أبحاث

علماء النفس المسلمون في جحر الضب (2)

العدد 16

والآن وبعد أن ناقشت بعض التهديدات الحقيقية والكامنة بعلم النفس الغربي الحديث وآثارها على المذهب الإسلامي، وبعد أن ذكرت بعض الأمثال لترديد المسلمين للممارسات الغربية بدون تكييفها وتقليدهم لنموذج
العالم النفسي الغربي، فإنني أشعر أنه يجب أن لا ألقي القلم قبل أن أقدم إجاباتي غير النهائية لسؤالين يتسمان بالصعوبة، أولهما: ما موقف علماء النفس المسلمين القلة الذين يوجدون خارج حجر الضب تجاه علم النفس الغربي الحديث؟ وثانيهما: ما الذي يستطيعون أن يفعلوه بالنسبة للأغلبية الساحقة من زملائهم الذين كرسوا أنفسهم لعلم النفس الغربي؟

وقد قال معلم تربوي سعودي ذات يوم بعد محاضرة عامة ألقاها الأستاذ محمد قطب، المفكر المصري المسلم المعروف، إننا كمسلمين، لسنا في حاجة إلى علم النفس الحديث. وإن ذلك الموضوع، بجميع فروعة، يعد كمجموعة من النظريات والممارسات التي تعتبر نتاج المدنية الغربية الأجنبية الكافرة. وقد حث بقوة على إلغائه من مناهج دراسة تدريب المعلمين في السعودية إلى أن يحين الوقت عندما يضع العلماء المسلمون كتبا جديدة في علم النفس قائمة على أساس المذهب الإسلامي.

وبالنسبة لسؤالي الأول، هل يجب أن يتخذ عالم النفس المسلم الممارس ذلك الموقف؟ لو أنه فعل ذلك، فإنه في اعتقادي يكون كمن يلقي بمياه قذرة ويلقي معها بعدد من الأطفال الأصحاء، وكمن يلقي بجواهر قيمة مع الكثير من النفاية.

إن علم النفس الحديث لا يعد “غريبا” كلية. إنه بصفة عامة يتكون من التجارب المجمعة التي أجراها أشخاص حول أشخاص آخرين. وقد أخضع علم النفس الحديث بعضا من تلك التجارب لأساليب من الملاحظة والتجربة والقياس تعتبر أكثر دقة. وإننا سوف نجد أفكارا ترجع في تاريخها إلى أرسطو وغيره من الفلاسفة اليونانيين حتى في فروع مثل نظرية التعليم الحديث. وإننا سوف نجد الكثير مما قدمه المفكرون الشرقيون على مدى العصور، في مجالات مثل الشخصية، وعلم النفس الاجتماعي وحتى العلاج النفسي، بالرغم من أن ذلك قد لا ينسب جميعه إليهم. ومن ضمن ذلك فإننا سوف نجد عددا من أسلافنا المسلمين مثل (ابن سينا) في مجال العلاج النفسي والطب النفسي، و(ابن خلدون) في الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. و(ابن سيرين) في تفسير الأحلام (والغزالي) (والمحاسبي) في دراسات الشخصية. وهكذا فإن بعض الأطفال الذين سوف نقوم بإلقائهم عن خطأ قد يكونون من أقاربنا نحن.

وعلاوة على ذلك، فإن علم النفس الذي يتبع الأسلوب العلمي الحديث، بالرغم من أنه نتاج المدنية الغربية، قد كون الكثير من الأفكار والممارسات المفيدة التي لا تستطيع أية دولة أن تستغني عنها تماما إذا كانت راغبة في تطبيق التكنولوجيا وتطوير نظمها التعليمية والطبية.

إن اختبارات الذكاء مثلا، تعد تقدما مفاجئا في قياس القدرات الإنسانية. وإنه ليس من الممكن إنكار قيمتها في التعليم، والصناعة والمجالات الأخرى. ولقد كانت تستخدم في السلم والحرب وتقدم فوائد عظيمة، وتقوم أنواع أخرى من الاختبارات بقياس المهارات اليدوية، والاتجاهات، والاضطرابات العاطفية وغير ذلك من المتغيرات. وإنه قد تم ابتكار أجهزة خاصة للكشف عن التغيرات العاطفية في الإنسان والتي تستخدم بنجاح في كشف الكذب وغير ذلك من الأغراض.

وبالتأكيد فإن تواجد بعض الاختبارات التي فشلت في الحصول على شرعية وثقة وحقيقية حتى في بيئتها الغربية، بالرغم من شيوعها بين الإكلينيكيين مثل اختبار رورشانكن لبقعة الحبر وغير ذلك من الأساليب الأخرى المماثلة التي يطلق عليها الأساليب الإسقاطية. وبالطبع تكون مهمة عالم النفس المسلم أن يقرر بالنسبة لاختيار النوع الصحيح من الاختبارات وأن يقوم بتهيئتها ومطابقتها مع بيئته الإسلامية. وقد يكون من المفروض في الكثير من الأحيان إجراء مطابقة أكبر مع كل من الأنماط الحضارية المختلفة التي قد توجد في الدولة الإسلامية ذاتها.

وإنه من الهام بالنسبة لعلماء النفس المسلمين أن لا يعتمدوا فقط على تكييف الوسائل القياسية المتوفرة أمامهم، بل يجب عليهم أن ينزعوا إلى الابتكار والثقة بالنفس التي تمكنهم من استعمال أساليب ومبادئ التقييم حتى يخلقوا أساليبهم القياسية الخاصة بهم. وهم يستطيعون أن يختاروا مقياس المتغيرات الجديدة الخاصة بالمسلمين، وهكذا يقدمون مساهمتهم الذاتية في علم النفس ويحطمون قيد الاستعباد العقلي من الغرب. وبالرغم من أنه قد توجد حالات نادرة لعلماء النفس المسلمين الذين ابتدءوا بالفعل في هذا المنوال، فإن تلك المهمة في الحقيقة ليست بمهمة أفراد قلائل، بل إنها يجب أن تلقي على عاتق جماعة من المسلمين الذين يستطيعون أن يقارنوا بين الأشياء وينسقوا جهودهم حتى يقوموا بتنفيذ تلك المهمة الشاقة.

وتحتاج البلدان المسلمة أيضا إلى مساهمة علم النفس في مجال التعليم. فهو واحد من المجالات الملائمة للبحث العلمي التجريبي البحث وبعد أيضا واحد من المجالات التي يوجد بها القليل، أولا يوجد أي مكان على الإطلاق للنظريات التأملية المتعارضة مع الدين. ولقد تم إجراء أبحاث ممتازة على الحيوانات والإنسان لإجابة أسئلة مثل طبيعة التعليم، والدوافع وتعزيزها، وتحويل التدريب من مجال إلى آخر، وطبيعة التذكر وأسباب النسيان وغير ذلك من المواضيع المماثلة. إن واضعي نظريات التعليم والتجريبيين قد عاونوا على إحداث ثورة في المدرس. وهم قد نجحوا كثيرا من خلال معاونة علماء النفس التربويين الآخرين في وضع التأكيد على أهمية السعي إلى تحقيق أساليب أفضل للتعليم. وهم قد طوروا أيضا عددا من الوسائل والأساليب المفيدة مثل الوسائل التعليمية التي تستخدم فيها البرامج، والوسائل السمعية- البصرية مثل الأفلام، والنماذج، والتليفزيون وغير ذلك من التجارب المباشرة التي تعاون الطفل على التعلم بالممارسة.

وإن الإنسان ليشعر بوهن العزيمة عندما يرى مدارسنا التقليدية وأساليبنا التعليمية البائدة وقد نجحت فقط في تكوين مفكرين من أجيالنا من الناشئة المسلمين غير قادرين على إصدار الأحكام ولكنهم قادرون فقط على الحفظ والترديد. وللاستفادة التامة من علم النفس في هذا الشأن، فإنه بالطبع سوف يكون من الضروري بالنسبة لعلماء النفس التربوية المسلمين أن يعملوا على تطوير وسائلهم وأساليبهم لتطبيق النظريات والمبادئ التي أثبتت جدارتها في الغرب. ويجب أن أقول مرة ثانية، إن تلك تعد مهمة جمع من علماء النفس المسلمين بالتعاون مع عدد من هيئات علم النفس في البلدان الإسلامية.

لقد كونت نظم العلاج النفسي والطب النفسي أيضا أساليب ذات كفاءة لمعالجة المعاناة النفسية، وبالرغم من أن الفلسفة التي تقوم تلك الأساليب على أساسها قد تكون متعارضة مع الدين- على الأقل بطريقة ضمنية محدودة- فإن الأساليب المفيدة للغاية التي نشأت عن تلك الفلسفة قد حازت على نوع من الاستقلال الذاتي المحايد.

وكما ذكر من قبل، فإنه قد ثبت بمعاونة التجارب الضابطة، أن علاج السلوك الذي يقوم على أساس نظرية التعليم وعلم النفس التجريبي، يعد علاجا فعالا للغاية لبعض الاضطرابات مثل ردود الفعل الفوبيائية والمفرطة إلى درجة غير سوية، والاختلال الوظيفي الجنسي. وإن معالج السلوك يعتبر مثل الفتى في عمله، فهو يهاجم الأعراض ذاتها بدون أن يتعرض للا شعور أو التفسيرات الجنسية مثلما يفعل المحلل. وهو يعتبر الاضطرابات العصبية كعادة مكتسبة ويعاون المريض على التخلص منها وعلى اكتساب عادات أخرى بديلة قابلة للتكييف.

ويعد علاج السلوك بصفة رئيسية- في نظريته وتطبيقه- كأسلوب للتعليم أو التخلص من أشياء تم تعلمها بواسطة التكييف أو اللا تكييف. وإنه سوف يكون من المؤسف أن لا تتم الاستفادة من تلك الأساليب في أي من البلدان الإسلامية بزعم “.. أننا لا نحتاج لأي شيء من علم النفس الغربي الكافر في مجتمعنا المسلم”.

وفي الحقيقة إن عالم النفس المسلم الممارس يستطيع أن يخرج عن طريقه المرسوم ويستخدم أساليب العلاج النفسي تلك في سبيل الإسلام. وهو سوف يكون مخلفا عن علماء النفس المسلمين الموجودين في جحر الضب. في أنه لا ينظر إلى المريض أو أسلوب العلاج النفسي من خلال وجهة نظر مدرسة العلاج الفكرية التي تلقي تدريبه بها. حيث إنه يدرك أن الشخص الذي ينشد العون هو شخص مسلم له مشاكله الخاصة المنفردة به والمتأثرة بالنمط الحضاري المعين الذي يعيش به.

لقد وجدت دائما أن إيمان مرضاي بالإسلام يقدم عونا كبيرا في علاجهم. وقد أحيلت إلي مريضة مغربية في 1965 إلى قسم الطب النفسي العصبي في المستشفى التعليمية لجامعة الرباط، وكانت تشكو من عدد من الأشياء، من بينها القلق العام، ومشاعر بعدم التكيف والاكتئاب، ويوجد الوصف لحالتها ولأساليب العلاج التي استخدمها المؤلف معها لإضعاف الحساسية والتي كانت تعد حديثة في ذلك الوقت بالتفصيل في مراجع أخرى ولكن ما يعنينا هنا هو أنها قد أدخلت المستشفى مرتين على مدى عام تقريبا وعرضت فيها بينهما على معالج بدائي من أبناء البلدة. ولكنها لم تحصل على أية فائدة سواء من العلاج النفسي التقليدي أو من العلاج النفسي الحديث للأفراد والجماعات أو من الحبوب المهدئة. وفي إحدى الجلسات الجماعية كنت أقوم بتلاوة سورة من القرآن حول غفران الذنوب كتدعيم معنوي لأحد المرضى الذكور الذي كان في سبيله إلى مغادرة المستشفى:

(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعملون).

وقد استجابت لذلك بانفعال غير متوقع وانهمرت دموعها. وبعد ذلك طلب مني الدكتور حبيب، رئيس المعالجين النفسيين، أن أتولى علاجها. ودامت على تلاوة آيات القرآن لها التي تتناول مسألة غفران الله لجميع الذنوب وشرحت لها جميع ذلك في لغة مبسطة. وقد كانت تلك هي بداية لاعتراف عاطفي وتحسن سريع للغاية من خلال تطبيق الوسائل العلاجية السلوكية.

وقد كان تعليق دكتور حبيب بعد ذلك التحسن المثير الواضح هو: “لقد احتفظت دائما بنسخة من القرآن الكريم في مكتبي بالمستشفى على مدى السنوات الثلاثة الماضية. ولكنه لم يخطر ببالي أبدا في أي وقت أن أتخذه كوسيلة علاجية لأي من مرضاي”.

وقد كانت هناك مريضة أخرى سودانية تتملكها النزعة الوسواسية العصابية المألوفة باختزان الأوراق المهملة وتكرار الصلاة مرارا إلى حد الإنهاك. وكما هو معروف، فإن المسلم يجب أن يؤدي الصلاة خمس مرات كل يوم، ويحتاج ذلك إلى 5 أو 10 دقائق لكل صلاة، ولكن هذه المريضة التعسة كانت تقضي ساعات كاملة كل يوم وكلما كانت على وشك إتمام إحدى الصلوات انتابها الشك فيما إذا كانت قد أقامت الشعائر على الوجه السليم، ومن ثم تبدأ من جديد. وقد تعيد لتلك العملية إلى أن تصبح منهكة تماما. وقد ذكرت أنها لا تهتم بأعراض اختزان الأوراق ولكنها كانت راغبة تماما في التخلص من متاعبها المتعلقة بتكرار شعائر الصلاة. وفي الواقع إنني عندما رأيتها للمرة الأولى كانت تقوم بأداء الشعائر التي ابتدعتها في محاولة بائسة لضمان إتمام الصلاة على الوجه الصحيح.

وقد يكون من الجدير بنا في ذلك الموضوع أن نذكر ملاحظة عن هؤلاء الذين يؤمنون بالمفهوم الفرويدي الذي يشير إلى الدين هو العصاب العالمي المفرط للجنس البشري. إن مثل هؤلاء الناس قد فشلوا في إدراك أن الإنسان قد صاغ جميع أوجه حياته الاجتماعية في شكل شعائر، إن الشعائر الدينية ليست هي النشاط الإنساني الوحيد المصاغ في هذا القالب، إن هناك ما هو أخطر من ذلك، وإنني أوجه الحديث إلى علماء النفس المسلمين، إنهم قد فشلوا في إدراك الاختلاف الواضح بين هؤلاء الذين يندمجون في شعائر مثل الصلاة إلى حد فقدان أنفسهم في نشوة فائقة الحد، وبين الذين تتملكهم النزعة الوسواسية مثل مريضتنا هنا، التي قد تصل إلى حد كراهية الصلاة ولكنها لا تستطيع أن تمنع نفسها من تكرار شعائرها. وإنه- حقيقة- ليس من العدل ومما يتنافى مع العلم أن نقيم جميع تلك الأنواع تحت عبارة واحدة، وهي الإفراط إلى درجة غير سوية.

ولنعد إلى مريضتنا التي تملكها وسواس الصلاة. لقد عرضت أولا على عالم نفسي سوداني يميل إلى التحليل النفسي وأجرى تطبيقه في حالتها ولكن بدون نجاح. وقد كان الطبيب النفسي الذي أحالها إلي قد استخدام جميع أنواع الأدوية، والمعالجة بالتنويم الكهربائي بدون أي تحسن بالنسبة للنزعة الوسواسية في أداء الشعائر. ولقد جربت أولا أسلوب العلاج الكلاسيكي للسلوك، من البغض الشديد إلى أسلوب إضعاف الحساسية ولكن النتائج كانت مخيبة للآمال. وعلمت حينئذ أن النزعة الوسواسية العصابية تمثل اضطرابات من الصعب علاجه، وإن أكثر الأساليب السلوكية فعالية بالنسبة له هو منع المريض من أداء شعائره بصرف النظر عن مشاعر القلق الشديد التي سوف تتكون لديه خلال فترة العلاج. فإننا مثلا “نحبس” المريض الذي يتملكه وسواس غسل الأيدي في غرفة ليست بها أي مياه جارية. ولكن هل أستطيع أمنع مريضتي عن الصلاة؟ إنني لا يمكن أن أقبل ذلك، ولا يمكن تقبله مريضتي، أو عائلتها أو المجتمع ككل.

وعندما شرحت لها القواعد الإسلامية للصلاة، وجدت أنها عندما تتبع الإمام في الصلاة فإنها لن تتحمل أية مسئولية للصلاة. إذ أنها سوف تردد فقط حركات الصلاة وراء الإمام وتستمع فقط إلى آيات القرآن إذا كانت الصلاة تتم بصوت مرتفع لقد شرحت لها تلك القواعد بالتفصيل وطلبت منها أن تتأكد من ذلك بعرضها تلك القواعد على المشايخ المسلمين المطلعين. ثم طلبت منها بعد ذلك أن لا تقوم بأداء أي صلاة بمفردها. إنه لا يوجد كهنوت في الإسلام ومن الممكن أن يقوم أي شخص بالعمل كإمام في الصلاة. ولحسن حظها أننا كنا في ذلك الوقت نقترب من شهر رمضان الذي تأتي في خلاله النساء المسنات المهتمات بالأمر إلى المساجد لحضور صلاة التراويح الاختيارية الطويلة. ولقد طلبت منها أن تحضر في أحد المساجد في أم درمان التي يرتل فيها الإمام القرآن خلال الصلاة بطريقة جميلة ومؤثرة. ولقد كنت أؤدي صلواتي في نفس المجسد كل مساء مع والدها وكنا نتابع الصلاة بأكملها والتي تحتاج إلى أكثر من ساعة لإتمامها، وقد كنا أحيانا بعد انتهائها نجتمع اجتماعات قصيرة للتحادث، وفي نهاية شهر رمضان اختفت تماما تلك النزعة الوسواسية لتكرار شعائر الصلاة في حين أن أعراض إدخال الأوراق غير المتصلة بالأمر قد بقيت كما هي.

ومع أفول التحليل النفسي في الغرب، يستطيع المعالجون النفسيون الإسلاميون الاستفادة من اكتشافات المدارس الفكرية الجديدة التي تدين باتجاه نظري إيجابي تجاه الدين ولديها نظام بسيط وفعال للعلاج. ولعل مدرسة فرانكل للعلاج العقلي هي أكثر تلك المدارس بروزا. وقد كان مؤسسها طبيبا نفسيا، وكان سجينا في أحد معسكرات الاعتقال النازية لثلاث سنوات ولقد كون نظريته وعلاجه من خلال المعاناة التي عاناها، وتحملها وشهدها في تلك المعسكرات.

وهو يسأل مرضاه اليائسين،… “بما أنكم تجدون حياتكم تعسة للغاية فلماذا لا تقتلون أنفسكم؟” ومن إجاباتهم التي كانت أمثلة منها: حب الطفل، أو الأم، أو الزوج، أو التكريس لعمل، أو لحزب معين، استطاع دكتور فرانكل أن يجمع تلك القوى الدافعة التي تعطي معنى لحياة مرضاه وأساسا لوجودهم النفسي والروحي. ولقد تمثل شعار تلك المدرسة في كلمة نيتنرش المعروفة “إن من يكون لديه سبب للعيش في الحياة يستطيع أن يتحمل تلك الحياة بأي كيفية تقريبا.” وبالنسبة له فإن السبب الرئيسي لانفجار الاضطرابات العصبية المعاصرة هو إحباط إرادة الإنسان الحديث في سعيه وراء المعنى، لقد حرمت الحياة الحديثة الإنسان من إيجاد معنى حقيقي أو غاية يحيا في سبيلها.

وكما هو متوقع، فإن مدرسة فرانكل قد أعطت منزلة هامة للدين لأن الدين كما يقول: هو القوة العظمة التي تعطي معنى لحياة الإنسان وحتى لمعاناته. ولنقرأ ما قاله حول دور الدين في معسكرات الاعتقال:

“إنه حالما ينشأ الاهتمام الديني للمساجين، فإنه يكون أكثر الأشياء التي يمكن تصورها إخلاصا. فقد كان عمق وقوة العقيدة الدنية دائما ما يدهش ويؤثر في القادمين الجدد. وقد كانت أكثر الأشياء إثارة للعاطفة هي الصلاة المرتجلة والصلاة العامة التي كان يتم أداؤها في ركن من الكوخ، أو في ظلام العربات المغلقة المخصصة لنقل الماشية والتي كانت تقلنا في طريق عودتنا من مواقع العمل، ونحن متعبون وجائعون ومجمدون من البرد في ثيابنا الرثة”.

وهكذا، فإن فرانكل قد اتخذ اتجاها عكسيا لفرويد تجاه الدين. وهو ينتقد بقسوة واضعي النظريات الذين يؤمنون بالتحليل النفسي والذين يشرحون جميع أنواع الأنشطة الإنسانية، وحتى أنبلها وأكثرها إنسانية، بلغة الدوافع اللا شعورية الدنيئة والإجراءات الدفاعية. وإن الاقتباس التالي يعاوننا على تصوير ذلك جيدا:

“إن سعي الإنسان للبحث عن المعنى يعتبر دافعا أساسيا في حياته، وليس “تبريرا ثانويا” للدوافع الغريزية. وإن ذلك المعنى يعتبر شيئا فريدا وخاصا لأنه لا يحصل على دلالته التي ترضي رغبة الإنسان إلا إذا توصل إليه ذلك الإنسان هو نفسه. ويود بعض المؤلفين الذين يجادلون بأن المعاني والقيم ليست بشيء سوى إجراءات دفاعية، وتكوينات عكسية، وإملاءات”. ولكن بالنسبة لي، فإنني ما كنت أرغب في الحياة فقط في سبيل “إجراءاتي الدفاعية”، وما كنت لأموت في سبيل تكويناتي العكسية، ولكن الإنسان يستطيع أن يعيش، بل وأن يموت في سبيل قيمه ومثله العليا”.

وإذا كان مثل ذلك الطبيب النفسي قادرا على إدراك أهمية المثل العليا والقيم الدينية، وهو الذي يعيش في المجتمع الغربي المادي ودياناته اليهودية والمسيحية السائرة تجاه الانحلال، واستطاع مع ذلك تكوين مدرسة ناجحة للعلاج النفسي على أسس قيمية، فأي عذر يوجد لدي علماء النفس المسلمين لاستمرارهم في ترديد الآراء الإلحادية لفرويد أو علماء النفس الآخرين الذين يوجدون في مجتمعات أقل إلحادية نسبيا. وإذا كان الإنسان، كما يبشر علم النفس، هو نتاج العوامل البيولوجية، والنفسية والاجتماعية، فإن الإسلام، الذي يلعب بوضوح ذلك الدور بوضوح ذلك الدور الرئيسي في حياتنا النفسية والاجتماعية يجب أن يمنح الشخص المؤمن شخصية فريدة به. إن علماء الإسلام، من بين علماء النفس والعلماء الاجتماعيين عليهم مسئولية عظيمة فليتحملوها. فهم يجب أن يقوموا بتكوين نظريات خاصة بهم للشخصية، ومدارس للعلاج تنبع من كياننا الإسلامي الحقيقي.

إن للإسلام تأثيرا روحيا ونفسيا على عامة المسلمين أكثر مما نعتقد. لقد وجدت أن المشاعر الأساسية بالذنب التي يشعر بها الكثير من المرضى من المسلمين ترتبط في التحليل النهائي بعلاقتهم مع الله. إن ذلك الإيمان الراسخ الغامر بالخالق، الكلي القدرة، العليم، الرحيم، حتى في قلوب المسلمين الذين لا يطبقون تعاليم الإسلام يعد ظاهرة لا يستطيع أن يتخيلها إلا القليل من الغربيين أو المتغربين. ونستطيع أن نرى تلك الظاهرة حتى في المرضى من مدمني الشراب والعقاقير، الذين يعتبرون من الآثمين طبقا للإسلام. وذات يوم كان هناك شخص سوداني مدمن شراب وكان يعالج في القسم النفسي في مستشفى الخرطوم. وقد سألته إذا ما كان يؤمن بالله أم لا. فابتسم وأخذ نسخة صغيرة من القرآن من درج المنضدة الخاص به في المستشفى، وقال “إنني لا أستطيع النوم لو لم أقم بتلاوة بعض منه. إنني لدي خوف مرضي من الطائرات، وطالما أكون مرتفعا في الهواء فإنني أتلو الآيات القرآنية وأضع القرآن الكريم فوق صدري، خاصة عندما تبدأ الطائرة في الاهتزاز”. وضحك وقال: “وإنني أيضا لا أبتدئ في الشراب قبل أن أقول “بسم الله الرحمن الرحيم” وبالرغم من أن ذلك في حد ذاته يتعارض مع الإسلام، فهو يظهر ارتباطه بالإسلام بالرغم من أفعاله الآثمة. ولا يعتبر هذا الشخص غريبا.

إن الأمة التي تدين بهذا المذهب الراسخ والأسلوب الفريد في الحياة ليس من الممكن أن تستمر في السعي وراء النصح والتوجيه في الأمور المتعلقة بعلم النفس مثل شخصية الإنسان، وأسباب شقائه، وكيفية علاجها، من أناس ليس لديهم فكرة عن عمق وتأثير الدين على متبعيه. إن من يستطيع أن يقوم بذلك فقط هم المسلمون أنفسهم، أي جماعة من علماء النفس الإسلاميين.

لقد قمت حتى الآن بمناقشة بعض الميادين المفيدة في علم النفس الحديث التي يستطيع العلماء المسلمون أن يقوموا بتكييفها وقبولها. ولكن ماذا عن تلك الميادين مثل التحليل النفسي الذي يدين بنظرة عدائية للدين ويضع مفهوم مشوها للإنسان. هل تحذف تلك المادة من المناهج الدراسية في جامعاتنا المسلمة؟. قد يدهش القارئ للإجابة بالنفي على هذا السؤال. إن الدول الإسلامية لا تستطيع أن تعزل نفسها عن المدنية الغربية الحديثة، وأثرها الضار، ولكننا نستطيع أن نقوم “بتطعيم” طلبتنا المسلمين ضد “الإصابة” بمرض اعتناق السمات الغربية. مثلا، إذا لم ندرس لهم التحليل النفسي، فإنهم سوف يشاهدون الأفلام التي تعرض تلك الأوجه الكريهة للنظرية بطريقة مثيرة، وتجعلها تبدو كحقائق علمية، وسوف يسمعون في المذياع ويقرءونها في القصص القصيرة في المجلات. ولهذا، فإنه يجب تدريس مثل تلك النظرية ولكن بطريقة انتقادية حتى يتم إبعادها تماما عن وجهات النظر الإسلامية والعلمية. وحينئذ يجب تقديم البديل المحايد، أي النظرية الإسلامية. ومع ذلك، فإنه يجب بذل محاولة للنظر إلى تلك النظريات بطريقة عادلة، بالرغم من موقفها المتعارض مع الدين، وتوضيح ما هو حقيقي وما هو زائف منها. وكما قال (أيسنك)، فإن الأوجه الحقيقية لن تكون جديدة، وبالتأكيد سوف يجد عالم النفس الإسلامي جذورها في الإسلام وفي ما قدمه المفكرون سوف يجد عالم النفس الإسلامي جذورها في الإسلام وفي ما قدمه المفكرون الإسلاميون الأوائل والمعاصرون.

ولنأخذ نظريات فرويد حول تطور الطفل. إن المواد المتعلقة بالجنس في المرحلة الطفولية كما تم تصويره في تلك الافتراضات الأساسية المسلم بها مثل عقدة أوديب تعد جديدة، ولقد تم تكذيبها بالفعل. إن أهمية الحب، والحنان والاتجاه المتساهل مع الأطفال وعلاقة ذلك بالنمو الصحي يعتبر شيئا صحيحا. وبالرغم من أن ذلك كان اكتشافا عظيما بالنسبة للغربيين، فإنه لم يكن كذلك بالنسبة للمسلمين. إن القرآن، والأحاديث، وحياة النبي محمد عليه السلام، وتاريخ خلفاء النبي الأوائل تمتلئ جميعها بالتعليمات المباشرة والضمنية لحث الإنسان على أن يكون حانيا ورقيقا تجاه الأطفال، وأن يعاملهم كأطفال وليس كالبالغين صغار، وذلك هو المفهوم الصحيح للتساهل. إن حب النبي للأطفال واتجاهه المتساهل معهم ليس له مثيلا. وهو ذات مرة قد أطال وقت سجوده في الصلاة إلى أن شعر رفاقه بالتعب. وعندما سألوه عن سبب ذلك بعد انتهاء الصلاة، قال لهم إن حفيده كان يعلو ظهره المبارك عندما كان ساجدا وأنه لم يرغب في القيام قبل أن يكمل الطفل لعبه.

وهو كان أيضا يحمل حفيدته الأنثى في خلال صلاته ف الوقت الذي اعتاد فيه العرب أن يدفنوا بناتهم من الإناث وهم أحياء لأسباب اقتصادية ومعنوية، وإن القرآن لا يهاجم تلك العادة فحسب ولكنه يعمل بقوة على اجتناب التفرقة بين الكر والأنثى من الأطفال.

(وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون.).

إن تلك الأشياء التي ذكرناها سوف تعطي بعدا إسلاميا للنظرية الحديثة وترجع مكوناتها الأساسية إلى مصدرها الأصلي.

ويعد الجنس مجالا لاهتمامنا في هذا الشأن. إن مكان الجنس المبلغ فيه في نظرية فرويد هو مكان غير صحيح. إنه يعتبر بصفة جزئية كرد فعل- بولغ فيه- لعلم الأخلاق الكاثوليكي أو الفكتوري الكابت الذي كان سائدا في عصر فرويد. ولكن الشيء الذي يعتبر صحيحا هو ضرورة عدم خداع أو معاقبة الأطفال عند إلقائهم أسئلة تتعلق بالجنس، بل جيب تقديم المعلومات الملائمة لهم والتي يستطيعون استيعابها. وإن أهمية معالجة الجنس كظاهرة طبيعية بيولوجية بدن وجود مشاعر مبالغ فيها من الخجل والذنب تعتبر صحيحة أيضا، ولكنها ليست جديدة على المسلمين. إن القرآن الذي يعد مصدرنا الأعظم للتوجيه الروحي وهو أيضا مرشدنا في المسائل المتعلقة بالثقافة الجنسية. يخبرنا ويخبر أطفالنا عن نشأة الحياة الإنسانية في داخل رحم الأم بلغة شعرية بسيطة يستطيعون فهمها. وهو يشير إلى الجنس كهبة من الله للإنسان وأن متعته سوف تمنح للمؤمنين في الجنة. بل وهو يكذب الأسطورة اليهودية حول الأخطار المزعومة التي قد تحدث للطفل لو أن أمه حملت فيه نتيجة وضع معين خلال الاتصال الجنسي. ونظرا لأن جميع تلك المعلومات تأتي إلينا من القرآن ومن أحاديث النبي فإنه لن تكون هناك أية مشاعر غير ملائمة كالخجل أو الذنب بالنسبة للجنس لطالما تتم ممارسته في حدود الإسلام. وقد قال النبي:

“نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين”.

وهكذا فإننا كمسلمين لا يجب أن يكون لدينا مثل تلك المشاعر الكاثوليكية المتطرفة من الإحساس بالذنب والإثم تجاه المسائل المتعلق بالجنس والتي تعتبر السبب الرئيسي للقصور الجنسي والبرودة في الغرب. وهكذا فنحن لسنا في حاجة لتعريفنا بمثل تلك المبادئ المنتهية لفرويد أو التربويين الحديثين في الجنس.

وإذا رأينا الكثير من الآباء القساة التقليديين الذين لا يبدو عاطفة أو حنانا تجاه أطفالهم في العالم الإسلامي في يومنا هذا، وإذا صادفنا القليل من المسلمين في العصر الحديث الذين يعتنقون اتجاها كاثوليكيا تجاه الجنس، فإن ذلك لا يكون حينئذ راجعا إلى الإسلام، ولكنه يكون راجعا إلى الفشل في اتباع تعاليمه.

والآن سوف آتي إلى النقطة الأخيرة في هذا البحث، وهي إجابتي على السؤال، “ماذا يستطيع أن يفعله عالم النفس المسلم بالنسبة لزملائه الذين يدخلون في جحر الضب؟”.

وطبقا لتجاربي القصيرة في هذا المجال، فإنني أعتقد أن “عالم النفس” المنتمي لعلماء النفس المسلمين هؤلاء من الممكن تقسميهم إلى ثلاث مراحل متميزة بالنسبة لعملية الدخول والخروج من جحر الضب. إن علم النفس وأساليبه الماهرة دائما ما يثير الشباب من المسلمين في خلال فترة تدريبهم. وهم يكونون منفتحين للاقتراحات بصفة عامة، ويسلمون بأفكار معلميهم وما يقرءونه كحقائق يتوقون متلهفين إلى تطبيقها على السلوك الإنساني الواقعي. ويعتقد من يعرفونهم أنهم قد أصبحوا خبراء يعرفون جميع ما يدور في عقل الإنسان وكيفية “تحليل الناس”. ويشعر الكثيرون منهم بالإطراء والسعادة بسبب تلك الهيبة التي اكتسبوها. وينزلقون بالتدريج إلى جحور الضب لأن ذلك يعطيهم الطمأنينة والغرور. ولو أنهم كانوا مسلمين مخلصين فإنهم سوف يتجهون في تلك لمرحلة إلى تكوين نم الشخصية المزدوجة التي ينفصل فيها العقل عن العاطفة كما ذكرت من قبل، والتي يعيش فيها الجانب الفرويدي وجانب المسلم المخلص بانسجام في نفس الجسد والتكوين النفسي.

ولكنه، مع مرور الوقت، وبعد متابعته الدراسات العليا، فإنه سوف يكشف ما الذي يستطيع أن يقوم به علم النفس حقيقة وما الذي لا يستطيع أن يقوم به، وعندما يبدأ في تحسس طريقه عائدا إقامة توافق اصطناعي بين الإسلام ونظرية علم النفس. ومن ثم فهو قد يعلن بسعادة أنه ليس هناك تعارض خطير بين الإسلام ونظرية ينج، أو أن القرآن يؤيد نظرية فرويد حول بنيان الشخصية الذي يتكون من “الهذا” “والذات” و”والأنا العليا”. ولإثبات هذه النقطة فإنه قد يستشهد بآيات من القرآن الكريم تتحدث عن “النفس” و”النفس الأمارة” و”النفس اللوامة” وقد يحرف معاني الآيات القرآنية والحديث في بعض الأحيان، أو على الأقل يحاول البحث عن معاني بعيدة الاحتمال حتى يخفف إحباطه أو تنافر معتقداته.

وإن المرحلة الثالثة والأخيرة هي المرحلة التي يدرك فيها أنه بالرغم من إمكانية وجود بعض التماثل الظاهري في بعض النواحي بين مدارس علم النفس الحديثة وبين الإسلام، فإنهما بالضرورة يعتبران ظاهرتين مختلفتين تماما لكل منهما مفاهيم مختلفة بالنسبة للحياة، موضع الإنسان في العالم، ومصيره. وسوف يدرك أنه مسلم ألا وقبل كل شيء، ثم بعد ذلك عالم نفسي، وأنه يجب أن يضع وظيفته ومعرفته المحدودة في خدمة إيمانه وعقيدته، وليس العكس. وإنه يجب أن يكون أمينا مع نفسه ومع الناس الذين ينشدون عونه بأن يكون صادقا معهم بالنسبة للأشياء التي في قدرته أن يقوم بها والتي ليست في قدرته. ويجب عليه أن يتغلب على إغراء تمسكه بالهالة التي تظهره “كخبير” عالم في كل ما يتعلق بالعقل الإنساني، وأن يستخدم وضعه الجديد في تقديم العون الحقيقي للمسلمين. وهو يستطيع أن يساهم بالكثير في تغيير تقسيماتهم الخاطئة للإسلام وإعطائهم ثقة أكبر في أنفسهم وفي خالقهم، الله العلي.

ويستطيع علماء النفس المسلمون التطور من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثلاثة إذا كان لديهم أقل دافع إسلامي وإذا كان لديهم النوع الصحيح من التجارب. ولكن إذا لم يستطيعوا التطور، ماذا يستطيع عالم النفس المسلم أن يفعل في المرحلة الثالثة بالنسبة لإخوانه الذين يكونون في المرحلة الأولى والثانية؟

إنني أعتقد أنه يجب أن يكرس جهوده ليحول دون الانحلال التدريجي لعلماء النفس من الشباب المتحمسين تجاه جحور الضب. وهو يجب أن يفعل ما في وسعه ليظهر نقاط الضعف في أوجه علم النفس المتعارضة مع الإسلام، وأن يدعم أقواله بالأبحاث قبل أن يلجأ إلى الحصول على مساندة البراهين الإسلامية البحتة. حينئذ يستطيع أن يخبرهم عن ميزات مدارس علم النفس الفكرية البديلة التي لا تتعارض بتلك الطريقة مع المذهب الإسلامي.

وإذا كان ذلك العالم النفسي المسلم أستاذا جامعيا، فإنه سوف يكون عليه أن يتحمل مسؤولية أكبر في هذا الشأن. ومع ذلك فإنه قد يثير الكثير من المقاومة والعداء من زملائه الذين يؤيدون بعض مدارس علم النفس بطريقة جازمة والذين قاموا هم أنفسهم بتأمين مراكزهم في جحور الضب. وإن الكثير من هؤلاء الأساتذة سوف يشعرون بالتجرد والجهل خارج جحورهم ولهذا فهم لا يحبون من الزملاء أن يقلقوا راحتهم.

وإن الكثير من المفكرين المسلمين الحديثين لا يصبرون على هؤلاء الذين يقيمون توافقا ظاهريا بين الإسلام والنظرية العلمية والفيزيائية والكيميائية. هذا إذا تجاوزنا عن ذكر النظريات المرتبطة بالحضارة الغربية للعلوم الاجتماعية. ومع ذلك، يجب أن يكون عالم النفس الإسلامي متساهلا ويمثل توافقا حسنا بين علم النفس والإسلام. ويكون مثل ذلك الشخص في حالة من الصراع، وكما قلت فإنه يحاول أن يعبر هوة التنافر العلمي بين عقيدته واهتماماته المهنية. وهو يكون في منتصف الطريق خارج جحر الضب، ويجب أن يشجعه الإنسان على الشعور بطمأنينة أكبر خارج جحر الضب، ويجب أن يشجعه الإنسان على الشعور بطمأنينة اكبر خارجه. وإن الهجوم اللفظي القاسي من عالم مسلم متحمس على أفكاره قد يجعله يتصرف كضب حقيقي ويسرع عائدا إلى جحره. ومن الممكن أن يكون قد اعتقد أن أفكاره مبتكرة وأنا أفكاره مبتكرة وأنها تخدم الإسلام بتصويرها له كمذهب حديث ومن ثم فهي سوف تقابل بالترحيب من زملائه المسلمين. وإن الصدى الذي يقابل به قد تجعله يتخذ اتجاها عدائيا للعلماء المسلمين وقد يرفض الخروج من جحره مرة أخرى، أو أنه قد يستمر في الولاء الكاذب للإسلام عند التحدث عن نظرية علم النفس الغربية غير الإسلامية في حضور علماء النفس المسلمين المتحمسين، ولكن وجوده الحقيقي سوف يستمر في جحر الضب، وهو سوف يكون مثل الضب الحقيقي الذي يقطع ذيله عندما يطارد ويشعر بالخطر الحقيقي الذي يهدد حياته، ويندفع إلى جحره. وبالرغم من أنه يكون في الظلام الآمن في جحره، فإنه ذيله يستمر في الاهتزاز في الخارج حتى يخدع المطارد المعتدي.

وبالطبع فإن جمعية نشطة لعلم النفس الإسلامي تعتقد اجتماعات ثقافية كثيرة تقرأ فيها المقالات ويتم نشرها وتداولها ويستطيع فيها علماء النفس المسلمون أن يتعاونوا في إصدار جريدة لعلم النفس الإسلامي سوف يقدم معاونه غير محدودة في تغيير لعلماء النفس المسلمين السلبيين إلى علماء إسلاميين ممارسين فعالين.

مع ذلك، سوف تستمر مجموعة علماء النفس الأكبر سنا في مقاومة التخلي عن معاقلهم. لقد مكثوا بها لوقت طويل جدا وحصلوا على مراتب عالية من جراء ذلك. وإن البعض منهم يحبون أنفسهم أكثر أو يحبون الإسلام أقل، ومن ثم سوف يستمرون في نشر الخيال الفرويدي كحقيقة علمية. ولا يستطيع الإنسان إلا أن يترك هؤلاء الأشخاص ليموتوا في جحورهم المغبرة والقبور الملعونة التي اختارها لأنفسهم.

(وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر