أبحاث

الاستثمار اللاربوي في نطاق عقد المرابحة

العدد 35

القسم الأول : عقد المرابحة في الصيغة الفقهية

تعريفات:

أولاً: تعريف الاستثمار

كلمة استثمار في اللغة مشتقة من ثمر، وثمَّر ماله: نماه، يقال: ثمَّر الله مالك – أي كثره، وأثمر الرجل، كثُر ماله.

والثمر: المال المُثمَّر، قرأ أبو عمرو: (وكان له ثمر) (1) وفسره بأنواع الأموال.

والثَّمَر بالفتح حمل الشجر، ويقع الثمر على الثمار، ويغلب على الرطب في الرأس النخلة، فإذا كبر فهو الثمر.

وأنواع المال والولد ثمرة القلب، وفي الحديث: (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون: نعم) (2) قيل للولد ثمرة، لأن الثمر ما ينتجه الشجر، والولد ينتجه الأب(3)

في الاصطلاح الحديث :

أما الاستثمار في الاصطلاح الحديث، فقد عرفه الدكتور/ حسن توفيق بقوله: (هو توظيف الأموال المدخرة، للحصول على دخل منها)(4) كما عرفه الدكتور/ سيد الهواري بقوله: (كلمة استثمار: تعني أي ارتباط مالي بهدف تحقيق منافع يتوقع الحصول عليها على مدى فترة زمنية طويلة من الزمن. أو هو نوع من انفاق المال لتحقيق منافع مستقبلية سواء أكان ذلك في مشروعات جديدة أو استكمال مشروعات قائمة أو تحديث مشروعات متقادمة.) (5)

والاستثمار الإسلامي للمال، هو نوع من الاستثمار بالمفهوم الاصطلاحي، ولكنه ذو خاصية متميزة، وهو انطلاقة من مفاهيم تستند إلى العقيدة الإسلامية  والقيم الأخلاقية المنبثقة عنها. فمجال عمله داخل إطار تلك القيم والمفاهيم.

وإذا كانت كلمة استثمار في اللغة مشتقة من قولهم: ثمر ماله بمعنى: نماه، فإن العلاقة وطيدة بين هذا المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، وهو توظيف الأموال المدخرة، للحصول على دخل منها. كما يقول الدكتور/ حسن توفيق – وهو بمعنى تنمية المال

ثانياً :تعريف المرابحة

أولاً : في اللغة

الربح والربح والرباح: النماء في التجر – أي الأتجار – وهو أسم ما ربحه … والعرب تقول ربحت تجارته، إذا ربح صاحبها فيها، وتجارة رابحة: يربح فيها. قال تعالى (فما ربحت تجارتهم) قال أبو اسحق: معناه ما ربحوا في تجارتهم، لأن التجارة لا تربح إنما يربح فيها، ويوضع فيها(6).

والمرابحة : مفاعلة من الربح، وهي الزيادة، ويقابلها المحاطة من الحط، وهو النقص. والمرابحة مصدر لرابح، ومعناها إعطاء كل من اثنين صاحبه ربحا. كما أن المحاطة مصدر لحاط، ومعناه نقص كل من اثنين شيئاً مما يستحقه صاحبه(7)

ثانيا: في الاصطلاح الفقهي :

المرابحة في الاصطلاح الفقهي: هي بيع بمثل الثمن مع حد موزع على أجزائه (8)

وعرف المرابحة صاحب فتح القدير بقوله: (المرابحة نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح) (9)

ثالثا: تعرف البيع

أولاً: في اللغة

البيع في اللغة: مصدر باع كذا بكذا – أي دفع عوضا وأخذ معوضا. والبيع ضد – الشراء: والبيع: الشراء أيضاً، قال ابن قشبة وغيرهك (يقال بعت الشيئ بمعنى بعته وبمعنى شريته، ويقال شريت الشيئ بمعنى شريته وبعته، وأكثر الاستعمال: بعته إذا أزلت الملك فيه بالمعوضة، واشترتيه إذا تملكته بها (10)) وفي الحديث: لا يخطب الرجب على خطبة أخيه (11)، ولا يبع على بيع أخيه) أي لا يشتري على شراء أخيه، قال أبو عبيد: (وليس للحديث عندي وجه غير هذا، لأن البائع لا يكاد يدخل على البائع، وإنما المعروف أن يعطي الرجب بسلعته شيئاً، فيجئ مشتر آخر فيزن عليه.) (12)

البيع في لسان الشرع

عرف الزيلعي البيع بقوله (هو مبادلة المال بالمال بالتراضي) (13)

وعرفه ابن عرفه بقوله (هو عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة) (14) وقوله: على غير منافع، قيد لا يخرج الإجارة لأنها تنعقد على المنافع وقوله: ولا متعة لذة قيد آخر يخرج النكاح.

ولم يكن الزيلعي بحاجة لإيراد هذين القيدين، لأن المنافع ليست أمولاً في مذهبه الحنفي، عكس الحال في مذهب ابن عرفه المالكي – كما أن قوله مبادلة مال بمال أغناه عن قيد يخرج النكاح، لأن النكاح ليس مبادلة مال بمال.

مشروعية المرابحة، وشروطها

أولاً : مشروعيتها

جاء في تكملة المجموع: (أن المرابحة بصورتها المعروفة جائزة بالاتفاق، ولكن كره ذلك ابن عمر وابن عباس، ولم يجوزها اسحق بن راهويه) (15)

وقال في حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني/ شرح الرسالة: (وبيع المرابحة جائز، والأحب خلافه.) (16) يعني بيع المساومة وجاء في فتح القدير عن المرابحة، والتولية: (والبيعان جائزان

1-    لاستجماع شرائط الجواز.

2-    ولأن الحاجة ماسة لهذا النوع من البيوع) (17)

ومن مجموع هذه النصوص الفقهية يتبين أن هناك اتفاقاً على جواز هذا النوع من البيع – كما يقول صاحب التكملة لاستكماله شرائط الجواز، وللحاجة الماسة إليه، والكراهة المنسوبة لابن عباس وابن عمره لا تعدو أن تكون تنزيهية فقط، لا تحريمية، بدليل قول العدوي: (والأحب خلافه) أي بيع المساومة، فالمسألة لا تعدو أن تكون ترتيب أولويات، وبيع المساومة أولى، خاصة وأن صاحب فتح القدير قال بالجواز دون تحفظ وعلل لذلك.

ثانيا: شروط بيع المرابحة

1-    أن يكون الثمن الأول معلوما بما في ذلك المصروفات المعتبره.

2-    أن يكون الربح محدداً بالمقدار، أو بالنسبة للثمن الأول.

3-    تبين ما يكره في ذات المبيع أو وصفه.

4-    بيان النقد الذي عقد عليه، والذي دفعه إن كان قد اختلفا.

5-    بيان الأجل الذي اشترى إليه، لأن له حصته في الثمن.

6-    بيان طول مكثه عنده ولو عقارا، لأن الناس يرغبون في الذي لم يتقادم عهده في أيدي مالكه الأول.

هذه شروط بيع المرابحة إجمالاً

لعل منها ومن ما تقدمها من تعريفه وبيان حقيقته، ما يفي بالغرض من إعطاء صورة مجملة عنه في إطار اللغة والفقه الإسلامي، يمكننا من الانطلاق منها إلى الحديث عن الصيغة الجديدة أو الحديثة لبيع المرابحة فلننتقل إلى تلك بعون الله وحسن توفيقه.

القسم الثاني

الصيغة الحديثة لبيع المرابحة

بيع المرابحة للآمر بالشراء

بيع المرابحة للآمر بالشراء: هذا التعبير اصطلح عليه حديثاً باعتباره صيغة من صيغ التعامل المصرفي في مجال الاستثمار اللاربوي، بالإضافة إلى الصيغ الأخرى، كالمضاربة، والشركة، والتي تمثل في مجموعها البديل الإسلامي للأسلوب الربوي في الاستثمار الذي تمارسه البنوك التجارية الربوية – المعروف.

وهذه الصيغة المستحدثة لبيع المرابحة طرحت على المستوى النظري، والتطبيقي، بصور قد تكون مختلفة في كل منهما، بل هنالك اختلاف في ملامحها داخل أي من المستويين في رؤية من تعرض لها.

والسبب في ذلك حداثتها وجدتها، وشيمة كل جديد اختلاف الآراء حوله قبل أن يستقر على وجه معين يتم الاتفاق عليه، فلم تكن معلومة منذ نشأة الفقه الإسلامي وتطوره كزميلتيها في المعادلة – المضاربة، والشركة، اللتين كان الحديث قاصراً عليهما لتمثيل البديل الإسلامي للاستثمار المصرفي، إلى ما بعد منتصف العقد السابع من هذا القرن الميلادي حيث بزغ هذا المصلح للوجود لأول مرة في اطروحة الدكتور سامي حسن حمود سنة 1976 للدكتوراه المسماه تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية، كحاجة ماسة لتوسيع نطاق البديل الإسلامي للاستثمار المصرفي حتى لا يختنق داخل حصره في أسلوب الشركة والمضاربة.

ولقد أصبحت هذه الصيغة تمثل قطب الرحا والذروة بين غيرها من صيغ البدائل الإسلامية للاستثمار المصرفي الإسلامي في مجال التطبيق (18) العملي .

ولقد تبع الدكتور/ حمود آخرون في طرح هذه الصيغة مع تعديل بعض ملامحها وهو دون شك صاحب السبق والريادة – بطرح هذه الصيغة التي أثرت الفكر ودفعت بالتجربة العلمية خطوات صاعدة في مجال الاستثمار الإسلامي، بصرف النظر عن مدى حظها في ميزان التقييم النهائي.

كما تلقفتها البنوك الإسلامية أو أغلبها وحاولت تطبيقها كل بقدر ما أتيح للقائمين عليه من حظ في الفهم وحسن النية.

وسوف نعرض فيما ياتي النماذج النظرية والصور التطبيقية لهذه الصيغة وندرسها محللين وناقدين كي نستبين وجهها الحقيقي كما بدا لنا، ونورد بعض ما وجه لها من قدح أو مدح من بعض الكتاب مبينين رأينا في مدى حظه من الصواب أو غيره.

ثم نطرح الصيغة بتفاصيلها على موازين ومعايير الفقه الإسلامي لنرى ما الذي سنصل إليه.

ونختم ذلك بعرض نتائج البحث التي ننتهي إليها.

فصل أول:

الإطار النظري والتطبيقي للمرابحة للآمر بالشراء

أولا : على المستوى النظري.

النموذج الأول

صيغة الدكتور سامي محمود

أشرنا فيما تقدم إلى ان فكرة بيع المرابحة للآمر بالشراء أول من طرحها هو الدكتور/ سامي حمود كإطار إسلامي لتوسيع نطاق مجال الاستثمار المصرفي الإسلامي، بحيث تكون مع الصيغ

الأخرى، الشركة، والمضاربة، مثلا الإطار الذي يستغرق جميع أوجه الاستثمار المصرفي – الذي كانت تمارسه المصارف الربوية بالأسلوب الربوي. فكيف كان عرض الدكتور/ حمود للفكرة؟

تحت عنوان – بيع المرابحة للآمر بالشراء

بدأ الدكتور بما يمكن أن نسميه تمهيداً لعرض الفركة وشرحها. فعرض اولاً الواقع الذي يجري في ساحة المصارف الربوية والمتعاملين معها، حيث يتقدم الراغبون في اقتناء بعض السلع الهامة (كالسيارة الخاصة والتليفزيون والأدوات المهنية، كأجهزة الأشعة للطبيب مثلاً، يتقدم هؤلاء ممن لا يملكون الثمن نقداً، للتجار من أصحاب الشركات والمؤسسات التجارية ليشتروا منهم حاجاتهم تلك بالتقسيط عن طريق تقديم كمبيالات (يحررها المشتري لأمر البائع وهو – أي – التاجر البائع يحسب بطبيعة الحال ما سيدفعه للمصرف نظير الخصم وزيادة لكي يضيفه دون أن يصرح بذلك للسعر الذي يرضي أن يبيع به بيعاً آجلا بطريقة القسط الشهر)… ثم يتساءل قائلاً (فماذا يمكن للمضارب المشترك – المتمثل في المصرف اللاربوي أن يفعل في هذا الميدان؟)… وانتهى من ذلك إلى الدخول في طرح فكرة بيع المرابحة كما بدت له فقال: (لذلك فإن نظرنا في مواجهة المسألة يتجه إلى فتح الباب للمصرف اللاربوي للمساعدة على تمكين الشخص من الحصول على السلعة التي يحتاجها على أساس دفع القيمة بطريق القسط الشهري، أو غير ذلك من ترتيبات مشابهة، ولكن هذا الخط يبدأ من المستهلك وليس من التاجر. وتفسير ذلك أن مثل هذا الراغب (الطبيب الذي يريد شراء أجهزة طبية لعيادته الجديدة مثلا) يتقدم إلى المصرف طالبا منه شراء الأجهزة المطلوبة بالوصف الذي يحدده الطبيب، وعلى أساس الوعد منه بشراء تلك الأجهزة اللازمة له مرابحة (بالنسبة التي يتفق عليها 2% أو 3% مثلاً) واستطرد معلقاً وموضحاً بقوله: (فهذه العملية مركبة من وعد بالشراء، وبيع بالمرابحة، وهي ليست من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده، لأن المصرف لا يعرض أن يبيع شيئاً، ولكنه يتلقى أمرا بالشراء، وهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب ويعرضه على المشتري الآمر ليرى ما إذا كان مطابقاً لما وصف)(20)

بعد هذا العرض لفكرة بيع المرابحة للآمر بالشراء كما طرحها ونشرها دكتور سامي حمود، أود أن اقف أمام هذه الصيغة التي طرحت بها لأبرز وأناقش عدة نقاط.

أولاً: الصيغة التي أوردها دكتور حمود لبيع المرابحة للآمر بالشراء بقوله: (وتفسير ذلك أن مثل هذا الطبيب الراغب… الخ الفقرة الثانية ص 479 ن كتابه آنف الذكر، تقدم صورة نشيطة وواضحة للفكرة. فهي تتضمن طلبا من شخص ما، – الطبيب مثلا – إلى المصرف بشراء الأجهزة المطلوبة والموصوفة وصفا محدداً من ذلك الشخص الراغب فيها، ووعدا من هذا الشخص بشرائها بعد ذلك من المصرف، بربح يتفق عليه بنسبة 2% أو 3% مثلا، على أن يدفع الثمن مقسطاً حسب امكاناته. ومن باب أولى إذا كان الدفع نقداً – حالاً – ، ولا خصوصية للأجل والتقسيط فيما نرى.

والفكرة بهذه الصورة تبدو سليمة ومقبولة إلى حد ما، خاصة وأنها خلت عن الالزام لأي من الطرفين، بدليل قوله في الصفحة التالية – 480 – : (ورب معترض يقول: ماذا يكون لو نكل الطبيب – مثلا عن الشراء؟)

ثانيا: وحينما عاد الدكتور سامي في الفقرة التالية شارحا وموضحا للفكرة – وليته لم يفعل – بقوله: (فهذه عملية مركبة من وعد بالشراء، وبيع بالمرابحة إلخ، ظهرت له عدة تناقضات أضفت على الموضوع شيئا من البلبلة والغموض بيانها كالآتي:

1-    وصف الفكرة بأنها عملية مركبة من وعد بالشراء، وبيع بالمرابحة كيف يكون ذلك والبيع بالمرابحة هو كل العملية وليش جزءاً منها؟ ثم أنه نفى حصول هذا البيع عند الوعد بالشراء من الآمر به، بقوله بعد قليل: (وهو – أي المصرف – لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب ويعرضه على المشتري الآمر،) ومعنى ذلك أنه ليس هنالكبيع بالمرابحة في هذه المرحلة، إنما هنالك وعد من الأخير بالشراء بعد أن يملك المصرف السلعة ويعرضها عليه مستوفاه الوصف المطلوب فيها. وهذا ما ينسجم مع قوله (وهي ليست من بيع الإنسان ما ليس عنده) كما ينسجم مع الصيغة التي طرحها لبيع المرابحة من قبل. وعليه فيمكن أن يصير الوصف الصحيح للعملية هو: أنها مركبة من وعدين وعد من البنك بالبيع مرابحة، ووعد بالشراء من الآمر بالشراء.

2-    قال الدكتور/ سامي وفي هذه الفقرة أيضاً: (وهو أي البنك لا يبيع حتى ما هو مطلوب ويعرضه على المشتري الآمر، ليرى ما إذا كان مطابقا لما وصف) وهنا يثور السؤال الآتي: هل العرض على المشتري الآمر، فقط ليرى ما إذا كان مطابقا لما وصف؟ نعم، هذا ما تفيده هذه العبارة بمنطوقها، حسنا، فإذا ما جاء الوصف غير مطابق، فالأمر واضح، وهو عدم التزام الآمر بالشراء، فهو حر مختار إن شاء أتم الصفقة، وإن شاء رفضها اما إذا جاء الوصف مطابقا، فهل هو حر مختار أيضا في اتمام الصفقة أو العدول عن ذلك، أم أنه ملزم بها لا محالة؟ يبدو واضحا أن المعنى الأخير هو ما تفيده تلك العبارة، فهل كان ذلك قصدا أم أنه جاء عفو الخاطر؟ سياق القصة كلها في الصيغة التى طرحها الدكتور/ سامي يدل على أن ذلك جاء عفوا لا قصدا ولقد كان في وسع الدكتور سامي حذف تلك العبارة كلها – لأن ما جاءت به مفهوم من القواعد العامة – فلا حاجة لها، ولأنها أورثت لبسا وتناقضا بين ما أوحت به وأفادته، وبين مفهوم بعدم الالزام. وكان الأجدر بالعبارة أن تكون هكذا – _وهو – أي المصرف – لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب منه ويعرضه على المشتري ليرى ما إذا كان الآمر بالشراء راغبا فيه – أي المطلوب – هكذا بإعادة الضمير في يرى إلى المصرف، ليكون التفسير هنا منسجما مع الصيغة الكاملة للقضية كما جاءت بالفقرة التي قبلها، ومتجنبا للبس والتناقض. والغريب في الأمر أن هذين المحظورين بيعنهما وقعت فيهما الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، التي أصدرها الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.

وسوف نعرض لذلك عند الحديث عنها بإذن الله تعالى.

3-    اعتبر الدكتور حمود فكرة بيع المرابحة للآمر بالشراء كما صورها وشرحها وعلق عليها (صورة من صور الوساطة التي يستطيع المصرف اللاربوي أن يقوم فيها بأعمال الائتمان التجاري بكل أنواعه منافسا بكل قوة كالبنوك الربوية).

كيف تكون هذه الصيغة صورة من صور الوساطة؟ التي تقتضي ثلاثة اطراف – كما صرح بذلك في رده على مذكرة الدكتور رفيق المصري المنشورة بالعدد الأول من مجلة المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي في بيان صورتها بقوله: (وهو أن إنسانا أو جهة وسيطة، يمكن أن تشتري سلعة ليست من مجال عملهما، بل بناء على طلب شخص ثلث، وأن السلعة يمكن أن تشتري نقداً لتباع بالمرابحة نقدا أو دينا) لو كان الدكتور حمود لا زال يتكلم عن صور الوساطة في البنوك الربوية لكانت العبارة مفهومة – أما أنه يتكلم عن صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء كبديل عن تلك، وهي صيغة بين طرفين لا ثالث لهما، هما الآمر بالشراء، والمصرف فالعلاقة ثنائية وليست ثلاثية كما يقول. فهي ليست صورة من صور الوساطة – التي تشكل ثلاثة أطراف، وإنما هي صورة مستقلة تمثل بديلا لصور الوساطة وتكون علاقة تعاقدية ثنائية بين المصرف، والآمر بالشراء.

ومسألة الوساطة والعلاقة الثلاثية هذه جعلت الدكتور – رفيق المصري يعتبر فكرة بيع المرابحة للآمر بالشراء، شبيهة بخصم الأوراق التجارية، وبعيدة عن مشابهة بيع المرابحة المعروف في الفقه الإسلامي.

هذا وقد ذكر الدكتور حمود، الأساس الفقهي الذي بنى عليه هذه القضية فأورد النص التالي من كتاب الأم للإمام الشافعي:

(وإذا أرى الرجل الرجل السلعة، فقال اشتر هذه واربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال أربحك فيها بالخيار، إن شاء احدث فييها بيعاً وإن شاء تركه.

وهكذا أن قال اشتر لي متاعا ووصفه له أو متاعا أي متاع شئت، وأنا أربحك فيه، فكل هذا سواء، يجوز البيع الأول، ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء في هذا ما وضعت، إن كان قال: ابتعه واشتريه منك بنقد أو دين يجوز البيع الأول، ويكونان بالخيار في البيع الأخير، فإن جدده جاز.) إلى هنا انتهى ما اثبته دكتور/ حمود من نص الإمام الشافعي، وتمامه (وأن تبايعا به على أن الزما انفسهما الأمر الأول، فهو مفسوخ من قبل شيئين:

أحدهما: أنه تبايعاه قبل (أن) يملكه البائع

والثاني: أنه على مخاطرة أنك ان اشترتيه على كذا أربحك فيه كذا.) انتهى.

وهذا النص الذي نقله دكتور/ حمود عن الإمام الشافعي جاء في سياق سرده لمسائل مشهورة بإسم بيع العينة، وهو نص يمثل صورتين ممنوعتين منها، كما جاء ذلك مفصلاً بصورة أوسع في كتب السادة المالكية، وسنتوفر لدرس نص الإمام الشافعي هذا في السياق الذي ورد فيه، مع نصوص المادة المالكية المتعلقة بالموضوع، حينما نأتي لعرض الفكرة كلها على موازين الفقه الإسلامي بإذنه تعالى.

النموذج الثاني:

لقد أتيح لكاتب هذه السطور الاطلاع المبكر على فكرة بيع المرابحة بمجرد طرح الدكتور حمود لها، ثم المشاركة والاسهام في بلورتها بطريقة فيها كثير من الحيطة والحذر في العرض والصياغة، وبصورة قد تكون موافقة لما اجازه الفقهاء من صور هذه القضية التي تعددت حولها الآراء من حيث التنظير والتطبيق، وذلك في أطروحته للدكتوراه بجامعة الأزهر(21) و التي تلت أطروحة الدكتور سامي حمود في العام 1977 حيث قال وهو بصدد إيراد النماذج الاستثمارية البديلة للاستثمار الربوي:

(النموذج الثاني: بيع المرابحة، وهو أن يقوم البنك – المصرف – بشراء السلعة التي يحتاج إليها السوق، بناء على دراسة لأحوال السوق – (بواسطة قسم الأبحاث لديه)، أو بناء على طلب يتقدم به أحد زبائنه يطلب فيه من البنك، شراء سلعة معينة أوا ستيرادها من الخارج مثلان ويبدي رغبته في شرائها مرة ثانية من البنك. فإذا اقتنع البنك بحاجة  السوق إليها وقام بشرائها، فله أن يبيعها لطالب الشراء الأول، أو لغيره مرابحة، وهي أن يعلن البنك قيمة شراء السلعة مضافا إليها ما تكلفة من مصروفات بشأنها، ويطلب مبلغاً معينا من الربح ممن يرغب فيها زيادة على ثمنها ومصروفاتها) (22)

ونلحظ على هذه الصيغة أو النموذج عدة أمور

أولاً: لم يرد ذكر للآمر بالشراء مقترنا بعبارة بيع المرابحة، حتى لا يكون هناك إلزام له أو نحوه عقديا، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى لعدم قناعة الكاتب بصحة هذا التعبير (بيع المرابحة للآمر بالشراء) لغوياً وفقهياً، على الصيغة المطروحة. كما سنبينه في موضعه

ثانيا: خلت الصيغة من التصريح بالربح ومقداره من العميل للبنك الراغب في شرائها، تحاشيا للوقوع في الصورة الممنوعة من بيع العينة كما سيأتي بيانه في مكانه ، واعتمادا على أن الربح مفهوم من ابتداء الرغبة من طلب السلعة وتحديد مقداره ممكن عند حضورها بما يلائم حالة السوق، وإن حرية ابرام العقد حينذاك أمر مكفول للطرفين.

ثالثا: ومما نلحظه سلبا على هذا النموذج أنه وهو يتحوط للافلات من الوقوع في الممنوع عقديا – كالالزام –  لم يستطع أن يتحاشى الوقوع فيما هو محظور دينيا، فقد أباح لمالك السلعة – المطلوبة – تاجرا، أو مصرفا أن يتصرف فيها بالبيع دون أن يلزمه بعرضها على طالبها الراغب فيها أولاً ثم بعد ذلك يتصرف فيها، وهو واجب ديني على الآمر نحو شرائها. ولقد توافق العمل التطبيقي في بنك فيصل الإسلامي السوداني مع هذا النموذج – كما سنرى– وذلك بناء على توجيهات هيئة الرقابة الشرعية له، وكان الكاتب أحد أعضائها المؤسسين.

النموذج الثالث: الموسوعة العلمية والعملية

تحت عنوان (الاستثمار المباشر) ذكرت (الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية) في الجزء الأول منها الصادر سنة 1977 ذكرت أنماك الاستثمار اللاربوي، ومنها.

بيع المرابحة للآمر بالشراء.

فقالت: (يهدف هذا النوع من النشاط إلى تمكين الأفراد أو الهيئات من الحصول على سلعة يحتاجونها قبل توفر الثمن المطلوب، على أساس دفع القيمة بطريق القسط الشهري أو غير ذلك من الترتيبات المشابهة، إلا أن هذا الخط يبدأ من المستهلك.

وهنا يتقدم العميل إلى البنك طالبا منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها بنسبة يتفق عليها، ويدفع الثمن مقسطاً حسب امكاناته.

فهذه العملية مركبة من وعد بالشراء وبيع بالمرابحة، فهي ليست من قبيل (بيع الإنسان ما ليس عنده) لأن البنك لا يعرض أن يبيع شيئا ولكن يتلقى أمرا بالشراء، وهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب ويعرضه على المشتري، ليرى ما إذا كان مطابقا لما وصف.

… وينبغي ألا يكون الأمر بالشراء شفاهة، وإنما يلزم ان يكون طلبا مكتوبا، وأن يتأكد البنك من جدية الطلب حتى تصبح المخاطرة محسوبة وحتى يتلافى البنك نكول الآمر بالشراء عن الشراء بعد ذلك.

1-    ونلحظ أن صيغة الموسوعة هذه تكاد ان تكون مطابقة لصيغة الدكتور/ سامي حمود، وخاصة تعليقها على الصيغة التي طرحتها بقولها: فهذه العملية مركبة من وعد بالشراء غلخ) الفقرة قبل الأخيرة، مما يجعل الملحوظتين الأولى والثانية، اللتين أوردناهما على صيغة الدكتور حمود، ينطبقان على هذه الصيغة تماما.

2-    كما نلحظ أن هذه الصيغة قد انفردت بأمر جديد عن صيغة الدكتور حمود هو القول: بلزوم البيع للآمر بالشراء، وذلك عندما شددت على أن يكون الأمر بالشراء بطلب مكتوب، وعللت ذلك صراحة بقولها: (وحتى يتلافى البنك نكول الآمر بالشراء عن الشراء بعد ذلك) ولم تذكر دليلا تستند عليه في هذا الحكم الذي انفردت به. وسيأتي في النماذج التطبيقية للمصارف الإسلامية – أنها اعتمدت القول (بلزوم البيع للآمر بالشراء)، مستندة في ذلك على القول بوجوب الوفاء بالوعد عند المالكية، وهو استدلال غير سليم حيث ان وجوب الوفاء بالوعد قضاء غنما هو متعلق عند القائلين به بالمعروف، والحسان – أي التبرعات، لا عقود المعاوضات كالبيع مثلا – على ما سيأتي بيانه عند الكلام عن التقييم الشرعي والفقهي لهذه القضية إن شاء الله.

ثانيا: على المستوى التطبيقي

تلك النماذج الثلاثة المتقدمة كانت هي الصيغ التي طرحت حول فكرة (بيع المرابحة للآمر بالشراء) على المستوى النظري، عرضناها كما هي حسب مراحلها التاريخية، وكأنما كان بزوغ هذه الفكرة وبلورتها نظريا، على موعد مع التطبيق العملي للاستثمار المصرفي اللاربوي في المصارف الإسلامية التي تواكب قيامها مع أو بعيد تلك الدراسات النظرية لوسائل الاستثمار اللاربوي ومنها فكرة (بيع المرابحة للآمر بالشراء) فما هي غذن تلك النماذج التطبيقية؟..

1-    النموذج التطبيقي الأولي: بنك دبي الإسلامي

النماذج التطبيقية لفكرة بيع المرابحة للآمر بالشراء تمثلت في البنوك الإسلامية المنشأة حديثا، وأول هذه البنوك من الناحية التاريخية كان بنك دبي الإسلامي الذي أنشئ سنة 1975م وقد جاء هذا النموذج موضحاً ضمن قرارات مؤتمر المصرف الإسلامي الأول بدبي، في المدة من 23-25 جمادي الثانية عام 1399 هـ الموافق 22 مايو 1979 م تحت عنوان (بيع المرابحة) حالتين:

الحالة الأولى:

يطلب العميل من المصرف شراء سلعة معينة يحدد جميع اوصافها كما يحدد ثمنها ويدفعه إلى المصرف مضافا إليه أجر معين مقابل قيام المصرف بهذا العمل.

وقد جاءت توصية المؤتمر على هذا الأنموذج كما يلي.

أ‌-       يرى المؤتمر أن تسمى الوكالة بالشراء بأجر.

ب‌-  يرى المؤتمر أن هذا التصرف يعتبر توكيلاً بالشراء، وهو وكالة بأجر شرعا ويراعى ان يكون الجر الذي يحصل عليه المصرف في حدود أجر المثل من غير زيادة او نقصان، ويقدر المصرف هذا الأجر بمراعاة خبرته وأمانته.

الحالة الثانية:

يطلب المتعامل من المصرف شراء سلعة معينة يحدد جميع اوصافها ويحدد مع المصرف الثمن الذي سيشتريها به المصرف، وكذلك الثمن الذي سيشتريها به المتعامل من البنك بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما. وكانت توصية المؤتمر على هذه الحالة كما يلي:

يرى المؤتمر أن هذا التعامل يتضمن وعدا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعدا آخر من المصرف باتمام هذا البيع بعد الشراء طبقا لذا الشروط.

إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء بأحكام المذهب المالكي، وملزم للطرفيين ديانة طبقا لأحكام المذاهب الأخرى، وما يلزم ديانة يمكن الالزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه.

تحتاج صيغ العقود في هذا التعامل إلى دقة شرعية فنية، وقد يحتاج الالزام القانوني بها في بعض الدول الإسلامية، إلى اصدار قانون بذلك. (23)

والحالة الثانية لبيع المرابحة التي ذكرها بنك دبي الإسلامي، جاء وصفها مجملا، حيث تحتمل عدة صور حينما توضع في صيغتها الفنية – التي يختلف حكمها الشرعي باختلاف صور الصيغ الفنية التي توضع بها، فقد يضيف الآمر، الشراء إلى نفسه فيقول: اشتر (لي) وقد لا يفعل، وقد يطلب تأجيل الثمن، أو يدفع نقداً، وقد يشترط الدفع عنه نقداً على المأمور وقد لا يفعل، وكل صورة من حالتي الإيجاب والسلب هذه لها حكم يختلف عن حكم الصورة الأخرى – كما سيجئ في مكانه.

ولم يفسر المؤتمر هذا الاجمال كما لم يناقش الصور المختلفة لهذه الحالة، ويبين حكم كل صورة منها، وإنما اعتبر الصيغة المأخوذة من هذا الوصف المجمل، تعاملا يتضمن وعدا من عميل المصرف بالشراء ووعدا آخر من المصرف باتمام هذا البيع – ولم يعتبر ذلك بيعا، ومع ذلك رتب عليه آثار عقد البيع، وهو الزام الطرفين به، ولكن لأمر خارجي، وهو وجوب الوفاء بالوعد قضاء عند المالكية، كقاعدة عامة.

ونسأل هل تصلح القاعدة العامة – القائلة بوجوب الوفاء بالوعد قضاء عند المالكية، لإباحة الممنوع أو تصحيح الفاسد من العقود؟.

إن من بعض صور صيغة بيع المرابحة لتي أشرنا إليها آنفا ما هو ممنوع، وما هو فاسد، فهل يصح ذلك بمجرد أن نحيله إلى قاعدة لزوم الوفاء بالوعد عند المالكية؟ أما كان من الممكن للمؤتمر أن يجد في بعض صيغ هذا البيع – أو هذه المعاملة كما يقولون والتي بلغت ستة صور ما تطمئن النفس إليه، فيوصى باعتماده للعمل، بدلا عن هذا الاعتساف للدليل من قاعدة عامة هي وجوب الوفاء بالوعد قضاء عند المالكية؟.

يبدو لي أن ذلك كان ممكنا.

خاصة وأن صيغ بيع المرابحة التي طرح بنك دبي وصفها المجمل، لم تكن غائبة  فيما يبدو لي عن هذا المؤتمر بدليل قولهم: (تحتاج صيغ العقود في هذا التعامل، إلى دقة شرعية فنية).

وهي إشارة واضحة إلى الصور المختلفة التي أشرنا إليها والتي كان من الممكن اعتماد صورة منها لصيغة ملائمة لبيع المرابحة للآمر بالشراء تكون صحيحة ومقبولة كما سيأتي إن شاء الله.

النموذج الثاني: بنك فيصل الإسلامي السوداني

في بحث قدمه السيد/ عبدالرحيم محمود حمدي نائب المدير العام لبنك فيصل الإسلامي السوداني لندوة (الاستثمار والتمويل بالمشاركة) التي أقيمت بجامعة الملك عبد العزيز في الفترة من 22 محرم – 4 صفر 1401 – 1 – 12 ديسمبر سنة 1980 والتي أشرف عليها (الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامي) بالاشتراك مع (المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي) وتحت عنوان: أشكال وأساليب الاستثمار الإسلامية من واقع تجربة بنك فيصل الإسلامي السوداني، جاء في صفحة (6) مايلى:

ثانيا: بيع المرابحة

وتتميز هذه الصيغة بسهولتها ووضوح معالمها والتزاماتها ويمكن استعمالها في العديد من الحالات، خاصة في مجال الاستيراد، وإن كان يمكن تطبيقها في حالات الشراء المحلي، ومن أهم عناصر هذه الصيغة:

أ‌-       وجود الأمر بالشراء من المشتري محددا فيه سعر ونوع ومواصفات السلعة التي يود من البنك شراءها له وسعر البيع (الذي سيشتري به السلعة من البنك) وطريقة سداد القيمة.

ب‌-  في حالة الاستيراد (من الخارج) يتنازل المشتري عن رخصة الاستيراد للبنك، ويفضل ان يتم السداد لقيمة البضاعة فور استلامها، إلا أنه يجوز في حالة ما إذا كانت القيمة كبيرة تقسيط السداد على فترة يتفق عليها …

وتحت عنوان: مشاكل خاصة بالنماذج المختلفة للاستثمار اللاربوي ص 12/13 من البحث المذكور جاء ما يلي:

ت‌-  المرابحة:

من أهم المشاكل التي تعترض هذا النمط من صيغ الاستثمار:

(1)   …………..

عدم التزام الآمر بالشراء، لشراء البضاعة حتى بعد أن يقوم البنك  باستيراد البضاعة، وما قد يصحب ذلك من صعوبات وتعقيدات قانونية، خاصة وأن هناك مشاكل فنية لم تخرج بعد من الناحية الشرعية. مثلاً الدفع المقدم (العربون) الإلزام بالشراء، تصفية العملية في فترة محددة سلفاً، وألا يَحِق للبنك ممارسة حقه في التصرف في البضاعة.

وفي كتاب (مداولات الندوة الخاصة بسياسات وأنشطة البنك الاستثمارية) الذي أصدرته (إدارة البحوث الاقتصادية والإحصاء والإعلام) ببنك فيصل الإسلامي السوداني في رمضان 1399 هـ – أغسطس 1979 م جاءت الدراسة العملية التالية، للاستيراد بالمرابحة.

(2) عملية استيراد بالمرابحة (تحت الدراسة)

السيد / الشيخ سيد أحمد

الطلب :

السلعة : استيراد قطع غيار من انجلترا

التمويل : 100 % عملية صعبة + عملة محلية

هامش الربح : 20 % على إجمالي التكاليف حتى الخرطوم

علما بأن هامش الربح القانوني 50 % من المورد حتى القطاعي.

الفترة (أ) من تاريخ فتح الاعتماد حتى وصول البضاعة بورتسودان.

(ب) فترة التخليص.

(جـ) فترة الترحيل والإمهال حتى إتمام البيع بين البنك والعميل.

(2) الدراسة :

التسويق والدفع : –  ليست هناك مشكلة تسويق وقد تٌشترى البضاعة خلال فترة الإمهال ومن ثم قد يدفع العميل قيمة البضاعة ومن أيراداتها.

–         تيسيرا للعميل قد يدفع العميل قيمة البضاعة على دفعات ويكون بذلك هناك احتمال دفع العميل لجزء من قيمة البضاعة من رأس ماله.

–         عند قبول البنك للدفع تحتاج  العملية للضمان وقد يكون الضمان في الصور الآتية :

(أ‌)    ضمان بالبضاعة أو جزء منها.

(ب) ضمان عقاري.

(جـ) ضمان شخصي.

–         يشترط البنك الافراج عن البضاعة بعد إتمام عملية البيع الاتفاق على كيفية دفع قيمة البضاعة.

في حالة عدم شراء العميل للبضاعة حسب شروط مسبقة فللبنك حق بيعها لمن يشاء.

في حالة عدم الشراء هناك مشكلتان :

أولاً : البنك : تقع مسئولية تسويق البضاعة على البنك، وعليه لا بد من تقدير الدراسة لموقف التسويق الذاتي واحتمالات طرق الدفع (نقداً، شيك، دفع مؤجل بضمان أو بدونه)

ثانياً : العميل :

(أ‌)    بما أن رخصة الاستيراد باسم العميل فإن المبلغ المستورد به سيكون داخلاً في تقديرات الجمارك.

(ب‌)  قد يفقد العميل فرصة الاستيراد إذا كانت السلعة من سلع الكوته أو التشاور.

وعليه فهذان عاملان يدفعان العميل للالتزام بشراء البضاعة بصورة غير مباشرة.

ملحوظات :

يتفادى البنك مشكلة التنازل عن البضاعة (في حالة عدم الشراء) للبنك باشتراطه ذلك في التفويض، وكذلك نتائج تنازل العميل عن البضاعة للبنك لا تلزم البنك بدفع الضرائب أو تعويضه عن فرصة الاستيراد.

(3) متى يتم البيع :

(أ) بعد وصول مستندات البضاعة

(ب) بعد وصول مستندات البضاعة

ووصول البضاعة ميناء بورتسودان وقبل التخليص.

(جـ) بعد التخليص ببورتسودانن.

(د) بعد التخليص وترحيل البضاعة لفرع البنك المعين.

– شرعية المعاملة يرجي تحديدها بواسطة هيئة الرقابة الشرعية.

إذا نظرنا للموضوع من النواحي :

أ‌-       الربحية

ب‌-  التعامل الأفضل للعميل

ج‌-    مسؤولية البنك، من جهد إداري مكثف (تخليص + العجز في الرسائل + الترحيل)، نلاحظ الآتي :

أ‌-       الربحية

ب‌-  التعامل الأفضل للعميل

ج‌-    مسؤولية البنك، من جهد إداري مكثف (تخليص + العجز في الرسائل + الترحيل)، نلاحظ الآتي :

أ‌)       مؤشر الربحية :

1-    من مصلحة البنك أن يتم البيع على أقصى تكلفة ممكنة إذا كان هامش الربح ثابتاً (الاحتمال الرابع)

2-    من مصلحة العميل (مؤشر الربحية) أن يتم البيع على أقل تكلفة (الاحتمال الأول).

ب‌)  التعامل الأفضل للعميل :

–         لبعض العملاء مُخَلصون يتعاملون معهم منذ وقت طويل، وبعض السلع تحتاج لعناية خاصة في التخليص، وهناك احتمال الحصول على عمولة أقل في التخليص، فعليه : يود العميل أن يتم البيع قبل التخليص وليتفادى تحميله هوامش للربح الناتجة  عن مصرفات التخليص وما يليها .

–         هناك حالات تُقدم فيها فواتير للجمارك بأقل من تلك المفتوح بها الاعتماد.

جـ) الجهد الإداري للبنك :

قد يكون من مصلحة البنك رفع يده عن مسئولية التخليص ومشاكلها بالميناء وتوفير الشاحنات والإشراف على الشحن.

ومن الفقرات التي نقلناها من بحث السيد / عبد الرحيم حمدي، والحالة الدراسية لعملية استيراد بالمرابحة في بنك فيصل الإسلامي السوداني يتبين بوضوح صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء في هذا البنك، ومن مجموعها نلحظ عدة أمور على الوجه التالي :

1-    الحديث عن : تنازل المشتري عن رخصة الاستيراد للبنك في حالة الاستيراد للسلعة من الخارج. في الفقرات المنقولة عن بحث السيد / حمدي. وفي الحالة الدراسية لعملية الاستيراد، نقرأ تحت عنوان «في حالة عدم الشراء هنالك مشكلتان» :

أولاً : البنك …

ثانياً : العميل :

(أ‌)    بما أن رخصة الاستيراد بإسم العميل فإن المبلغ المستورد به سيكون داخلا في تقديراً الجمارك.

(ب‌)                       قد يفقد العميل فرصة الاستيراد إذا كانت السلعة من سلع الكوته أو التشاور وعليه فهذا عاملان يدفعان العميل للالتزام بشراء البضاعة بصورة غير مباشرة

ونسأل : ما هذا الكلام، ونحن بصدد بيع المرابحة للآمر بالشراء ؟ الجواب أن التجارة الخارجية للسودان – كما هو شأن أغلب البلدان النامية مقيدة وليست حرة، فليس من حق البنك الإسلامي أو أي شخص آخر أن يستورد ما يشاء من السلع الخارجية، وإنما يخضع ذلك للحصول مقدماً على ترخيص بالاستيراد للسلعة المرغوبة من وزارة التجارة السودانية. (وبيع المرابحة للآمر بالشراء يتوقف على حصول الراغب فيه على رخصة استيراد بالسلعة أو البضاعة التي يريد من البنك الإسلامي استيرادها له، ليشتريها منه مرابحة – وفي هذه الحالة عليه أن يحول هذه الرخصة من اسمه إلى البنك عن طريق التنازل عنها. حتى يتمكن البنك بذلك من إمكانية الاستيراد وملكية البضاعة المستوردة. وبالتالي إمكانية بيعها للآمر بالشراء.

ولا شك أن هذه الإجراءات تضع صعوبات ومشاكل جهة في طريق بيع المرابحة، وأول هذه المشاكل كيفية تحويل رخصة الاستيراد إلى اسم البنك بدلاً عن اسم صاحبها، ثم ما يترتب على ذلك من احتساب قيمتها في خانة الضرائب على من صدرت بإسمه أولاً – كما أنه قد يترتب عليها حرمان صاحبها من فرصة استيراد أخرى كما جاء بالفقرتين (أ) و (ب) المنقولتين آنفاً عن الحالة الدراسية.

2-    الأمر الآخر الهام الذي نلحظه من بحث السيد / حمدي والحالة الدراسية لعملية بيع المرابحة في بنك فيصل الإسلامي السوداني هو :

عدم الالزام للآمر بالشراء، وهذا واضح من قول : الدراسة العملية في الصفحة الأولى : في حالة عدم شراء مسبقة فللبنك حق بيعها لمن يشاء. وقولها : في حالة عدم الشراء، هنالك مشكلتان :

أولاً : تقع مسئولية تسويق البضاعة على البنك، وعليه لا بد من تقدير الدراسة لموقف التسويق الذاتي واحتمالات طرق الدفع (نقداً، شيك، دفعا مؤجلاً بضمان أو بدونه)

ثانياُ : العميــــل :

(أ‌)    بما أن رخصة الاستيراد إلخ. تلك الفقرة التي أثبتناها آنفاً. ولقد كنت متأكداً من هذا الموقف لبنك فيصل الإسلامي في موضوع بيع المرابحة للآمر بالشراء، لأني أذكر تماماً أن هذا الموضوع عرض علينا جميعاً حينما كنت عضوا بهيئة الرقابة الشرعية ببنك فيصل الإسلامي السوداني، وكان رأي الهيئة بالإجماع هو عدم القول بإلزام الآمر بالشراء، فإن تعرض عليه السلعة بعد حصول البنك عليها، فإن أعرض عن شرائها، باعها البنك لمن يشاء، وعلى البنك أن يحتاط لنفسه بالنسبة لتلك البضاعة قبل استيرادها، تحسباً لما قد يطرأ من تبدل. هذا مع ملاحظة أن هناك بعض الإيجابيات لمصلحة البنك من نظام رخص الاستيراد التي تسهم في حمل العميل بصورة غير مباشرة – كما تقول الدراسة – على الالتزام بشراء البضاعة، وألاَّ تعرض  لتحمل عبء الجمارك عن المبلغ المستورد به السلعة، كما قد يفقد فرصة الاستيراد مرة أخرى، على ما سبقت الإشارة إليه.

كنت متأكداً من موقف بنك فيصل الإسلامي السوداني على ما شرحت، وكونه قد صدرت به توجيهات هيئة الرقابة الشرعية للبنك للعمل بمقتضاه، ولكنني حينما بدأت أكتب هذا البحث لم أجد في أوراقي ما أٌوثق به هذا الاتجاه للبنك المذكور، سوى الإشارة إلى محضر الوقائع الذي تضمن رأي الهيئة بخصوصه – في تقرير الهيئة السنوي الصادر بتاريخ 11 ربيع الأول 1400 – 29/1/1980 – إلى أن رجعت إلى مراجعة بحث السيد / حمدي نائب مدير عام بنك فيصل السوداني الإسلامي والدراسة العملية المشار إليها فوجدت الدليل والحمد لله (24).

وهذا الموقف العملي والتطبيقي لبيع المرابحة للآمر بالشراء في بنك فيصل الإسلامي السوداني – يتفق تماماً مع الأنموذج الثاني للدراسة النظرية التي تقدم ذكرها – كما نوهت.

كما أنه من ناحية أخرى، نلحظ أنه لا يتفق مع الأنموذج الثالث للدراسة النظرية – (الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية ) التي تنادي بإلزام الآمر بالشراء، بشراء البضاعة.

ولا غرابة في ذلك، لأن البنوك الإسلامية تتقيد برأي هيئات الرقابة الشرعية فيها، لا بالدراسات النظرية التي يجريها الأفراد أو الهيئات.

الأنموذج التطبيقي الثالث : بيت التمويل الكويتي

كما مر في النماذج التطبيقية السابقة فقد درجنا على بيان موقف الأنموذج، على الاستفتاءات التي توجهها الجهات الإدارية والتنفيذية، لمستشاريها الشرعيين أو هيئات رقابتها، والإجابة عليها، وها نحن نفعل ذلك بالنسبة لبيت التمويل الكويتي في الفتويين الآتيتين والإجابة عليهما.

الفتوى الأول :

فضيلة الشيخ بدر المتولي عبد الباسط المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

نرجو إفتاءنا في مدى جواز قيامنا بشراء السلع والبضائع نقداً، بتكليف من الآخرين وبيعها عليهم بالأجل، بأسعار أعلى من أسعارها النقدية.

ومثال ذلك : أن يرغب أحد الأشخاص في شراء سلعة أو بضاعة معينة لكنه لا يستطيع دفع ثمنها نقداً، فيطلب منا شراءها ودفع ثمنها نقداً ثم بيعها عليه بالأجل مقابل ربح معين متفق عليه مسبقاً.

والله ولي التوفيق

رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب

أحمد بزيع الياسين

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه … أما بعد :

فإن ماصدر من طالب الشراء يعتبر وعداً، ونظراً لأن الأئمة قد اختلفوا في هذا الوعد، هل هو ملزم أم لا، فإني أميل إلى الأخذ برأي ابن شبرمه رضي الله عنه الذي يقول : إن كل وعد ملزماً قضاء وديانة وهذا ما تشهد له ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والأخذ بهذا أيسر على الناس والعمل به يضبط المعاملات. لهذا ليس هناك مانع من تنفيذ مثل هذا الشرط (25).

والله ولي التوفيق

بدر المتولي عبد الباسط

الفتوى الثانية :

فضيلة الشيخ بدر المتولي عبد الباسط المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته – بعد نرجو افتاءنا في الآتي :

1-    مدى جواز قيامنا بشراء سلعة معينة بناء على تكليف من أحد العملاء على أن يشتريها منا مرة أخرى بثمن آجل أكثر من ثمن الشراء.

2-    هل يجوز أخذ العربون إلخ. …

المدير العام

بدر عبد المحسن المخيزيم

الإجابة :

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 8 ذي الحجة 1399 الموافق 29/10/1979

السيد المحترم المدير العام لبيت التمويل الكويتي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد :

فردا على خطابكم المؤرخ 27/10/1979

–         المتضمن الاستفتاء على الأمور التالية :

أولا : عن تكليف أحد العملاء أن تشتري له سلعة معينة ثم تبيعها له بثمن مؤجل زائد عن الثمن الذي اشتريت به، وأقول وبالله التوفيق :

إن النصوص العامة للشريعة الإسلامية توجب على المسلمين الوفاء بعقودهم وعهودهم الا أن يحلوا حراما أو يحرموا حلالا، والوفاء بهذا الوعد عند جميع الأئمة واجب تدينا وان كان غير ملزم قضاء عند الأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعية وأحمد مالك ففيه روايات ثلاث هي :

1-    أنه لا يحب الوفاء بالوعد.

2-    أنه يحب الوفاء به مطلقا .

3-    أنه ترتب على الوعد إلزام الموعود بشئ لولا الوعد ما فعله، وجب الوفاء به. والصورة المسئول عنها من الوجه الأخير.

وهذا ما اطمئن إليه، لأن الوفاء بالوعد من أخلاق المؤمنين والخلف من أخلاق المنافقين، وعليه فهذا الوعد ملزم للطرفين (26)

والفتوى الثانية هذه مطابقة للأولى، وكذلك الإجابة مطابقة للإجابة الأولى وإن كانت قد توسعت في إيراد المذهب المالكي في مسألة لزوم الوفاء بالوعد، بدلا عن الاستدلال برأي ابن شبرمة وحده في الفتوى الأولى.

وموقف بيت التمويل الكويتي هذا من موضوع بيع المرابح للآمر بالشراء وإن كان قد سماه الوعد بالشراء/ مماثل لموقف بنك دبي الإسلامي من هذا الموضوع وتنطبق عليه الملحوظات التي أبديناها هناك، ويزيد على ذلك أن الإجابة تقيد الإلزام بالوعد بما لا يخل حراما ولا يحرم حلالا كما يقول ابن شبرمه، وصيغة البيع للآمر بالشراء مرابحة أو الوعد بالشراء ممنوعة في أغلب صورها عند المالكية أنفسهم بل فاسدة في بعض صورها عندهم، فكيف تستخدم فيه قاعدة لزوم الوفاء بالوعد مع منعه أو فساده عند القائلين بهذه القاعدة أنفسهم. على أن المالكية كما نوهنا يستخدمون هذه القاعدة في الوعد – بالمعروف والإحسان – أي التبرعات ولا يستخدمونها في عقود المعاوضات – كما سيأتي تفصيله.

الأنموذج الرابع : البنك الإسلامي الأردني

في الفصل الأول لقانون البنك الإسلامي الأردني، تحت عنوان تعاريف وأحكام عامة، جاءت الفقرة الأخيرة من المادة كالآتي :

(بيع المرابحة للآمر بالشراء : قيام البنك بتنفيذ طلب المتعاقد معه على أساس شراء الأول مايطلبه الثاني بالنقد الذي يدفعه البنك كلياً أو جزئياً، وذلك مقابل التزام الطالب بشراء ما أمر به، وحسب الربح المتفق عليه عند الابتداء).

وهذا النص أضح كل الوضوح في اعتبار الأمر – أو طالب الشراء ملزماً بشراء ما أمر به دون حاجة إلى تأويل. وفي الاستدلال على صحة هذه الصيغة من الوجهة الشرعية تقول المذكرة الإيضاحية تحت عنوان «بيع المرابحة للآمر بالشراء :

… (ويتمثل الوجه الشرعي لسد هذه الحاجة في الصورة التي أبرزها الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الأم حول جواز بيع المرابحة في السلعة التي يعينها الشاري، وذلك عن طريق تكليف المأمور بشراء المطلوب على أساس الوعد من الآمر بشراء هذا الشئ حسب الربح المتفق عليه).

الأول : مسألة القول بلزوم الوعد، ومدى انطباقها على موضوع البحث.

الثاني : صيغة (بيع المرابحة للآمر بالشراء)، واسمها الحقيقي في الفقه الإسلامي، وحكمها الشرعي.

الفصل الثاني:

المرابحة للآمر بالشراء في موازين الفقه الإسلامي

الحديث في هذا الفصل كما أشرنا في الفصل السابق يشمل أولاً : مسألة القول بلزوم الوعد عند المالكية ومدى انطباقها على موضوع (بيع المرابحة للآمر بالشراء)، وثانيها : الصيغة المطروحة نظرياً وتطبيقها لهذا الموضوع – وبيان اسمها الحقيقي وحكمها في الفقه الإسلامي.

ونبدأ بالأمر الأول : وهو مدى انطباق القول بلزوم الوعد على المسألة.

«القول بوجوب الوفاء بالوعد، ونطاق تطبيقه».

أولاً : أ – تعريف الوعد : جاء في (فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك) الجزء الأول، نقلا عن كتاب تحرير الكلام في مسائل الإلتزام للإمام الحطاب ما نصه : (فصل) وأما العِدَة – (أي الوعد -) فليس فيها إلزام الشخص نفسه شيئا الآن.

وإنما هي كمال قال ابن عرفة : أخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل (27) ومثلوا له بالوعد بقرض، أو عتق، أو هبة، أو صدقة، أو عارية، أي الأمور التي تدخل في باب المعروف والاحسان كما قال ابن عرفة التي تتعلق بالمعاوضات، كالبيع مثلا.

ثم أوردت المذكرة الايضاحية نص الإمام الشافعي – الذي أوردناه في الأنموذج الأول النظري، وعقبت على ذلك النص قائله (ويتضح من هذا النص أن الإمام الشافعي رحمه الله قد أعطى للآمر حق الخيار) وتستطرد المذكرة قائلة : (فإذا نظرنا إلى آفاق الفقه الإسلامي المتسع فإننا نجد لدى فقهاء المالكية نظرة مفيدة للقول بلزوم الوعد، إذا أدخل الموعود في كلفة.

ولا أدري كيف يتمثل الوجه الشرعي لبيع المرابحة للآمر بالشراء على القول بإلزام طالب الشراء، في النص المنقول عن الإمام الشافعي، فهو منسوخ من قبل شيئين.

أحدهما : انه تبايعاه قبل (أن) يملكه البائع

والثاني : أنه على مخاطرة أنك إن اشتريته على كذا اربحك فيه كذا ونسأل : هل أضربت المذكرة عن تأسيس القضية كلها على النص المنقول عن الإمام الشافعي رحمه الله واعتمدت المذهب المالكي القائل بلزوم الوعد ؟ وإن كان الأمر كذلك، فما قيمة إثبات نص الشافعي مع التنوية بكونه يمثل الوجه الشرعي، وهو يناقض المذهب المالكي تماما في القضية المطروحة ؟ .

ومما يعد من المفارقات، ان صيغة بنك الأردن هذه عن بيع المرابحة للآمر بالشراء تختلف عن الصيغة التي طرحها بها دكتور / سامي حمود، وهو أول مدير عام لبنك الأردن وصاحب الفكرة، حيث تقضي صيغته كما جاءت في النموذج الأول  النظري الإلزام صراحة، وتأسيسا على نص الإمام الشافعي المذكور أيضاً.

ولننتقل الان إلى عرض القضية كلها بنماذجها المختلفة على موازين الفقه الشافعي والشريعة الإسلامية من خلال الأمرين التاليين :

ب – حكم الوفاء بالوعد

«والوفاء بالعِدة (بالتخفيف) مطلوب بلا خلاف، واختلف في وجوب القضاء بها على أربعة أقوال حكاها ابن رشد في كتاب : جامع البيوع، وفي كتاب العارية، وفي كتاب العِدَة، ونقلها عنه غير واحد.

(1) فقيل : يقضي بها مطلقا

(2) وقيل : لا يقضي بها مطلقا

(3) وقيل : يقضي بها إن كانت على سبب وإن لم يدخل الموعود بسبب العِدَة في شئ، كقولك أريد أن أتزوج، أو أن اشتري كذا، أو أن أقضي غرمائي فأسلفني كذا، أو أريد أن أركب غدا إلى مكان كذا فأعرني دابتك، … فقال : نعم، ثم بدا له قبل أن يتزوج أو أن يشتري، أو أن يسافر، فإن ذلك يلزمه ويقضي عليه به.

(4) وقيل : يقضي بها أن كانت على سبب ودخل الموعود بسبب العدة في شئ، وهذا هو المشهور(28) وهو مذهب ابن القاسم، قال في المدونة : (لو أن رجلا اشترى عبداً من رجل على أن يُعينه فلان بألف درهم، فقال له فلان أنا أٌعينك بألف درهم، فقال له فلان أنا أُعينك بألف درهم فاشتر العبد، إن ذلك لازم لفلان)(29) وهذا وعد معروف.

وواضح من تعريف ابن عرفه للعدة – الوعد – ومن الأمثلة عليه، ان القول بلزوم الوفاء بها قضاء، وإنما يتعلق بالمعروف والإحسان كما جاء بالأمثلة السابقة، وإنما نصوا صراحة بعدم اللزوم في عقد البيع، قال ابن رشد بصدد الحديث عن صور بيع العينة : وأما الخامسة وهي أن يقول له :

اشتر سلعة كذا بعشرة نقداً، وأنا أبتاعها منك بأثنى عشر إلى أجل، فهذا لا يجوز …. لأن المشترى كان ضامناً لها لو تلفت في يده قبل أن يشتريها منه الآمر، ولو أراد ألاَّ يأخذها بعد شراء المأمور، كان ذلك له (30). فهذا هو ابن رشد (الجد) الذي قرر مسألة لزوم الوفاء بالوعد قضاءً في المذهب المالكي، بإتقان جعل الآخرين يتبعونه فيه، فتراه فيما يتعلق بالوعد – في المعروف والإحسان، يقول بعكس ذلك تماماً – أي بعدم اللزوم في عقود المعاوضات كالبيع، فيأتي بمسألة ما سمي (بيع المرابحة للآمر بالشراء) أو الوعد بالشراء، في صورة من صورها ويقول إن ذلك لا يجوز – بل ينص على أنه، لو أراد الآمر أن لاَّ يأخذ السلعة بعد شراء المأمور كان ذلك له. وهذا يدل دلالة واضحة على أن مسألة لزوم الوفاء بالوعد قضاءً أو عدم لزومها، إنما تتعلق فقط بمسائل المعروف والإحسان، دون عقود المعاوضات ومنها عقد البيع.

وبناء على ذلك فإن مسألة لزوم الوفاء بالوعد التي يقول بها المالكية في بعض أقوالهم لا تصلح للاستدلال على صحة القول بلزوم بيع المرابحة للآمر بالشراء، أو الوعد بالشراء، التي سارت عليها أغلب البنوك الإسلامية المعاصرة كما مر بالقارئ في النماذج التطبيقية فيما سبق.

وعليه فلا بد من البحث عن دليل آخر يسند هذه القضية، فهل نحن واجدوه ؟ لنرى ما هو آت.

ثانياً : صيغة (بيع المرابحة للآمر بالشراء)

أ‌-       لم ترد هذه التسمية في كتب الفقه  الإسلامي، ولكن وردت بعض ألفاظ مادتها اللغوية في عبارات السادة المالكية عند صياغتهم لبعض صور بيع العينة، فقد جاء في الشراح الكبير على مختصر خليل للدرديري قوله : (جاز لمطلوب منه سلعة وليست عنده أن يشتريها من مالكها لبيعها لطالبها منه …. ثم قال : (بخلاف قول الآمر : اشترها بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك باثنى عشر الخ (31) فهذه الألفاظ اللغوية : قول الآمر اشترها، تكون المادة اللغوية لتعبير : البيع للآمر بالشراء، ولكنها لا تُعيَّن وضعه تحت بيع المرابحة وإنما تضعه في عرف المالكية تحت بابا بيع العينة.

وصيغة (بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما طرحت في النماذج المختلفة، لا تتفق مع بيع المرابحة، لا لغة، ولا اصطلاحا، لأن المرابحة في اللغة : مُفَاعلة، من الرَّبح وهي الزيادة، ويقابلها المُحاطَّة من الحط وهو النقص، وفي الشرع : بيع بمثل الثمن مع ربح موزع على أجزائه. ومعنى (بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما تمثله الصيغة التي طرح بها في النماذج النظرية والتطبيقية يختلف تماماً عن ذلك.

ب‌-  بيع المرابحة للآمر بالشراء، صورة من بيوع العينة.

النص المنقول عن الإمام الشافعي في صدر هذا البحث والذي بنى عليه د. سامي حمود، فكرة القول : (بيع المرابحة للآمر بالشراء) جاء ذلك النص ضمن مسائل تحت عنوان (بيع العروض) ولم يرد في باب بيع المرابحة، كما أنه جاء بعد مسألة اشتهرت عند الشافعية والحنابلة باسم بيع العينة (32) – مما يدل على أن الإمام الشافعي يعتبر ذلك من بيوع العينة – وإن لم يصرح بتسميته بذلك، قال رحمه الله : (ومن باع سلعة إلى أجل من الآجال، وقبضها المشتري، فلا بأس أن يبيعها الذي اشتراها بأقل من الثمن أو أكثر، ودين ونقد، لأنها بيعة غير البيعة الأولى. وقد قال بعض الناس لا يشتريها البائع بأقل من الثمن …. إلى أن قال : (وإذا أرى الرجل السلعة فقال اشتر هذه وأربحك فيها كذا) إلى آخر النص المنقول عنه سابقاً، فالمسألة إذن أوردها الإمام الشافعي في نطاق (بيع العينة) وكرر فيها القول بصحة جواز البيع الأول – الذي تم بنية بيعها للثاني، وجعل للثاني حق الخيار بين إحداث بيع جديد في السلعة، وبين تركها، ومنع إلزام المتابعين به منذ البيع الأول، واعتبر ذلك مفسوخاً للأمرين اللذين ذكرهما في النص المشار إليه.

المالكية وبيع العينة

هذا وقد تكلم فقهاء المالكية على مسائل بيع العينة هذه بتوسع  وإفاضة مع تفاصيل دقيقة جداً عن ماهو مباح وماهو ممنوع من صورها، فعن إحصاء صورها قال الشيخ محمد عرفة الدسوقي في حاشية على الشرح الكبير جـ 3 ص 89 – : (حاصل صور هذه المسألة، وهي ما إذا أمره أن يشتريها بثمن، ويأخذها منه بثمن آخر، ان الثمين : إما أن يكون نقداً، أو مؤجلين، أو الأول نقداً والثاني لأجل، أو بالعكس، وفي كل من الأربعة، أما أن يقول (لي) أم لا، فهذه ثمانية. وفي كلَّ : إما أن يكون الثمن الثاني قدر الأول، أو أقل، أو أكثر، فهذه اربعة وعشرون). وقد ركزوا على الصور التالية وبيان أحكامها.

1-    الصورة الأولى أن يقول، اشتر هذه السلعة أو السلعة الفلانية بعشرة نقداً وأنا آخذها منك باثنى عشر إلى أجل، فهذا لا يجوز، لما فيه من سلف جر نفعاً. وفي فسخ البيع الثاني وإمضائه مع لزوم الإثنى عشر إلى أجل قولان، والمعتمد امضاؤه وعدم فسخه، وهذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك، لأن السلعة من ضمان المأمور، ولو شاء الآمر عدم الشراء كان له ذلك، لأنها لم تلزمه لعدم قوله (لي)

2-    الصورة الثانية: أن يضيف الآمر في الفرض السابق الشراء إليه بأن يقول : اشتر (لي) سلعة كذا بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك باثنى عشر إلى أجل. وفي هذه يفسخ البيع الثاني، وتلزم الآمر بالشراء، العشرة، فقط وللمأمور الأقل من أجر مثله ومن الدرهمين – بعني الربح – وهاتان الصورتان بطابقان ما ورد في نص الإمام الشافعي.

3-    الصورة الثالثة: أن يقول : اشترها (لي) بعشرة وانقدها عني – أي أدفعا عني – وأنا اشتريها منك باثني عشر نقداً وهذا لا يجوز، لأنه حينئذ جعل له الدرهمين في نظير سلفه وتوليه الشراء، هو سلف وإجازة بشرط. وتلزم الامر في هذه أيضاً السلعة بالثمن الأول، وهو العشرة نقداً، ويفسخ البيع الثاني، وللمأمور الأقل من أجر مثله ومن الدرهمين، لأنه وكيل بأجر في هذه والتي قبلها.

4-    الصورة الرابعة: أن يقول اشترها بعشرة وآخذها منك باثنى عشر نقداً، دون أن يقول «لي» ومن غير أن يشترط عليه نقدها عنه. وهذه تجوز قطعاً، كمل يقول الشيخ الدرديري في الشرح الكبيرجـ ص 90 – أما أن نقدها عنه بشرط سابق، فقولان – بالجواز، والكراهة والأخير أرجح. فهذه أربعة صور لبيع العينة عند المالكية، تمثل أهم صورة (33) وصيغة (بيع المرابحة للآمر بالشراء) أو الوعد بالشراء في تعبير آخر، لا تخرج عن كونها واحدة من هذه الصور، وحيث أن الصور الثلاث الأولى محظورة جميعها، وأن الصورة الرابعة هي وحدها الجائزة، فإنه يتعين اعتمادها للاستثمار المصرفي اللاربوي، وكتابة الصيغة وَفقَها، سواء أطلقنا عليها اسم الاصطلاح الحادث (بيع المرابحة للآمر بالشراء) أو أبقيناها على اسمها الفقهي القديم مع بعض التعديل كأن تقول : (الجائز، أو المشروع من بيوع العينة) وذلك بدلاً من اللجوء للقول بلزوم الوفاء بالوعد الذي سبق أن بينا عدم انطباقه على هذه الصيغة من التعامل.

بين الرفض والقبول

بيع المرابحة للآمر بالشراء على أهميته التي نوهنا عنها في أول هذا البحث لم يحظ بدراسة جادة، بل لم يدرس بأي صورة من صور الدراسة ماعدا التي قدمها الزميل الدكتور / رفيق المصري في ورقة عمل للمركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي بتاريخ 12/4/1402 هـ والتي انتهى فيها إلى الرفض التام لهذه الصيغة كأسلوب للاستثمار المصرفي الربوي، وقد بنى ذلك الرفض على عدة أمور منها.

1-    أن بيع المرابحة للآمر بالشراء، شبيه بحسم الأوراق التجارية – الكمبيالية مثلا. (فالفرق بين العمليتين هو أن المصرف يمنح المال إلى البائع في حال الحسم، ويمنحه للشاري في حال الحسم كأنه يمنح المال إلى البائع عوضاً أو نيابة عن الشاري، فماذا بقي من فرق بين الحسم والمرابحة) ؟ ويبدو لي أن الزميل د/ رفيق يذهب إلى تكييف حسم الإسناد – الأوراق التجارية – على أنها بيع بطريق الحوالة – التي هي نفسها – أي الحوالة مختلف في تحديد طبيعتها، هل هي بيع، أم وفاء، وقد انتصر للآخر ابن القيم في الجزء الأول من كتابه أعلام الموقعين، ص – 389 –

وعلى القول بأنها بيع، فقيل أنها بيع دين بدين خص فيه للحاجة. (34) وليس في خصم الاسناد حاجة عامة تستدعي الترخيص فيه وتبرر الحاقة بالحوالة على هذا الوجه.

وقيل : أنها بيع، ويشترط فيها حٌلول الدين المحال به – الذي هو في ذمة المُحيل(35). والدين الذي تمثله الكمبيالة ليس حالاً عند الحسم قطعاً/ وإلا ما اقتطع منه جزء مقابل الأجل – وهو أمر لا يحتاج إلى سوق دليل عليه. ومن كل ذلك، كان القول : بأن حسم الإسناد بيع عن طريق الحوالة ضعيفا والاتجاة إليه ضعيف أيضاً.

فلم يبق إذن إلا الاتجاة إلى تكييف عملية حسم الاسناد على إنها قرض. وبيع المرابحة للآمر بالشراء، ليس قرضاً، وإنما هو بيع، وبصرف النظر عن صحته وجوازه أم عدم ذلك، والقرض غير البيع على الأصح. وإذا اختلفت الجهة وطبيعة كل شيء عن الآخر، اختلفت الحكم بالتالي عليهما. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن عملية حسم الإسناد تتضمن مبادلة نقد – بنقد زائد في مقابل الأجل – وتلك هي طبيعة القرض بفائدة.

على حين أن «بيع المرابحة للآمر بالشراء» يتضمن مبادلة سلعة بنقد – هو ثمن تلك السلعة.

–         وتلك طبيعة البيع، وبصرف النظر عن صحته من فساده كما ذكرنا.

2/أ – أن (بيع المرابحة للآمر بالشراء) من باب (بيعتين).

ب‌-  وانه يدخل في دائرة (بيع ما ليس عنده) الممنوع بقوله صلى الله عليه وسلم (لا تبع ما ليس عندك) (36).

ج‌-    ان هذه العملية فيها سلف وزيادة (لأن البائع يشتري بمبلغ حال، على أن يبتاعها منه المشتري بمبلغ مؤجل أزيد) (37).

والدكتور / رفيق يتفق في هذه المسائل الثلاثة مع الدكتور / صديق الضرير الذي نقلها بدوره عن الباجي في شرحه (المنتقي) على موطأ مالك، تعليقاً على قول الموطأ : (وحدثني مالك أنه بلغه أن رجلا قال لرجل : ابتع (لي) هذا البعير بنقد حتى ابتاعه منك إلى أجل، فسأل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه).

وهذا الذي يقول به الباجي، وهو مالكي في هذا النص المنقول عن مالك، وتبعه فيه البروفسير صديق الضرير، والدكتور رفيق المصري، لايتفق مع ما استقر في مذهب مالك – كما هو مقرر في كتاب المقدمات لابن رشد، ومختصر خليل وشروحه، عن هذه الصورة التي يمثلها النص المنقول عن موطأ مالك، حيث أنها صورة من صور بيع العينة.

1-    وليست من باب بيعتين، لأن الآمر بالشراء قال فيها اشتر (لي) وقد سبق أن بينا أنهم – أي المالكية – يعتبرون البيع الأول هو اللازم للآمر بثمنه، وأن البيع الثاني فاسد غير منعقد، وللمأمور – الذي يعتبر في هذه الحالة وكيلاً عن الآمر، الأقل من أجر مثله، ومن الزيادة المذكورة في البيع الثاني والذي لم ينعقد لفساده، فهذه الصيغة تمثل عملية بيع واحد، لا بيعتين.

2-    كما أنها ليست من نوع بيع ما ليس عنده، لأن المأمور هنا ليس بائعاً وإنما هو وكيل في الشراء بأجر فلا ينطبق عليه وصف (بيع ما ليس عنده).

3-    وبما أن البيع في هذه الصيغة لم ينعقد، وأن المأمور لم يعد بائع وإنما أصبح وكيلاً في البيع الأول الملزم للآمر بالثمن الأول دون الزيادة، فإن الأمر والحال هذه ليس فيه سلف وزيادة وإنما هو ثمن محدد مدفوع بيد الوكيل بأجر.

وبدفع هذه المسائل الثلاثة نصل إلى ما استقر عليه القول عند المالكية، بأن هذه الصورة من البيع التي جاءت في نص الإمام مالك في الوطأ – والتي تشبه بعض صور بيع المرابحة للآمر بالشراء إنما هي إحدى صور بيع العينة – الممنوعة، وليست شيئاً آخر وهناك من صور العينة – التي يمكن أن يصاغ بيع المرابحة على وَفقِها – ما ليس بممنوع كالصيغة رقم – 4 – التي ذكرناها آنفاً، وإن كان البيع الثاني فيها غير لازم – فعدم اللزوم أمر ثابت، وهو شئ، والجواز – أو الكراهة شيء آخر.

ملحــق

بعد أن أنتهيت هذا البحث أتيح لي أن التقي بالمسئولين بالمصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية بالقاهرة – أثناء زيارة لنا للقاهرة في مهمة علمية تتعلق بالاطلاع على ما يجري عليه العمل في البنوك الإسلامية هناك، وكان معي الزميل الدكتور أحمد سعيد بامحرمه. ومن ضمن ما تعرضنا للحديث عنه «بيع المرابحة للآمر بالشراء» وقد ذكر السيد رئيس مجلس الإدارة : إنهم أصبحوا يستخدمون أسلوب (بيع المرابحة للآمر بالشراء) في أكثر عملياتهم الاستثمارية وبدرجة تفوق عمليات المضاربة والمشاركة، ومع ذلك فإنهم لا يأخذون بمبدأ إلزام الآمر بالشراء – بالبيع، ولكنهم استحدثوا طريقة أخرى لحماية أنفسهم من التعرض للخسارة عند أعراض الآمر بالشراء مبلغ 10% من قيمة الصفقة منذ البداية ولا يردونها إلا بعد تصريف البضاعة تحسباً لأي خسارة تنتج عما تم الاتفاق عليه، فإن كانت هنالك خسارة تنتج عما تم الاتفاق عليه، فإن كانت هنالك خسارة أصابت البنك في تلك السلعة، عوضها البنك من ال 10% التي بيده من الآمر بالشراء تحرجا.

ونحن إذا وقفنا وقفة تأمل أمام هذا الإجراء الذي توصل إليه المصرف الإسلامي الدولي – نجد أنفسنا نتساءل : ماهو الفرق في النتيجة بين هذا الإجراء وبين القول بإلزام الآمر بالشراء ؟

أليس في هذا الإجراء نفس آثار القول بإلزام الآمر بالشراء في نهاية المطاف ؟ في مقابل ماذا استحق المصرف التعويض عن خسارة الصفقة التي مارس بيعها عندما تخلف الآمر بالشراء ؟ وإلا فما هو المقابل ؟

وإذا قيل أن ذلك إعمالا لقاعدة (الضرر يزال)(38) المبنية على حديث «لا ضرر ولا ضرار» (39) وليس أثرا لالتزام الآمر بالشراء، الذي لا نقول به.

كان السؤال : وما هي إذن الجهة التي يحق لها أن تمارس تطبيق القاعدة في مسألة تقديرية كهذه ؟

هل هي كل مدع حق آخر، أم أن ذلك أمر من اختصاص القضاء ؟ خاصة وأن الآمر بالشراء قد يكون تخلفه عن إتمام البيع واستلام الصفقة عن عذر شرعي، كما لو أفلس، أو وقع تحت تأثير ظروف طارئة مرهقة حالت دون تنفيذ وعده بالشراء، وأصدر قرار الحكم على ضوئه.

الهوامش

(1) الآية (34) سورة الكهف.

(2) الترمذي، كتاب الجنائز – ص 332 مطبعة مصطفى البابي الحلبي الطبعة الثالثة جت 3

(3) لسان العرب المجلد الرابع ص 106/107

(4) كتاب، الاستثمار في الأوراق المالية، الناشر، المنظمة العربية للعلوم الإدارية مطبعة دلتلك – القاهرة .

(5) في بحثه المقدم للندوة التدريبية بجامعة الملك عبد العزيز بجده في الفترة من 13 محرم إلى 4 صفر 1401 بعنوان الطبيعة المميزة للاستثمار الإسلامي.

(6) لسان العرب جـ 2 صفحتي 442/443 طبعة المنار.

(7) نهاية المحتاج للرملي، وحاشية الشبراملي ص 104.

(8) حاشبة الشبرملي على نهاية المحتاج جـ 4 ص 104. وبدائع الصنائع للكاساني جـ 5 ص (135) مطبعة الجمالية.

(9) شرح فتح القدير، للكمال بن الهمام جـ 6 ص 194.

(10)                    لسان العرب جـ 8 ص (23) ومابعدها وتفسير القرطبي جـ 3 (357) والمجموع، جزء 9 ص 148 – المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.

(11)                    فتح الباري جـ 4 كتاب البيوع (353) الناشر دار المعرفة بيروت.

(12)                    لسان العرب، مرجع سابق نفس الصفحة.

(13)                    تبيين الحقائق، المجلد الرابع ص (2) طبع دار المعارف بيروت.

(14)                    قوانين الأحكام لابن جزي ص 274 طبعة دار العلم للملايين، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني شرح الرسالة ص 109 طبعة مصطفى الحلبي.

(15)                    تكملة المجموع جـ 13 ص 4.

(16)                    ص 109 مطبعة مصطفى البابي الحلبي، وانظر الشرح الكبير للدرديري جـ 3 ص 159.

(17)                    جـ 6 ص 500.

(18)                    وصفها السيد / عبد الرحيم حمدي نائب مدير بنك فيص السوداني : بأنها مرنة وسهلة وتحظى بالقبول لدى عملاء البنك، وذلك في محاضرته المطبوعة على الآلة الكاتبة والتي ألقاها ببنك السودان بتاريخ 20 ربيع أول 1401 – 26/1/1981 كما ذك لنا كل من السيد / أحمد أمين فؤاد مدير عام المصرف الإسلامي الدولي للتنمية، والأستاذ أحمد عادل كمال مدير بنك فيصل الإسلامي بالقاهرة – عند زيارتنا لهما في منتصف ديسمبر 1982 – أنها أكثر أساليب الاستثمار استعمالاً.

(19)                    ص 476/477 من كتاب الدكتور سامي حمود، تطوير الأعمال المصرفية.

(20)                    المرجع السابق ص. 479.

(21)                    قامت بطبعها ونشرها دار الشروف بجده، تحت عنوان : (الودائع المصرفية واستثمارها في الإسلام).

(22)                    انظر صفحة (325).

(23)                    الاقتصاد المصري، مجلة بنك دبي الإسلامي العدد الأول.

(24)                    اطلعت أخيراً على مقال الدكتور / صديق الضرير / رئيس هيئة الرقابة الشرعية بالبنك المذكور في العدد (19) من مجلة البنوك الإسلامية يؤيد ما ذكرناه من موقف البنك المذكور من بيع المرابحة للآمر بالشراء.

(25)                    الفتاوي الشرعية لبيت التمويل الكويتي ص (16).

(26)                    المرجع السابق ص (19).

(27)                    فتح العلي المالك جـ ص (212) طبعة المطبعة التجارية الكبرى.

(28)                    المرجع السابق، نفس الصفحة، والفروق للقرافي جـ 4 ص 24/25 طبعة دار إحياء الكتب.

(29)                    المدونة الكبرى جـ 3 ص 264، دار الفكر بيروت، وانظر الشرح الكبير للدرديري جـ 3 ص 335.

(30)                    المقدمات الممهدات – لابن رشد بهامش المدونة جـ 3 ص 201.

(31)                    الشرح الكبير جـ 3 ص 89 – مطبعة إحياء الكتب العربية.

(32)                    فتح العزيز، شرح الوجيز للرافعي بهامش تكملة المجموع جـ 8 ص 231 – ، والمغني والشرح الكبير جـ 4 ص 257 دار الكتاب العربي.

(33)                    الشرح الكبير للدرديري مرجع سابق، ص 88-91 ومقدمات ابن رشد، بهامش المدونة مرجع سابق ص 198- 201.

(34)                    تكملة المجموع حـ 13 ص 424- مرجع سابق ونهاية المحتاج مرجع سابق جـ 4 ص 408.

(35)                    قوانين الأحكام لابن جزي ص (215) طبعة دار القلم بيروت، وحاشية كفاية الطالب الرباني على الرسالة جـ 2 2 290 مطبعة مصطفى الباني الحلبي.

(36)                    أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد.

(37)                    آراء الدكتور/ رفيق المصري في الفقرتين 1، 2 وردت في ورقة عمل قدمها للمركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي في 12/4/1402-6/-6/2/1092.

(38)                    مادة (20) المجلة العدلية.

(39)                    رواه أحمد في مسنده عن أبي عباس وابن ماجه في سننه عن عبادة بن الصامت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة لمجلة المسلم المعاصر