أبحاث

الأقليات المسلمة وحقوق الإنسان

العدد 30

مقدمة: يركز هذا البحث على الأقلية المسلمة التي كانت نواة الدولة الإسلامية في صدرها الأول، كما يركز على توضيح حقوق الأقليات المسلمة في العالم اليوم، ولقد بدأت الأمة الإسلامية كأقلية صغيرة لا تستطيع الدفاع عن نفسها في أول مراحل تأسيس الإسلام، ولكن تلك الأقلية كانت عبارة عن مجموعة ملتزمة ذات رسالة هدفها ليس فقط مقاومة الظلم ولكن خلق جماعة عالمية “أمة” يقوم أساسها على مبدأ توحيد الله وأخوة المؤمنين.

إن انتشار هذه الفكرة من الجزيرة العربية إلى بقية العام ما زال إحدى عجائب التاريخ، وكنتيجة لهذه الفكرة تحولت هذه المجموعة الصغيرة الملتزمة –تلك الأقلية- إلى قوة حضارية وسياسية واقتصادية. مكتنت أصحابها في وقت قصير من أن يحتلوا منصب الأكثرية الغالبة. وخلال هذه الفترة الغالبة تمكن المسلمون من تنظيم وتسيير كل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على ضوء التعاليم الإسلامية بما فيها من سماحة وأن ينشئوا ثقافة كانت أنضج وأفضل ما في وقتها وما تزال هكذا حتى يوم الدين. لقد كان أثرهم عظيماً حتى أن غير المسلمين تبنوا الأنماط والعادات الثقافية الإسلامية.

وبسبب العوامل التاريخية التي لا يزال بعضها يعمل إلى اليوم، فقد العالم الإسلامي سيطرته، ولقد ولد الاستعمار الصليبي عالماً إسلامياً مشتتاً ضائعاً خاملاً. فالمسلمون وهم في دول هم فيها أكثرية أصبحوا يواجهون العلمانية والتيارات اللادينية، وأحياناً يقابلون تمزق المؤسسات والحياة الاجتماعية الإسلامية، والدين الإسلامي في العديد من الدول الإسلامية منحصراً داخل قوانين الأحوال الشخصية والعائلية، وحتى هذه القوانين غدت محل تغييرات وتنافس من هذه الجهات.

إن القوى الاستعمارية خنقت انتعاش الثقافة الإسلامية من خلال الوسائل الجديدة في التبليغ وايجاد نخبة من المسلمين ومن غير المسلمين لحكم وضبط هذه الدول حتى بعد رحيل المستعمر. إن هذه السياسة أنتجت العديد من الدول، يجد المسلمون أنفسهم فيها أقلية وليست مهيمنة أيضاً. بالطبع إن نشأة الأقليات المسلمة عملية أعقد مما شرحنا، ولكن هذه الحوادث التاريخية لعبت دوراً رئيسياً في ايجاد هذا الوضع الجديد. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه اليوم هو: كيف يمكن للمسلمين كمسلمين أن يعيشوا كأقلية؟.

ولما كان عدد المسلمين الذين يعيشون تحت حكومات وتشريعات غير إسلامية يقربون من 300 مليون، ينتشرون في حوالي أربعين قطراً، فلن يكون في الإمكان –في بحث واحد- أن نعطي هذا الموضوع حقه. لكنني سأحاول أن أقدم اطاراً لدراسة الموضوع وقد وقع اختياري على بعض الحالات التي يمكن أن توضح بعض أبعاد وجوانب المشكلة.

فكما ذكرت سابقاً فإن عدد الأقليات المسلمة يقدر بحوالي 300 مليون نسمة وهذا يعني أن ثلث المسلمين في العالم يعيشون كأقليات في الوقت الحالي حيث أن عدد المسلمين في العالم يقدر بحوالي 900 مليون نسمة في الوقت الحاضر.

ويعيش معظم تلك الأقليات في آسيا وأفريقيا، ولكن عدد المسلمين المحليين والمهاجرين في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا يزداد باستمرار كما أن عددهم وانتشارهم الجغرافي يجعل أوضاعهم وحقوقهم تستقطب الاهتمام العالمي.

تعريف الأقلية:

وقبل الخوض في تفاصيل أوضاع وأحوال هذه الأقليات علينا أن نواجه مشكلة تعريف المقصود بكلمة “أقلية”. وتبسيطاً للموضوع فإنني أعرفها في هذا البحث على أساس النسبة العددية وتوزيع القوى بين السكان كما يمكن كذلك تعريف الأقلية بأنهم مجموعة من الناس يتميزون في داخل المجتمع الذي يعيشون فيه بسبب فوارقهم الطبيعية والثقافية ويجنون ثمار معاملة غير متساوية مع الأكثرية بالمجتمع. وعليه لا نعتبر البيض في جنوب أفريقيا أقلية. وكذلك سنعرف حقوق الإنسان على أساس أنها (تلك الحقوق الأساسية المعلنة والمقبولة لدى المجتمع الدولي كحقوق للإنسان). وبالإضافة إلى ذلك حماية الأقليات التي ورد تعريف لها من قبل لجنة حقوق الإنسان على (أنها حماية المجموعات غير المسيطرة والتي مع رغبتها في التمتع بالمعاملة المتساوية مع الأكثرية بصفة عامة ترغب في معاملة خاصة أيضاً يمكن معها أن تحتفظ بخواصها الأساسية التي تميزها عن الأكثرية. وهذه الحماية تمنح دون تفرقة للأشخاص المنتمين لهذه المجموعات والتي ترغب في هذه الحماية).

إضافة إلى ذلك فإننا سنعرف “المسلم” في هذا البحث ليس على أساس عرقي أو ثقافي أو لغوي، ولكن فقط على أساس العقيدة والدين. وبغض النظر عن العرق أو الثقافة أو اللغة؛ فإن الانتماء للإسلام علاوة على الإقامة تحت حكم غير إسلامي يمكن أية مجموعة من الدخول ضمن موضوع هذا البحث.

ويتضح من هذا التعريف أننا لا نعني فقط بالعددية ولكن أيضاً بالنسبة للقوة ومدى توزيعها بين أفراد المجتمع.

ولقد أفرد المفكرون والعلماء خمس خصائص مميزة للأقليات هي:

1-     أنها مجموعة اجتماعية محكومة. وأفرادها يعانون من التمييز والتفرقة والظلم والاحتقار.

2-     أن أعضاء الأقلية يتمتعون بصفات طبيعية وثقافية خاصة تعتبرها الأكثرية صفات منحطة.

3-     أن يكون أعضاء الأقلية مدركين لذلك الاعتبار، ولكنهم يعرفون وينتمون للمجموعة، وهنالك شعور داخلي بالانتماء لتقوية ترابط المجموعة، وهذا الادراك ينعكس في سلوكهم. والعديد من أعضاء الأقليات إما أنهم لا يدركون أو أنهم يرفضون وجود مثل هذه العلاقات. وهذه النظرة تبدو أوضح حينما يهاجم جزء من المجموعة بطريقة ما.

4-     والعضوية في مجموعة الأقلايت ليست في العادة اختيارية حيث أن الشخص يولد فيها.

5-     وأفراد الأقليات في الغالب يتزوجون من بعضهم البعض.

وهذه الخصال الخمس تتوفر في مجموعات الأقليات بطريقة أو بأخرى.

النظرية التاريخية:

على الرغم من أن فجر التاريخ قد شهد بعض المجموعات البشرية التي تعيش كأقليات، إلا أن فكرة حماية الأقليات وشجب التمييز كقضية من قضايا حقوق الإنسان لم يتم إدراكها إلا بعد المصائب والويلات والقتل الجماعي لليهود والبولونيين والأركانيين وغيرهم على أيدي النازية. إن هذا القتل الجماعي والاستهتار بأدنى أساسيات المعاملة الإنسانية على المستوى القومي أو العالمي خلق هلعاً في عقل أوروبا الحر، لذا فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى ظهرت رغبة جادة في ألا تتكرر تلك المآسي وأن يمنح الإنسان حقوقاً إنسانية أساسية.

وفي السابق، كانت معظم التطورات والمحاولات العالمية في إطار –عصبة الأمم- لحماية الأقليات سياسية أكثر منها إنسانية بل إن هذه الحماية ذاتها مقصورة على مجموعات معينة مما سهل للألمان حجة التدخل في الشئون الداخلية للدول وسهل عليها تنفيذ سياستها التوسعية. بل إن الأقليات ذاتها استعملت لغايات سياسية حتى أن البعض لعب دوراً نشطاً كطابور خامس ضد أوطانهم.

وقد أصبح مقبولاً بصفة عامة بعد الحرب العالمية الثانية أن الأقليات ذاتها ليست مصدر الحروب ما لم تستخدمها لهذه الغاية دولة أخرى تهدد الأوضاع القائمة مما بدل الأهمية السياسية لحماية الأقليات التي كانت محور الاهتمام في نهاية الحرب العالمية الأولى ليحل محلها التركيز على حمايتهم لأسباب إنسانية. طبعاً في البداية كانت هذه الحماية مقصورة على أقليات معينة ولكن مع الوقت عممت بغض النظر عن العرق أو الجنس أو الدين.

النظرة الإسلامية:

إن الإسلام هو خاتم الرسالات السماوية وهو منزل من الله سبحانه وتعالى ولم يطرأ على دستوره (القرآن الكريم) أي تحريف أو تغيير بقي بذلك الدين الوحيد الصحيح للبشر جميعاً. والإسلام يناهض أي تمييز بين البشر على أساس عرقي أو لوني أو قومي. والناس في نظرة سواسية في بنوتهم لآدم وآدم من تراب.

وحتى في مسألة العقيدة فإن الإسلام يعزي الفروق الطائفية إلى عوامل ثانوية. وفي نظر الإسلام كل الناس مفطورون على معرفة وقبول الحق، وليس هنالك من شعب كتبت على أفراده اللعنة أو الكفر مدى الحياة بسبب مولدهم بل إن القرآن يقرر أن الأمم كلها في تاريخ الإنسانية الطويل قد تلقت الوحي الإلهي عن طريق أنبياء أو رسل بلسان قومهم. بل ويؤكد الإسلام أن الوحي الإلهي المنزل على الأنبياء والرسل هو جوهر رسالة واحدة هي الإسلام ويفسر الإسلام الاختلاف في العقيدة إما بسبب سوء الفهم أو النسيان أو التحريف أو بعض العوامل الأخرى.

والإسلام يشجع المسلمين لإقامة علاقات طيبة وأن يعالجوا مشكلة التكامل الإنساني بمفهوم واضح في فحواه أن هذه العلاقة لا تتم إلا في جو من المساواة والإنسانية والمحبة والالتزام بها بين البشر. إن الأمة الإسلامية كجزء من الأسرة البشرية تؤمن بالوحدة وبأن تقوم العلاقة بين البشر على أساس من المساواة والمحبة والأخوة الصادقة ويجب أن تلعب دور القدوة للإنسانية جمعاء التي هي في أمس الحاجة لهذه الأخوة الإنسانية اليوم وهذه المسئولية هي مسئولية الذين يعلمون.

إن نظرة الإسلام نظرة معتدلة متسامحة وواقعية في معاملتها لغير المسلمين وقد يكون عرض بعض الأمثلة لهذه النظرة المتسامحة مفيداً وخاصة في مجال الحياة الاجتماعية.

فالقانون الإسلامي يسمح بالزواج من الكتابية في دين تشكل الأسرة أحد المؤسسات الاجتماعية الأساسية فيه. وهذه الخطوة تمثل سماحة الإسلام إلى حد بعيد. كما أنه يسمح لغير المسلمين في الدولة الإسلامية بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية مع توفير حياة آمنة لهم. كما يمكن أن يسهموا أيضاً في الدفاع عن الدولة، وكل ما عليهم هو دفع الجزية. ولا بد أن نذكر أنه ليس عليهم أن يدفعوا الزكاة كما هي على المسلم. بل إن لهم الحرية في تنشئة أطفالهم على دينهم وممارسة كل الشعائر والطقوس الدينية وحق التعلم والتجمع والقيام بالنشاطات الجماعية، التي لا تهدد أمن واستقرار الدولة.

وكنتيجة لهذه النظرة الإسلامية تجاه غير المسلمين لم يكن هناك في التاريخ الإسلامي قتل جماعي لأقلية دينية في بلاد المسلمين بل إننا حتى اليوم نشهد وجود العديد من الجاليات غير المسلمة في قلب دار الإسلام منذ بدايته حتى أن لغاتهم ومؤسساتهم ما زالت باقية إلى اليوم، بينما لا يوجد أثر مشابه لوجود المسلمين اليوم في الأندلس على الرغم من بقائهم فيها حوالي ستة قرون!!

باختصار فإن أهم حق أساسي للأقليات الدينية هو قبولها كما يفعل الإسلام حيث أن هذا القبول سيقود إلى حرية ممارسة الدين وحرية الثقافة واللغة والحفاظ على المؤسسات الدينية والأنظمة التعليمية المستقلة.

وقد يعترض البعض فيقول إن معظم الدول اليوم دول علمانية ولا تفرق بين مواطنيها على أساس ديني. وعليه فإنه ليس من الضروري اعتبار الدين عامل تمييز. ولكن عليا أن نتذكر أنه حتى في الدول العلمانية يعلب العدين دوراً أساسياً في النسق الثقافي سلباً أو ايجاباً، وعليه فإن قبول ثقافة أو دين الأقلية أساسي في معاملتها. حيث إنه من منطلق إذا لم تقبلني وأنا مختلف عنك ثقافياً فإنك لن تكون مستعداً لأن تعاملني وتحترم رأيي ومن ثم سوف لن تعتبر لي حقوق أقليات!

أمثلة على أوضاع الأقليات:

بهذه الخلفية دعونا ننظر إلى حقيقة أوضاع بعض الأقليات المسلمة في العالم. فمثلاً نجد أن مسلمي الاتحاد السوفيتي حقهم الوحيد هو لغتهم (ولكن كعلى أساس أن تكتب بالحرف الروسي حتى تنقطع صلة الأجيال الشابة عن تراثها) وبعض الانتماء الديني الصوري. إن هدم المساجد وقفل المدارس الدينية والأوقاف الإسلامية هي علامة التسامح الروسي!! إن تهجير المسلمين من أراضيهم وترحيل الروس البيض إلى مناطق المسلمين عبارة عن استراتيجية للسيطرة عليهم وعزلهم عن إخوتهم المسلمين في العالم. فبينما يمنع تعليم الإسلام لأطفال المسلمين تفرض الدولة الإلحاد. إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الجمهوريات الإسلامية تختلف كلية عن بقية الاتحاد السوفيتي على الرغم من أنها أغناها بالموارد الطبيعية وأن عملية التصنيع لتزيد من سوء وضع المسلمين الذين يسمح لهم فقط بأن يكونوا عمالاً يدويين.

ويواجه مسلمو “المورو” في الفلبين الإبادة الجماعية على يد الدولة وذلك لأنهم يطالبون بحقوقهم الأساسية من أجل ذاتيتهم المستقلة. إن كل الوسائل غير المشرعة والتدخل والاستغلال لواضح جداً في حياة مسلمي المورو فهم أقل السكان تعلماً وأقلهم دخلاً وأكثر قطاعات الشعب الفلبيني إهمالاً، بينما إمكانيات أراضيهم عظيمة.

ويشكل المسلمون في بورما حوالي 10% (2.8 مليون) من مجموع السكان، ولكن منذ انقلاب (ني ون) فإن المسملين غير مسموح لهم بالحج ووجد مسلمو “أراكان” أنفسهم يواجهون العديد من المصاعب منها تحديد حركتهم داخل القطر إلا بترخيص وترحيلهم بالقوة من أراضيهم، بل وعمليات العنف واغتصاب النساء. ومن الصعب الجز إذا ما كانت هذه المشاكل تتم بمعرفة أو إرادة السلطات، ولكن الحقيقة ما تزال باقية وهي أن مسلمي أراكان يعانون الكثير هنالك. وحديثاً بدأ الآلاف الهجرة من بورما إلى ما يجاورها من أقطار هرباً من الظلم والقهر والعديد منهم يموت في مخيمات الحدود من المرض وقلة الطعام.

إن قضية مسلمي أرتيريا هي مثال آخر لما تعانيه الأقليات عندما تحتل أراضيهم ويسترق أبناؤهم ويقتل شبابهم جماعياً على أيدي قوات الحكومة الأثيوبية التي تدعما روسيا بالأسلحة والخطط. لقد كانت أرتيريا مستعمرة إيطالية من 1890 – 1941م، ولكن بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية احتلتها القوات البريطانية بدلاً من الإيطالية وأصبحت البلاد منطقة وصاية للأمم المتحدة تحت إدارة بريطانيا، وفي عام 1952م خرجت القوات البريطانية من أرتيريا وعندها انضمت المنطقة إلى أثيوبيا في اتحاد فيدرالي وذلك بقرار من الأمم المتحدة وبمعارضة الشعب الأرتيري الذي كان يطمع في الاستقلال.

لقد أعطي في البداية لأرتيريا بعض أوضاع الدول المتحدة فيدرالياً وذلك عن طريق برلمان وعلم وطني وشعار وقوات للحماية الداخلية، ولكن مع مغادرة القوات البريطانية احتلت القوات الأثيوبية المدن والمواقع الأساسية وألغي في عام 1958 العلم الوطني والبرلمان، وفي 1962م أعلنت الحكومة الأثيوبية أن أرتيريا جزء من أثيوبيا. ولم يكن أمام الشعب الأرتيري سوى حمل السلاح للذود عن وطنه واستقلاله ضد حكومة أثيوبيا ومن يساعدها.

إن المواد 23 إلى 30 في القانون الهندي تتضمن ما يكفل حماية الأقليات بل إن المادة 25 تعطي لكل فرد الحق في حرية الاعتقاد والتعبير بل ونشر دينه، والمادة 26 تثبت حق إقامة المؤسسات الدينية والخيرية وأن للأقليات حق إدارة شئونهم الدينية. وتعطي المادة 31 الأقليات الدينية واللغوية الحق في تأسيس وإدارة المؤسسات التربوية التي تختارها. ولا يمكن لجالية مسلمة أن تطلب أكثر من هذه الحمايات القانونية إذا نفذت.

وعلى الرغم من ادعاء حكومة الهند أنها تعامل مسلميها بعدل إلا أن هنالك بعض الشواهد التي تثبت عكس ذلك منها تدخل الحكومة الهندية في المؤسسات التربوية الإسلامية مثل تدخلها في (جامعة عليكرة) كما توضحها قضية (عزيز بادش) ضد الاتحاد وهي قضية مشهورة وانتشار العنف الجماعي ضد الأقلية المسلمة التي أصبت كبش الفداء لكل ما يحدث في الهند دونما حماية تذكر من الدولة العلمانية.

وإن أوضاع مسلمي بلغاريا واليونان وألبانيا هي قصة أخرى توضح اساءة الإنسان لأخيه الإنسان جسمياً وعاطفياً. وجميعهم يعانون من العزلة والاضطهاد. فمثلاً يقاسي مسلمو (البوماك البلغار) الأمرين تحت وطأة الحكم الشيوعي. أما في اليونان فإن مسلمي اليونان يعاملون بقسوة على أساس أنهم أتراك ير مرغوب فيهم، على الرغم من أنهم مواطنون يونانيون. إن مسلمي (غرب تركيا) لا يتمتعون بحقوقهم الأساسية كمواطنين يونانيين.

أما المسلمون في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فإنهم يعانون من التمييز والتفرقة. فالمسلمون الآسيويون في المملكة المتحدة والمسلمون الأمريكان السود في الولايات المتحدة يعانون من علة اللون والشكل. إن الرؤية الثقافية للمسلمين في كل أنحاء العالم تجعل منهم وحدة ثقافية متميزة تمكن غيرهم من النيل منهم. وهكذا يتضح أن الأقليات المسلمة في جميع أنحاء العالم تعامل جميعاً كأقلية وفي الأغلبية منها كأقلية مضطهدة. ومما يؤسف له أن بعض هذه الأقليات لا يكترث بهذا الوضع بل إن بعضهم أحياناً يتعاون مع الأكثرية المسيطرة في قهر أخوته والنيل منهم، وعدم حصولهم على حقوقهم كاملة كمواطنين في مجتمعهم. لقد أصبح هذا قدر الأقليات المسلمة حتى أن المسلم الجديد ساعة إعلانه للإسلام يبدأ يحس بشعور الاضطهاد والتمييز والتفرقة التي يعاني منها أخوته المسلمون.

من خصائص الأقليات: ومما نلحظه في هذا المقام أن الأقليات المسلمة كمجموعات تعيش تحت ظروف بيئية مختلفة وتواجه أوضاعاً اجتماعية واقتصادية مختلفة، وإجمالاً هنالك ثلاث بيئات عامة:

1-     مجتمعات العالم الثالث التقليدي الذي يحوي تكوينات تاريخية.

2-     الديمقراطيات الليبرالية العلمانية والتي تضم أقليات إسلامية عابرة حديثة.

3-     المجتمعات الأيديولوجية غير الدينية وهي تتخذ الالحاد عقيدة ومنهاجاً.

وقبل أن نعالج هذه المجموعات الثلاث قد يكون من المستحن أن نستعرض استعراضاً إجمالياً وباختصار العوامل الاجتماعية الاقتصادية التي يجب اعتبارها وهي:

1-     الخصائص الديمغرافية (السكانية) وحجم الأقلية، والنسبة الجنسية وتوزيع الأعمار ومعدلات الانجاب والوفاة.

2-     الخصائص الإقليمية: التوزيع الإقليمي والتوزيع الحضري- الريفي.

3-     الخصائص الاجتماعية الاقتصادية: التعليم، المهن، الأوضاع العمالية، الدخل، الفقر.

4-     الخصائص الاجتماعية الثقافية: الدين، اللغة، الثقافة، اللون.

5-     التركيب السياسي: التصويت، توزيع القوى، المراكز الحكومية، التنظيمات الرسمية وغير الرسمية.

وبجانب هذه الخواص علينا أن نذكر مشاكل الاستيعاب والثقافة الفرعية والتفرد الثقافي وغير ذلك من المشاكل المرتبطة بأوضاع الأقليات.

وعلى الرغم من عدم توفر الاحصائيات الأساسية فإن هذا لن يمنعنا من الادلاء ببعض الملاحظات العامة. فالخواص الديمغرافية (النسبة المئوية للأقلية) مؤشر كامل للتمثيل السياسي والقوى العاملة والتوضيحية الثقافية، والنسبة الجنسية مؤشر كامن للتركيب العائلي والاستقرار وطبيعة تكوين الجالية (باقية/ عابرة) فمثلاً في العديد من الجاليات المسلمة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية جاليات أغلبيتها من الذكور، وذلك لكونهم قوى عاملة مهاجرة لم تستقر بعد. وبعض الجاليات المسملة في شرق أوروبا حيث أن الغالبية من الإناث مع تحريم تعدد الزوجات، حيث توفي العديد من الذكور خلال الحروب. والتوزيع العمري مؤشر للمارسة الدينية واستمرارية الجالية وتقاليدها. ومعدل الانجاب مؤشر لحياة الجالية على المدى الطويل.

أما بالنسبة للتوزيع الإقليمي فهو مؤشر للوضع التاريخي والضغوط السياسية. فالتوزيع الحضري- الريفي مؤشر لنوعية أسلوب حياة المدينة والريف، وأيضاً نوع الاستيطان، فمثلاً في الحياة الحضرية هل تقطن الجالية المسلمة في داخل المجتمعات المغلقة أو في الضواحي. وما يترتب على ذلك من تبعات.

أما بالنسبة للخواص الاجتماعية الاقتصادية مثل التعليم، فإن رسم منحنى التحصيل المدرسي للجالية المسلمة وأنواع التعليم ومستوياته ستكون مؤشراً لوضع الجالية الثقافي ومن ثم وضعها العملي والمهني والوظائف التي يقوم أفراد الجالية بالعمل فيها بناء على مؤهلاتهم، وما يفتح لهم من مجالات فهل هم يعملون ضمن أصحاب الياقات البيضاء أو الوظائف الإدارية أو الياقات الزرقاء أو الأعمال الوضعية واليدوية، أم في حقل الخدمات أما عن أوضاعهم العمالية فلنسأل عن نسبة البطالة بينهم وصلاتها بالاعتماد الاقتصادي على الآخرين ومستويات الدخل مقارنة بسواهم.

أما بالنسبة للخواص الاجتماعية الثقافية: فهل كونهم مسلمين يحرمهم مثلاً من التعليم؟ والأعمال المحترمة؟ والدخل العالي؟ ويضعهم أمام قوانين ولوائح تميزية… الخ هل اللغة عامل مميز –كما هو الحال في أفريقيا- حيث المجموعات العرقية تفرق على أساس لغوي وتحاول الأكثرية فرض ثقافتها اللغوية على بقية السكان بالدولة.

أما بالنسبة للتركيب السياسي فهو عامل مهم لقياس مدى معاملة الأقليات. إذا كان النظام السياسي ديمقراطياً فإن الأقلية لن تستفيد من النظام حتى تتعلم الأسلوب السياسي وتقدم قضاياها عبر الأحزاب السياسية الرسمية أو التدعيم في التصويت، وفي حالات خاصة بالبلاغات والتصريحات الساخنة كما هو الحال بالنسبة للأمريكان السود الآن. أما إذا كان النظام السياسي نظاماً أيديولوجياً فإن المسألة قد تبقى على حياة الجالية والمحافظة على بقائها أو أن يكون الاختيار الآخر العصيان والانفصال والدعاية المناهضة. فحال المسلمين في الاتحاد السوفيتي يمثل إلى درجة ما الطابع الأول بينما المسلمون في أرتيريا يمثلون الطابع الثاني.

وبهذا الايضاح المختصر للخواص دعنا ننظر للأقليات المسلمة في هذه البيئات المختلفة. ففي العالم التقليدي “دول العالم الثالث” نجد أن نشأة الأقليات المسلمة تعود إلى ثلاثة عوامل:

1-     بقايا جاليات الدعاة المسلمين كما هو الحال في العديد من الدول الأفريقية وبالذات في وسط وجنوب أفريقيا وفي الشرق الأقصى وآسيا، حيث عملت الأديان المحلية المنافسة أو مجيء الصليبية الغربية على إيقاف المد الإسلامي.

2-     الأقليات المسلمة الحاكمة التي استبدلت ووضعت تحت سيطرة غير المسلمين من المحليين بدعم من القوى الاستعمارية، كما هي الحال في الهند وشرق أفريقيا.

3-     الأكثريات المسلمة التي تسيطر عليها أقليات غير مسلمة والتي تحظى بالمعاملة التميزية من السياسة الاستعمارية مثلما يحدث في غرب أفريقيا وبالذات في نيجيريا وسيراليون…الخ

-معاملة الاقليات المسلمة: ومعاملة الأقليات المسلمة تحت هذه الأنماط الثلاثة تتشابه وإن اختلفت نوعاً ما في الوسائل. ففي النمط الأول، الجالية المسلمة لم تتكون بعد بصورة جيدة، ولكونها بعيدة ولتأثير التيارات الغربية فإنها تعاني من قلة فهمها للإسلام وأيضاً كونها حدية اجتماعياً.

أما النمط الثاني والثالث فإنهم يعانون من عقدة الانتقام التاريخي من الأكثرية المسيطرة الحالية، فحالة المسلمين في الهند والجاليات العربية المسلمة في شرق أفريقيا أمثلة من النمط الثاني، وفي هذا النمط نجد أن المؤسسات الإسلامية والوظائف الاجتماعية مقلوعة من جذورها وتحت ستار العلمانية يعاني المسلمون من ذاتية انتمائهم للإسلام. ولذا فقد التعليم الإسلامي أهميته في الهند وأصبح تركيبه الأكاديمي والمالي غير مستقل وواهناً، أما الأوقاف الإسلامية فإنها تعاني من نفس السياسة، أما في النمط الثالث فإن الأقلية غير المسلمة وهي الحاكمة كما هو الحال في عدد من دول غرب أفريقيا فإن كل سياسات الحكومة تتجه نحو عزل السكان المسلمين عن المراكز القيادية وتكوين المجتمع على أسس غير إسلامية، بل أحياناً معادية للإسلام ومناهضة لنمو الجالية المسلمة واستقلالها، وهنالك بعض الأدلة على المعاملة التميزية والتفريقية مثل محاولة صد المسلمين عن السكن في العواصم، كما اقترح حول قرى توان في السيراليون، وفي بعض الحالات تصدر بعض القوانين لاعاقة النمو السكاني للمسلمين بطرق التعقيم أو قتل المسلمين في المظاهرات وغير ذلك من أفعال.

ولهذه الأنماط الثلاثة، خواص الأقليات الديمغرافية والاجتماعية الاقتصادية والاجتماعية الثقافية والسياسية في المتوسط تكون حالتها كعامة السكان في القطر ولكن بالنسبة للاعتبار السياسي والثقافي فإن أهمالهم يكون أكثر وضوحاً بمعنى أن السكان المسلمين يعانون من الأمية وسوف التغذية والتخلف والبطالة وبقية أمراض مجتمعات العالم الثالث أضف إلى ذلك العجز عن شرح وعرض مشكلاتهم.

أما النموذج الثاني، الديمقراطية الليبرالية العلمانية فإنها تمثل نوعاً جديداً لتوسع الإسلام، وذلك على صورة الهجرة الجماعية للقوى العاملة من الدول المسلمة أو اعتناق الإسلام من قبل مجموعة سكانية محلية لا بأس بها مكونة بذلك جالية دينية جديدة وأكثر البلدان تمثيلاً لهذا النمط دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا.

وعلى الرغم من أن هذه الدول غارقة في العلمانية إلا أن الديانة الغالبة ما تزال الصليبية. ومعظم هذه الدول ذات علاقة استعمارية تاريخياً بالإسلام. أضف إلى ذلك أن هذه المجتمعات طبقية حيث تكون الطبقة العليا هي القوية والأقليات في الطبقة السفلى. والجاليات المسلمة في هذه البلدان لم تتكون كأقليات دينية بعد على الرغم من وجود مساجد ومراكز ثقافية هنا وهناك.

والوسط الثقافي في هذه البلدان يجعل تكوين الجالية المسلمة شيئاً صعباً فالمسلمون في الغالب أميون أو شبه أميين يقومون بالأعمال اليدوية ذات الدخل المنخفض كما هو الحال في فرنسا وألمانيا وبريطانيا. وأيضاً نظراً لمستواهم الاجتماعي والمعيشي فإن هؤلاء المسلمين يضطرون للسكن في الأحياء المزدحمة والموبوءة أخلاقياً حيث المسكرات والمخدرات والأخلاق المنحطة. أما بالنسبة للولايات المتحدة وكندا فإننا نقابل وضعاً مختلفاً نوعاً ما. فالمسلمون المهاجرون يمثلون المحترمين المؤهلين بمؤهلات عالية ومن ثم فإنهم اقتصادياً في الطبقة العليا ويعتبر معظمهم من سكان الضواحي، بينما نجد معتنقي الإسلام غالبيتهم من الطبقات الفقيرة التي تعيش في الأحياء الفقيرة. أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة وكندا بلدان واسعة والمسلمون متناثرون في أرجائها مما يجعل ظهورهم كجالية دينية أمراً صعباً. والحقيقة أن معتنقي الإسلام الجدد في وسط المدينة وفي الأحياء المغلقة والمسلمون المهاجرون والذين يفترض أنهم يعرفون عن الإسلام أكثر، يسكنون الضواحي مما يزيد من صعوبة تكوين جالية إسلامية صلبة.

والجاليات المسلمة في هذه الأقطار تواجه مؤسسات راقية ذات تاريخ وخبرة في مجالات التعليم والضمان الاجتماعي والثقافة…الخ، ولكن تركيب هذه المؤسسات في وضع مناقض للإسلام مما يجعل الجاليات المسلمة تخشى انحلال شبابها وانضمامه فيها. وقد نجد أن معظم المسلمين يتمتعون بالحريات المحدودة في الاعتقادة والعبادة والتسهيلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مما يجعلهم لا يفكرون بجدية في مستقبل أطفالهم وأسرهم وجالياتهم في هذه الأقطار، والإسلام في هذه الديار يواجه مشكلة عدم الاعتبار والمسلمون يواجهون مشاكل الاستيعاب والتبعية. ومؤخراً بروز الجماعات اليمينية المتطرفة في هذه المجتمعات تطالب بالاستيعاب الكامل أو الهجرة المعاكسة. وقضية الآسيويين في المملكة المتحدة مثال جيد على ذلك.

أما البلدان الأيديولوجية المضادة للدين وبالذات الشيوعية فإنها تمثل النمط الثالث للبيئات التي تتواجد بها الأقليات المسلمة. ففي الاتحاد السوفيتي هنالك نحو 50 مليون مسلم، وفي الصين ما يقارب نفس الرقم، وهنالك بعض الملايين في دول أوربا الشرقية. وكل هؤلاء المسلمين يواجهون الخطر المباشر لذاتيتهم ووجودهم من بداية العقد الثالث من القرن العشرين فسياسة هذه الأقطار هي محو العاطفة والممارسات الدينية. فمثلاً كان لمسلمي الاتحاد السوفيتي أكثر من 24.000 مسجد إضافة إلى الأوقاف الإسلامية في سنة 1920م، أما اليوم فهنالك فقط 200 مسجد عامل ومعظم المنائر الإسلامية والمساجد حولت إلى متاحف أو استخدمت في أغراض أخرى، وفي بعض الدول الشيوعية للدولة دور نشيط في التأكد من محو كل آثار الدين وقد تكون ألبانيا ألعنهم في ذلك!!

أما بالنسبة لبقية الدول الشيوعية فأقل ما يصنعونه هو تحديد مجالات الدين وحصرها في أضيق الحدود.

طبعاً في كل من هذه الأحوال يواجه المسلمون قيادات وقوى لا دينية تريد أن تمحو الوجود الإسلامي الثقافي كلياً. بمعنى أن المسلمين يواجهون حملة لتجهيلهم بالإسلام فمثلاً قد يكون صعباً جداً الحصول على كتب عن الإسلام وخاصة القرآن الكريم والمسلمون محصورون في تأدية الحج، ولا يسمح لهم بالعمل بقوانين الإرث الإسلامية ….الخ، وإنها لمعجزة بقاء هذه الجاليات على إسلامهم تحت نيران الأوضاع الشيوعية.

حقوق معينة: إن أول الحقوق المشروعة التي تريدها الأقليات المسلمة في العالم هو حق حرية ممارسة دينهم وأن يزودوا بكل التسهيلات اللازمة التي تمكنهم من القيام بالصلوات اليومية والصيام في رمضان. وأن تكون لهم حرية ممارسة الانتقاءات الثقافية ذات الصلة بالعادات العامة في المجتمعات التي يعيشون فيها وذلك على أساس من مفاهيم الإسلام، وألا يفرض عليهم منها ما هو ضد رغبتهم أو ضد تعاليم دينهم مثلما كانت تفرضه المدارس البريطانية على الفتيات المسلمات “بمنعهن من ارتداء الحجاب واجبارهن على ارتداء الملابس القصيرة مخالفين بذلك تعاليم الإسلام”. كما أن الاحتفاظ بلغة الأقلية وطريقة كتابتها –تكون في بعض الأحيان- الدلالة الأساسية لذاتيتهم واعتبارهم كجالية مستقلة. والحفاظ على المؤسسات الإسلامية مثل الأوقاف والمحاكم الشرعية على الأقل للفصل فيما يحدث بين المسلمين على أساس من شريعتهم خاصة قوانين الأحوال الشخصية يمثل أدنى حد تتطلع إليه الأقليات دون شعور منها بأنها تعيش تحت نظام تمييزي.

وتحتاج الأقلية دائماً لنظام تربوي يضمن لها بقاءها وعدم ضياع دينها، وعليها فإنه من حق الأقلية الاحتفاظ بمدارسها بل ولها أن تقوم المدارس العاملة بتخصيص دروس عن الإسلام لأطفالهم يقوم بها مدرسون مسلمون موثوق بهم. وأيضاً من حق الأقلية ألا تذوب في المجتمع أو يفرض عليها طراز حياة غريب أو معارض لروح الدين.

إن طبيعة الإسلام لا تسمح بأن يقتصر الاهتمام على جزء من حياة المؤمن بل إنها تدعو للتأثير على كل جوانب حياته وتوجيهها، ولكن الجاليات في هذا القرن وجدت نفسها في وضع أقلية مسلمة لأول مرة في تاريخها. إن مشكلة التأقلم مع الوضع الجديد وما يترتب عليه من آثار عن كيفية الممارسات الدينية تعتبر مشكلة إسلامية من الناحية الدينية ولكن ضمان الحقوق الدينية الأساسية هو بمثابة مشكلة اجتماعية سياسية للمجتمعات التي يعيشون فيها. فأما مشكلة وضعهم كأقلية وما يترتب عليه من عدم تمكنهم من ممارسة الإسلام كمنهج حياة كامل نظراً للواقع الذي يعيشونه فإن هذه تعتبر مشكلتهم الأولى، وهي مشكلة الأمة الإسلامية، وعلى المسلمين أن يجدوا لها حلاً على الصعيد العقدي أو الشرعي. ولكن الشطر الثاني المتعلق بالمحافظة على كيانهم كأقلية دينية تتمتع بحرية العبادة والسلوك الثقافي وفقاً لمعتقداتهم فإنها تقع على عاتق العالم وجميع الدول التي يعيشون فيها على وجه الخصوص. على أنني أعتقد أنه بالنسبة للشطر الأول المتعلق بتأقلم المسلمين مع الوضع الجديد فإن سماحة الإسلام ونظرته للأديان الأخرى ستجعل عملية التعايش ميسورة مع الحفاظ على العقيدة.

واجبات محددة: إن من واجبات الأقليات أن يكونوا مواطنين مخلصين ويحترمون قوانين الدولة التي يعيشون فيها، وعليهم ألا يبتزوا أو يحتكروا أو يهاجموا ملكيات الآخرين بل وعليهم ألا يظهروا أي علامات للاحتقار أو عدم الاحترام لثقافة أو دين الآخرين. إن التزامهم واخلاصهم لدولتهم سيضمن عدم كونهم “طابوراً خامساً” لأي قوة خارجية قد تسعى لبعض المكاسب أو الاساءة للدولة.

إن كل هذه الواجبات ليست على أي حال من الأحوال ضد تعاليم الإسلام بل إن المسلم مدعو لاحترام أديان وثقافة الآخرين، وعليه فإنه على الرغم من أن الوضع الجديد يجعل المسلمين في وضع غير مميز إلا أن أخلاقهم تساعدهم على التعايش المحترم!!

دور المنظمات العالمية: ليس هناك ما يدعو لذكر أمثلة أكثر لهذه الصورة الحزينة المؤسفة ولكن علينا أن نسأل أنفسنا ماذا يمكننا أن نفعل لتغيير أوضاع هذه المجموعات المستضعفة، ولسوء الحظ فإن هناك العديد من العوائق أولها النفاق السياسي فيما يعرف بسياسة عدم التدخل في الأمور أو السياسات الداخلية. العائق الثاني هو صعوبة تحديد متى وكيف يمكن الحكم على أوضاع ومشاكل الأقليات، العائق الثالث هو الكيفية التي يمكن أن تقدم بها الأقليات شرح ما تعانيه، العائق الرابع الاستغلال السياسي واستغلال القوى للأقليات الدينية والعرقية حتى يوسعوا من نفوذهم وسيطرتهم على العالم.

إن على منظمات حقوق الإنسان والمهتمين بذلك الالتزام الخلقي أن يقفوا في وجه الدول التي تطبق قوانين غير عادلة في معاملة أقلياتها وذلك بالحديث العلني عن اساءتها. إن مثل هذه الاجراءات لا يمكن أن تفسر كتدخل في الشئون الداخلية. وعلى منظمات حقوق الإنسان نفسها ألا تميز في طريقة معالجتها للمجموعات المضطهدة. فمثلاً يجب أن لا يخصصوا الاتهامات العنيفة والتغطية الإعلامية المكثفة من أجل ما يحل من اساءة بيهودي واحد مع الصمت المطبق أو السلبية تجاه قضايا ملايين معذبة في أطراف العالم. فمما يؤسف له أنه كلما ازداد سوء معاملة جماعة ما كلما قلت معرفة أحوالهم. إن هذه مسألة خطيرة فهي تتحدث عن مؤامرة صمت واهمال. إنها تفرقة غير عادلة وغير أخلاقية، فعلى الرغم من إيماننا بوجوب قيام المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان في وجه التفرقة والتميز حتى وإن كان ضد شخص واحد، لكننا ندين حصرها وقصرها على مجموعة على حساب الآخرين من المسجونين والمظلومين. إن المنظمات حينما تقوم بمثل هذا العمل فإنها تمارس ما تقف ضده!! إضافة إلى ذلك فإنه يجب أن تكون الأقليات نفسها هي التي تحدد ما تعاني من أوضاع، فللأسف عانت الملايين باسم الاشتراكية والتقدم والاصلاح. والمأساة أن العديد من أبطال حقوق الإنسان بدلاً من أن يغضبوا لانتهاكات هذه الحقوق يصبون غضبهم على هذه الأقليات بحجة تعصبهم ورجعيتهم وتخلفهم. أي أنهم يجعلون من أنفسهم قضاة فيما يجب أن يقبل أو يرفض الناس بدلاً من أن تكون للناس حرية الاختيار. فهي على كل حال حياتهم ولهم حرية توجيهها. إننا إذا لم نعطهم هذا الحق فإننا لن نختلف عن جلاديهم!! وأيضاً فإن معظم المؤسسات والمنظمات الدولية فشلت في اعطاء الأقليات الفرصة في تمثيل قضاياهم أمام العالم ففي الغالب يمثلهم غيرهم وكأنهم بكم. في العديد من الأحوال يستمر عناء الأقليات دون أن يشعر العالم وذلك لعدم توفر فرصة عرض قضاياهم أمام العالم. إضافة إلى أن هناك بعض الدول التي تستعمل بعض الوصوليين من أبناء الأقليات لاعطاء صورة مزورة تفيض بالاشراق عن أوضاع أخوانهم أمام التجمعات الدولية على أساس تضليل الرأي العام العالمي!!

إن أخلاق السياسة الحديثة تقوم على المصالح مما يؤدي إلى أن تصبح بعض الدول صماء بكماء تجاه ما تعانيه الأقليات خاصة إذا كانوا على علاقة وطيدة مع الدولة المستبدة وكأنه في التحليل النهائي لا يلتفت لمعاناة الأقليات وأوضاعهم ما لم تكن هناك فائدة تجنيها الدولة من ذلك. إن هذا الموقف في العديد من الحالات يعطي للدولة المستبدة الانطباع بأن لها الحرية التامة في ممارسة ما تريده من استبداد بحرية مطلقة دون نقد أو خوف من الاحتجاج العالمي. إن هذا الوضع يؤدي إلى وضع مقايضة في طريقة معاملة الأقليات على أساس منطق “إن تسكت عني أسكت عنك”!!.

وأمام هذه العوائق الحقيقية يجب علينا أن نسعى إلى استخدام كافة الوسائل الكفيلة لتحسين نوعية حياة هذه الأقليات. إنني أعتقد أن شيئاً من التعاون بين الأديان سيكون مفيداً وذلك على أساس أن تشكل الجمعيات الدينية في مختلف أنحاء العالم واجهة أمام الدول المستبدة والتي تفرق أو تميز بين مواطنيها على أساس ديني. إن مثل هذا الموقف سيكون ذا صدى عالمي وسيكون دونما شك قوة مؤثرة في تغيير الأوضاع القاسية التي تعيشها هذه الأقليت. وثانياً إن أية مساعدة تقدم للأقليات يجب أن تكون لتحسين وضعهم وليس للعكس. فأحياناً تكون الاحتكاكاتك أو التهجمات الشديدة مما يعطي نتائج عكسية على الأقليات. إننا إن كنا جادين في مساعدة الأقليات يجب علينا أن نضع خططاً تفصيلية لكل حالة بطريقة مستقلة.

كلمة ختام:

وفي الختام علينا أن نتذكر أن ما هو بالنسبة لنا نقاش أكاديمي إنما هو واقع حي للضحايا الذين يعيشونه يومياً. إن علينا التزاماً خلقياً يتمثل في ضرورة عملي شيء ما يخفف آلام هذه المجموعات المتضررة بأسرع ما يمكن مع تذكرنا للعوائق المذكورة سابقاً، وحيث أنه بعد هذا الاستعراض السريع يبدو التشاؤم واضحاً سيما في أحوال المسلمين كأقليات في العالم فإن هنالك بعض الجوانب المتفائلة المشرقة يجب أن تقال:

أولاً: إن بقاء إيمان وذاتية (شخصية) هذه الأقليت المسلمة بالرغم من العقبات التي تحيط بهم ليشجع تماماً وإنها لدليل على أن الإسلام تعدى مرحلة أزمة الإلغاء منتصراً، وإن كانت العقبات مستمرة.

ثانياً: إن هذه الأقليات تمثل جزءاً نابضاً متحركاً من الأمة وهم دعاة وسفراء الإسلام في دار الحرب وصلاتنا مع العالم غير المسلم يجب أن تمر من خلالهم ممثلين لمصالح العالم الإسلامي.

وفي الختام أود أن أختصر ما قلته سابقاً:

أولاً: إن وضع المسلمين كأقلية حدث تاريخي لم يسبق له مثيل، ولذا فإنه يحتاج إلى وصفات جديدة. وإن أهمية الوضع تفرض علينا عدم الإبطاء بل استخدام كل الوسائل للعمل.

ثانياً: مشكلة التعريف وطريقة دراسة الأقليات. بالنسبة للتعريف فنحن كمسلمين يجب أن نوجه اهتمامنا إلى المشاكل الخاصة بالأقليات المسلمة، أما بالنسبة لطريقة البحث فإنه يجب أن نستفيد من ميدان دراسة الأقليات النامي في الأوساط الأكاديمية الغربية، ولكن يجب علينا أن يكون لنا وجهة نظر خاصة تساعدنا لدراسة الأقليات المضطهدة كقضية أخلاقية وليست كمسألة أطماع سياسية للتدخل في شئون الدولة الداخلية.

ثالثاً: إن هنالك بيئات مختلفة تعيش فيها الأقليات وإن كل بيئة تضع عقبات ومشاكل معينة وقد تنشيء حسنات وخدمات. وإن كنا جادين في خدمة الأقليت، فعلينا تزويدهم بما لدينا بأسرع ما يمكن وألا نظن أن ما يجب أن يفعلوه هو ما نعتقد بأهميته لنا. فالمثل يقول لا تعطي المريض أغلى دواء ولكن اعطه الدواء المناسب لحالته!!.

وختاماً.. أود أن أنبه إلى أن البلاغات والخطب النارية عن أوضاع الأقليات قد لا تفيد هذه الأقليات أحياناً، فمعظمنا يحاول أن يستغل حالة الأقليات المسلمة على المدى القريب أو البعيد ونسيء لعلاقاتنا مع الدول غير المسلمة نفسها.. لذا فقبل أن ندافع عن الأقليات المسلمة عاطفياً وقبل أن نرفع أصواتنا بالاحتجاج لا بد أن نسأل أنفسنا عن ثمرة هذا الجهد وفي سبيل من؟ هل سيؤدي الاحتجاج لتحسين وضعهم أم العكس؟

وأخيراً.. وليس بآخر.. فلا بد لنا أيضاً من استخدام الحكمة في الأقوال والأعمال في معاملة الاقليات غير المسلمة في أوطاننا حيث أننا سنحاكم في احتجاجنا إلى ما نقدم عليه معهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر