أبحاث

تفسير القرآن: إشكالية المفهوم والمنهج

العدد 81

مقدمة :

يناقش هذا البحث ويراجع قضيتين أساسيتين ذواتى صلة قوية بالقرآن الكريم ،وهما : مفهوم مصطلح “تفسير ” والمنهج التطبيقى لهذا المصطلح ،أى منهج التفسير قديماً وحديثاً ،بالقدر الذى يسمح به حجم هذا البحث وهدفه ،وسيعرض شيئاً من أزمة البحث فى تفسير القرآن ومنهجه ،ويحاول أن يشير إلى المنهج وأزمته ،مع محاولته تحديد المراد من العمل التفسيرى على مختلف اتجاهاته ومدارسه .

وسيعرض البحث مفهوم مصطلح “تفسير ” فى أقوال العلماء ،وآراءهم فى وظيفة التفسير ودوره وغايته على ضوء مناهجهم ،ويبين أن أى منهجية فى تفسير القرآن الكريم يلزمها أن تمتد بجذورها إلى المفسر الأول صلى الله عليه وسلم ،وتتدرج مع التفسير إلى عصرنا هذا ،فعملية البناء على تراثنا التفسيرى – وهو مجموع آراء المفسرين واجتهاداتهم ومناهجهم – تتطلب عملية مراجعة – كى يتوصل إلى منهج قادر التعامل مع كتاب عالمياً ،ورسالة شمولية إلى الناس كافة ؛يقوم حياتهم ،ويوجه سلوكهم ،ويصحح أفكارهم ،ويحل معضلاتهم .

على أن هذه  المراجعة تحتكم فى عملها على أسس القرآن الكريم وهدايته ،وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وتوجيهه لمنهج النظر فى القرآن : قراءة وفهماً وتفسيراً ،ثم النهج العلمى للصحابة رضوان الله عليهم فى حياتهم مع القرآن الكريم والتزامهم بهدية ،فهم خير من فهم القرآن على ضوء عصرهم وواقع حياتهم .

ولعل هذه المراجعة أن تجنى بعض ثمارها بتوجيه النظر إلى ضرورة إصلاح منهج التعامل مع القرآن وتفسيره ؛ليكون فيه المخرج والشفاء من الأزمات التى تعانى منها الأمة فى مختلف جوانب حياتها من فكر ومعرفة ،وسياسة واقتصاد ،وتربية واجتماع … وأن يكون للعلماء والباحثين استقلالية فى النظر فى القرآن الكريم وفهمه ؛لأن المطلع على أحوال العمل التفسيرى الجارى فى المعاهد والمؤسسات التعليمية على اختلاف مستوياتها ومراحلها العليا يدرك أن هناك تبعية فى فهم القرآن وتفسيره ،وبعبارة أخرى ،هناك نوع من القداسة المخيمة على عقولنا فى تعاملنا مع كتاب الله تعالى بحيث لا يتأتى فهمه إلا من خلال كتب التفسير التى سطرها علماؤنا فى القرون الماضية !

مفهوم مصطلح “تفسير “:

لقد كان الطابع المميز لتفسير القرآن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو الطابع العلمى ،أو الطابع الحركى ،يعنى أن التفسير لم يكن يدفع إليه الحاجة التى هى فى حد ذاتها ترجمة عملية للنص القرآنى فلقد تنزل القرآن لهذا . يرشد إلى ذلك طبيعة الحياة التى عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم مع القرآن ،حيث كان خلقه القرآن ،وهذا يعنى امتثاله الكامل لتوجيهات القرآن ونصوصه بوجه عام ،ويرشد إلى ذلك قول عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : “كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التى نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها ،قيل لشريك : من العمل ؟ قال : نعم ” (1).

أعود فأقول : إن من أهم ما يميز تلك الفترة المباركة من تاريخ هذه الأمة فى تعاملها مع النص القرآنى : قراءة وفهماً وتفسراً ،هو حرصها على التحقق الكامل بنصوصه على المستوى الفردى وعلى مستوى الأمة ، بل وعلى مستوى القيادة السياسية التى تدبر شؤون الأمة ،ولم يكن يغيب عن جيل الصحابة المفهوم الحضارى لمعنى التفسير وهدفه ومقصده ،وكان الحرص شديداً على تجاوز الفصام فى التعامل مع النص القرآنى ،وأعنى به : الفصل بين القراءة والعمل ؛لتكون القراءة بعد ذلك قراءة نظرية مجردة عن القيمة والأثر ،ولتدخل الأمة بعد ذلك مرحلة المرض الحقيقي – يكذبها على نفسها – بقراءتها هذه ؛ولتؤول بعد ذلك إلى ما آل أمر أهل الكتاب .

إن مقصد العمل التفسيرى هو الترجمة الحقيقية لهداية القرآن من خلال التفسير ،ولا ينبغى أن تقتصر الهداية على كونها خطبة وعظية أو حكمة فلسفية أو نكتة بلاغية أو حقيقية صوفية أو مسألة فقهية أو وجهة نحوية .. إن الهداية القرآنية منهج شمولى متكامل ينفذ إلى كل مداخل النفس الإنسانية فيسلم فيها القلب والفؤاد ،والعقل والجوارح لله تعالى . وهى منهج ينفذ إلى كل ميادين الحياة العملية والمعرفية فيسلمها لله رب العالمين .

ثم كان الذى حدث أن مفهوم التفسير أصبح يدور فى إطار الثقافة الشخصية للمفسر ،وذلك على حساب الغاية التى يتمخض عنها تفسير القرآن فى حق الأمة ،وهذه الثقافة ليست تلك التى تحقق للإنسان القيام بواجبه الخلافى وواجب رسالته العالمية ،بل تلك الثقافة التى تبحث فى مسائل نظرية وتشبع حاجة المفسر التى أرادها من التفسير ،فلننظر إلى الطابع الغالب على مفهوم التفسير عند بعض العلماء :

فيعرفه بعضهم بأنه ” علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها ،والإشارات النازلة فيها ،ثم ترتيب مكيها ومدنيها ،ومحكمها ومتشابهها ،وناسخها ومنسوخها ،وخاصها وعاملها ،ومطلقها ومقيدها ،ومجملها

ومفسرها ” (2).

وأما من اهتم بناحية اللغة فيذكر فى معناه : أنه ” علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ،ومعانيها التى يحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك ” (3).

وقيل فى معناه أيضاً : ” هو علم يفهم به كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه ،واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ،ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ ” (4).

وبالرغم من انضباط هذه المعانى واتزانها وقيمتها فى بيان معانى القرآن ،إلا أن هناك شيئاً ظل مبهماً ،وهو ما هدف هذا الفهم لكتاب الله ،وما هو مستواه بالنسبة إلى الأمة والفرد ؟ أعنى : الفهم المحرك للأمة نحو عملية البحث والبناء والضرب فى الأرض لقيادة مركب المدنية وتوجيه الحياة البشرية ،والفهم الذى يربط الفرد بقضايا أمته ومجتمعه ليكون عضواً نشطاً قادراً على مشاركة الأمة فى الخروج من أزماتها ونكباتها ،ثم ما الاعتبارات والحيثيات التى ننطلق منها لتفسير القرآن ؟ وما مدى تحقيقها لأهداف القرآن ورسالته العالمية ؟ وما مدى الذى تعيشه الأمة فى عصورها المختلفة ؟

لقد ذكر الزركشى رحمه الله الأصل اللغوى لهذا المصطلح ،فقال : ” إن التفسير فى اللغة راجع إلى معنى الإظهار والكشف ،وأصله فى اللغة من التفسرة ،وهى القليل من الماء الذى ينظر فيه الأطباء ،فكما أن الطيب بالنظر فيه يكشف عن شأن الآية وقصصها ومعناها ،والسبب الذى نزلت فيه ” (5).

ويمكننا أن نستثمر هذا المعنى ونوجهه لصالح المعنى الاصطلاحى ،كأن نقول مثلاً : فكذلك المفسر ينظر إلى الآية ليرى من خلالها أوضاع الأمة وعللها وأسقامها ،وليرى أحوال واقعها وموقعها بين الأمم ،ويرى كيف يكون القرآن هادياً ومرشداً لها فى جوانب حياتها المختلفة ،فهى أمة الخلافة ،وهو رسالة الحضارة إلى البشرية كلها .

وإذا كان الأصل اللغوى لهذا المفهوم يدل على ” إظهار المعنى ” وبيانه كذلك (6). فإن أولى مهماته هى إظهار هداية القرآن وإعجازه فى إطار المواجهات الحضارية بين هذه الأمة والأمم الأخرى على مختلف الصعد ،وفى إطار مفهوم الخلافة الذى أنيط تحقيقه بهذه الأمة . هذا فضلاً عن المهمة الأساسية لتفسير القرآن ،وهى إظهار الحلول القرآنية للمشكلات التى تواجه أمة الرسالة ابتداء ،بل التى تواجه المجتمع البشرى عموماً .

ويخيل إلى مفهوم هذا المصطلح لم يأخذ مداه الذى يجلى هدى الرسالة القرآنية فى مستواها العالمى لا فى التعريف ولا فى المنهج ،وهو قصور ما زال قائما فى العمل التفسيرى ،فلننظر إلى الجانب التطبيقى لهذا المفهوم فى مناهج المفسرين رحمهم الله تعالى .

المنهج القديم فى التفسير :

لا يشك خبير فى أن المنهج القديم فى التفسير على اختلاف مدارسه قد كشف عن وجوه عديدة لإعجاز القرآن فى بلاغته وفصاحته ودقة تعبيره وحسن نظمه وجوده تركيبه ،وما اشتملت عليه آياته من أسرار فى التشريع ولا يشك خبير فى أن الثقافة التى تميز بها كل مفسر قد ظهرت بوضوح فى منهج تعامله مع كتاب الله فهما وتفسيراً ،ومن ثم فإن التفسير قد اصطبغ بهذه الثقافة وتلون بها ،ليس فى هذا ضير ولا حرج ؛ولكن الضير والحرج يكون بأن تطغى هذه الثقافة على النص القرآنى المطلق فتحجب هدايته وتقزم معانيه ،فيتحول التفسير إلى معوق فوق نص القرآن ،لقد حدث هذا عند من ولع فى جمع الروايات وتكديسها تحت النص المفسر ؛ وقصر التفسير على ذلك ؛وحدث هذا بصورة أشد عند من فسر القرآن ليؤيد به مذهبه الكلامى أو الفلسفى ، أو عند من يبحث عن قواعد شرعية لمذهبه فى العقيدة ،وكان هذا يحدث أحياناً عند من يفسر القرآن ويدعم به رأى مدرسته النحوية أو الفقهية … وفى غمرة هذه المذهبية بشتى صورها وأشكالها حددت عالمية التعاليم القرآنية ،وغلبت المحلية الضيقة على هذه التعاليم .

وبدأ الطابع النظرى يغزو فهم القرآن الكريم وتفسيره على مستوى الفرد والأمة فى وقت مبكر من تاريخ  أمتنا ؛حتى قال ابن عمر رضى الله عنهما : لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن ،وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها ،وما ينبغى أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم أهل القرآن ،ثم قال : لقد رأيت رجالا يوتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمة ما يدرى ما آمره ولا زاجره ،ولا ما ينبغى أن يوقف عنده منه ،ينثره نثر الدقل (7).

وحتى يعلم مدى غلبة الصفة النظرية على العمل التفسيرى أضع بين يدى القارئ بعض الأقوال التى تدلل عليه ليعرف وجه الإشكال فى مفهوم التفسير ومنهجه ،وهى :

الأول :قول منسوب إلى أمير المؤمنين على بن طالب رضى الله عنه ،وهو قوله : لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب (8).

وأنا أشكك فى نسبة هذا القول إلى على كرم الله وجهه .

الثانى :قول للإمام الطبرى : وهو قصة تأليفه التفسير ،فقد عزم على تفسير كتاب الله بحجم يبلغ مقداره ثلاثين ألف ورقة ،ولما رأى الهمم والعزائم قد ماتت اختصره إلى نحو العشر فجاء على قدر ثلاثة آلاف

 ورقة (9).

الثالث :قول للإمام الرازى ،وهو : ” اعلم أنه مر على لسانى فى بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة – الفاتحة – يمكن أن يستنبط من فوائدها عشرة آلاف مسألة ” (10).

وما زالت هذه المسألة الكمية تخطى بإعجاب كثير من العلماء قديماً وحديثاً ،فتسمعهم يقولون – مثلاً – إن ابن العربى صنف تفسيراً بلغ مائة مجلد ،والغزالى صنف تفسيراً بلغ أربعين مجلداً .

ومثل هذه المبالغات تعد إشكالاً حقيقياً فى منهج التفسير حتى إن تحققت فى منهج التفسير حتى وإن تحققت فى الواقع ،للأسباب الآتية :

(1) أنها لا توافق هدى القرآن الكريم فى كونه كتاب هداية وإعجاز منهج حياة على مستوى الأمة بل البشرية كلها ،فهل يستطيع شخص واحد أن يكشف عن جميع جوانب الهداية القرآنية ! ويفسر كل القرآن فى عصر واحد ؟ إن تفسير القرآن قد تعرض له علماء الشريعة على وجه العموم ،لكن لم يفسره عالم الاجتماع ،ولا عالم الاقتصاد ،ولا عالم الفلك ،ولا عالم الجغرافيا … لا علماء الطبيعيات ولا علماء الإنسانيات والاجتماعيات فسروا القرآن ؛ولذلك ظلت جوانب كثيرة من هداية القرآن محجوبة مستورة .

(2) إن من طبيعة القرآن وإعجازه أن يتنزل فى كل عصر خاصاً لأهل ذلك العصر ؛ليهديهم للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين ،فهل فسر القرآن ليغطى هذا الجانب فى حياة المسلمين فى العصور المختلفة ؟ يحل مشكلاتهم ويعالج أمراضهم .

(3) لقد رأينا الدقة والموضوعية التى تميز بها شيخ المفسرين الإمام الطبرى ،وبالرغم من الجوانب الكثيرة المفيدة فى تفسيره بعدما اختصره إلى نحو العشر إلا إنه تضمن أموراً عديدة أضيفت إلى التفسير كالروايات الكثيرة والقصص التاريخى والإسرائيلى … مما كان له أثار سلبية . ترى لو أن الطبرى لم يختصر تفسيره ماذا عسى أن يكتب فى تفسير القرآن ؟ أجزم أنه لن يكون كتاب تفسير الرازى ،فتفسيره لسورة الفاتحة تعلق به ما لا يمت إلى التفسير بصلة ،فلو مضى على هذا النفس فى تفسير القرآن لبلغ حجم التفسير أضعافاً مضاعفةً ،وإذا كان تفسيره بالصورة الحالية قد قيل فيه : كل شئ إلا التفسير (11). فماذا سيقال لو أتم تفسيره على نحو ما فعل فى تفسيره سورة الفاتحة ؟ هذه هى النظرية البحتة فى تفسير القرآن ،وكأن المقصود بالتفسير أن يكدس المفسر العلوم المختلفة أمام النص القرآنى أو تحته .. هذا الذى حدث ويحدث فى العمل التفسيرى .

(4) أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولم يدع إليه ،بل لبس هناك ما يؤيد هذا المسلك فى السنة الشريفة .

فالتفاسير التى غلب عليها طابع الحشو الروائى أزعجت فكر الأمة وشوشت عليه بتلك الروايات التى لم يستخدم فيها المنهج النقدى مما دعا ابن خلدون إلى التعليق على هذا الوضع قائلاً ” امتلأت التفاسير من المنقولات عندهم فى أمثال هذه الأغراض – بدء الخليقة والفتن والملاحم وعلامات الساعة وغيرها – أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فتتحرى فى الصحة التى يجب بها العمل ،وتساهل المفسرون فى مثل ذلك ،وملأوا كتب التفسير بهذا المنقولات ،وأصلها عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ،ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم ،وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات فى الدين والملة فتلقيت عنهم بالقبول ” (12).

وكان مجال العقل فى هذه التفاسير محدوداً ،أعنى استخدام العقل للكشف عن علل الأمة وأسقامها ،وتحليل الظواهر المرضية التى تعانى منها . يقول د . الجوينى : ” وقد كان الطبرى فى – تقليله من الاعتماد على العقل – متأثراً بمنهج أستاذه داود الظاهرى ،وقد استخدم منهجه فى تفسير النص القرآنى ،ونستطيع أن نرى أن فى هذا الميل من الطبرى إلى تفسير النصوص تفسيراً ظاهرياً قريباً نرى فيه صدى لهذه الحركة التى تتعسف باستخدام العقل فى اسبطان معانى النصوص “(13).

قلت : لقد جعل الطبرى مجال العقل فيما يتعلم تأويله كل ذى علم باللسان ،وذلك إقامة إعرابه ،ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها ،والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها (14)… وبهذا ، فهو يستخدم العقل للترجيح بين الأقوال والروايات ،والمنهج الذى استخدمه الطبرى فى النقد يدل على حصافة رأيه وقو بصريته ،وهو بهذا يخالف منهج الظاهرية ،لكن استخدامه العقل لتحليل الظواهر المرضية التى تعانى منها الأمة هو المحدود ؛لأن ربط التفسير بواقع الأمة يتطلب إعمالا أكبر للعقل وتفعيلاً أكثر لدوره ، بل هذا ما يتطلبه الكشف عن هداية القرآن للتى هى أقوم فى عالم الأنفس والآفاق .

ولقد غلبت التجزيئية فى التعامل مع النصوص القرآنية أقصادها فى هذا المنهج حين جعل لكل آية سبب نزول، وحين كانت هناك مفاضلة بين القراءات المتواترة ،ولا أعتقد أن هذا المسلك فى التفضيل سليم .

أما حين يصير التفسير عقلياً اجتهادياً فإن التلوين الشخصى يبدو أوضح وأجلى ،إذا أن ثقافة المفسر ونوع معارفه هو الذى يحدد ناحية عنايته وميدان نشاطه ،وما ينتفع به فى استخراج معانى العبارة ،فيتأثر التفسير بذلك كله ،ويتأثر تاريخ هذه المعارف نفسها بمزاولة التفسير أو الاهتمام به ،فأنت ترى فى جلاء أن التفسير على هذا التلوين يتأثر بالعلوم والمعارف التى يلقى بها المفسر النص ،ويستعين بها فى استجلاء معانيه ،كما أن وصل هذه العلوم بالتفسير يكسب هاتيك العلوم نفسها ضرباً من الثروة أثره فى تاريخها ” (15)،وهو مسلك يحتاج فيه إلى معرفة حجم ومقدار ذلك التلون الشخصى ،فلابد له من قانون يحكمه ويضبطه ،وبالرغم من فوائده لكننا لا ينبغى أن نغفل عن خطره !

ولم يعن المفسرون بالأحداث الجسمية التى مر بها العالم الإسلامى ولا بقضايا واقعه فى عصوره المختلفة ، ولم يتوجهوا من خلال تفسير القرآن إلى تحليل الظواهر المرضية  التى تعانى منها  الأمة وتوصيف العلاج القرآنى لها ،ومن هنا نؤكد على فاعلية دور المفسر فى أحداث وبيئة عصره .

وكذلك من سلك المنهج الكلامى يؤخذ عليه “الوقوع فى الشيئية فى العقائد ،والتفسير الخرفى للنصوص .

فتصور العقائد على أنها أشياء وليست بواعث للسلوك ،والجنة والنار على أنها أماكن ،واليوم الآخر على أنه نهاية للزمان ،والتقوى على أنها شعائر ،والإيمان على أنه مظاهر ،وكذلك الدخول فى معارك نظرية لا ينتج عنها أثر عملى مباشر : مثل الذات والصفات وخلق القرآن ،ولو أم دلالاتها الحضارية معترف بها مما دعا البعض إلى إلجام العوام عن علم الكلام ،واعتباره هوى يبعد الانسان عن العمل ،ويوقعه فى المحظور منه أو المشكوك فيه ” (16).

وينتقد الأستاذ الإمام محمد عبده التفسير ين يطغى عليه الصبغة اللغوية ويصفه بأنه جاف مبعد عن الله و

كتابه ،وهو ما قصد به حل الألفاظ وإعراب الجمل ،وبيان ما ترمى إليك تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية ،قال : وهذا لا ينبغى أن يسمى تفسيراً ،وإنما هو ضرب من التمرين فى الفنون كالنحو والمعانى (17).

ويجمل الشيخ رشيد رضا أهم الأسباب التى أوقعت فى التقصير ،فيقول : “إن الذين تصدوا لتبيين القرآن فى الكتب وهم المفسرون لم يكن تبيينهم كاملاً ،وكان جمال الذين يقول : إن القرآن لا يزال بكراً ،وإن لى كلمة ما زالت أقولها ،وهى أن سبب تقصير المفسرين الذين وصلت إلينا كتبهم هو عدم الاستقلال التام فى الفهم ،وما كان ذلك لبلادة ،وإنما جاء من أمور ،أهمها : الافتتان بالروايات الكثيرة ،وتغلب الاصطلاحات الفنية فى الكلام والأصول والفقه وغير ذلك . ومحاولة نصر المذاهب وتأويلها “(18).

وأضيف بأن هذه الكتب القيمة فى التفسير كان لها شأن كبير عند علماء المسلمين ،ولكنها مع ذلك لم تؤلف للعوام من الناس ،ولم يكن جمهور العوام بالذين يحظون باهتمام المفسرين ،وإلا فما هى كتب التفسير التى كانت على مستوى خطاب جمهور العامة ؟!

ويصف د . محسن عبد الحميد هذا الوضع قائلاً : تراكمت بمرور الزمن علوم كثيرة حلول آيات القرآن ، وظهرت الشروح والحواشى ،حتى تحولت كتب التفسير إلى ميادين للعلوم العقلية والنقلية بحيث يمكن أن تستخرج عشرات المجلدات فى علوم شتى من تلك التفاسير الضخمة .

قال: وزاد المتأخرون على ذلك كله تعقيداً شديداً فى الألفاظ ،وضغطاً متعمداً فى العبارات،بحيث تحولت التفاسير إل حجب كثيفة حالت دون إدراك المسلمين لمقاصد القرآن الكريم ،فابتعدوا عن مواطن هدايته ،فقل بذلك تأثيره فى عقولهم وقلوبهم ونفوسهم ومجتمعهم (19).

قلت : ولا ينبغى أن نغفل – بالرغم من هذا – عن تلك الجهود النيرة التى خدمت النص القرآنى وكشفت عن جوانب عديدة فى هدايته وإعجازه . فالإمام محمد مع ألمعيته وذكائه ،ومع نقده الشديد للجوانب السلبية فى العمل التفسيرى القديم إلا إنه كان قبل أن يلقى درسه فى التفسير يطلع على خمسة وعشرين تفسيراً لكتاب الله لما تضمنته هذه التفاسير من معانٍ كشفت عن إسرار القرآن وهدايته .

وقد خدمت هذه التفاسير ثقافة عصرها ،ولم يقتصر أصحابها فى النصح لكتاب الله تعالى . لكن الأمة مع ذلك مطالبة بأن تراجع وتجدد فهمها وطريقة تعاملها مع القرآن فى كل عصر ،فتنظر فى القرآن من خلال الواقع ، وتنظر إلى الواقع من خلال القرآن ؛لتتحصل على الهداية القويمة فى آفاق النفس ،وفى آفاق الكون ،ولتأخذ مكانها الذى أراده الله تعالى لها بين الأمم والشعوب ،ومن هنا يبرز دور المفسر ومسؤوليته الجليلة فى الحياة العملية .

المنهج الحديث فى التفسير :

أما التفسير الحديث للقرآن الكريم فقد تعددت مدارسه ،وتنوعت مناهجه وتفاوتت قرباً وبعداً من المفهوم الحقيقي لمعنى التفسير وغايته ،وجمع بين أغلب هذه المدارس النزعة الإصلاحية على اختلاف ملحوظ فى اتجاهاتها وأسلوبها وقضاياها ومحاور اهتمامها . وكما تلون التفسير القديم بالثقافة الشخصية والحصيلة للمفسر ،فكذلك التفسير الحديث واجه بعض نزعة مثلها أسلوباً وموضوعاً .

ونشأت تفاسير أخرى تحاكى المنهج التقليدى بحذافيره ،وتجاربه من كل ناحية ،ولا تفارقه إلا فى النزر اليسير الذى يرجع فى الغالب إلى الإسلوب ،أو إلى بعض القضايا الجزئية الأخرى ،ولم يدرك أصحابها مفهوم التطور فى العلوم بوجه عام ،وفى علم التفسير على وجه الخصوص ،وأنه مرتبط بالحياة العلمية الواقعية للناس : “إن ضرورات التطور تقضى بتعديل منهج التفسير القديم تعديلاً يناسب فى حكمة وروية مقتضيات الفكر الحديث “(20). بل ومقتضيات الحياة الحديثة من جميع نواحيها .

وأشهر المدارس – فى رأيى – أربعة ،وهى : المدرسة العقلية الإصلاحية الاجتماعية ،وقامت أصولها على دعاة الإصلاح : جمال الدين الأفغانى ،ومحمد عبده ،ومحمد رشيد رضا . والمدرسة العلمية ،وكان من أبرز الدعاة إليها قولاً وعملاً الشيخ طنطاوى جوهرى ،ومن سلك مسلكه . والمدرسة الأدبية ،وهى المدرسة التى نادى بمنهجها ووضع أسسها الشيخ أمين الخولى ومن تأثر به .

والمدرسة الحركية ،وهى مدرسة الأستاذ الشهيد سيد قطب .

لقد تفجرت مع بداية النصف الثانى من القرن التاسع عشر ثورة إصلاحية فى العلوم الإسلامية على يد المفكر المصلح جمال الدين الأفغانى والإمام محمد عبده ،ثورة تدعو إلى التجديد فى منهجية النظر والبحث فى العلوم الإسلامية ،وكما هى ثورة فى عالم الفكر ،كذلك هى ثورة فى عالم الواقع ،فوجهت اهتماماً للإصلاح ومحاربة كل مظاهر الانحراف والفساد ،ما يتعلق بالسلوك العلمى ،من بدع وخرافات ،وقصص وحكايات غزت العقلية الإسلامية وأورثتها الكسل والخمول والتقوقع ،وأوجدت فيها قابلية لغزو استعمارى صليبى مرة أخرى .

لقد كان فساد العقيدة والجمود فى نظر الأستاذ الإمام محمد عبده من أهم الأسباب المباشرة عن كل ما تعانيه الأمة من الخلل والانحراف فى شتى ميادين حياتها ؛ولذلك كان أهم ميدان تتركز فيه جهود إصلاح هذه المدرسة هو ميدان العقيدة ،كى تصحح فى نفوس الناس وتقوم ،يقول الأستاذ العقاد مقدراً تلك الجهود : ” إن أكبر ما استفادة العقل مقدراً تلك الجهود :” إن أكبر ما استفادة العقل السليم المستنير من فكرة الأستاذ الإمام فى الإصلاح والحرية الإنسانية أنه أعاد إليه الثقة بعقيدته فى هذا العصر الحديث ،ورفع من طريقه إلى العمل عقبات الجمود والخرافة والتقليد ؛لأنه زوده على قواعد دينه بفلسفة الحياة التى يقابل بها فلسفات الغرب المتسلطة عليه من جهة السطوة أو من جهة الإيمان بالعقائد والآراء ؛ولهذا كانت ردوده على فلاسفة الغرب ومفكريه أهم وأجدى “(21).

لكن مع عودة ثقة الأمة بدينها وعقيدتها إلا أنها لم تزل فى ذيل القافلة ومؤخرة الركب ،ولم يشفع ذلك نهضة شاملة فى أى مجال من مجالات الحياة ،مما يعنى وجود خلل فى منهجية الإصلاح ،أو فى تشخيص المرض الذى تعانى منه الأمة ، فالأمام محمد عبده رأى أن أزمة الأمة كامنة فى ضعف عقيدتها وما يغزو عقليتها من بدع وخرافات ،فإذا كان قد أعاد ثقة المسلمين بعقيدتهم – كما وصف الأستاذ العقاد – فلم بقى حال الأمة كما هو ؟!!

يقوم الشيخ محمد فاضل بن عاشور جهود الإمام فى الإصلاح فيقول : “لقد ذهب الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وترك وراءه تلك المشكلة التى وضعها ،ووضعها أستاذ السيد جمال الدين الأفغانى من قبله : مشكلة تأخر المسلمين وفساد أوضاعهم ،على رقى دينهم وصلاح عقيدته وشريعته وآدابه فى المظهرين : الفردى ، والجماعى ،مشكلة قائمة معضلة ،لم تتناولها الحلول ،ولا انفتحت مقفلاتها لمسلك الانفراج ،ومداخل التحرير، فإذا مداخل الجمود الذى حاول الأستاذ الإمام – أول ما حاول – أن يجعله علة ترد إليها أعراض المشكلة ومظاهرها قد أصبح هو بذاته من أوضح مظاهر المشكلة ،وأبرز أعضائها .

وبقى الناس ينادون بالرجوع إلى الدين ،وفهمه حق فهمه ،وتجريده من البدع ،وتبرئته من الخرافات ،ظانين أن الإسلام كما كان ،مجلبة للصلاحين : الفردى والاجتماعى ،والقوة القومية ،والنهضة الفكرية ،وأنه سيعود كذلك إذا ما رجع الناس إليه ،وأدركوا أسراره ومعانيه ،ورفعوا ما بينهم وبينه من غشاوات البدع ،وحجب العوائد الفاسدة ،والخرافات الباطلة ،وهم فى ذلك بمنزلة من يدعو المريض ليصح ،ويدعو المغمى عليه ليفيق ،بدون أن يحاول معرفة ما تسبب فى مرضه ،أو الإغماء عليه ،وبدون أن يعرف ما هو الأجدى فى نقله من حال النوم إلى اليقظة ،ومن حال الغيبوبة إلى الشعور “(22).

ومع هذا فالأستاذ الإمام له فضل لا ينكر فى اتجاهه هذه الوجهة الفريدة ،وتوجيه التفسير إليها بالرغم مما قدمه من جهود إصلاحية اعتراها الخلل أحيانا ،وافتقرت إلى العمق والشمول ؛ذلك أن عملية الإصلاح يجب أن تولد فى بيئة طبيعية واضحة المعالم والأطر والضوابط ،ولا يكون الإصلاح ردة فعل على أوضاع خاطئة سيئة ،فلربما أدت ردة الفعل هذه إلى خلل فى كيفية المعالجة أو أسلوبها أو ميدانها ،ثم إن الإصلاح لابد أن يتصف بالعلمية والموضوعية فيراعى فيه فقه المقاصد ،وفقه الأوليات والموازنات … وأن يعى المصلح ظروف الواقع ومجريات الأحداث فيه ،وينظر إلى المشكلة من جذورها لا من أعراضها أو مظاهرها ، فيوضع المجتمع كله – من غير إهمال للفرد – تحت ” مجهر قرآنى ” وتجرى عليه عملية البحث شاملة ، هادفه إلى معرفة الداء العضال الذى أصابها ،غير مرتبط هذا البحث بفترة زمنية محددة ،وغير منفصل عن تفسير القرآن وفهمه ،فمسؤولية علماء الأمة أن يقوموا بهذا الدور فى كل الأحوال والأزمنة والأماكن ،فمثلهم كمثل الطبيب الذى يشرف على المريض ،فالمرض داء أصاب أمتنا حتى تمكنت جذوره فى المجتمعات الإسلامية على اختلاف عصورها ،وشملت أعرضه كل مجالات حياتها .

ولعل الأستاذ الإمام مفسر حديث يجعل تفسير القرآن مرتبطاً بالحياة الواقعية للناس ،وكان لا يتبع فيه الطريقة الملتزمة يومئذ من الاعتماد على كتاب يقرر كلامه ويدور البحث حول مسائله وعباراته ،ولكنه كان يقرأ الآية من القرآن ،ويفيض فى شرح معانيها ،واستخراج أسرار حكمتها على طريقة لم يسبق إليها ،ويلتفت على نور تلك الحكمة القرآنية إلى أحوال المسلمين وأوضاعهم مبيناً فسادها بالمقارنة ،ومستمداً من الهدى القرآنى ما يوضح ضررها ،ويشير إلى ما يدفع خطرها …

كان درس التفسير سائراً على منهج الاعتناء بحاجة العصر ،وعدم التقيد بما هو موجود فى كتب التفسير ، وتدارك ما خلت منه من مرامى الحكمة الإسلامية الجديرة بالإبراز والتقرير “(23).

لقد عدل الأستاذ الإمام فى الأسس المتبعة فى التفسير القائمة فى وقته لنصوص القرآن الكريم ،واعتبار القرآن جمعيه وحدة واحدة ،وإبعاد الصنعة اللغوية عن مجال التفسير ،وعدم إغفال الوقائع التاريخية فى سير الدعوة إلى الإسلام عند تفسير الآيات التى نزلت فيها (24).

ولقد أعاد الأستاذ الإمام بهذا المنهج دور القرآن فى الحياة العملية ،وأزال كثيراً من الحجب التى صرفت الناس عن هدايته ؛لأن مفهوم التفسير عنده قد اتخذ معناه العلمى ،ومجاله الواقعى ،وقد صرح بالمراد الحقيقى من تفسير القرآن ،فقال : “التفسير الذى نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين ،يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة ،وما وراء هذه من المباحث تابع له ،وأداة وسيلة إلى تحصيله ” . وإننا نعتقد أن المسلمين ما ضعفوا أو زال ما كان لهم من الملك الواسع إلا بإعراضهم عن هداية القرآن ،وأنه لا يعود إليهم شئ مما فقدوا من العز والسيادة والكرامة إلا بالرجوع إلى هدايته ،والاعتصام بحبله “(25).

وهكذا فإننى لا أفرق بين المصلح وبين المفسر ،فكل مفسر يكون مصلحاً ،والعكس صحيح أيضاً .

لكن هذه المدرسة وإن دعت إلى التعامل مع القرآن على وجه موضوعى إلا إن الفكرة لم تتجل بصورة عملية أو واقعية واضحة ،غاية الأمر أن المفسر يعرض أهداف السورة ومقاصدها ،ثم يميل عند تفسيرها إلى المنحنى التجزيئى .

وكانت النزعة العقلية عند الأستاذ الإمام والتى كان فيها متأثراً بمذهب المعتزلة قد تركت بصماتها على تفسيره للقرآن سلباً وإيجاباً ،كان الجانب السلبى متمثلاً فى تضييق مجال الغيبيات ،وتفسير كثير منها تفسيراً مادياً ،وأدت هذه النزعة إلى إنكار بعض الأحاديث الصحيحة ،أو حمل فهمها على مذهبه العقلى يسعفه فى ذلك تمكنه من علوم اللغة والبلاغة ،فلقد فسر بعض آيات القرآن على غير وجهها ،وابتغى فيها غير سبيلها (26). 

إن هذه النظرة كان سببها الوضع المأساوى للحال الذى وصلت إليه الأمة ،إضافة إلى الهجمة العلمانية الشرسة على تعاليم هذا الدين فى زمن بدأ العلم يقفز قفزات مذهلة ،فكان على الأستاذ الإمام أن يغير هذا الوضع بتفسير ينسجم ورؤى العقل المعاصر ؛وهو أمر لا يسوغ مهما كانت الدوافع إليه .

وقد أخذ المفكر المسلم مالك بن نبى على الجهود الحديثة فى التفسير عدم تحديدها لمنهجها الكامل رغم عنايتها بالجوانب الاجتماعية ،وأخذ على صاحب المنار عدم اهتمامه بوضع منهج فى التفسير الذى كتبه كذلك ،ووصف بأن همه كان أن يخلع على القديم صبغة عقل جديد ،ومع أنه لم يعدل طريقة التفسير تعديلاً جوهرياً ،فإنه قد خلق فى الصفوة المسلمة التى تعشق التجديد الأدبى اهتماماً بالنقاش الدينى “(27).

وكذلك ما يتعلق بالجانب العملى التطبيقى حيث طغت عليه الصفة النظرية فكان سبيل الإصلاح يعتمد على مجرد الوعظ أو الإقناع المنطقى المجرد ،أقول : ومع ذلك ،فإن ثورتها التجديدة التى أحدثتها فى ميدان التفسير ظلت مؤثرة فى كل المدارس التفسيرية التى جاءت بعدها على تفاوت بينها فى مقدار هذا التأثر ومجاله ،ويؤخذ على هذه المدارس أنها لم تستوعب وجه الخلل فى اتجاه هذه المدرسة فى تعاملها مع كتاب الله وتفسيرها له .

ويأتى شيخ المدرسة العلميةطنطاوى جوهرى – رحمه الله – كاشفاً – بسرعة مذهلة – عن علل الأمة وأمراضها وأسباب تخلفها ،ومبيناً الدواء الحقيقي لهذه الأمراض والذى إن تناولته أمكنها أن تلحق بالأمم الأخرى من حولها !! وقد كشف عن الأسباب التى دفعته لاتخاذ هذا السبيل فى تفسير القرآن ،فيذكر أن باعثه على ذلك هو غرامه بالعجائب الكونية ،وإعجابه بالبدائع الطبيعية مما فى السموات والأرض من مخلوقات ، وأنه تأمل الأمة الإسلامية وتعاليمها الدينية ،وبين أنه بسبب إعراض العقلاء وبعض أجلة العلماء عن هذه البدائع أخذ يؤلف كتباً شتى ؛لتنهض حياة الأمة !!وبين أنه كان يقوم – فى مختبره – بعملية مزج بين الآيات القرآنية والعجائب الكونية ،وأنه جعل آيات الوحى مطابقة لعجائب الصنع فى كتبه تلك ،ثم رأى أن هذا لم يشف غليله ،فانكب على تفسير القرآن ليجعل هذه العلوم فى خلاله !!(28). وهو مقصد غير صحيح ابتداء ،لقد ظن الشيخ طنطاوى أن شفاء الأمة يتوقف على حقنة طبية أخذ مصلها من خليط العلوم الحديثة ،فإذا ما حقنت بها قامت تمشى بلا عناء !!

ولم يسلك الشيخ طنطاوى منهجاً معيناً فى موسوعته التفسيرية إلا فى نزر يسير جداً يرجع إلى تقسيم آيات السورة إلى مجموعات ،وبيان معانى الآيات باختصار شديد ،ثم يتفرغ بعد ذلك إلى ما عزم عليه فيورد تحت الآيات موضوعات كثيرة متنوعة لا تمت إليها بصلة ،ولا تدرى ما المنهج الذى اتبعه فى اختيارها ،ولم يسلك فى ذلك منهجاً محدداً ،وهذا ما قصده المفكر المسلم مالك بن نبى حين ذكر أن التفسير الكبير الذى ألفه الشيخ طنطاوى جوهرى ،والذى يعد إنتاجاً علمياً أشبه بدائرة معارف لا ينطوى على أقل اهتمام بتحديد منهج “(29).

لقد بالغ الشيخ طنطاوى رحمه الله فى منحاه العلمى هذا ،وتعثر معه كل من تبع هذا المنحنى ؛” لأنه يقوم على اقتلاع العلم من جذوره فى الغرب ،وأخذ آخر منجزات العلم دون التصور العلمى للعالم الذى ينشاُ بناء على تطور العلم ،وظروف نشأته ،وتغييره للوعى الاجتماعى القومى لدى الشعوب ،والشهادة فى سبيله ،فأخذ العلم دون التصور العلمى يجعل العلم مجرد ترجمات ومعارف دون أن تحدث إعادة بناء لتصورنا للعالم على أساس تصور علمى ،ونكون كالحمار يحمل أسفاراً ،مثقفين وعلماء وعلماء يحملون المعارف وعاجزين عن تحليل الواقع علمياً “(30).

وهذا لا يعنى إنكار التفسير العلمى ،ولكن المنكر : أن يلهث التفسير وراء العلم ليكون مصدره الثر ،ومنبعه المعين . إن الحقائق العلمية التى تكشف عن نواميس هذا الكون وسننه ترد تحت النص القرآنى لا تفسيراً له وتحديداً لمعناه ،بل ليأنس بها ذلك المعنى ،ويتقرب بها مدلوله من الأفهام .

إن المنهج الفعال الذى يتخذه المفسر سبيلاً للإصلاح لا يتوقف نجاحه على صلاح نيه وخلقه فحسب ؛لأن هذه الأمور لا غنى عنها أبداً بالنسبة إلى المفسر الذى اتخذ سبيل الإصلاح ،إضافة إلى أهلية المفسر من حيث العلم والخبرة بالواقع ،وشمولية النظر إلى المجتمع الإسلامى والظروف المحيطة به ؛ليتمكن بعد ذلك من القدرة على تنزيل النص القرآنى على الواقع ،والانطلاق من الواقع إلى النص ؛ليكشف عن علل ذلك الواقع وأمراضه .

وجاءت المدرسة الأدبيةالتى رأت أن يدرس القرآن على أساس أنه كتاب العربية الأكبر متجاوزة الخلل فى المناهج السابقة بدون إصلاح أو تعديل حقيقى ؛لتوجب أن يفسر القرآن تفسيراً موضوعياً أدبياً ،وتتجه به إلى زاوية ضيقة لا تجعل الإصلاح أو مقاصد القرآن مباحث أولية ،فالأستاذ أمين الخولى مؤسس هذه المدرسة يرى أن مقاصد التفسير من حيث كونه محققاً لهداية القرآن ورحمته ،مبيناً لحكمة التشريع فى العقائد والأخلاق والأحكام على الوجه الذى يجذب الأرواح …

كلها مقاصد ثانوية ،”وأنه ليس هو الغرض الأول من التفسير ،وليس أول ما يعنى به ويقصد أسبق ،وغرضاً أبعد، تنشعب عنه الأغراض المختلفة ،وتقوم عليه المقاصد المتعددة ،ولابد من الوفاء به قبل تحديد أى مقصد آخر ،سواء أكان ذلك المقصد الآخر علمياً أم عملياً ،دينياً أم دنيوياً ،وذلك المقصد الأسبق والمقصد الأبعد هو النظر فى القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر ،وأثرها الأدبى الأعظم ،فهو الكتاب الذى أخلد معها ، فصار فخرها وزينة تراثها …وتلك الدراسة الأدبية لأثر عظيم كهذا القرآن هى ما يجب أن يقوم به الدارسون أولاً ؛وفاء بحق هذا الكتاب ،ولو لم يقصدوا الاهتداء به أو الانتفاع بما حوى وشمل ،بل هى ما يجب أن يقوم به الدارسون أولاً ولو لم تنطو صدورهم على عقيدة ما فيه ،أو انطوت على نقيض ما يردده المسلمون الذين يعدونه كتابهم المقدس ،فالقرآن كتاب الفن العربى الأقدس ،سواء نظر إليه الناظر على أنه كذلك فى الدين ام لا … ثم لكل ذى غرض أو صاحب مقصد بعد الوفاء بهذا الدرس الأدبى أن يعمد إلى ذلك الكتاب فيأخذ ما يشاء ،ويقتبس منه ما يريد ،ويرجع إليه فيما أحب من تشريع أو اعتقاد أو أخلاق أو إصلاح اجتماعى أو غير ذلك . وليس شئ من هذه الأغراض الثانية يتحقق على وجهه إلا حين يعتمد على تلك الدراسة الأدبية لكتاب العربية الأوحد ،ودراسته دراسة صحيحة كاملة مفهمة له ،وهذه الدراسة هى ما نسميه اليوم تفسيراً ؛لأنه لا يمكن بيان غرض القرآن ولا فهم معناه إلا بها “(31).

وجملة القول : أن التفسير اليوم فيما أفهمه هو الدراسة الأدبية الصحيحة المنهج ،الكاملة المناحى ،المتسقة التوزيع ،والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبى محض صرف ،غير متأثر بأى اعتباره وراء ذلك ،وعليه يتوقف تحقق كل غرض يقصد إليه (32). وهذا يقضى بأن يفسر القرآن موضوعاً لا كما هو عليه ترتيب المصحف ، فهناك مئات عديدة من الموضوعات القرآنية لم يتضح فى أذهان المسلمين موقف القرآن منها ،وهو اتجاه حميد فى فهم موضوعات القرآن وحقائقه ،وإن اختلفنا فى طريقة وأسلوب الوصول إليها ،أو فى الدوافع والبواعث كذلك .

ومما يؤخذ عليها هذا الاقتصار على العربى ومن وصلتهم بالعروبة صلات وثيقة ،وأنهم وحدهم الذين يدرسون كتاب الفن العربى الأقدس ،وكأنهم وحدهم المخاطبون بهذه الرسالة ،وفى هذا ما ينأى بمباحث الإعجاز عن تمثل أصيل لمعان إنسانية عامة ،فقصر مباحث الإعجاز على هؤلاء لا يتفق وطبيعة تلك المعجزة الخالدة ،التى تسمو على المكان والزمان (33).

” على الرغم من أن المنهج الأدبى للتفسير يدعو إلى تفسير القرآن موضوعاً موضوعاً فإنه لا يقدم خطة لتحديد الموضوعات التى يتناولها هذا التفسير ،أو خطة  لتحديد الموضوعات التى يتناولها هذا التفسير ، أو خطة لتصنيف القرآن تصنيفاً موضوعياً ،ولكن من الملاحظ أن أمين الخولى فى تطبيقه لمنهجه هذا – أو تطبيق تلاميذه له بتوجيه منه – قد اختار موضوعات تنحو إما منحى أدبياُ مثل قصص القرآن أو تشبيهاته وأمثاله ،والقسم القرآنى والفن البيانى فى القرآن الكريم ،وإما منحى نفسياً اجتماعياً مثل السلام والإسلام ، أو القرآن والحياة ،القادة والرسل ،حكومة القرآن ،الحكم بما أنزل الله ،الطغيان فى العلم والمال والحكم ،وغير ذلك من موضوعات ذات وحدة واتساق “(34).

ولا يشير المنهج الأدبى إلى كيفية تفسير القرآن إن كانت ستقوم به لجنة تضطلع بهذه المهمة ،فالموضوعات المذكورة آنفاً يتحكم فى اختيارها التخصص الشخصى الذى سيتخلى بالضرورة عن مكانه إن ما أوسدت المهمة إلى هيئة ما ،ومثلما لم يقترح المنهج الأدبى الموضوعى خطة بعينها لتصنيف القرآن موضوعياً سكت عن طريقة ترتيبه تاريخياً ،بل لم يحل إلى ترتيب بعينه يراه أفضل بالرغم من أنه يرى فى هذا الترتيب خطوة لابد من القيام بها قبل الإقدام على التفسير ،ولا مفر من الاعتراف بأن هذا الترتيب التاريخى يشكل الصعوبة الحقيقية فى المنهج الأدبى فى التفسير ،بل إن هذه الصعوبة تكاد ترفع إلى حد الاستحالة والتعذر (35).

ومحصل هذه النظرة حملها القرآن إلى دائرة اهتمامها وتخصصها ليصطبغ التفسير بها ويتلون ،وليقع بعد ذلك فى ما وقعت فيه المناهج السابقة من النظر إلى القرآن من منطلقات نظرية أو ثقافات شخصية. والمنهجية العلمية فى النظر إلى القرآن تستلزم البقاء مع غايات الشريعة ومقاصدها : ووظيفة الأمة ودورها يحتمان عليها أداء الرسالة على وجهها ،وعدم تجاوز ميراث النبوة ،أو الاشتغال بأى شئ آخر عنه ،إننا لن نجد قوماً تأثروا بالقرآن من ناحية بلاغته وأسلوبه وجودة نظمه وبيانه كالقوم الذين تنزل عليه القرآن ،لكنهم مع هذا التأثر الذى خشعت له قلوبهم ،واقشعرت له جلودهم وأبدانهم لم يفهموا القرآن فهماً نظرياً جمالياً ، بل كانت نظرتهم إليه نظرة علمية عملية ،وكان همهم الأكبر أن تترجم نصوصه على أرض الواقع ؛حتى قال عنهم من قال : “لو رأيتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  لقتلتم إنهم مصاحف تمشى على الأرض ” إننا نسعى إلى فهم للقرآن لا يجعل منه متعة أدبية أو جمالاً بيانياً غاضين الطرف عن مقاصد الأولية ،وينبغى أن نعود إلى القرآن لكى نقيم ذلك المجتمع الذى كان ينادى فيه على من يأخذ الزكاة فلا يأتى أحد ،ولا يمكننا بحال تحت أى شعار أو أى غرض أن نتجاوز هذه المقاصد يهدى إليها بأبلغ أسلوب وأحكم منطق ،فلا نشتغل بالأسلوب عن المعنى نفسه ،ولا نشتغل بظاهر النص على حساب روح النص وحقيقته ومقاصده ،ولذا فإن منطلقاتها إلى القرآن تهدف إلى إصلاح المجتمع الذى يتأهل ليقوم بدوره القيادى ؛لتحقيق العبودية لله بكل معانيها ،وفى كل اتجاهاتها .

ومما يؤخذ على هذه المدرسة أنها أسرفت فى التفسير الأدبى للقرآن إلى حد أخرجها عن جادة الحق والصواب فأصبحت ترى – أو يرى بعض تلامذتها المتشددين فى تطبيق هذا المنحى بعبارة أدق – أن القصص القرآنى قصص أدبى أولاٌ وأخيراً ،وأن القصة القرآنية ليست عرضاً تاريخياً نطلب فيه المطابقة الواقعية للصدق العقلى (36). بمعنى أن القصص القرآنى ليست قصصاً حقيقاً ،بل هو من قبيل الخيالات والتصورات ،وهذا اعتداء لا يغتفر ،ولا يليق بجلالة القرآن وقدسيته !!

وتأتى المدرسة الحركية التى اختارت الأسلوب الأدبى شكلاً وقالباً للتعبير عن أغراضها وأهدافها من فهم القرآن ،وتفسيره على ضوء ذلك ،وليس هذا الشكل أو القالب إلا منهجاً آخر اتخذه صاحبها لبيان النواحى الجمالية فى أسلوب القرآن وبيانه ،وهى مدرسة تلتقى فى أهدافها وغاياتها مع مدرسة الأستاذ الإمام محمد عبده ،لكن مه هذا يبقى لها استقلاليتها فى جوانب كثيرة ،وإنتاجها العلمى كله بقى محصوراً فى “فى ظلال القرآن ” ،ومعظم الذين درسوا الظلال اقتصروا على إشاعة أفكاره بصورة أو بأخرى ؛ليفصلوا بذلك بين العمل الفكرى والعمل التفسيرى .

لقد تعرض صاحب الظلال رحمه الله لقضايا الأمة ومشكلاتها من خلال تفسيره ،وحاول أن يتصور الحل لتلك المشكلات ،وذلك بأن تعود إلى القرآن ،لكن محاولاته تلك غلب عليها الجانب الوصفى الوعظى المجرد عن الحلول الميدانية ،والاقتراحات العلمية . لقد جعل المسلم على بينة وبصيرة من قضايا دينه ونياه ،وكان عاملاً مهما من عوامل بناء الشخصية المسلمة الحديثة التى اقتنعت بأفكاره واتبعت خطاه ،فكان لها جهد لا ينكر فى الإسهام فى إحداث الصحوة الحديثة فى المجتمعات الإسلامية .

لقد كان الإقناع الفكرى النظرى مميزة للظلال ومأخذاً عليه فى الوقت نفسه : ميزة ؛من حيث أنه استطاع أن يبنى الحصانة الكفيلة بإبقاء المسلم على معتقده سليماً معافى ً . ومأخذاً ؛لأن الأفكار إن لم تأخذ طريقها فى الواقع العلمى فتنهض بها الأمة من كبوتها يكون عجزاً حقيقياً لذلك الفكر الذى أهمل الاستفادة من ذلك الواقع وإمكاناته على قدر الظروف المتاحة ،والأحوال المعيشة ما دمنا نعيش عصر الجاهلية . هذه الترجمة العلمية قد حظيت باهتمام بالغ عند مؤسس حركة الإصلاح الجديدة الإمام حسن البنا ،وإن كان سيد قد ترجم علمياً ببذل نفسه فى سبيل الفكرة التى يحملها ،إلا أن الأمر حين يقاس من وجهة تفسير القرآن يلاحظ أن الأفكار النظرية المجردة هى الصبغة الجديدة لهذا الاتجاه فى التفسير ،وتنحصر هذه الأفكار فى بعض القضايا المهمة ذلك لأنها لم تبن على التتبع الدقيق للآيات القرآنية ومعانيها وتطبيقاتها فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج بالحقائق والمواقف القرآنية ،ثم اقتراح الأسلوب العلمى لترجمة هذه الأفكار والحقائق على أرض الواقع ،ومن المعروف أن سيداً كان – أحياناً – يفسر الجزء من القرآن فى غضون شهرين فقط .

لقد غلب الطابع الفكرى على الظلال ،كيف لا ،وهو يواجه جاهلية مستفحلة فى كل ميادين الحياة ،لكن هذا الفكر كان يبتعد عن التفسير فى كثير من الأحيان ،ولقد تفجرت فى الظلال أفكار اتخذت مسارها إلى قلوب الناس إزاء الأوضاع الجاهلية التى تعيشها الأمة ،هذه الأفكار التى تميزت بالقوة والشدة كانت عقبة لمن جاء بعده فيما يتعلق على وجه الخصوص بقضايا الحكام والحاكمية والجاهلية والعزلة ،وهى عقبة تم تجاوزها بكل هدوء من أبناء الحركة نفسها ،ولئن ضجر سيد رحمه الله من الفقه النظرى الذى أطلق عليه فقه الأوراق فقد جاء بعده من يضجر ببعض الأفكار الورقية !!

ذكر مالك بن نبى فى استعراضه لجهود الإصلاح التى التزمت الجانب النظرى وبين تلك التى جعلت من الآية القرآنية إلزاماً بالتجدد وليست أداة تجديد فحسب – أن المجتمع الإسلامى الأول لم يتأسس على عاطفة مجردة أو شعور ساذج ،بل قام على عمل جوهرى هو “المؤاخاة ” بين الأنصار والمهاجرين ،وكان ذلك ميثاقاً لتلك الحركة الحديثة التى حاولت التأليف بين أعضاء المجتمع تأليفاً يحمل معنى المشاركة فى الأفكار والأموال ،ولم يكن لزعيمها من نظرية يركن إليها سوى القرآن نفسه ،ولكنه القرآن الذى يحرك الحياة ،وإذا كانت الحركة الإصلاحية التقليدية لم تقم إلا على الأساس ذاته ،أى على القرآن ،فإن الآية القرآنية لم تكن لتستخدم فى منهجها إلا بوصفها وسيلة منطقية تساق لغرض تعليمى ،فالقرآن فى منطقها معلم يقدم لها مقاييس من كل نوع ،وبراهين تفحم الخصوم ،وأدلة تدين بعض التقاليد والبدع التى لا تتفق وما جرى عليه السلف ، وهو أيضاً نموذج جمالى ،بل مجموعة من المقاييس الأدبية تستخدمها بعض العلوم الاستنباطية كعلوم البلاغة وفى كل هذه الحالات ،لم تكن الفكرة القرآنية لتمس ضمير المسلم أو طبيعته ،لا تمس مجال حياته ،وجوانب فكره ومناحى سلوكه فهى بذلك أداة للتجديد أكثر من أن تكون إلزاماً بالتجديد ،وهذا ولا شك أمر مهم ،إذا كان على أية حال أساس النهضة الراهنة ؛فالتجديد هو التفسير النفسى لما أطلقنا عليه لفظة التكديس ،ولكنه يعد أيضاً نوعاً من الشرط المادى الضرورى لعملية التجديد ؛تجدد النفس الذى هو جوهر النهضة على حين يعد التجديد الذى يتصل بالفكر وحده إصلاحاً ظاهرياً (37).

ويرى أن مشكلة التفسير تظل خطيرة بالنسبة لاعتقاد المسلم من جهة ،وبالنسبة لمجموع الأفكار الدارجة التى هى أساس الثقافة الشعبية من جهة أخرى ،ومن المعلوم أن كل مجتمع يحتوى مشكلة أفكار دارجة تحرك الجماهير ،كما يحتوى مشكلة أفكار علمية تخص المثقفين ،وكما أن هذه تحدد لدى القادة والعلماء حلولاً نظرية لبعض المشكلات ،فإن تلك تحدد السلوك العلمى للجماعات إزاء هذه المشكلات التى تصادف فى الحياة ففى العالم الإسلامى توجد طبقة مثقفة مقتنعة بحركة الأرض ،ولكن هناك جمهوراً كبيراً من الدراويش ، وشعباً من الجهال كل نوع يصر على اعتقاده بأن الأرض ساكنة تحملها العناية على قرن ثور ،وهذه الفكرة الدارجة قد تؤثر فى توجيه التاريخ أكثر من الفكرة العلمية ؛لأنها تستند إلى خرافة مفسر غير موفق يرى الأرض على قرن ثور ،ولنأخذ مثلاً “البوصلة ومقياس الزاوية ” فعلى الرغم من أنهما من إنتاج أفكار المسلمين الفنية ،فإن العالم الإسلامى لم يستخدمها مثلاً فى اكتشاف أمريكا ؛لأنه كان مشلولاً آنذاك عن التقديم العقلى والاجتماعى بأفكار شعبيته ميته .

أليست هذه المأساة التى أراد الغزالى أن يعبر عنها فى بيته المشهور :

غزلت لهم غزلاً رقيقاً فلم أجد                       لغزلى نساجاً فكسرت مغزلى

إن مشكلة التفسير القرآنى على أية حال هى مشكلة العقيدة الدينية لدى المتعلم ، كما أنها مشكلة الأفكار الدارجة لدى رجل الشارع ،ومن هاتين الوجهتين ينبغى أن يعدل منهج التفسير فى ضوء التجربة التاريخية التى مر بها العالم الإسلامى (38). ويعنى مالك بن نبى بمشكلة العقيدة تصور المفسر لمفهوم الكون والحياة والإنسان والعلاقات القائمة بينها ،هذا التصور الذى لم يتمثل فى العمل التفسيرى ،أو قل لم ينبثق العمل التفسيرى منه ،لا أن المفسر يواجه مشكلة فى التصور الصحيح لمفهوم العقيدة أو معناها ،كلا بل يعد العقيدة أو الفكرة الدينية التى تدفع إلى العمل ،والتى تجعل من المسلم مثلاً ريادياً من أسس النهضة الحديثة بالنسبة إلى المجتمعات الإسلامية ،فيقول : “إن الذى ينقصنا هو العمل بموجب العقيدة الإسلامية ، الإسلام وحده هو الذى يمكن أن يعيد المسلمين إلى عالم الحضارة والخلافة المبدعة ،ويدخلهم فى حلبتها ، ولكن شريطة أن يعتبروا أن هذه العقيدة رسالة ضرورية ولا غنى عنها ،ولكن العقيدة لا يمكن أن تحرك الطاقات إلا بقدر تسخيرها لحاجات أبعد وأسمى وأجل من الحياة اليومية ،ونحن لا نرى لعقيدتنا الإسلامية هيمنة على طاقاتنا معطلة تماماً ؛لأننا جعلنا من الإسلام وسيلة للحياة الأخروية ،بينما كانت فى عهد رسول الله عليه صلوات الله وأزكى سلام وسيلة النجاة فى الحياة الأخروية ،وأيضاً وسيلة المجد والعزة والحضارة فى الحياة اليومية “(39).

أما ما ذكره بشأن مشكلة الأفكار الدارجة فهى الأخرى ترجع إلى التصور الحضارى للعقيدة ،وليس سبباً منفصلاً ،وعلى افتراض أنه يعد مشكلة فى التفسير فذلك على نطاق ضيق جداً . إلا إذا عنى بالأفكار الدارجة تلك التى استقت مادتها من الإسرائيليات وغيرها ،فهى بالفعل كان لها أثرها السيئ على أفكار المسلمين ، وتصبح المشكلة الحقيقية للتفسير إذن هى التوظيف الحضارى للعقيدة الإسلامية ،هذا التوظيف الذى لو بات فى عرف المفسر المشكل الحقيقي لتغيرت وجهة التفسير منذ أمد بعيد .

ويتصل بهذه المشكلة أو يتفرع عنها أن النزعة الفردية لما طغت على تفسير القرآن أوجدت نوعاً من الانعزالية التى لا تعطى فرصة أو مجالاً للنقد ،وبعبارة أخرى ،هناك هوة أو فجوة بين كل اتجاهات التفسير ، ولو أن العمل التفسيرى بنى بعضه على بعض ،وابتداء الآخر من حيث انتهى الأول لتعدلت مناهج التفسير فى عهد مبكر ؛بسبب أن الأخر لا يمكنه أن يبنى على الأول قبل أن يقوم بعملية نقد وتمحيص ،وتعديل وتقويم لرد الهوة ،وغلق الفجوة ،والانطلاق من أرضية صلبة نحو أفاق أوسع ،ومجالات أرحب فى فهم القرآن وتفسيره ،وهذا فلا رأيى ما نحتاج إلى إدراكه اليوم خاصة وأن العلماء الموسوعيين قد ندر وجودهم ،ومما يعوض عن ذلك ويسد النقص قيام جهود جماعية تتعاون لإعادة دور القرآن فى الحياة العلمية .

وبعد كل هذا التجوال فى مناهج التفسير يمكننى أن أقول – ولست أول من يقول : إن التفسير الموضوعى للقرآن هو البديل الذى أراه ضرورياً وعصرياً ،ونعنى به حصر الآيات التى تعالج موضوعاً معيناً إن على مستوى القرآن أو على مستوى سورة منه ودراستها دراسة علمية منهجية (*). وترجع أهمية طرحه كبديل تفسيرى منهجى لأسباب عديدة ،منها : أنه يضع حداً للاختلاف بين العلماء فى كثير من المفاهيم والحقائق القرآنية ،ذلك أن آراءهم وتصوراتهم عن حقائق القرآن يعتريها التجزيئية وعدم الشمول ،فما من مجلس نقاش علمى يدور إلا وترى العلماء يتجاذبون فيه آيات القرآن كل إلى جانبه . والتفسير الموضوعى يضع حداً لذلك الخلاف ؛لأنه يقوم على دراسات تستقصى وتستوعب فهم آيات القرآن الواردة فى الموضوع الواحد ،لتبين التصور القرآنى الشمولى لتلك الموضوعات .

ومنها : أن موضوعات القرآن لم تقتصر على الجوانب التى برع فيها علماء الشريعة ،أعنى : التشريع والأحكام الفقهية واللغة والبلاغة .. بل تتضمن أسساً فى علوم السياسة والاقتصاد والنفس والاجتماع والتربية والإعلام … وبهذا يتطلب التفسير الموضوعى مشاركة شريحة واسعة من علماء الأمة على اختلاف تخصصاتهم فى فهم القرآن والكشف عن جوانب هدايته وإعجازه .

ومنها : أن معرفة التفسير الموضوعى تؤدى إلى معرفة الحقائق القرآنية فى مسائل الكون والمجتمع والحياة والإنسان ،مما يجعل إمكانية استنباط نظريات متكاملة فيها كبيرة ،لكن الغفلة عن ذلك وخاصة فى ظل مواجهة الوحدات الموضوعية فى عالم الثقافة الغربية أدى إلى انهيار العلماء أمامها وزعزعتهم فلم يكونوا واقفين حينئذ على أرضية صلبة ،ولم يستطيعوا الانطلاق الواضح من هداية القرآن الكريم لمواجهة التيارات الحديثة والمبادئ الدخيلة ،وكان من الطبيعى أن ينتهى أمر المثقفين الجدد إلى تصديق تلك الوحدات من الأفكار الغربية فى غيبة المعرفة الصحيحة للإسلام الحق ومذهبيته المتوازنة فى الوجود كله ،ولو كانت حقائق القرآن حاضرة فى عقول المسلمين ،وسننه الكونية واضحة أمام أبصارهم ؛لاستطاعوا منذ أمد أن يدركوا الخلل ويتعمقوا فى الأسباب الكامنة وراء حركة التاريخ كما أخبرهم بها القرآن الكريم ،ولما انهزموا أمام الحضارة الغربية كل هذه الهزيمة ،ولما تركوا دينهم وقرآنهم وكأنهم لا صلة لهم بالإسلام (40).

ومنها : الوحدة فى منهج التفسير القرآن وفهمه ،فإن شأن المؤسسات التعليمية أن تفصل فى مساقاتها الدراسية بين التفسير التحليلى الموضوعى ،وترى فيهما نمطين منهجيين مختلفين ،فى حين أن المنهجين يتحدان فى تجلية حقائق القرآن وبلورتها ،فالتفصيل والتفريغ يتم إطار وحدة الموضوع الذى يتعامل معه المفسر ،وبذا يتم التخلص من التجزيئية فى فهم القرآن.

لكل هذه الأسباب وغيرها نرى – مع من يرون من العلماء – فى التفسير الموضوعى بديلاً واقعياً فى فهم القرآن والتعامل معه .

وأهم ما فى هذا المنهج أنه يأخذ بعين الرعاية والاهتمام قضايا الواقع ومعضلاته ويعمل على حلها ،وأهم ما فيه كذلك سير النصوص القرآنية على ضوء الإمكانات المتاحة والأحوال المعيشة – سيرها لتتنزل على أرض الواقع كاشفة وهادية للتى هى أقوم ،وبهذا نتجاوز التكرار فى عملنا التفسيرى ،فكل مفسر يعمل على تأصيل حقائق القرآن فى واقع عصره وواقع ومجتمعه مما يدفع إلى الاجتهاد والتفكير الحر والعمل المنضبط وفق الأسس المعتمدة فى فهم القرآن وتفسيره .

ومن الجناية على القرآن وإعجازه وعالميته وشموله أن يبقى تفسيره يدور فى إطار ما قاله الطبرى والزمخشرى والرازى والقرطبى وغيرهم …

وفى ضمن هذا الإطار تساءل د . عدنان زرزور قائلاً : “هل نجح المفسرون خلال العصور فى تقديم الزاد الكافى أو اللازم للمجتمع الإسلامى بما يناسب الحالة التى يكون عليها ،أو آل إليها بعد عصر الصحابة والأجيال الأولى ،ترميماً أو إعادة صياغة ،أو إحياءً ونفخاً للروح  ؟ ذكر فى الإجابة عن هذا السؤال ملاحظتين :

الأولى :أن المفسرين انشغلوا بتثقيف المسلم بأنواع المعارف اللغوية والنحوية والبلاغية والفقهية

والتاريخية … حتى إن وقوفهم الطويل واجتهاداتهم المتنوعة أمام آيات الأحكام الذى جاء فى وقته أو كانت له أسباب ودواعيه لم يحملهم على الالتفات – والمجتمع الإسلامى آخذ بالتدهور ،وصورة المسلم الفاعل المؤثر آخذة بالتشتت والانفعال – أو التركيز على الإطار التربوى والأخلاقى لتلك الآيات ،أو على قاعدتها الإيمانية وأساسها العقائدى الذى وردت فى سياقه . إن المفسرين – بوجع عام – لم يتجهوا إلى كل هذا ليسلطوا عليه الضوء ،وليكون موضع الدرس والبحث والتفسير الطويل !

قال: حتى إذا وصل بنا الحال إلى الحاضر العلمانى بقيت جامعاتنا ومعاهدنا الدينية على سنة هؤلاء المفسرين ،فما زلنا نعول على كتبهم ونكتفى فى معظم الحالات بمناهجهم وما “نصلوا ” عليه فى تفاسيرهم ! أقول : “نصوا ” ؛لأن بعضنا ربما نزل أقوال المفسرين والفقهاء منزلة النصوص ! وحين حاول بعض المفسرين أن يجعلوا من تفاسيرهم – فى ضوء الغاية التى من أجلها نزل كتاب – دليلاً إلى المجتمع الإسلامى والأمة الإسلامية ،وليس فقط دليلاً ثقافياً لعلوم الشريعة من فقه وأصول وجدل – لم يجد مثل هذا العمل صداه المناسب . وهذا هو السبب فى عدم أداء علم التفسير لوظيفته الاجتماعية . والسبب فى المعنى التاريخى أو مدى الانقطاع الذى يشعر به طالب علوم الشريعة ،على الرغم من أن مثل هذا الشعور إن جاز على علم الفقه أو تاريخ الفرق فإنه لا يجوز أن يخامر الدارس لتفسير القرآن ؛لأن القرآن الذى لم يعجز عن خطاب الإنسان فى أى عصر ،ولم يحمله كذلك أكثر مما يطيق كتال جميع العصور . ولو أننا فهمنا “المعاصرة ” فى هذا الخطاب المعجز .. على أنها اللحظة التى نتلقى فيها الخطاب “يا أيها الناس ” أو يا أيها الذين أمنوا ” إذا لما اكتفينا بتفسير القرآن على هذا النحو “التراثى ” ،أى : على هذا النحو الذى تتمثل فيه فهوم واجتهادات الأجيال السابقة .

الملاحظة الثانية: أن المنهج القديم قد قلص آفاق المعاصرة التى يوصف بها القرآن من خلال وقوعه فى أخطاء عديدة ،وبخاصة فى تفسير آيات الكون والطبيعة التى تشغل حيزاً كبيراً فى النص القرآنى ،ومن خلال النزعة الكلامية “العقيدية ” والمذهبية “الفقهية ” التى حكمت تفاسيرهم ،حتى أن حركة التفسير كانت منذ أن تأصل الخلاف بين المتكلمين وأصحاب الفرق صورة عكست نطاق الخلاف ،وكانت فى بعض الأحيان استجابة لها ،أو محاولة لتأكيدها والانتصار لها ،مما بَعُد بالتفسير عن الحياة الواقعية (41).

وبالرغم من ذلك ،فإن إصلاح منهج التفسير لا يعنى أبداً القفز عن تراثنا التفسيرى الذى قدمه علماؤنا ،بل يجب الوقوف عليه ودراسته والاستفادة منه ؛فإن فيه جوانب حية ذات قيمة عظيمة تدل على مبلغ رسوخ علمائنا فى العلم ،وقدرتهم على تثوير نصوص القرآن واستنطاقها باستنباط الوجوه العديدة من آياته الكريمة ، وليعلم قوة الفهم التى تتالت على التعامل مع تلك النصوص ؛ليكون ذلك كله مرشداً فى عملية بناء منهجية البحث فى التفسير الموضوعى للقرآن الكريم .

وبعد، فقد كان المشكل فى مفهوم مصطلح “تفسير ” أنه قد توضح بناء على الحصيلة المعرفية لكل مفسر، فمن برع فى علم النحو واللغة تجلى فى معنى التفسير وعنده هذا المفهوم ،ومن برع فى علم الفقه والأحكام والحلال والحرام كان مفهوم التفسير لديه أن يبرز هذه الجوانب من خلال تفسيره لكتاب الله ،وظل هذا المصطلح مطلقاً لم تتحد معالمه بصورة منضبطة على ضوء رسالة الأمة ،ومفهوم الخلافة ،والمواجهة الحضارية ،ولم يحكم عمل المفسر إرادة واضحة من التفسير ،ففى حين يكون بإمكانه أن ينشئ تفسيراً للقرآن يصل إلى ثلاثين ألف ورقة ،وقد يختصره إلى نحو العشر ،ومن ثم لم تتحدد قضايا البحث وهمومه عند المفسر ،بالرغم مما تميز به المفسرون من دقة وجلد فى تدوين هذه الكتب الضخمة فى شرح معانى القرآن الكريم .

وبالرغم من ذلك ،فإن النهج التفسيرى القديم لم يعن بمعالجة الواقع الحياتى للأمة ،وتحليل الظواهر المرضية التى عانت منها المجتمعات الإسلامية ،وتوجه إلى قضايا أخرى نظرية لا تٌعبر – فى الغالب – عن هموم الأمة وآمالها ،واشتغل كثيراً بمعارك جدلية مذهبية فقهية أو كلامية أو نحوية ،وإن كتب التفسير لم يبن بعضها على ضوء بعض فيبتدئ الآخر من حيث انتهى الأول ،بل كان أن ابتداء الآخر من حيث بدأ الأول ، فكانت هناك جهود ضخمة متراكمة متكررة ،ولم تتجل فيه أهداف القرآن الشاملة ومقاصده الجامعة على مستوى عالمية الرسالة ،ومهمة الخلافة ،أو قل: غابت هذه الأهداف والمقاصد وراء التفريعات الكثيرة والمباحث العديدة التى شغلت المفسر ،وحوصرت هذه الأهداف والمقاصد ؛لتظل فى البيئة المحلية التى عاش فيها المفسر ،ولم تأخذ أبعادها العالمية .

وكان النهج التجزيئى فى تفسير القرآن قد ساعد على إيجاد تفاوت فى حجم التفسير ومقداره بالنسبة إلى كل سورة من سور القرآن ،فتجد المفسر يحشد حصيلته المعرفية فى أول التفسير ،ويكثر من الأحالات عقب ذلك على وجه يرهق القارئ أحياناً ،فتأتى لتنظر فى تفسير “سورة الملك ” مثلاً فلا ترى فى تفسيرها شيئاً مهماً لأن المفسر قد استوفى الحديث فى قضايا مشابهة فى أول التفسير ،وتجد كذلك تقطيعاً لوحدة الفهم الشمولى للقرآن الكريم حين يكون لكل آية سبب نزول !

وأما النهج الحديث فى التفسير فقد كان إلمامه بمفهوم التفسير أوسع وأشمل ،وتجاوز شيئاً من سلبيات النهج القديم ،فنهج الإمام محمد عبده نهجاً كان حريصاً فيه على أن يربط التفسير بالواقع الذى تعيشه الأمة وتحياه .. وكذا حاول اتباع المدرسة الاجتماعية ،لكن تفسيرهم لم يبرز فيه الطابع التجديدى من حيث المنهج ،وكانت عملية الإصلاح التى تبنتها مدرسته تفتقر إلى تشخيص حقيقى لعلل الأمة وأمراضها ،وغلب التأويل العقلى المتكلف عل فهم كثير من آيات القرآن ..

لقد ساد النهج الحديث بعض ما ساد النهج القديم من مشكلات ،كان أهمها اصطباغ التفسير باللون الثقافى للمفسر واهتماماته الشخصية ،كما هو صنيع مدرسة التفسير العلمى ومدرسة التفسير الأدبى ،فكانت المبالغة والتكلف أهم ما يتميز به تفسير الجواهر لطنطاوى جوهرى ،وكانت نصوص القرآن فى الغالب عرضه لهوى المفسر العلمى ومآربه ،وكان أن أتى الإصلاح من أبوابه الخلفية إن لم يكن من نوافذه الضيقة ،أو من مداخلة الهامشية !! رغم توجيهها الأنظار إلى شئ من الأزمة الحضارية التى تعانى منها الأمة ،وهو توجيه تشكر له.

 وبالرغم من توجيه المدرسة الأدبية درس القرآن وتفسيره إلى الوجه الموضوعى إلا أن ذلك كان لحساب النزعة الأدبية التى هى فى الحقيقة اهتمامات شخصية أولية للمفسر الأدبى .

وكان صاحب الظلال قد أولى عناية فائقة لقضايا الأمة ،إلا أن تصوره لحلول مشكلاتها كان نظرياً نوعاً ما، ولم يكن تفسيره بالمعنى المعهود للتفسير ،فقد تجاوز البعض الأسس اللازمة له ،كالبحث فى مفردات الآيات والكشف عن معانيها ،وكان يقف فى ظلال الآيات ويلمسها – من مسافات متفاوتة – لمسة الأديب ذى الإحساس المرهف .

لذلك كله رأينا أن هناك إشكالاً حقيقياً فى مفهوم التفسير ومنهجه ،ونرى أن الخروج من هذا الإشكال يتم بطرح النهج الموضوعى فى التفسير ،فهو أهم ما تتوجه له العناية فى الوقت الراهن ؛لأنه يجلى حقائق القرآن التى غابت عن أذهاننا فى ميادين كثيرة ،ويجعل إمكانية النجاح فى المواجهة الحضارية العالمية ،وتأخذ طريقها إلى عقول البشر جميعاً ،فنريد تفسيراً للقرآن ندخل به ذلك الميدان .

أضف إلى ذلك أن التفسير الموضوعى لا مجال فيه لتكديس العلوم النظرية والثقافات الشخصية ؛لأن المفسر يعيش فى إطار مجموعة نصوص قرآنية تعالج قضية واقعية علمية أو معرفية ،ومن ثم ينحصر تفكر المفسر فى هذه القضية ليجلى التصور القرآنى لها ،وبذا يأخذ كل موضوع أو سورة قرآنية ما يستحق من البحث المستقل دون تضخيم لبعضها على حساب البعض الآخر .

○○○

الهوامش

  (1) قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ،ووافقه الذهبى ،انظر : محمد عبدالله بن البيع النيسابورى الحاكم ؛المستدرك على الصحيحين (بدون تاريخ) ،دار المعرفة ،بيروت ،ج : 1 ،ص : 557 .

(2) بدر الدين محمد بن بهادر الزركشى ؛البرهان فى علوم القرآن ،تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (1957) مطبعة الحلبى ،مصر : 2/ 148 .

(3) انظر جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى ؛الإتقان فى علوم القرآن (1957) بيروت :2/174.

(4) المصدر السابق : 2/ 174 .

(5) البرهان فى علوم القرآن ،مرجع سابق ج : 2 ،ص 147 .

(6) انظر : الحسين بن محمد الراغب الأصفهانى ؛مفردات القرآن ،تحقيق محمد كيلانى (بدون تاريخ) دار المعرفة بيروت ،ص : 380 .

(7) قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ،ولا أعرف له علو ولم يخرجاه ،ووافقه الذهبى : انظر المستدرك على الصحيحين ،مرجع سابق ،ج : 1،ص 35 .

(8) انظر : أبو حامد الغزالى ؛إحياء علوم الدين (بدون تاريخ) ،دار الندوة ،بيروت ج : 1 ،ص :289 .

(9) انظر : تاج الدين عبد الوهاب بن على السبكى ؛طبقات الشافعية الكبرى ،تحقيق محمود الطناحى ووزميله (1965)،مطبعة الحلبى ،مصر . ج :3 ،ص 123 .

(10) انظر : فخر الدين محمد بن عمر الرازى ،مفاتيح الغيب (1985) ،دار الفكر ،بيروت ،ج :1 ،ص :11

(11) انظر : محمد حسين الذهبى ؛التفسير والمفسرون (1987) إدارة القرآن والعلوم الإسلامية ،باكستان

ج :1 ،296 .

(12) أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون ؛المقدمة (1984)،دار القلم ،بيروت ،ص : 439 – 440 .

(13) مصطفى الصاوى الجوينى ؛مناهج فى التفسير (بدون تاريخ)    ،منشأة المعارف ،الإسكندرية . ص :386 (14) انظر : محمد بن جرير الطبرى ؛جامع البيان عن تأويل آى القرآن (1980) ،دار المعرفة ،بيروت ،

ج : 1 ،ص : 25 – 26 .

(15) إبراهيم خوشيد وزملائه ،دائرة المعارف الإسلامية (بدون تاريخ) ،دار الشعب ،مصر ج9 ،ص :426 -427 .

(16) حسين حنفى ؛مناهج التفسير ومصالح الأمة (1981) ملتقى الفكر الإسلامى الخامس عشر ،الجزائر، حزمة رقم 15 ،ص 145 .

(17) إبراهيم خوشيد ،دائرة المعارف ،مرجع سابق ،ج 9 ،ص :427 .

(18) محمد رشيد رضا ؛تفسير المنار (1973) ،دار الفكر ،بيروت ،ج : 4 ص :280 .

(19) محسن عبد الحميد ؛العلوم الإسلامية وحياتنا المعاصرة : العقيدة والتفسير (بحث مخطوط قدم إلى مؤتمر علوم الشريعة فى الجامعات ،الواقع والطموح ،أب ،1994 ،عمان ) ص : 8 .

(20) مالك نبى : الظاهرة القرآنية ،ترجمة عبد الصبور شاهين (1981) ،دار الفكر / دمشق ،ص : 57 .

(21) عباس محمود العقاد ،عبقرى الإصلاح والتعليم الأستاذ الإمام محمد عبده (بدون تاريخ) الهيئة المصرية للتأليف والنشر ،مصر ص : 211 .

(22) محمد الفاضل بن عاشور : روح الحضارة الإسلامية (1992) ،نشر المعهد العالمى للفكر الإسلامى ، فرجينيا ،الولايات المتحدة ،ص : 53 – 54 .

(23) محمد الفاضل بن عاشور :التفسير ورجاله (1972) ،دار الكتب الشرقية ،تونس انظر

 ص : 241 : 251 .

(24) انظر : محمد البهى ؛الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى (بدون تاريخ) ،مكتبة وهبة ، القاهرة ،ص : 137 .

(25) رضا : تفسير المنار ،مرجع سابق ،ج : 1 ،ص : 17 – 31 .

(26) راجع تفسيره للآيتين 72 ،243 من سورة البقرة فى تفسير المنار : 1 / 347 ،2/ 458 ،وتفسيره للمعوذتين فى تفسير جزء عم (1985) ،دار ومكتبة الهلال ،بيروت ،ص : 182 – 186 .

(27) ابن نبى ،الظاهرة القرآنية ،مرجع سابق ،ص ؛58 “بتصرف ” .

(28) طنطاوى جوهرى ؛الجواهر فى تفسير القرآن (بدون تاريخ) ،دار الفكر ؛بيروت : 1 / 2 .

(29) انظر ؛الظاهرة القرآنية ،مرجع سابق ،ص : 58 .

(30) حسين حنفى ؛مناهج التفسير ومصالح الأمة ،مرجع سابق ،ص : 143 .

(31) انظر : دائرة المعارف الإسلامية ، مرجع سابق ،ص : 85 .

(32) المصدر السابق نفسه .

(33) عفت الشرقاوى ،قضايا إنسانية فى أعمال المفسرين (1980) دار النهضة العربية ،بيروت ،ص : 105 .

(34) محمد إبراهيم شريف ؛اتجاهات التجديد فى تفسير القرآن فى مصر (1982) ،دار التراث ،القاهرة

ص :501 – 502 .

(35) المصدر السابق نفسه ،ص : 502 – 503 .

(36) انظر : محمد أحمد خلف الله : الفن القصصى فى القرآن (1972) ،مكتبة الأنجلو المصرية ،مصر ،

ص : 131 .

(37) مالك بن نبى ؛وجهة العالم الإسلامى ،ترجمة عبد الصبور شاهين (1986) ،دار الفكر ،دمشق ،ص : 156 – 157 ،ويعنى مالك بالتكديس عالم الأشياء والحاجات وكل ما هو مستورد .

(38) الظاهرة القرآنية ،مرجع سابق ،ص : 58 – 59 .

(39) سليمان الخطيب : فلسفة الحضارة عند مالك بن نبى (1993) ،نشر المعهد للفكر الإسلامى ،فرجينيا ص : 129 ،نقلاً عن “الحوار لمجلة الشبان المسلمين مع مالك بن نبى ،العدد 171 ،شهر مايو ،1971 .

(*) يراجع فى هذا كتابنا ” منهجية البحث فى التفسير الموضوعى للقرآن الكريم (1995) دار البشير ،عمان

(40) انظر هذا الكلام د . محسن عبد الحميد فى بحثه السابق : العلوم الإسلامية وحياتنا المعاصرة ،

ص : 8 ،9 .

(41) انظر : عدنان زرزور ؛منهجية التعامل مع علوم الشريعة فى ضوء التحديات المعاصرة (بحث مخطوط ألقى فى مؤتمر علوم الشريعة فى الجامعات : الواقع والطموح ،الذى عقد فى عمان فى شهر

آب ،1994 ) ص : 5 – 7 .

○○○

دليل المصادر والمراجع

(1) الأصفهانى الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى ؛مفردات القرآن ،تحقيق محمد كيلانى (بدون تاريخ / دار المعرفة ،بيروت .

(2) البهى محمد ؛الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى (بدون تاريخ) مكتبة وهبة ،القاهرة .

(3) جوهرى طنطاوى ؛الجواهر فى تفسيره القرآن (بدون تاريخ) ،منشأة المعارف ،الإسكندرية .

(4) الجوينى مصطفى الصاوى ؛مناهج فى التفسير (بدون تاريخ) ،منشأة المعارف ،الإسكندرية .

(5) الحاكم محمد بن عبد الله بن البيع النيسابورى ؛المستدرك على الصحيحين (بدون تاريخ) ،دار المعرفة ، بيروت .

(6) حنفى حسين :”مناهج التفسير ومصالح الأمة ” (1918) ملتقى الفكر الإسلامى الخامس عشر ،الجزائر .

(7) الخطيب سليمان ؛ “فلسفة الحضارة عند مالك بن نبى (1993) ،نشر المعهد العالمى للفكر الإسلامى ، الولايات المتحدة ،بالتعاون مع المؤسسة الجامعية ،بيروت .

(8) ابن خلدون أبو زيد عبد الرحمن بن محمد ؛المقدمة (1984) ،مكتبة الأنجلو المصرية ،مصر .

(9) خلف الله محمد أحمد ؛الفن القصصى فى القرآن (1972) ،مكتبة الأنجلو المصرية ،مصر .

(10) خورشيد إبراهيم ،وزملاءه : دائرة المعارف الإسلامية (بدون تاريخ) ،دار الشعب ،مصر .

(11) الذهبى محمد حسين ؛التفسير والمفسرون (1978) ،إدارة القرآن والعلوم الإسلامية ،باكستان .

(12) الرازى فخر الدين محمد بن عمر؛مفاتيح الغيب (1985) ،دار الفكر ،بيروت .

(13) رضا محمد رشيد ؛تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار (1973) ،دار الفكر ،بيروت .

(14) زرزور عدنان ؛منهجية التعامل مع علوم الشريعة فى ضوء التحديات المعاصرة (بحث مخطوط ألقى فى مؤتمر علوم الشريعة فى الجامعات ؛الواقع والطموح ،أب ،1994 ،عمان) .

(15) الزركشى بدر الدين محمد بن بهادر ؛البرهان فى علوم القرآن ،تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (1957) مطبعة الحلبى ،مصر .

(16) السبكى تاج الدين عبد الوهاب بن على ؛طبقات الشافعية الكبرى ،تحقيق محمود الطناحى وزميله (1965) ،مطبعة الحلبى ،مصر .

(17) السيوطى جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر ؛الإتقان فى علوم القرآن (1973) ،المكتبة الثقافية ، بيروت .

(18) الشرقاوى عفت ؛قضايا إنسانية فى أعمال المفسرين (1980) ،دار النهضة العربية ،بيروت .

(19) شريف محمد إبراهيم ؛اتجاهات التجديد فى تفسير القرآن فى مصر (1982) ،دار التراث ،مصر .

(20) الطبرى أبو جعفر محمد بن جرير ؛جامع البيان عن تأويل آى القرآن (1980) ،دار المعرفة ،بيروت .

(21) ابن عاشور محمد الفاضل ؛التفسير ورجاله (1972) ،دار الكتب الشرقية ،تونس .

(22) عبد الحميد محسن ؛العلوم الإسلامية وحياتنا المعاصرة : العقيدة والتفسير (بحث مخطوط قدم إلى مؤتمر علوم الشريعة فى الجامعات :الواقع والطموح ،أب ،1994 ،عمان) .

(23) عبد الحميد محسن ؛العلوم الإسلامية وحياتنا المعاصرة : العقيدة والتفسير (بحث مخطوط قدم

إلى مؤتمر علوم الشريعة فى الجامعات : الواقع والطموح ،أب ،1944 ،عمان ) .

(24) عبده محمد ؛تفسير جزء عم (1985) ،دار ومكتبة الهلال بيروت .

(25) العقاد عباس محمود ،عبقرى الإصلاح والتعليم الأستاذ الإمام محمد عبده (بدون تاريخ) ،الهيئة المصرية للكتاب ،مصر .

(26) الغزالى أبو حامد محمد بن محمد ؛إحياء علوم الدين (بدون تاريخ) ،دار الندوة ،بيروت .

(27) ابن نبى مالك ؛الظاهرة القرآنية ،ترجمة عبد الصبور شاهين (1981) ،دار الفكر ،دمشق .

(28) ابن نبى مالك ؛وجهة العالم الإسلامى ،ترجمة عبد الصبور شاهين (1986) دار الفكر ،دمشق .

○○○

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر