها ذات قوة شرائية عامة، وأنها تنال القبول العام من الأفراد في التعامل. وعلى حد تعبير أحدهم أن (( من ملكها فكأنه ملك كل شئ )). ومن هذا الاتفاق حول خاصية النقود إلا أننا لم نعثر على مثل ذلك في موقفهم حيال طبيعة المادة التي تتخذ منها النقود. فقد وجدنا لهم اتجاهين؛ بعضهم يقصر مادة النقدية على الذهب والفضة، مسكوكا كان أو تبرا، فالنقد ما عدا المصوغ من هذين المعدنين. وقد ذهب هذا الفريق إلى أن الذهب والفضة لم يخلقهما الله تعالى إلا لوظيفة النقدية أساسا، فهما نقود بأصل الخلقة. وفي رأي هذا الفريق من العلماء أن ذلك لا ينفي أن يصطلح الناس فيما بينهم على استخدام مادة أخرى غير الذهب والفضة في التعامل، ولكن العملة عندئذ لا تسمى نقدا بل تسمى فلوسا، وحجة هذا الفريق أن الذهب والفضة لا يصلح أي منهما لإشباع حاجة الأنسان بصفة مباشرة وأنهما ما خلقا إلا للنقدية، وأن نقديتهما قائمة وثابتة حتى لو كانا تبرين وحتى لو اصطلح الناس على إخراجهما من النقدية. أما ما عدا ذلك فهو مجرد اصطلاح للناس، يمكن أن ينقطع ويزول فتزول النقدية، كما أن تلك العملات تروج (( تقبل )) في بلدة ولا تروج في أخرى. كذلك فإنها تقبل في المعاملات قليلة القيمة. يقول السرخسي: (( إن صفة الثمينة (( النقدية )) في الفلوس عارضة باصطلاح الناس… فأما الذهب والفضة فثمن بأصل الخلقة… ألا ترى أن الفلوس تروج تارة وتكسد أخرى، وتروج في ثمن الخسيس من الأشياء دون النفيس بخلاف النقود))(6).

أما الفريق الثاني من العلماء فهو وإن سلم مع الفريق الأول بأن الذهب والفضة نقود بأصل خلقتهما إلا أن ذلك لا ينفي استخدام الناس لمواد أخرى في النقود. فالعبرة عنده في النقدية بما ينال القبول العام في التعامل سواء كان هذا القبول العام نابعا من أصل الخلقة أم من اصطلاح الناس، فالكل نقود كاملة. وقد انتصر لهذا الرأي جمهرة غفيرة من العلماء. حتى لقد قال أحد علماء المذهب الحنفي أبو بكر بن الفضل في تلك العملات التي كانت تسمى فلوسا: (( هي أعز النقود عندنا، تقوم بها الأشياء، ويتهر بها النساء، ويشتري بها الخسيس والنفيس بمنزلة الدارهم في ذلك الزمان ))(7) بل إن ابن حزم رد بعنف على من قال بقصر النقدية على الذهب والفضة قائلا (( ولا ندري من أين وقع لكم الاقتصار بالتثمين على الذهب والفضة، ولا نص في ذلك ولا قول أحد من أهل الإسلام، وهذا خطأ في غاية الفحش))(8) ونحن نرجح الاتجاه الثاني لما يستند إليه من دعائم قوية.(9)

مالية النقود:

ليس هناك خلاف بين العلماء في دخول النقود في الأموال، وبالمثل فإننا لا نلمس بينهم خلافا في تمييز النقود عن بقية أنواع المال الأخرى، فمن تقسيماتهم الشائعة أن الأموال نقود وعروض، وأنها أثمان ومثمنات. والترجمة الاقتصادية لتلك العبارات الفقهية أن النقود ليست من طبيعة السلع والخدمات، فبالرغم من أن كلا منها مال إلا أن مالية النقود هي مالية وسائل أما مالية السلع والخدمات فهي مالية غايات. وتتبلور الفروق الأساسية بين النقود والسلع في أن نفع السلع والخدمات هو نفع خاص مباشر، بينما نفع النقود هو نفع عام غير مباشر.

ولفقهاء المسلمين في ذلك عبارات بالغة الدقة والوضوح ومنها: يقول ابن رشد: (( المقصود من النقود المعاملة أولا لا الانتفاع، أما المقصود من العروض فهو الانتفاع أولا لا المعاملة وأعني بالمعاملة كونها ثمنا))(10). ويقول ابن القيم:(( إن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة كبقية السلع))(11) ويقول فيها القرافي: (( هي وسائل للمثمنات )).(12) ويقول الغزالي: (( ما خلقت الدارهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمر خاصة، إذ لا غرض للآحاد في اعيانهما، فإنهما حجران، وإنما خلقا لتتداولهما الأيدي ))(13). ويقول الكاساني: (( إن الإعداد للتجارة في الأثمان المطلقة من الذهب والفضة ثابت بأصل الخلقة لأنها لا تصلح للانتفاع بأعيانها في دفع الحوائج الأصلية ))(14) هذه الأقوال، وغيرها كثير تؤكد لنا على حقيقة بالغة الأهمية في موضوع بحثنا وهي أن مالية النقود ليست في ذات النقود وعينها، وإنما فيما لها من قوة شرائية عامة، وبقدر ما تزداد هذه القوة الشرائية بقدر ما ترتفع قيمة النقود ويغلو سعرها. وإن طلب الناس لها لا لذاتها وإنما لما فيها من هذه القوة الشرائية التي تخول لصاحبها سلطة الحصول على ما يريد من سلع وخدمات. وبعبارة أخرى فإن قيمة النقود هي قيمة تبادلية فقط خاصة في النقود الورقية، ويوم تفقد هذه القيمة التبادلية تفقد كل أهمية لها، عكس السلع والخدمات فلها قيمها التبادلية ولها منافعها الذاتية.

وظائف النقود:

منذ وفق الله تعالى الإنسان لاكتشاف النقود استخدمها لتؤدي له وظائف معينة عجز نظام المقايضة عن القيام بها. وترجع الوظائف الأساسية للنقود إلى قيامها بالوساطة في المبادلات، أو بعبارة أخرى قيامها بوظيفة الثمنية، وكذلك قيامها بقياس وتقويم السلع والخدامات. وقد تفرع عن ذلك قيامها بقياس تقويم السلع والخدمات. وقد تفرع عن ذلك قيامها بتسوية المدفوعات الآجلة، وأخيرا استخدامها الإنسان كمخزن للقيم وقد أقر الإسلام للنقود بهذه الوظائف بتحفظات معينة على بعضها.

فمن حيث قيام النقود بوظيفة الثمنية، قال العلماء: (( وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء )) و (( هما ثمن المبيعات )).

ومن حيث كون النقود مقياسا للقيم. قال العلماء: (( هي قيم الأموال ورأس مال التجارات)) و (( إن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات. والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال )). وقال الغزالي: ((…فخلق الله تعالى الدنانير و الدراهم حاكمين متوسطين بين سائر الأموال، حتى تقرر بهما الأموال، فيقال هذا الجمال يساوى مائة دينار، وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة منها…))(15) أما قيامها بسداد المدفوعات الآجلة بمعنى أنه من الممكن أن تجري عمليات التبادل على أن يتم سداد الثمن في المستقبل وعادة ما يكون ذلك الثمن في صورة نقدية فهذا هو الآخر معترف به شرعا.

ولكن اعتبارهما مخزناً للقيم يرد عليها تحفظات، فإن كان المقصود بها قابلية النقود للادخار، بمعنى الاحتفاظ بها لفترات زمنية مقبلة بهدف اجراء المعاملات بها فلا شك أن النقود بطبيعتها أكثر الأموال قابلية لذلك. وغير خاف أن من أوعية الزكاة الأموال النقدية المدخرة متى بلغت نصابا ومضي عليها عام. أما إن كان المقصود بهذه الوظيفة أنها أداة للاكتناز، وتحويل القيم العينية إليها لمجرد الاحتفاظ بها والابتعاد عن تشغيلها وتوظيفها فإن هذا أمر مستهجن في الإسلام.(16)

المطلب الثاني: موقف الإسلام من ثبات قيمة النقود

سبق أن أشرنا إلى أنه من الأهمية بمكان أن تتسم النقود بأكبر قدر ممكن من الثبات في قيمتها، لما في ذلك من تأثير جوهري في استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفرد وللمجتمع، بحيث يمكن القول مع خبراء الاقتصاد الوضعي ان النقود لا تؤدي وظائفها بفعالية واقتدار في غياب الثبات النسبي في قيمتها.(17) ومعروف  أن قيمة النقود تتحرك في عكس اتجاه تحركات أسعار السلع والخدمات، فارتفاع مستوى الأسعار يعني هبوط قيمة النقود أو سعرها، والعكس صحيح. وما ذلك إلا لأن قيمة النقود المالية تكمن في قوتها الشرائية. وقد سبق علماء الإسلام رجال الاقتصاد الوضعي في التأكيد على أهمية قيمة النقود، ومن جهة أخرى فإن الإسلام قدم من الأحكام والأدوات ما يجعل هذا الهدف أمرا واقعا في دنيا المسلمين.

ثبات قيمة النقود في فكر بعض علماء الإسلام:

لن نعرض هنا لما قدمه الكثير من علماء المسلمين حيال هذه المسألة، وإنما نكتفي بذكر ما قاله ابن القيم. يقول ابن القيم: (( إن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات. والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال. فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع. وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة وذلك لا يكون إلا بسعر تعرف به القيمة وتقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة. ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف ويشتد الضرر. كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء، ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس ))(18) من هذه العبارة الدقيقة يتضح لنا كيف كان علماء المسلمين على وعي كامل بالظواهر النقدية وبأهمية ثبات قيمة النقود بحيث أن خاصية النقود تتوقف على هذا الثبات وبزواله تكف النقود عن قيامها بوظائفها وتدخل في عداد السلع وتفسد أوضاع المجتمع. ولما لثبات قيمة النقود من هذه الأهمية فقد أولاها الإسلام عنايته واهتمامه ونعرض طرفا من ذلك في الفقرة التالية:

الأدوات التي أقامها لتعمل على تحقيق الثبات النسبي في قيمة النقود:

قبل أن نعرض لهذه الأدوات نذكر بعض النصوص الإسلامية التي يمكن الاعتماد عليها هنا. ورد في الحديث الشريف (( النهي عن إضاعة المال ))(19) والنهي عام وشامل، يستوي في ذلك الفرد والحاكم، كما أن الإضاعة مفهوم متسع لشتى صنوف الإضاعة؛ المباشرة وغير المباشرة. والمتقلبات الكبيرة في قيمة النقود تحمل في طياتها العديد من صنوف إضاعة الأموال. كذلك فقد نهي الحديث الشريف عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم من غير بأس. (20) وغير خاف أن مثل تلك الأعمال تؤدي ضمن ما تؤدى إلى إحداث تقلبات كبيرة في قيمة النقود. ومن جهة أخرى فقد نهي الحديث الشريف عن كل تصرف يؤدي إلى إغلاء أسعار المسلمين.(21) وغلو الأسعار معناه انخفاض قيمة النقود.

وبالبحث وبالتقصي يتبين لنا أن الإسلام لم يكتف حيال تلك المسألة بهذه النواهي. ولكنه قدم أدوات تعمل على جبهات متعددة ينتج عنها تحقق الثبات النسبي في القوة الشرائية للنقود. وفيما يلي نعرض كليات تلك الأدوات.

السياسة النقدية:

باختصار شديد نلاحظ أن الموقف الإسلامي حيال السياسة النقدية والنقود يسهم في تحقيق ثبات قيمة النقود. ومن ذلك تنظيم عملية إصدار النقود وعرضها، ومن المعروف اقتصاديا أن لحجم النقود تأثيراً على قيمتها. فقد نادى علماء الإسلام بقصر عملية عرض النقود وإصدارها على الدولة، وعدم السماح لمؤسسات خاصة بإيجادها. وبذلك يضمن أن يكون حجم النقود بالقدر المطلوب، والذي لا يؤدي إلى تضخم أو انكماش. يقول الإمام أحمد:   (( لايصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رخص لهم في ذلك ركبوا العظائم))(22) ويقول الإمام النووي: (( إن ضرب النقود من أعمال الإمام )) (23) بل لقد منع الإسلام الحاكم من ضرب نقود مغشوشة لما في ذلك من المضار التي منها تقلب قيمة النقود. ويقول السيوطي: (( يكره للإمام ضرب الدارهم للحديث الصحيح من غشنا فليس منا، ولأن في إفساد للنقود وإضرار بذوي الحقوق وغلاء للأسعار وانقطاع الأجلاب وغبرذلك من المفاسد ))(24) هذا من ناحية تنظيم اصدار النقود ، ومن احية أخرى فقد حرم الإسلام سعر الفائدة. وغير خاف ما للفائدة من تأثير جوهري على قيمة النقود. ويضاف إلى ذلك أن الطلب على النقود في إطار الإسلام ينصرف أساسا إلى دافع المعاملات لا لاختزانها ولا لاستخدامها في احداث التلاعب في أسعار السلع مما يعني وجود قدر كبير من التوازن  بين الكمية المعروضة والكمية المطلوبة من النقود.(25)

السياسة المالية:

تعتبر السياسة المالية إحدى الأدوات الهامة التي يمكن للدولة من خلالها تحقيق الثبات النسبي في قيمة النقود وقد اهتم الإسلام بهذة الأداة من خلال تنظيمه للايرادات العامة وللإنفاق العام ومن خلال ما قدرمه للدولة من حرية لنقل ما تراه على هاتين الجبهتين مما يحقق أكبر قدر ممكن من المصلحة العامة، والتي من جوانبها تحقيق الاستقرار السعري، بما يعكسه من ثبات نسبي كبير في قيمة النقود.(26)

السياسة السعرية:

من الملاحظ أننا في هذه الجبهة وجها لوجه أمام قيمة النقود. فمن خلال الأسعار وتحركاتها تثبت قيمة النقود أو تتقلب. ومن أجل ذلك نجد عناية الإسلام الفائقة بهذه الجبهة. فقط حظر الاحتكار وتواطؤ البائعين أو المشترين ومنع النجش والسوم على السوم وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، وكل ما من شأنه أن يحدث اختلالا في مستويات الأسعار. ومن ناحية أخرى فقد حمل الدولة مسئولية الرقابة لجهاز السوق بحيث إذا عجز عن أداء وظيفته تدخلت الدولة فسعرت السلع والخدمات التسعير العادل.(27)

السياسة الاستهلاكية:

من الواضح أن قطاع الاستهلاك يعتبر أحد المصادر الأساسية لإحداث تقلبات في القوة الشرائية للنقود. فالمزيد من الطلب الاستهلاكي قد يؤدي الى مزيد من هبوط قيمة النقود بما يجلبه من ارتفاع في مستوى الأسعار. وقد اهتم الإسلام بترشيد الاستهلاك سواء في ذلك الا ستهلاك الحكومي أو الاستهلاك الفردي. فلا إفراط ولا تفريط إذ أن ذلك يؤدي إلى الإسراف وإلى التقتير. وللدولة دور أساسي في التزام المجتمع بذلك، فهناك التحويلات المالية وهناك الحجر على السفهاء وهناك تقنين استهلاك ما تراه من السلع الأساسية، كما فعلت في عهد عمر بن الخطاب من تحديد لاستهلاك اللحوم.

السياسة الانتاجية:

طالما أن الثبات أو التغير في قيمة النقود هو محصلة تفاعل بين قوة الطلب وقوة العرض فإن جبهة الانتاج كمصدر للعرض لا يغفل تأثيرها. وإذا كان الإسلام قد نظم جبهة الطلب من خلال ترشيده للاستهلاك وتنطيمه للنقود فإنه لم يغفل جبهة العرض أو الإنتاج من تقديم ما يمكنها من القيام بدورها بفعالية. ومن ذلك أن جعل الإنتاج يتجه لإشباع الحاجات الحقيقية للأفراد، مما يعني توفير الموارد والطاقات وتجنيدها لانتاج ما يشبع الحاجة الحقيقية فقط. ومن ثم فهناك تكبير وتكثير لحجم المنتجات، مما يعني عدم ارتفاع سعرها.(28) ومن ذلك تخفيض المثير من نفقات الإنتاج فلا توجد النفقة المتمثلة في الفائدة، وكذلك ترشيد عمليات الدعاية والاعلان، ويضاف إلى ذلك مسئولية الدولة عن تقديم التسهيلات اللازمة للعملية الانتاجية، والعمل على توفير العمالة المطلوبة إذ أن ذلك يدخل في عداد فروض الكفاية التي يجب توفرها في المجتمع. وبذلك فإن جبهة الانتاج لديها ما يمكنها من أداء دورها مما ينعكس بدوره على استقرار الأسعار.

هذه إشارات إلى بعض ما قدمه الإسلام تجاه المحافظة على قيمة النقود. وفي اعتقادنا أنه لا سبيل لتحقيق هذا الهدف والابتعاد عما نعيشه من التقلبات الحادة في قيمة النقود إلا بتطبيق توجيهات الإسلام هذه.

ولكنه من الناحية الواقعية فإن تحقيق ذلك قد يحتاج إلى مزيد من الوقت. حتى مع اتخاذ خطوات جادة من الآن في شق هذا الطريق. والتساؤل هنا هل نظل على ما نحن عليه حاليا حتى يتحقق ذلك في الأجل الطويل؟ وأليست هناك وسيلة نعتصم بها من آثار تقلبات قيمة النقد بحيث لا تفرز ما يوقع المجتمع في براثن التضخم أو الانكماش أو اختلال التوازن الاجتماعي والاقتصادي؟ وبعبارة أكثر وضوحا: كيف يمكن لعمليات الإنتماء أن تسير سيرا حسنا في ظل الواقع المتمثل في تقلبات القوة الشرائية للنقود؟

هذا ما يجيب عليه المطلب التالي الذي خصصناه لدراسة حالة معينة هي: ماذا على المدين أن يدفع بفرض عدم وجود اتفاق مسبق بين الطرفين عند التعاقد، وهل يدفع نفس عدد وحدات النقد التي وقع عليها التعاقد أم يدفع قيمتها أم يدفع عددا مغايراً؟

المطلب الثالث: ما يدفعه المدين عند تغير قيمة الدين

نظرا لما قد يكون عليه الائتمان من الشكل العيني، ولما هنالك من الارتباط الوثيق بين تناول الفقهاء للديون العينية والديون النقدية فقد رأينا أن نعرض بعجالة لموقف الفقهاء للديون العينية والديون النقدية فقد رأينا أن نعرض بعجالة لموقف الفقهاء من الديون العينية وتغير قيمتها.وهنا يفرق الفقهاء بين الأموال المثلية والأموال المقومة، وثمرة التفرقة هنا تظهر فيما يجب على المدين أن يسده، إذ أن ذلك يختلف حسب نوعية مال الدين.

المال المثلي والمال المقوم:

قسم الفقهاء الأموال إلى مثلية ومقومة، ومن دراسة أقوالهم وتحليلها يمكن القول أن المعيار المعول عليه في ذلك هو مدى تساوي مفردات المال شكلا وقيمة. فإن كانت مفردات المال متساوية شكلا ومعني فهو مال مثلي وإلا فهو مال مقوم. وبناء على ذلك عدت الموزونات والمكيلات أموالا مثلية أما المعدودات فقد ذهب جمهورهم

إلى أنها مثلية طالما أن مفرداتها غير متفاوته. وذهب نفر إلى أنها مقومة. يقول الزيلعي: والمراد بالمثلى المكيل والموزون والعددي المتقارب مثله كالجواز والبيض حتى يضمن مثله عددا خلافا لزفر إذ يقول إن المماثلة في المعدود لم تثبت بالنص بل بالاجتهاد، ولهذا لا يجري فيه الربا فلا يقطع بكون المضمون مثلا للمتلف فيصار إلى قيمته لتعذر معرفة مثله قطعا بخلاف المكيل والموزون لأن المماثلة فيهما ثبتت بالنص وهو قوله عليه الصلاة والسلام الحنطة بالحنطة مثلا بمثل. وكذا قال في الذهب والفضة وهما موزونا والحنطة مكيل فأمكن اعتبار المماثلة فيها للعلم بها قطعا، والجودة لا قيمة لها عند المقابلة بالجنس، ولا كذلك العددي. قلنا إنما تعتبر المماثلة في المالية، ومالية هذه الأشياء متساوية فإن الفلس يماثل الفلس في المالية، وكذلك الجوز والبيض، ولهذا (( لا تتفاوت قيمة آحاده عرفا ))(29) وقال ابن عابدين: (( المثلي ما لا تتفاوت آحاده تفاوتا تختلف به القيمة ))(30) وقال التسولي: (( والمثلى كل ما يقال أو يوزن كالذهب والفضة والحديد والحنطة والشعير، والمقوم ما لا يكال ولا يوزن كالثياب وسائر العروض والرقيق والحيوان )).(31) وقال الغزالي: (( حد المثلى ما تتمائل أجزاؤه في المنفعة والقيمة من حيث الذات )).(32) وقال ابن قدامة: (( إن حقيقة المثل إنما توجد في المكيل والموزون ))(33)

هذه بعض أقوال العلماء في المال المثلي والمال المقوم، ومنها يتضح لنا أن المثلية الكاملة تتحقق بتوفير عنصرين، التماثل في الشكل والصورة، والتماثل في المالية والقيمة. فإذا توفر العنصر الأول فقط فهو المثل الصوري وإذا توفر العنصر الثاني فهو المثل المعنوي، إذ قيمة الشئ ما يقوم  مقامه ويحصل بها مثله واسمها ينبئ عنه.(34) ومنها يتضح أيضا أن هناك خلافا بين الفقهاء في دخول المعدود في المثلي. وهذه المسألة تهمنا هنا لأن النقود الحالية من المعدودات فإذا اعتبرناها مثلية كما ذهب الجمهور فإنها تأخذ حكم المال المثلي. أما إذا قلنا بأنها مقومة فلا إشكال في سداد دينها إذ المعول عليه عند ذلك هو القيمة.

في ضوء ذلك. ماذا على المدين أن يدفع؟ نتعرف أولا على حالة ما إذا كان الدين مالا عينيا ثم نتعرف ثانيا على حالة ما إذا كان الدين مالا عينيا ثم نتعرف ثانيا على حالة ما إذا كان الدين مالاً نقدياً.

الدين العيني المثلي: قال جمهور العلماء إن على المدين هنا رد المثل طالما أن المثل قائم وموجود وقد خالف في ذلك الظاهرية حيث قالوا إن الرد في الأموال كلها بالقيمة. ولكن جمهور العلماء استند إلى النص وإلى المعقول. فالمثل مساو للأصل في الصورة والمعنى فكان أعدل وأتم. بينما القيمة مثل في المعنى وهو المالية فقط فلا يصار إليه إلا عند تعذر سداد المثل من كل وجه. يقول السرخسي: (( ثم الملك نوعان: كامل وقاصر. فالكامل هو المثل صورة ومعنى، والقاصر هو المثل معنى أي صفة المالية فيكون الواجب عليه هو المثل التام إلا إذا عجز عن ذلك فحينئذ يكون المثل القاصر خلفا عن المثل التام… ولأن المقصود الجبران وذلك في المثل أتم لأن فيه مراعاة الجنس والمالية، وفي القيمة مراعاة المالية فقط ))(35)

والتساؤل هنا: هل إذا تغيرت قيمة المال المثلي يسدد المثل أم يعدل على القيمة؟ جاءت إجابة الفقهاء على هذا التساؤل متنوعة متعددة. ويمكن تناول تلك المواقف بشكل إجمالي من خلال الرجوع إلى مصدر تغير قيمة المثلي وهل هو تغير في ذات الشئ؟ أم هو تغير في مكان الشئ؟ أم هو لمجرد تغير الزمان؟

إذا كان تغير القيمة ناتجا عن تغير في ذات الشئ. فيمكن القول إن الاتجاه الفقهي السائد هو عدم التعويل على المثل وإنما يرجع إلى القيمة أو يزداد المثل وينقص في غير الربويات. قال ابن قدامه: (( للمقترض رد ما اقترضه إذا كان على صفته لم ينقص ولم يحدث به عيب )) ويعرف العيوب بأنها (( النقائض الموجبة لنقص المالية ))(36) وقال ابن عرفه: (( وللمقرض رد عين القرض ما لم يتغير فإن تغير بنقص فواضح عدم القضاء بقبوله )).(37)

وإذا كان تغير القيمة ناتجا عن تغي المكان فقط كأن يكون الدين قد ثبت في بلدة ويراد السداد في بلدة أخرى قيمة مال الدين فيها مرتفعة. في تلك الحالة ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم التعويل على المثلية والرجوع إلى القيمة في بلدة ثبوت الدين. قال الشافعي: (( إذا أقرض طعاما أو نحوه بمصر ثم لقيه بمكة لم يلزمه دفعه إليه لأن بمكة أغلى ))(38) وقال الطحطاوي: (( إذا استقرض طعاما بالعراق فأخذ صاحب القرض بمكة فعليه قيمته بالعراق يوم اقترضه عند الإمام الثاني (( أبي يوسف ))(39) وقال ابن قدامه: (( وإذا أقتراضته ما لحمله مؤنة ثم طالبه ببلد آخر لم يلزمه… وله المطالبة بقيمة ذلك في البلد الذي أقرضه فيه ))(40) ومعلومة أن مؤنة الحمل تؤثر على قيمة المال. أما إذا كان تغير القيمة ناتجا عن تغير الزمان فقط. بمعنى أن كل ما تم هو تغير قيمة الدين لتغير مستويات الأسعار. في تلك الحالة وجدنا الفقهاء قد انقسموا فريقين. منهم من ذهب إلى الاعتماد على المثل وعدم التعويل على القيمة. يقول التسولي: من استهلك طعاما في الغلاء وطولب به في الرخاء فإنه يلزمه مثله على المشهور ))(41) وقال الرملي: (( ويرد حتما المثل في المثلى لأنه أقرب إلى حقه ولو في نقد بطلت المعاملة به ))(42) وقال الرافعي: (( وأما إذا اختلفت الزمان فله المطالبة بالمثل وإن نقصت القيمة ))(43) وقال ايضا: (( إذا غصب ما قيمته عشرة فعاد إلى درهم ورده بعينه فلا شئ عليه لأن الفائت رغبات الناس لا شئ من المغصوب )).(44) وقال صاحب المختار: ((… وكذلك كل ما يقال ويوزن لما أنه مضمون بمثله فلا عبرة بغلائه ورخصه ))(45). وقال ابن قدامة: (( وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان كثيرا أو قليلا لأنه لم يحدث فيها شئ إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت )). ومن العلماء من ذهب إلى الاعتماد على القيمة في تلك الحالة، وهو رأي يجد له أنصارا في مختلف المذاهب الفقهية. وسوف نعرض ذلك مفصلا في الفقرة التالية التي تتناول الدين النقدي.

الدين النقدي عند تغير قيمته ماذا يدفع المدين؟

كي تكون أبعاد المسألة التي نود بحثها هنا ماثلة أمام أعيننا مثالا يوضح إحدى حالاتها. لنفرض أن شخصا اقترض مبلغ 1000 جنيه لمدة عشرة أعوام وعند السداد كان المستوى العام للأسعار هو ضعف ما كان عليه عند الاقتراض. فما الذي يسدده؟

من الواضح أن ارتفاع المستوى العام للأسعار إلى الضعف معناه هبوط سعر أو قيمة النقود إلى النصف أي أنه إذا كان المستوى العام للأسعار عند ثبوت الدين (1) فإنه أصبح عند السداد (2) وهذا يعني تماما أنه عند ثبوت الدين كان سعر النقود أو قيمتها (1) فأصبحت عند السداد (2/1).

فإذا سدد المدين 1000 جنيه فإنه يسدد نصف قيمة النقود التي اقترضها. بينما لو سدد مبلغ 2000 جنيه (1000×2) فإنه يسدد نفس قيمه الدين الذي اقترضه.

ترى ماذا عليه أن يسدد؟ هل مبلغ 2000 أم مقدارا من المال قيمته ألفان عند السداد؟ لو قلنا بالأول فهل هناك كثير من الأفراد يقدمون ائتمانا وهم يدركون أنهم سيحصلون على نصف حقهم من حيث قيمته وقوته الشرائية؟ وهل لأحد أن يجبر أحداً على فعل ذلك؟ وأليس في ذلك ضرر بالدائن وظلم له؟.

ولو قلنا بالتعويل على قيمة الدين يوم الافتراض فهل هناك ضرر أو ظلم وقع على المدين؟ وألم يسبق له أن حصل على نفس تلك القيمة؟ من الناحية الصورية يبدو أن مبلغ القرض قد تضاعف. ولكن هل هو كذلك في حقيقة الأمر؟ خاصة إذا ما تذكرنا جيدا أن النقود قيمتها وماليتها في قوتها الشرائية لا في ذاتها. وإذا ما أحلنا المسألة إلى شكل عيني فإننا نلاحظ أن ما يشترى من السلع والخدمات بألفين عند السداد هو نفس ما كان يشترى بألف عند الاقتراض. وإذن فليس هناك عبء حقيقي على المدين كما أنه ليست هناك ميزة أو منفعة جديدة للدائن.

ربما يقال أن ذلك المسلك وإن حقق العدالة إلا أن سداد مبلغ ألفي جنيه نظير قرض قدره 1000 يحمل في طياته الربا، فهنا مالان ربويات متجانسان وغير متماثلين. وفي ظل هذا الاعتراض إن صح شرعا فهل هناك من سبيل تحقيق العدالة ويبتعد عن هذا المأزق، كأن يعول على القيمة بمعنى الرجوع إلى مال مغاير لجنس مال الدين ولكنه مساو له في القيمة. مثل الذهب أو أى عملة مغايرة أو أي سلعة؟

هذه هي احدى زوايا المسألة محل البحث ولها زوايا أخرى. فما هي إجابة الفقهاء في ذلك؟ فيما يلي نعرض لإجاباتهم ثم بعد ذلك لنا أن نعلق ونرجح ونختار.

من الملاحظ أن إجابات العلماء هنا تنوعت إلى ثلاث إجابات. وهناك من ذهب الى أن المعول عليه هنا هو قيمة الدين عند الاقتراض. وهناك من ميز بين التغير الكبير في القيمة وبين التغير القليل. فعندما يكون التغير كبيرا فيرجع إلى القيمة، وإلا رجع إلى المثل.

وفيما يلي نعرض لتلك المواقف الفقهية بقدر من التفصيل. رأى من ذهب الى التعديل على المثل وعدم الاعتداد بتغير القيمة.

هذا القول هو مشهور المذهب المالكي والمذهب الشافعي وهو رأي في المذهب الحنفي والمذهب الشافعي وهو رأي في المذهب الحنفي والمذهب الحنبلي. قال الحطاب في تعليقه على قول خليل (( وإن بطلت فلوس فالمثل وإن عدمت فالقيمة )) ( يعني من أقرض فلوسا أو باع بها سلعة ثم إنه بطل التعامل بتلك الفلوس، وصار التعامل بغيرها فإنه يجب له الفلوس التي وقع الدين بها ما دامت موجودة ولو رخصت أو غلت فإن عدمت الكلية فلم توجد فله قيمة الفلوس )) ثم يقال عقب ذلك (( تنبيه: لا خصوصية في الفلوس. بل الحكم كذلك في الدنانير والدراهم كما أشارإليه في كتاب الصرف في المدونة ))(46)

وجاء في نوازل ابن رشد أنه سئل عن الدنانير والدراهم إذا قطعت السكة فيها وأبدلت بسكة غيرها ما الواجب في الديون والمعاملات المتقدمة وأشباه ذلك؟  فقال: المنصوص لأصحابنها وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله أنه لا يجب عليه إلا ما وقعت به المعاملة. فقال له السائل: فإن بعض الفقهاء يقول إنه لا يجب عليه إلا السكة المتأخرة لأن السلطان قد قطع تلك السكة وأبطلها فصارت كلا شئ. فقال: لا يلتفت الى هذا القول، فليس بقول لأحد من أهل العلم، وهذا نقص لأحكام الإسلام ومخالفة لكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام في النهي عن أكل المال بالباطل. ويلزم هذا القائل أن يقول: إن السطان إذا أبدل المكاييل بأصغر أو أكبر، أو الموازين بأنقص أو أوفى وقد وقعت المعاملة بينهما بالمكيال الأول أو الميزان الأول أنه ليس للمبتاغ إلا بالكيل الأخير وإن كان أصغر، وأن على البائع الدفع بالثاني أيضا وإن كان أكبر. وهذا مما لا خفاء في بطلانه )).(47) وقال الرملي: (( ويرد حتما المثل في المثلى لأنه أقرب الى حقه ولو في نقد بطلت المعاملة به )) وقال السيوطي: (( تترتب الفلوس في الذمة بأمور، منها القرض، وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقا فإذا اقترض منه رطل فلوس فالواجب رد رطل من ذلك الجنس سواء زادت قيمته أم نقصت ))(48)

وهذا هو رأي أبي حنيفة، قال الكاساني: (( ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالاجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها عددا ولا يلتفت إلى القيمة هنا لأن الرخص والغلاء لا يوجب بطلان الثمنية، ألا ترى أن الدراهم قد ترخص وقد تغلو وهي على حالها أثمان )).(49)

ويلاحظ هنا أن الكاساني يعبر في ذلك عن رأي أبي حنيفة وليس عن رأي أبي يوسف ومحمد وغيرهما. وقال ابن قدامه: (( وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان كثيرا مثل إن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق، أو قليلا. لأنه لم يحدث فيها شئ إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت )).(50) هذا هو القول الأول. ومنه يتضح أن أصحابه لم يعبأوا بتغير قيمة النقد وذهبوا إلى أن ما يجب على المدين هو مثل ما أخذه عدداً.

وبالبحث في الاعتبارات التي استندوا عليها في القول بذلك وجدنا أنها ترجع إلى ما يلي:

1- ان ذلك تحقيق العدالة بين الطرفين. فهذا المبلغ هو ما تعاقد عليه وإذن فهو أقرب إلى حق الدائن وقد رأينا بعض عباراتهم تصرح بذلك.

2- إن تغير قيمة أو سعر النقود لا يرجع إلى تغير في ذاتها، وإنما هو ناتج عن أمر خارجي هو فتور رغبات الناس. ومعنى ذلك أن نقص سعرها لا يعتبر عيبا يوجب الرجوع إلي القيمة. وقد ظهر هذا الاعتبار في ثنايا عباراتهم والتي منها قول ابن قدامة: (( لأنه لم يحدث فيها شئ إنما تغير السعر )) وكذلك قوله: (( قال مالك والليث والشافعي ليس له إلا مثل ما أقرضته لأن ذلك ليس بعيب حدث فيها )) وكذلك ظهر في قول الزيلعي:                            (( تغير السعر غير معتبر لأنه فتور في رغبات الناس، وليس منه فوات جزء من العين ))(52)

3- ظهر من كلام بعض المالكية أنهم قاسوا هذه المسألة الجانحة في البيع والقرض.

4- كذلك فقد قاس أصحاب هذا الرأي على الحنطة وبقية المثليات فكثيرا ما وجدنا لهم هذه العبارة (( فأشبه الحنطة إذا غلت أو رخصت ))

رأي من ذهب إلى التعويل على القيمة وعدم الاعتداد بالمثل:

افتاء وقضاءً في المذهب الحنفي، وأول من قال به من الأحناف أبو يوسف. وهو كذلك قول كثير من علماء الحنابلة حتى ذهب متأخروهم إلى ترجيحه، كما أنه رأي في المذهب الشافعي والمذهب المالكي. وهذه بعض أقوال العلماء. ويقول ابن عابدين:(( وفي البزازية معزيا إلى المنتقى غلت الفلوس أو رخصت فعند الامام الأول، والثاني أولا ليس عليه غيرها. وقال الثاني ثانيا عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض. وعليه الفتوى… وقد نقله شيخنا في بحره وأقره فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول عليه افتاء وقضاء ))(53) وقد تناول ابن عابدين قضية قضية دخول النقود الذهبية والفضية في هذا الحكم وعدم الدخولها. فأشار إلى ما هنالك من خلاف في المذهب في تلك المسألة، فمنهم من قصر ذلك على الفلوس ومنهم من عمم الحكم على جميع النقود ومن عباراته التي نقلها عن غيره هنا قوله: (( ورأيت في حاشية الشيخ خير الدين الرملى على البحر عند قوله وحكم الدراهم التي يغلب غشها كما هو ظاهر، فعلى هذا لا يختص هذا الحكم يغالب الغش ولا الفلوس ))(54)

وفي المذهب الحنبلي وجدنا ابن تيمية في شرحه للمحرر وفي فتاويه يقول بهذا القول. وقد رجح كثير من علماء المذهب هذا القول كما أشار صاحب المفرادت وشارحها وصاحب الانصاف وصاحب الدرر السنية. وقد سبق أن ذكرنا أن الرأي الحنبلي المتقدم لا يعتد بتغير القيمة ما دام لم يحدث شئ في ذات الشئ. فإذا رخص الشئ فلا يعول على ذلك لأنه ليس عيبا. وقد عرض ابن قدامه هذا الموقف بقوله: (( قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو كان بحاله، ولو كان ما أقرضه موجودا بعينه فرده من غير عيب يحدث فيه لزمه قبوله، سواء تغير سعره أو لم يتغير. وإن حدث به عيب لم يلزمه قبوله. وإن كان القرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها كان للمقرض قيمتها ولم يلزمه قبولها سواء كانت قائمة في يده أو استهلكها لأنها لا تعتبر في ملكه. نص عليه أحمد في الدراهم المكسرة وقال: يقومها كم تساوي يوم أخذها ثم يعطيه، وسواء نقصت قيمتا قليلا أو كثيرا. قال القاضي: هذا إذا اتفق الناس على تركها فأما إن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها لزم أخذها. قال مالك والليث والشافعي: ليس له إلا مثل ما أقرضه لأن ذلك ليس بعيب حدث فيها، فجرى مجرى نقص سعرها. ولنا: أن تحريم السلطان لها منع انفاقها وأبطل ماليتها فأشيه كسرها أو تلف أجزائها. وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان كثيرا مثل إن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق أو قليلا لأنه لم يحدث فيها شئ إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت ))(55)

نلاحظ أن مبنى هذا القول هو أن تغير السعر ليس بعيب في النقود. ولكن ابن تيمية رحمه الله انبرى لهذا القول موضحا توضيحا شافيا أن تغير السعر أو القيمة يعتبر في حد ذاته عيبا. بل لقد ذهب إلى أن ذلك هو العيب المتصور في تلك الحالة. ومتى كان عيبا فإنه يمنع الرد بالمثل ويرجع الى القيمة عند ثبوت الدين. ومن الأصول التي اعتمد عليها ابن تيمية في القول بذلك أن اختلاف الأسعار يمنع التماثل.(56) ولأهمية رأي ابن تيمية هذا نعرضه بقدر كبير من التفصيل كما وضحه في شرحه للمحرر وكما نقله عنه شارح المفردات وصاحب الاتصاف. ثم عرض كل ذلك صاحب الدرر السنية.(57)

قال ناظم المفردات:

والنص بالقيمة في بطلانها لا في ازدياد القدر أو نقصانها بل إن غلت فالمثل فيها أحرى كدانق عشرين صار عشرا وشيخ الإسلام فتى تيمية قال قياس القرض عن جلية الطرد في الديون كالصداق وعوض في الخلع والاعتاق والغصب والصلح عن القصاص ونحو ذا طراً بلا اختصاص وقولهم إن الكساد نقصا فذاك نقص النوع عيب رخصا قال ونقص النوع ليس يعقل فيما سوى القيمة ذا لا يجهل

وخرج القيمة في المثلى بنقص نوع ليس بالخفي واختاره وقال عدل ماض خوف انتضار السعر بالتقاضي وفي شرحه لهذه الأبيات قال شارح المفردات باختصار: يعني أن النص في رد القيمة إنما ورد الامام فيما إذا أبطلها السطان فمنع المعاملة بها، لا فيما إذا ازدادت قيمتها أو نقصت مع بقاء التعامل بها وعدم تحريم السلطان لها فيرد مثلها سواء غلت أو رخصت أو كسدت. ولكن شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية قال في شرح المحرر قياس ذلك- أي القرض- فيما إذا كانت مكسرة أو فلوسا فحرمها السلطان وقلنا برد قيمتها في جميع الديون. وفي التعليل بوجوب رد قيمة الفلوس إذا كسدت بأن الكساد يوجب النقصان وهو نوع عيب النوع، إذ ليس المراد عيب الشئ المعين فإنه ليس هو المستحق وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا نقصان قيمتها. وإذا أقرضته أو غصبه طعاما فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصا، فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل. ويخرج في جميع الديون من الثمن الصداق والفداء والصلح والقرض ))

وقد قال في الدرر السنية: (( إن كثيرا من الأصحاب تابعوا الشيخ تقي في الحاق سائر الديون بالقرض، وأما رخص السعر فكلام الشيخ صريح في أنه يوجب رد القيمة أيضا، وهو الأقوى )).

هذا هو رأي ابن تيمية الذي أيده فيه الكثير من علماء المذهب الحنبلي. ومصدر القوة فيه أنه شديد الاقتراب من العدل وعدم الظلم. فالعدل في التساوي والتماثل. والتمائل الحقيقي إنما هو في القيمة والمالية.

ومصدر القوة فيه أيضا ما لفت إليه الأذهان بقوة واقناع من أن تغير السعر هو عيب شأنه شأن العيب في ذات الشئ. وذلك لأن المدين ليس مدينا بشئ معين بذاته، وإنما هو مدين بنوع. والأنواع لايعقل عيبها إلا نقصان قيمتها. فعيب الدين إفلاس المدين، وعيب العين المعينة خروجها عن الكمال بالنقص، وأما الأنواع فلا عيب فيها بالحقيقة وإنما نقصانها كعيبها. والحق أن هذا من عظيم فقه ابن تيمية رحمة الله.

ومن الأمور اللافتة للنظر أن ابن قدامة رحمه الله مع انتصاره للرأي القائل بعدم الاعتداد بتغير القيمة لأن ذلك في نظره ليس عيبا إلا أنه بنفسه عرف العيوب بأنها (( النقائص الموجبة لنقص المالية لأن المبيع إنما صار محلا للعقد باعتبار صفة المالية فما يوجب نقصا فيها عيبا )) وإذن فقد ربط العيب بنقص القيمة والمالية وكان عليه أن يكتشف أن نقص مالية الثمن باعتباره أحد العوضين هو الآخر عيب في الثمن لأن الثمن ما جعل عوضا إلا بصفة المالية فيه فما يوجب نقصا فيه يعد عيبا. وقد نقل صاحب الحاوي عن النووي قوله: صحح النووي أن المثل إذا عدم أوعز فلم يحصل إلا بزيادة لم يجب تحصيله ))(58)

رأي من ذهب بين التغير الكبير في السعر والتغير اليسير:

قال بهذا الرأي بعض علماء المالكية. فيعتمد على القيمة في التغيرات الكبيرة ولا يعول عليها في التغيرات القليلة وقد رأينا لبعض علماء الشافعية موقفا قريبا من هذا.

يقول الرهوني في حاشيه معلقا على القول المشهور في المذهب المالكي من رد المثل عند تغير السعر: قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر جدا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف. حيث أن الدائن قد دفع شيئا منتفعا به لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينفع ب ))(59)

وقد وجدنا الامام الرافعي الشافعي يقول إن المعول عليه عند تغير السعر هو المثل اللهم إلا إذا كان التغير بحيث يفقد الشئ ماليته وقيمته فعند ذلك يعول على القيمة. (( وهذا كله إذا لم يخرج المثل باختلاف المكان والزمان عن أن يكون له قيمة ومالية، إما إذا أخرج كما إذا تلف عليه الماء مفازة ثم اجتمعا على شط نهر أو بلد أو تلف عليه الجمد في الصيف واجتمعا في الشتاء فليس للمتلف بذل المثل بل عليه قيمة المثل في تلك المفازة وفي الصيف ))(60) ويمكن القول إن التغير الكبير في القيمة يلحق بزوال القيمة كلية.

هذه هي بعض أقوال الفقهاء في الحكم الشرعي عند تغير قيمة الدين وماذا يجب على المدين سداده. وقبل ترجيحا لما نراه من تلك الأقوال نحب أن نلفت النظر الى بعض النقاط الواردة هنا ومن ذلك:

1- من الملاحظ أن الفقهاء قد تناولوا مسألة تغير سعر النقود بقدر من التفصيل والوضوح، فقد احتلت هذه المسألة موقعا فيما يعرف بفقه النوازل وهو فقه الفتاوى. فقد أثيرت في المراجع تتعلق بهذا الموضوع في مختلف المذاهب الفقهية.

2- كذلك فقد تبين لنا أن كلام الفقهاء لم يقتصر على ما كان يعرف بالفلوس بل تعداه إلى النقود الكاملة الذهبية والفضية. فقد نص على ذلك المالكية على لسان الحطاب إذ يقول: (( تنبيه: لا خصوصية في الفلوس بل الحكم كذلك في الدنانير والدراهم… قال في الجلاب: ومن اقترض دنانير أو دراهم أو فلوسا أو باغ بها وهي سكة معروفة ثم غير السلطان السكة بغيرها فإنما عليه مثل السكة التي قبضها ولزمته يوم العقد )). وكذلك نص على ذلك لبن عابدين. ونص على ذلك السيوطي بقوله: (( فإن وقع مثل ذلك في الفضة فإن اقترض منه أنصافا بالوزن ثم نودي عليها بأنقص أو بأزيد أو بالعدد أو اقترض عددا ثم نودي عليها بالوزن فلا يخفى قياسه على ما ذكرنا في الفلوس ))(60)  وكذلك وجدنا هذا التعميم في المذهب الحنبلي.

ومعنى ذلك أنه لا مجال لقول من يقول من المعاصرين بأن كلام الفقهاء لم يتناول النقود بل كان قاصرا غلى الفلوس.

3- انطلاقا من النقطة السابقة فإننا لا نستطيع أن نوافق الدكتور نزنه حماد فيما ذهب اليه في بحثه القيم (( تغير النقود وأثره على الديون في الفقه اسلامى )) من التفرقة في الأحكام بين النقود وبين الفلوس. وكذلك في قوله: (( إن حالة التضخم المالي لم يذكرها الفقهاء في كتبهم ولم يتعرضوا لها في مدوناتهم لعدم وقوعها في عصورهم السالفة. وحقيقة هذه الحالة هي أن يطرآ التضخم المالي بعد العقد وقبل الوفاء، بحيث تنخفض القوة الشرائية للنقد الثابت دينا في الذمة تجاه السلع والخدمات والمنافع التي تبذل عوضا عنه. والذي يستنتج من كلام الفقهاء في مسألة تغير النقود أن التضخم المالي وحده لا تأثير له على الديون البتة ))(62)

إذ طالما أن تناولهم شمل مختلف أنواع النقود فإنه من الضروري أن يكون ذلك متضمنا حالة التضخم المالي لأن معنى تغير سعر النقود هو تغير المستوى العام للأسعار. فهبوط مستوى الأسعار. هذا بالاضافة إلى أنه في كثير من أقاليم الدول الإسلامية وفي كثير من عصورها كانت العملات القائمة تعتمد أساسا على الفلوس أو على النقود المخلوطة. كذلك فقط حذر الفقهاء من ابطال العملات إلا من بأس لما في ذلك اتلاف الأموال وارتفاع الأسعار. وقراءة في كتاب (( إعاثة الأمة )) للمقريزي ترينا كيف كانت أوضاع النقود في بعض أقاليم الدولة الإسلامية وكيف كان العلماء على وعي كامل بما هو معروف اليوم بالتضخم النقدي.

تعقيب وترجيح:

يمكن القول إن الرأي الثالث هو في حقيقته متفق مع الرأي الثاني. إذ أن واقع الحال لا يخلو عن تغير ما في أسعار النقود وغير خاف أن التغيرات الطفيفة غير منظور لها عند جميع الفقهاء.

ومن جهة ثانية فإن هذا الرأي الثالث يحمل نقاط ضعف ونقاط قوة، فهو من جهة لا يحدد متى يكون التغير كبيرا ومتى يكون قليلا. ولكنه من جهة أخرى له ميزة عملية حيث لا يلجأ إلى القيمة عند أي تغير وإن قل في قيمة النقود لما في ذلك من التقيد في التعاملات.

أما القول الفقهي الذي ذهب إلى عدم الاعتداد بالتغير في السعر فإنه مع شهرته وسعة انتشاره بين الفقهاء إلا أنه في نظري يستند إلى حجج قد لا يثبت معظمها عند التمحيص.

فمثلا نجد أن أهم حجة استند إليها هى العدل. ومبدأ حاكم في الشريعة، بل والأقوال الثلاثة تستند إلى هذا المبدأ. ولكن هل القول بالرأي الأول يحقق العدل فعلا؟ وأي عدل في أن يقرض إنسان إنساناً مبلغا من النقود له قيمة مالية معينة ثم يحصل في نهاية الأجل على قيمة مالية معينة ثم يحصل في نهاية الأجل على قيمة مالية مغايرة تماما زيادة أو نقصانا!!!

وهل من العدل أن يراعي جانب الصورة والشكل ويهمل جانب الموضوع والحقيقة. إن العدل في التماثل، ولا تماثل في الحقيقة بين أموال مختلفة القيمة.

كذلك فقد اعتمدت هذا الرأي على أن تغير القيمة وحده ليس بعيب في ذات الشئ ولا بميزة فيه وإنما هو مجرد فتور في رغبات الناس. وهذا أمر خارجي وغير منضبط. فكيف يترك المثل ويعدل على القيمة؟ وقد تولى ابن تيمية رحمة الله مهمة الرد الشافي على تلك المقولة. ثم إن إلحاق تغير القيمة الجائحة إلحاق من بعيد، فتغير القيمة حدث والدين في ملك المدين وتحت حيازته فإن كان بنقص فقد تعيب في ملكه فكيف يتحمله الدائن؟ وإن كان بزيادة فقد زاد في ملكه الشرعي فكيف يطالب به الدائن؟ ثم أننا وجدنا- حسب فهمنا- قدار من التضارب في الموقف. فقد ذهب إلى أن تغير القيمة إن كان بسبب تغير المكان فإنه يعتد به. فكيف يعتد به ولا يعتد بتغير نتج عن تغير الزمان مع أن النتيجة فيها واحدة وهي تغير السعر والقيمة. وهناك غموض وتضارب من نوع آخر. وذلك أنه بتتبع أقوال الفقهاء فى هذا الموضوع وجدنا أن أصل البحث قد دار على المال المثلي والمعين ثم جاء تناولهم للدين النقدي من باب التفريع. وقد قالوا إن المدين بمال مثلي يرد مثله. وفي تحديدهم للمثلية وعناصرها قالوا: المثلية في القدر والصفة. قال الدردير في شرحه لمختصر خليل: (( وردَّ المقترض على المقرض مثله قدار وصفة ))(63) فإذا ما طبقنا ذلك على النقود باعتبارها مثلية فإن المطلوب هو رد نقود تماثل النقود الأصلية في المقدار والصفة. فإذا ما أدركنا أن الصفات التي يلتفت إليها في النقود خاصة النقود الورقية عي الصفات المعنوية وليست الصفات الذاتية، فلا يعيب النقد أن تكون ورقية قديمة أو مقطوعة قطعا لا يضر برواجها وقبولها، وإنما يعيبه عدم قبوله أو هبوط قيمته. وإذن فتطبيق القاعدة العامة المطبقة على الأموال المثلية يقتضي أنه عند تغير قيمة النقود زيادة أو نقصا فإن ذلك يعد تغيرا في الصفة صفة جوهرية لها وحينئذ لا يقتضي بالمثل وإنما يرجع إلى القيمة. ولكن قولهم السابق في النقود يخالف ذلك، مما يتضمن قدار من اللبس والغموض.

ونحن مع اعترفنا الكامل بالمنزلة العالية لابن رشد بين الفقهاء إلا أننا لا نقره على كثير مما ورد في فتواه المشار إليها سلفا. فقد تمسك بحجة عدم أكل المال بالباطل، وهي حجة صحيحة ولكنها لا تخدم فتواه في ش